تفصيلات
طه حسين
جريدة البلاغ
١٦ يونيو ١٩٤٥
يُقال إنَّ حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء يحب التفصيلات، ويُعنَى بالدقائق الهيِّنة من الأمور، ويرى بعضُ أصدقائه وبعضُ خصومه أن هذه الخصلة من خصاله تستأهل النقد؛ لأنها تَصْرِفه عن عظائم الأمور. وأرى أنا أنها مزية من المزايا وخصلة من الخصال الحميدة؛ لأنها تدل على دقة في الملاحظة وعناية باليسير والخطير جميعًا. وقد قال العربي القديم:
إن الأمور صغيرها مما يهيج له العظيم
وقال القدماء: إن معظم النار من مستصغر الشرر.
فعناية الإنسان بصغائر الأمور قد تمكنه من دفع عظائمها، واهتمام الإنسان بالأشياء اليسيرة قد تتيح له اتقاء ما يمكن أن ينشأ عنها من الأمور الجسام. وليس يُعاب الرجل حين يُعْنَى لهين من الأمور إذا كانت عنايته هذه لا تصرفه عن الاحتفال بالأمر الخطير.
وقديمًا قال الشاعر العربي:
والشيء تحقره وقد ينمي
فليس على رئيس الوزراء بأس إن عُنِيَ بالتفصيلات، ما دام التفصيل لا يشغله عن الجملة، وما دام الصغير لا يصرفه عن الكبير، وإنما البأس كل البأس أن يُعْنَى رئيس الوزراء بجلائل الأعمال، فيشغله ذلك عن ملاحظة زملائه ومراقبة كبار الموظفين فيما يأتون من دقائق الأعمال وصغائرها، والبأس كل البأس أن يُعْنَى رئيس الوزراء بالدقائق والصغائر؛ فتصرفه هذه العناية عن الأمور ذات الخطر.
والرجل الكفء حقًّا للنهوض بأعباء الحكم في هذه الأيام التي نعيش فيها وفي غيرها من الأيام أيضًا هو الذي يلائم بين واجباته كلها، فلا يهمل الصغائر التي قد تؤدي إلى الكبائر، ولا يهمل الأمور الخطيرة التي تقوم عليها شئون الحكم وسياسة الدولة.
وقد كان ظننا — وما زال ظننا — أن رئيس الوزراء قادر على أن ينهض بأعباء الحكم على هذا النحو الممتاز، فلا تصرفه الأمور الهينة عن الأمور الجليلة، ولا تصرفه الأمور الكبرى عن المسائل اليسيرة. ولكن شئون الحكم معقدة أشد التعقيد، وظروف الحياة المصرية أثناء الحرب وفي أعقاب الحرب تزيد الأمور تعقيدًا، وتجعل تصريفها أمرًا شديد العسر حقًّا. وليس أدل على ذلك فيما يظهر من أن هناك أمورًا خطيرة وأخرى يسيرة لا يكاد رئيس الوزراء يلتفت إليها أو يقف عندها، أو قُلْ: لا يظهر أن رئيس الوزراء يلتفت إليها أو يقف عندها.
وقد بيَّنَّا يوم الخميس الماضي أن رئيس الوزراء لا يكاد يلتفت إلى أن سفينته جانحة، وإلى أن حكومته واقفة حيث كانت يوم أُلِّفَتْ، لم تقدم مصر خطوة إلى الأمام ولم تقدم نفسها خطوة إلى الأمام، وإنما قامت حيث هي تنظر إلى الشمس حين تأتي من المشرق وتذهب إلى المغرب، وتعتمد على حركة الفلك في تصريف الأمور.
فحياتنا الاجتماعية كما تركتها وزارة الوفد لم تتقدم حتى على الورق، نستغفر الله، بل هناك قوانين شرَّعتها وزارة الوفد وهمَّت الحكومة القائمة أن تنساها، فلما ذُكِّرَتْ بوجود هذه القوانين أرادت تنفيذها ولكن بعد أن أضاعت عامًا. وقانون محو الأمية صورة واضحة لهذا اللون من تكلف النسيان، ثم من التذكر بعد جهد، ثم من محاولة التنفيذ بعد أن مضى العام الدراسي.
وهناك أمور أخرى أقرتها وزارة الوفد ونفذتها قبل أن تُقال، وهمَّت الوزارة القائمة أن تُغيِّرها فردَّها الرأي العام عن ذلك ردًّا عنيفًا مستعينًا على ذلك برئيس الوزراء نفسه. وقصة المجانية في وزارة المعارف، وقصة التغيير لسياسة التعليم دليل واضح على هذا اللون من الرجعية الذي اضطرت وزارة المعارف إلى العدول عنه اضطرارًا.
فالوزارة القائمة إذن لم تقدم حياتنا الاجتماعية خطوة، وإنما همت أن تؤخرها خطوات، وحَالَ الرأيُ العام بينها وبين ذلك حتى أصبح من أشد الخصومة بينها وبين الرأي العام هذا الجدل، أو قُلْ هذا الصراع الذي يدور حول احتفاظ الشعب بالحقوق المكتسبة، ومنع الغلاة من كبار الموظفين وصغارهم أن يضيعوا هذه الحقوق أو ينقصوها.
وقد كان يُظَنُّ أننا سنختلف ونختصم لا حول الدفاع عما كسبنا واستبقاء ما ظفرنا به، ولكن حول ما ستُقدِّم إلينا الوزارة القائمة من ألوان الإصلاح ومشروعات القوانين.
كل هذا إن دلَّ على شيء، فإنما يدل على أن شئون الحكم في هذه الأيام معقدة تشغل رئيس الحكومة عن كثير من الأمور الخطيرة، وتشغله بنوع خاص عن أن حكومته راكدة جامدة لا تقوم ولا تتقدم، ولكن قد تكون الدقائق والتفصيلات هي التي ملأت على رئيس الوزراء وقته، وحالت بينه وبين التفكير في المسائل الكبرى وتوجيه الزملاء إلى النشاط الخصب والابتكار الذي يدفع مصر إلى حياة رائعة لم تستطع وزارة أخرى أن تدفع مصر إليها.
قد تكون هذه التفصيلات هي التي شغلت رئيس الوزراء، فحملته على أن يُصْلِح أداة الحكم، ويُبرِّئها من كل عيب، ويُقوِّمها من كل اعوجاج؛ ليدفعها بعد ذلك دفعًا قويًّا إلى الابتكار والاختراع والإنتاج الذي لا يُقاوَم.
فهل هذا صحيح؟! أم هل الواقع أن رئيس الوزراء مشغول حتى عن التفصيلات؟!
فهناك أمور يسيرة في ظاهرها، خطيرة في حقائقها وفي نتائجها تحدث وتحدث، ويتخذها الناس موضوعًا لما يُجْرون بينهم من حوار، وتخوض فيها الصحف وتحقق في بعضها النيابة. ولو التفت إليها رئيس الوزراء لما وقعت ولا كثر فيها القول، ولا خاضت فيها الصحف ولا احتاجت النيابة إلى التحقيق.
هذه القصة التي تُضاف إلى هذا الوزير أو ذاك يسيرة في نفسها لو التفت رئيس الوزراء إلى التفصيلات لما وقعت؛ فقد رأيت رئيس الوزراء وهو يعمل في وزارة المعارف فلا يفوته من أمرها شيء، ولا يفوته تأخر الموظف دقائق عن موعد العمل، ولا يفوته خروج الموظف قبل موعد الخروج بدقائق، ولا يفوته أيسر الإهمال في العمل فضلًا عن الإهمال في الخطر.
فما الذي حدث حتى شُغِلَ رئيس الوزراء عن ملاحظة هذه التفصيلات التي يحدث بعضها في وزارة الداخلية نفسها، ويحدث بعضها الآخر في غيرها من الوزارات، ويكثر فيها القول ويشتد حولها الحوار، ويفسد لها الجو وتسوء لها سمعة الحكم في نفس الوقت الذي يُقال فيه إن هذه الوزارة إنما جاءت لتصلح الحكم وتعصم سمعته من السوء؟!
وكيف استطاع رئيس الوزراء أن يُشغَل عن التفصيلات إلى حد أن الصحف تطالب في كل يوم زميلًا من زملائه أو غير زميل من زملائه بالاستقالة إبقاءً على سمعة الحكم، وتمكينًا للتحقيق من أن يجري في أمن ويسر وبراءة من كل نقد؟!
وكيف استطاع رئيس الوزراء أن يهمل التفصيلات إلى حد أن تجري المناقشة العلنية في الصحف بين زملائه وبين الصحفيين الذين يضيفون إليهم ما يضيفون، ويضطرونهم إلى أن يكتبوا في الصحف مدافعين عن أنفسهم، حتى إذا لم يُغْنِ هذا الدفاع لجئوا إلى النيابة وما تجري من تحقيق؟!
ورئيس الوزراء يقرأ في الصحف كما نقرأ نحن بالطبع هذه القصة الطريفة التي تُمثَّل بين زميله وزير العدل وبين وكيل من وكلاء النيابة في المحاكم المختلطة، وهي قصة أقل ما تُوصَف به أنها تصلح للتمثيل من جهة، وتدل على أن سمعة الحكم وهيبة السلطان قد أدركهما ضعف شديد.
فوكيل النيابة يُعيَّن بمرسوم كغيره من زملائه، ثم يصدر القانون — أو المرسوم بقانون — الذي يلغي استثناءات الوزارة الوفدية، ويمضي على صدور هذا القانون وقت طويل لا يُعَدُّ بالأيام ولا بالأسابيع وإنما يُعَدُّ بالشهور، ثم تتنبَّه وزارة العدل فجاءة إلى وكيل النيابة هذا، فيُطلَب إليه أن يستقيل فيأبى، ويُعرَض عليه النقل فيأبى، ويُهمَل أمره وقتًا ما، ثم يُنقَل إلى ديوان الوزارة ويُخَفَّض مرتبه مرتين، ويأبى هو جهرة أن يذعن لقرار الوزير أو لقرارات الوزير، كما يأبى سرًّا أن يُنقَل أو يستقيل، ثم يصبح الأمر كله مُعْلَنًا في الصحف، وإذا وكيل النيابة يرى أن قانون الاستثناءات لا يجري عليه؛ لأنه لم يُعيَّن استثناءً، ولم يكن تعيينه لاحقًا لترقية استثنائية، وإذا وكيل النيابة يرى أنه عُيِّن في منصبه بمرسوم، فلا يجوز إبعاده عن منصبه بقرار من الوزير.
وإذا هو يُفصِّل ذلك في الصحف تفصيلًا، ويرفض النهوض بعمله الجديد، ويطالب الوزارة بأن تُبيِّن له حكم الله وحكم القانون في كل ما اتخذ من إجراء حين كان وكيلًا للنيابة بين نوفمبر من السنة الماضية ويونيو من هذه السنة، أكانت تصرفاته باطلة في هذه المدة؛ لأن الوزارة ترى أن تعيينه كان باطلًا منذ صدور قانون للاستثناء؛ وإذن فما أكثر ما تحتمل الوزارة من تبعات! أم كانت تصرفاته صحيحة؛ وإذن ففِيمَ إبعاده عن منصبه؟!
وبينما الناس يتحدثون في هذه القصة الطريفة، ويلتمسون لها التأويل والتعليل، وإذا الفصل الثاني من فصول هذه القصة يظهر للناس، فالوزير يغضب من عصيان وكيل النيابة هذا، ومن إعلان هذا العصيان في الصحف، ومن الألفاظ الشديدة التي وُجِّهَتْ إليه وإلى زميل من زملائه، وهو من أجل ذلك يحيل هذا الموظف على مجلس التأديب. ولكن الموظف لا يذعن للقرار الأخير، ولا يمثل أمام مجلس التأديب؛ لأنه يرى تصرف الوزير باطلًا في هذا أيضًا كما كان باطلًا في غيره من القرارات، وأن المجلس المختص بتأديبه هو الذي يؤدب أعضاء الهيئة القضائية؛ لأن صاحبنا ما زال يرى نفسه وكيلًا للنيابة على رغم ما اتخذ الوزير من القرارات. وصاحبنا يتهم الوزير بمخالفة الدستور، ومخالفة قانون استقلال القضاء، ومخالفة قانون إلغاء الاستثناءات، فضلًا عن تعطيل مراسيم أخرى لا تحضرني الآن.
وصاحبنا يتهم الوزير بأنه اختصه بهذه المعاملة دون جماعة من زملائه كان يجب أن يُطبَّق عليهم قانون إلغاء الاستثناءات، ولكنه لم يُطبَّق عليهم.
ورئيس الوزراء قد قرأ هذا كله بالطبع كما قرأناه، وهو يعلم كما نعلم أن هذا كله خطير وإن كان مضحكًا، أو أن هذا كله خطير لأنه مضحك؛ فمن أشد الأشياء خطرًا أن يُضطَر الناس إلى الضحك من تصرف الوزراء، أو مما يُقال حول تصرف الوزراء، فإذا كان هؤلاء الوزراء يقومون على إجراء العدل وحمايته كان الأمر أشد خطرًا وأبعد في الحياة أثرًا.
فكيف شُغِل رئيس الوزراء عن هذه التفصيلات؟! وما عسى أن تكون المسائل الكبرى التي شغلته عنها وتركت زملاءه وموظفيه يذهبون في الحكم هذه المذاهب التي تفسد رأي الناس فيه؟! أيكون رئيس الوزراء مشغولًا بمفاوضة حلفائنا في تعديل المعاهدة وفي تحديد موعد للجلاء عن أرض الوطن وفي تحرير السودان، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يفرغ لهذه الصغائر؟! وإذن فلا أقل من أن يجمع زملاءه ويتقدم إليهم حازمًا جازمًا صارمًا من أن يصطنعوا الدقة والعدل والقصد والإنصاف فيما يأتون وما يدعون من الأمر.
ولكن رئيس الوزراء لا يفاوض في هذه المسائل الكبرى ولا فيما يشبهها، وإنما يفاوض في اتفاق الطيران. وإذن؛ فما الذي يشغله عن هذه التفصيلات؟!
وهل قرأ رئيس الوزراء كما قرأنا ما تكتبه بعض صحف الحزب الذي يرأسه وما يكتبه بعض أعضاء هذا الحزب، مما يصور التبرم بشئون الحكم والسخط على السياسة القائمة؟! وكيف يرضى رئيس الوزراء عن نفسه وعن حكمه، وهو لا يعالج المسائل الكبرى، ولا يراقب المسائل الصغرى، ولا يرضي أصدقاءه فضلًا عن أن يرضي خصومه؟! وهل أصبح رئيس الوزراء كغيره من الرؤساء الذين كنا نعيبهم معًا لأنهم يقنعون من المنصب بالمنصب، ومن تصريف الأمور بالاختلاف إلى الديوان وتوقيع بعض الأوراق؟!
وإذا لم يكن من حق مصر على رئيس الوزراء أن يستأنف النظر في أمر وزارته وسياسته، فنظن أن من حق رئيس الوزراء على نفسه أن يعيد النظر فيما يقدم من أمره، وأن يحسن التفكير فيما سيستقبل من أمره أيضًا؛ فإن مصر كغيرها من بلاد الأرض تعيش في أيام خطيرة حرجة لا يكفي فيها للنهوض بأعباء الحكم أن يتردد الوزراء والموظفون بين الدُّور والدواوين.
Tag: الحوكمة
-
تفصيلات
-
عهد الذلة والهوان
حديث الوادي
عهد الذلة والهوان . . .
نعم كان عهد ذلة وهوان هذا العهد الذي ختمته استقالة عبد الفتاح يحيى باشا أمس، بل كان عهد شيء أقبح من الذلة والهوان، لو أن في ألفاظ الناس ما يمكن أن يدل على حقائق الأشياء أكثر من هذه الألفاظ المألوفة. ولم يكن عهد ذلة وهوان بالقياس إلى المحكومين دون الحاكمين، بل كان حظ الحاكمين من الذلة والهوان أضعاف حظ المحكومين: وما رأيك في قوم كانوا يذلون الناس ويأخذونهم بالخسف والعسف ويسومونهم الضيم وأصناف الهون، لا يصدرون في ذلك عن إرادة حرة ولا عن قدرة مختارة ولا عن يد قادرة على أن تبسط نفسها ولا عن رأي ولا عن تفكير، وإنما يوحى إليهم أن يكونوا قساة، فإذا هم قساة ويوحى إليهم أن يكونوا أساة فإذا هم أساة، يؤمرون بالقوة فإذا هم أقوياء، ويؤمرون بالعنف فإذا هم ضعفاء، فإذا تخلى عنهم سادتهم وانصرف عنهم حماتهم ومسيروهم فهم ليسوا شيئاً، وهم ليسوا أقل من شيء.
كان يقال لهم أنتم الوزراء فيؤمنون بأنهم وزراء، ثم كان يقال لهم ولكن عليكم أن تطيعوا فيؤمنوا بأن عليهم أن يطيعوا. كان يقال لهم هذا من الإبراشي باشا حيناً فيذعنون له خاشعين، وكان يقال لهم هذا من الإنجليز حيناً آخر فيؤمنون له خاضعين. كانوا هشيماً لو ترك لنفسه لذرته الريح، ولذهبت به كل مذهب، ولكنه لم يكن يترك لنفسه، إنما كان يجمعه الإبراشي باشا جمعاً، ويفرقه الإبراشي باشا تفريقاً، ويصرفه الإبراشي باشا كما يهوى ويريد، فكان يجتمع إذا أريد له الاجتماع، وكان يتفرق إذا أريد له التفريق، وكان يذهب إلى اليمين، وكان يذهب إلى الشمال، وكان طيعاً لكل ما يراد به سامعاً لكل ما يتنزل عليه. وهذا الهشيم الذي لا قوام له ولا استمساك له، هو الذي حكم مصر عاماً وبعض عام. هو الذي أذاق المصريين ألوان الذل وصب على المصريين أصناف الهون، هو الذي عرض حياة المصريين للخطر، وأجسام المصريين للعذاب، هو الذي يغدق في أموال المصريين بغير حساب، وأهدر منافع المصريين في غير تردد ولا تحفظ ولا احتياط. كان رئيس هذا الهشيم في باريس يتنزه ويستريح، فقيل له أقبل على رئاسة الوزارة، فطار لم يسأل ولم يبحث، ولم يرو ولم يستقص، وإنما طار لا يلوي على شيء. ووقفت له السفينة في بعض الطريق، فألقى نفسه فيها إلقاء.
ثم انتهت به السفينة إلى الثغر فاستخرجه منها غيره استخراجاً، ثم طارت به سيارة إلى داره، ثم إلى القصر ثم خرج من القصر رئيساً للوزراء، وأي وزراء؟ رئيساً لقوم لم يخترهم، ولم يختاروه، لم يسألهم ولم يسألوه، لم يباحثهم ولم يباحثوه، إنما فرض عليهم وفرضوا عليه، جمعهم الإبراشي باشا جميعاً من يمين وشمال، ثم وضع على رأسهم واحداً منهم، ثم أرسلهم لما أراد أن يرسلهم له، فذهبوا إلى حيث أريد لهم أن يذهبوا، ساروا كما كان يراد لهم أن يسيروا، سلطوا على حياة هذا الشعب فأفسدوها إفساداً وعلى أموال هذا الشعب فبذروها تبذيراً، وعلى مرافق هذا الشعب ففعلوا بها الأفاعيل. قيل لهم أسرفوا في القوة على المصريين فأسرفوا، وقيل لهم أسرفوا في الضعف للإنجليز، فأسرفوا. واستقامت أمورهم على البطش بالضعفاء والاستسلام للأقوياء. وأنفقوا عاماً وبعض العام يغدون إلى المكاتب، ويروحون إلى الدور، ويظنون أنهم يصرفون الأمور، أو يعلمون أنهم لا يصرفون شيئاً وإنما يتخذون أدوات لأمر يراد، والله وحده قادر على أن يحصى ما جنوه من سيئة، والله وحده قادر على أن يعد ما اقترفوا من خطيئة لا في حق مصر وحدها بل في حق أنفسهم أيضاً، فهم كانوا يذلون المصريين في كل يوم، ولكنهم كانوا يذلون أنفسهم في كل لحظة، وهم كانوا يزدرون المصريين إذا أقبل النهار، ولكنهم كانوا يزدرون أنفسهم أيقاظاً ونياماً، تركوا إراداتهم على أبواب الدواوين، ودخلوا إلى الدواوين وليست لهم إرادة، ومن يدري لعلهم يستردون إرادتهم الآن بعد أن خرجوا من الدواوين إخراجاً، وأنزلوا عن مناصب الحكم إنزالاً. والغريب أنهم كانوا يأتون الأمر وكأنهم يعملون، ويلقون الخطب وكأنهم يفكرون ويقولون، وإنما كان الإبراشي باشا هو الذي يعمل، وكان الإبراشي باشا هو الذي يقول، وكان هؤلاء أدوات يعمل بها الإبراشي باشا وألسنة ينطق بها الإبراشي باشا. قيل لهم كونوا وزراء دستوريين فقالوا نعم، وما يمنعنا أن نكون وزراء دستوريين، وقال قائلهم وماذا نصنع بصدقي باشا وهو يغاضبنا لأنه يغاضب سيدنا الإبراشي باشا، وقد يؤلب علينا البرلمان، فهو صاحب الكثرة في البرلمان؟ قيل لهم لا تخافوا ولا تحزنوا فسيواتيكم البرلمان، كما واتى صدقي باشا من قبل، ولكن تجلدوا وأظهروا الحرب، وتكلفوا كيد الساسة ومكر الوزراء، فقالوا نعم وما يمنعنا أن نعمل هذا كله، وإنما جئنا لنفعل هذا كله، وأكثر من هذا كله، ثم أخذوا يتحدثون، وأخذوا يخطبون، وأخذوا يناوئون وما تحدثوا ولا خطبوا ولا ناوؤوا وإنما كان الإبراشي باشا من ورائهم يتحدث ويخطب ويناوئ. ثم نظروا فإذا البرلمان قد انقاد لهم،
وإذا صدقي باشا قد استخزى أمامهم ولاذ بالفرار ثم أخذوا منذ ذلك اليوم يذهبون إلى البرلمان، وينصرفون عن البرلمان، يخيلون إلى الناس أنهم وزراء دستور وهم يعلمون أنهم وزراء الرجل الواحد حتى إذا عرضت المشكلات الخارجية الكبرى وعجز الإبراشي باشا عن حلها عجزوا هم عن حلها أيضاً. فقيل لهم دعوا ذلك للإنجليز فقالوا نعم وما يمنعنا أن ندع ذلك للإنجليز. ثم فوضوا الأمر إلى الإنجليز في الدين وفي المحاكم المختلطة، وفي الامتيازات ثم ثقل المرض على جلالة الملك. واضطرب الإبراشي باشا فاضطربوا معه وألهم رئيسهم أن يستشير الإنجليز فقال نعم وما يمنعني أن أستشير الإنجليز؟. فلما أشاروا عليه قبل المشورة ووعد بالإنجاز ثم منّ الله على مصر بتحسن صحة جلالة الملك فسقط في يد الإبراشي باشا وسقط في يد رئيس الوزراء، وقيل للقوم أظهروا مقاومة الإنجليز، فقالوا نعم وما يمنعنا أن نظهر مقاومة الإنجليز؟ ثم قيل لهم أنكروا أنكم طلبتم مشورة الإنجليز فقالوا نعم وما يمنعنا أن ننكر أننا طلبنا مشورة الإنجليز؟ ثم جد الجد وازدحمت الخطوب، وتراءت الكوارث فقيل لهم أنكروا أن يكون في الجو شيء. فقالوا نعم وما يمنعنا أن ننكر أن في الجو شيئاً؟ ثم كان النذير، وأشرف الإبراشي باشا على الهوة، وقيل لهم ضحوا ببعض الزملاء، فقالوا نعم، وما يمنعنا أن نضحي ببعض الزملاء؟
ثم لم يبق بين الإبراشي باشا وبين الهوة إلا أن يحرك رجله فقيل لهم استقيلوا فقالوا نعم وما يمنعنا أن نستقيل؟ ثم رفعوا استقالتهم أمس إلى صاحب العرش.
هؤلاء هم الذين حكموا مصر عاماً وبعض عام، وهؤلاء هم الذين ظنوا أنهم يحكمون مصر، وهؤلاء هم الذين خيلوا إلى الناس أنهم يحكمون مصر، والله يشهد ما كانوا من حكم مصر في قليل ولا كثير، إنما كانوا صوراً فقد زالت الصور، إنما كانوا ظلالاً فقد محيت الظلال، وإنما كانوا يصورون ما سمته "الاجبشيان جازيت" غروب العهد، فقد غرب هذا العهد وعفت آثاره وأخذ المصريون يستقبلون عهداً جديداً وهم مقبلون عليه، مهما تكن الظروف، ومهما تكن مقاومة الذين ألفوا عهد الذلة والهوان.
ها نحن أولاء نسمع أن الوزارة عرضت على ماهر باشا، ولكنا لا نلبث أن نسمع أنها صرفت عن ماهر باشا لأن ماهر باشا من رجال هذا العهد ونهوضه بالحكم استبقاء لهذا العهد، وما يستطيع هذا العهد أن يبقى لو تعاونت على بقائه الجن والإنس، ولئن قاوم
وكابر فلابد له من أن يزول في أسرع مما يظن المكابرون. ثم ها نحن أولاء نسمع أن الوزارة عرضت على صاحب الدولة توفيق نسيم باشا فطلب التفكير قبل أن يعلن رفضاً أو قبولاً، وقد استبشر المصريون جميعاً حين سمعوا اسم هذا الرجل الذي أنكر عهد الذلة والهوان، وضحى بمنصبه في سبيل رأيه، والذي عين عضواً في مجلس الشيوخ، فاستقال حتى لا يحنث في يمين أقسمها كما حنث غيره، وحتى لا يحتمل أوزاراً نصح بألا تحتمل فليس عجيباً أن يستبشر المصريون حين يرونه يرشح للوزارة ولكننا نقرأ في الصحف أن الوزارة تعرض عليه على أن يحتفظ بالنظام الحاضر. فكأن الوزارة لا تعرض عليه إلا لتصرف عنه، فالرجل أكرم على نفسه من أن ينكر موقفاً شريفاً وقفه ومن أن يقدم على شيء أباه ومن أن يخيب أمل الشعب فيه ويكذب ظن الشعب به يختم حياته السياسية بما لا يرضى الرجل الكريم أن يختم به حياته السياسية.
نعم وإنا نقرأ في الصحف كلاماً عجباً فقد يقال إن زيور باشا عرض على نسيم باشا أن يعمل مع البرلمان القائم ما دام واثقاً به، تبارك الله وماذا يمنع أن يثق البرلمان بنسيم وقد وثق بعبد الفتاح كما وثق بصدقي؟ بل ماذا يمنع أن يثق البرلمان بمن شئت من الزعماء ورجال السياسة إن أسندت الوزارة إلى من شئت من الزعماء ورجال السياسة؟
ألا تزال إصبع الإبراشي باشا تعمل في تأليف الوزارات فإن هذا الكلام إن صح يصور نفس الإبراشي باشا أصدق تصوير، على أن هذا الموقف الغريب لن يطول فلن يتقدم هذا النهار حتى تتبين الخطوات الأولى لهذه الأزمة الجديدة، فأما أن يقبل نسيم باشا تأليف الوزارة، وإذن فقد اعترف العهد الحاضر بالهزيمة واستسلم للقضاء وأما أن يعتذر نسيم باشا عن تأليف الوزارة، وإذن فمازال العهد الحاضر يقاوم ويرجو البقاء ولكنه يقاوم في غير نفع، ويرجو في غير موضع للرجاء. فإن الشعب الذي أفنى سلطان صدقي باشا وسلطان عبد الفتاح باشا بصبره وإبائه وازدرائه للطغيان والطغاة سيفني سلطان أي وزير آخر يجرؤ على أن ينهض بأعباء الحكم مزدرياً إرادة الأمة مستعداً لتلقي العمل والوحي والعمل بالأمر والإذعان لغير المسؤولين فلننتظر فلن يكون انتظارنا طويلاً.
طه حسين
الوادي، ٧ نوفمبر ١٩٣٤. -
صبريات
حديث الوادي
صبريات . . .
وزير ماليتنا النابغة، صبري بك بين اثنين، فأما أن يكون ساذجاً طيب القلب، مسرفاً في السذاجة وطيبة القلب، يصدق أن المصريين أمام القانون سواء، ويؤمن بأن المساواة في البلاد الديمقراطية حق شائع بين الناس جميعاً، لا فرق في الاستمتاع به، بين الكبير والصغير، وبين الغني والفقير، وبين الممتاز وغير الممتاز. وهو من أجل هذا، يذيع بين المديرين في الأقاليم منشوراً حازماً، يأخذهم فيه بأن يتقاضوا ضرائب الدولة من الذين أبطأوا في أدائها، أو التووا بها مهما يكونوا، وكانت الأنباء قد ارتفعت إلى وزيرنا النابغة، بأن مئات الألوف من ضرائب الدولة لا تزال نائمة مستريحة عند جماعة من كبار الملاك. وأعضاء الهيئات النيابية لا يقدمون على تأديتها من تلقاء أنفسهم، ولا يقدم عمال الدولة على أن يتقدموا إليهم في هذا الأداء. فلم يرد وزيرنا النابغة أن تكون إليه أمور الضرائب، وأن يرضى بجمعها من الفقراء، وصغار الناس، وتركها تنام وتستريح عند الأغنياء، وكبار الملاك، وهؤلاء الذين ميزتهم ظروف الحياة، فجعلتهم أعضاءً في الهيئات النيابية، فأذاع منشوره الحازم البديع.
فإذا كان وزير ماليتنا النابغة من السذاجة وطيبة القلب بحيث يصدق هذا كله، ويقدم على ما أقدم عليه مخلصاً فيما أظهر من الحزم والعزم، فأني أسف أشد الأسف أن طلبت إليه اليوم قبل أن يطلب إليه ثلاثة وثلاثون من النواب، بعد يومين أو ثلاثة أيام أن يستقيل. فلسنا في زمن ينهض فيه بأعباء الحكم أصحاب السذاجة وطيبة القلب، الذين يصدقون ما يوضع في الكتب وتجرى به أقلام الناس، حين يتحدثون في الحرية والإخاء والمساواة. وإنما نحن في زمن قد التوت فيه ظروف الحياة التواءً شديداً، ولم يبق بد للوزراء من أن يكون لهم حظ موفور من المهارة واللباقة، وحسن الفهم لحقائق الأشياء، والقدرة الكاملة على أن يدوروا مع الأيام، وعلى أن يؤمنوا بالمساواة جهرة، ويكثروا الحديث عنها، كلما سنحت الفرصة، وكلما لم تسنح الفرصة. فإذا خلوا إلى أنفسهم وإلى أصدقائهم وإلى أنصارهم لم يترددوا في الإيمان بأن هذا كلام يقال للناس، ويذاع فيهم، فأما عند التنفيذ، فالأمر مختلف أشد الاختلاف. وعلى غير هذه القاعدة لا يستقيم الأمر للوزراء، ولا لكبار الموظفين. وأما أن يكون وزير ماليتنا ماهراً قد فاق
الناس جميعاً في المهارة، وبارعاً قد بذ الناس جميعاً في البراعة، فهو يرى في العدل والإخاء والمساواة، مايراه الساسة والأساتذة المحنكون في هذه الأيام، ولكنه على ذلك قد اتخذ ما اتخذ من الإجراء، وأذاع منشوره الذي أذاعه، بخطة دبرها في نفسه، وأمر أضمره في سره. وهو فيما يظهر نظر أن المساواة في هذه الأيام، ليست متحققة بين المصريين، وأن الحياة السياسية المصرية في هذه الأيام خليقة أن لا ترضى أحداً. وأي دليل على ذلك أوضح وأنصع من أن يعيش الناس في ظل الدستور والقانون، ثم تجري الأمور بينهم معكوسة، فيؤخذ ضعاف الناس بالعنف والقسوة، على حين يمهل الأقوياء إهمالاً، وتمد للممتازين أسباب المماطلة والالتواء. فإذا كانت هذه حال الوزير، فأني أطلب إليه، قبل أن يطلب إليه ثلاثة وثلاثون نائباً بعد يومين أو ثلاثة أيام، أن يستقيل. فلا ينبغي أن ينهض بالحكم في هذه الأيام، رجل يأتمر بطبيعة الحياة، والظروف السياسية في هذه الأيام. ولا ينبغي أن ينهض بأعباء الوزارة رجل يتخذ من الإجراءات ما يفسد الأمر على الوزارة، ويصرف عنها كبار الملاك وأعضاء الهيئات النيابية.
وزير المالية إذن خليق أن يستقيل في كلتا الحالتين، خليق أن يستقيل إن كان ساذجاً، لأن أصحاب السذاجة لا يصلحون للحكم، وخليق أن يستقيل إن كان ماكراً، لأن المكر لا يباح لرجال الحكم، إلا أن يصب على خصوم الوزارة صباً، ويرسل عليهم إرسالاً، ويخلق لهم من المشكلات وصنوف الكيد ما يضطرهم إلى الحرج الذي لا يشبهه حرج.
ومع هذا فلن يستقيل وزير المالية، إلا أن تستقيل الوزارة كلها، ولن يدع وزير المالية منصبه الخطير، إلا أن يدع قوم آخرون مناصبهم الخطيرة. ذلك أن العهد الذي كان يضيق فيه رئيس الوزراء بالوزير، فيستقيل ليخرجه من وزارته، ثم يجدد تأليف الوزارة، أو الذي كان يضيق فيه رئيس الوزراء بالوزير فيقيله، ويختار له خليفة ووارثاً. هذا العهد قد مضى وانقضى بنزول صدقي باشا عما كان في يده من السلطان. وأصبحنا في عهد لا يسمح لرئيس الوزارة مجالاً بأن يحتمل أثقال الوزارة كما هي. أو أن يدع هذه الأثقال فيريح ويستريح. وما دام وزير المالية لن يقدم استقالته من تلقاء نفسه. فهو آمن من أن يكره على الاستقالة اكراهاً من قبل رئيس الوزراء، ولا سيما إذا لاحظنا أن رئيس الوزراء، قد لا يكون أقل من زميله وزير المالية إيثاراً لتحقيق هذا النوع من المساواة، سذاجةً منه أو سياسة. وليس على وزير المالية بأس من عرض الثقة يوم الاثنين. فقد أخذت بعض الصحف تذيع أن الكثرة من أعضاء مجلس النواب لا تميل إلى خذلان الوزير، ولا إلى تأييد هذه القلة التي تخاصمه، وتريد أن تخلص منه. ولعلك تذكر أن بعض الشعبيين خطبوا في اجتماع لحزب الشعب، فلاموا الوزارة وغلوا في لومها، لأنها لا تراعي أنصارها كما ينبغي، ولا تمدهم من المودة والعطف بمثل ما كانوا يظفرون به من قبل. فلم يزد رئيس الوزراء على أن أعلن أن الوزارة تحقق المصالح العامة، في غير تحيز ولا محاباة أو كما قال.
ومعنى هذا كله، أن طوارئ قد طرأت، تجعل من العسير على الوزارة أن تمنح الأنصار والأولياء ما كانوا يمنحون من قبل، فليست هي قادرة منذ اليوم على أن ترضيهم، وهي بالطبع عاجزة كل العجز عن أن ترضى خصومها، ومعارضيها. أفظن أن ذلك ينتهي إلى ما يجب أن ينتهي إليه من استقالة الوزارة. لأنها عجزت عن إرضاء الأصدقاء والخصوم معاً؟ كلا. فغضب خصوم الوزارة على الوزارة لا يكفي لإسقاطها، وآية ذلك أنه قائم منذ وثب صدقي باشا إلى الحكم، وأنه لم يسقط صدقي باشا، ولا خليفة صدقي باشا، وغضب أنصار الوزارة أنصار الوزارة لن يسقطها لأن هؤلاء الأنصار سيغضبون في أنفسهم، وسيتحدث بغضبهم في الأندية والمجالس، ولكنهم لن يغضبوا رسمياً، ولن يبدوا صفحتهم للوزارة، ولن يعدلوا عن موقفهم الذي وقفوه منذ أول هذا العهد، وهو موقف الثقة والتأييد، ذلك لأن ماش خير من لاش، ولأن الحياة السياسية الحاضرة لا تستطيع أن تستمر إلا إذا بقيت كما هي، لا يمسها تغيير ولا تبديل ما. سقوط وزير المالية يستتبع سقوط الوزارة كلها، وسقوط الوزارة كلها يستتبع ارتباكاً قد يغير الأمور كلها تغييراً خطيراً. فلتبق الأمور إذن كما هي، ولتمض الأمور إذن كما تمضي حتى تستطيع الظروف أن تنكشف عما تريد لمصر وحتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً وهنا تظهر الصبريات البارعة حقاً.
فمنشور وزير المالية تحد حازم لحياتنا السياسية الحاضرة. هو إنكار لهذه الحياة وخروج عليها، من رجل كان ينبغي أن يكون لها عماداً وقواماً. وستضطر الحياة الحاضرة إلى أن تحتمل هذا الوزير الذي ينكرها، وتؤيد هذا الرجل الذي يخاصمها، وتستبقى وزير المالية الذي يتحداها، وستطلب القلة من النواب إلى وزير المالية أن يعتذر، فيأبى وزير
المالية أن يعتذر. وستطلب القلة نزع الثقة من هذا الوزير، فتأبى عليها الكثرة ما تريد. ويبقى وزير المالية، ويبقى منشوره الذي يطالب بالجد في جباية الضرائب من الذين تأخروا في أدائها، التووا به، من بين كبار الملاك، وأعضاء الهيئات النيابية. ثم سيزعم بعض الناس أن الوزارة قد أخذت تصلح ما أفسد، وتقوم ما أعوج، وأنها ستستمد من هذا الإصلاح، وهذا التقويم، قوة تمكنها من البقاء. أما نحن فلانشك في أنها لن تستمد من موقف وزير المالية إلا ضعفاً يفسد عليها الأمر إفساداً. ذلك أن مصر في حاجة إلى الإصلاح حقاً، وأن هذه الوزارة القائمة، وهؤلاء الذين ينصرونها ويؤيدونها، ليسوا رجال الإصلاح المنشود، ولا يقدرون عليه، لأنهم لم ينهضوا له، وإنما نهضوا لشيء آخر كانوا غارقين فيه إلى آذانهم. فمن العسير، بل من المستحيل، أن ينقلبوا فيصبحوا رجال الإصلاح الذي تريده البلاد.
[طه حسين]
حديث الوادي، ٨ يونية ١٩٣٤. -
خصام
حديث المساء: خصام
طه حسين
كوكب الشرق
٣١ مارس ١٩٣٤
خصام ثقيل سقيم حقًّا هذا الذي تمتلئ به بعض الصحف المتصلة بالوزارة، والذي يكثر الأخذ والرد فيه بين فريقين من رجال هذا العهد السعيد، قد عرف الشعب المصري كيف يقدِّرهما، وكيف يطمئن إلى ما يصدر عنهما من قول أو عمل.
فأما أحد هذين الفريقين، فقوم ملثَّمون لا يُظهِرون وجوههم، ولا يُعلِنون أسماءهم، ولا يجرءون على احتمال التبعات، ولكنهم مع ذلك يوحون، ويوحون ويسرفون في إرسال الوحي، ويسمون أنفسهم بالمصادر العليمة حينًا، والدوائر المطلعة حينًا، وهم من غير شك من رجال الدولة، سواء أكانوا من الوزراء أم من كبار الموظَّفين.
وأما الفريق الآخَر فصدقي باشا، وهذان الموظفان اللذان أُحِيْلا على المعاش في آخِر جلسة لمجلس الوزراء قبل العيد. أولئك يذيعون التهم ويثيرون الريب، ويملئون الجو شكًّا واضطرابًا وسوء ظن، وهؤلاء يذودون عن أنفسهم، ويردون عنها ما يثار حولها من المخزيات، ثم يشيرون ويلمحون، وينذرون فيزيدون الجو فسادًا إلى فساد، واضطرابًا إلى اضطراب، والمصريون يقرءون وَحْي أولئك وردَّ هؤلاء، ويسألون أين يكون الحق؛ لأنهم يثقون أن الحق كله لا يمكن أن يكون فيما يُوحي به أولئك، أو فيما يردُّ به هؤلاء؛ ولأنهم يثقون أيضًا بأن النزاهة ونقاء اليد واللسان والضمير والإخلاص في خدمة الدولة، كل أولئك مضطرب متردد حائر بين ما يوحي به الموحون، وما يرد به المدافعون، هم يسألون أين يكون الحق من هذا الكلام الطويل الكثير المختلط المهلهل الذي يهبط به الوحي من المصادر العليمة، أو تحمله أسلاك التليفون عن صدقي باشا من الإسكندرية حينًا، ومن داره في القاهرة حينًا آخَر، أو تحمله أسلاك التليفون عن وكيل المالية، ذاك الذي يتحدَّث بأنه لم يزد على أن صدع بالأمر، وأنفذ ما أراد منه صدقي باشا أن ينفذه، أو تحملها بيانات موجزة حينًا ومطولة حينًا آخَر، يرسلها هذان الموظفان السابقان إلى صحف الصباح وإلى صحف المساء.
والناس يقرءون كل هذا الكلام؛ فلا يفهمون ظاهره ولا يدركون باطنه، ولا يكشفون أسراره، ولا يحققون ما يرمي إليه، وإنما يستيقنون أن هناك حقائق مؤلمة يتفطَّر لها قلب المصري، وتستحي لها نفس المصري، ويحمرُّ لها وجه المصري خجلًا، وهي أن الحكم في هذا العهد السعيد لم يظفر بما كان يجب أن يظفر به من النزاهة والأمانة والصفاء والنقاء، وإنما كان مشوهًا يسعى فيه الفساد حتى يجعل شرَّه أكثر من خيره، وحتى يبعد به كل البُعْد عن أن يكون ملائمًا للأخلاق والاستقامة، ولما يطلب هذا الشعب البائس من تحقيق الآمال، والاحتفاظ بالكرامة، وإقناع الأجانب بأنه شعب حر كريم خليق أن يستمتع بالعزة والاستقلال.
هذه هي الحقائق المرة المؤلمة المخزية التي يستخلصها المصريون من هذا الكلام الكثير الطويل، الذي يوحي به بعض الموظفين، والذي يرد به خصوم هؤلاء الموظفين، وأنت توافقني على أن الله لم يخلق الحكومات لتكون مصدر تنغيص لحياة الشعب، وأنت توافقني على أن الله لم يخلق الحكومات لتُشعِر الشعب — بما تعمل وما تقول — أن أموره سيئة إلى أقصى حدود السوء، مضطربة فاسدة إلى أقصى حدود الاضطراب والفساد. إن هؤلاء السادة الذين يختصمون، سواء منهم مَن ظهر ومَن استتر، يذكروننا بموقف ميترنيك مع ابن نابوليون حين قدَّم له المرآة ليبين له أنه بعيد كل البُعْد عن أن يشبه أباه العظيم، وأنه قريب كل القرب من أن يُشبِه أمه وأسرة أمه؛ وإذن فلا ينبغي له أن يطمع في مُلْك، ولا أن يطمع في فكاك من الأسر، ولا أن يطمع في أي عمل عظيم. هؤلاء السادة الذين يختصمون، سواء منهم مَن ظهر ومَن استتر، قد اتخذوا من أعمالهم وأقوالهم مرآة سيئة رديئة فاسدة الجوهر مختلطة؛ فهم يعرضونها كل يوم على الشعب، ويريدون أن يُظهِروا للشعب أنه بعيد كل البعد عن أن يشبه الشعوب الحرة المستقلة؛ فلا ينبغي له أن يطمع في حرية ولا في استقلال، بل هم يظهرون هذه المرآة المنكرة في كل يوم للأجانب ليروا فيها صورة رديئة مشوَّهة، لا تصلح لحرية ولا لاستقلال، ثم ليحكم الأجانب بعد ذلك على هذا الشعب البائس بهؤلاء السادة الذين يظهرون ويستترون؛ لأنه لا يصلح لحرية ولا لاستقلال.
إن هذه القصة التي يمثِّلها ميترنيك مع ابن نابليون في رواية أدمون روستان، مؤلمة تمزِّق القلوب وتملؤها لوعةً وحسرةً، وإن هذه القصة التي يُمثِّلها سادتنا هؤلاء مع الشعب المصري ومع الأجانب في هذه الأيام، مؤلمة تمزق القلوب وتملؤها لوعةً وحسرةً، ولكن ميترنيك كان يخدم وطنه النمسا، فأما هؤلاء السادة فقد نحبُّ أن نعلم أي وطن يخدمون، هم يخدمون أشخاصهم، هم يُدافِعون عن أنفسهم، هم يُسِيئون إلى أمتهم ليستمتعوا بالمنصب، أو ليستمتعوا بحُسْن السمعة، وما أيسر أشخاصهم! وما أهونها بالقياس إلى هذه الضحايا التي تفرضها على الشعب فرضًا!
ما الذي تريده هذه المصادر العليمة من كل هذه السيئات التي تذيعها، أتريد أن تظهر أنها قد أقبلت لتطهِّر جو الحكم مما كان فيه من الفساد؟! ولترده نقيًّا صافيًا كما كان قبل أن تفسد الأمور، وقبل أن يثب صدقي باشا إلى الحكم، فإن تطهير الجو لا يكون بإذاعة الإشاعات وإثارة الشكوك، وإنما يكون بإظهار الحق كله واضحًا جليًّا مهما يكن بَشِعًا منكرًا، وإنما يكون بإحالة المفسدين على المحاكم التي تعرف كيف تفرض عليهم العقاب، فأما هذا الوحي المتردد الخزيان، هذا الوحي الذي يفسد ظنَّ الناس بكل شيء وبكل إنسان، فإنه أشبه بالكيد الذي لا يصلح شيئًا، وإنما يفسد كل شيء.
ماذا تريد هذه المصادر العليمة بهذا الحوار الذي تملأ به الصحف في كل يوم؟ أتريد أن تثبت أن حكم صدقي باشا كان فسادًا في فساد؟ فالناس يعلمون ذلك حق العلم، والناس لا يشكُّون في ذلك ولا يمارون، والناس يلحون في أن يُسأل صدقي باشا عن كل ما عمل، والناس يتمنون على هذه الوزارة القائمة وعلى البرلمان أن يقدِّمَا صدقي باشا للمحاكمة أو للسؤال أمام السلطة التي تملك محاكمته أو سؤاله.
إن الحكومات لم تُنشَأ لتكون هيئة اتهام تتخذ الصحف وحدها أداةً للطعن والتجريح، وإنما أُنشِئت لتقر العدل في نصابه، ولتقف المسيئين أمام السلطات التي تملك أخذهم بما جَنَوا من سيئات، ما هذا المكتب الغريب الخفي المستتر الذي أُنشِئ أو الذي نبت ليذيع في الصحف من حين إلى حين آثامًا وسيئات تفسد الظن، ثم لا يلقى أصحابها عليها عقابًا، وهؤلاء السادة الآخَرون الذين يدافعون عن أنفسهم بكلام طويل ملتوٍ لا وضوح فيه ولا جلاء، ولكنه مملوء بالتلميح والنذير؟ ما لهم لا يقولون ولا يفصحون، ما لهم يلتزمون هذا الموقف الذي لا يخلو من ريبة، إن كانوا أقوياء حقًّا فَلْيُظهِروا قوتهم، وإنما تظهر قوتهم بإظهار الحق كما هو، وإن كانوا ضعفاء فَلْيسكتوا وَلْيستقروا وَلْينسَوا هذه القصة لعلهم يظفرون بأن ينساهم الناس.
أما بعدُ، فإن الذين تعنيهم أمور الحكم والسياسة في هذا البلد خليقون أن يقرءوا، أو خليقون أن يفكِّروا، وخليقون أن يقدروا أن إذاعة الفساد في الجو بين حين وحين على هذا النحو لا يمكن أن تنتهي إلا إلى إفساد رأي الناس في الحياة العامة، وإلى تشكيك الناس في العدل والنظام، وأثار هذا خطرة منكرة تستحق أن يُفكَّر فيها وأن يُعْنَى باتقائها، وإنما يكون اتقاؤها بتطهير الجو حقًّا، والجو لا يطهر بالإشاعات، وإنما يطهر بالحق الذي لا شك فيه، والجو لا يطهر بالريب وإنما يطهر بالصراحة والوضوح، وقد أظهر الذين يُشرِفون على الحكم في هذا العهد أنهم لا يحتملون الصراحة والوضوح، ولا يجرءون على مواجهة الحق كما ينبغي أن يُواجَه؛ فما أجدرهم أن يستريحوا! وما أجدرهم أن يَدَعوا هذه الأعباء الثقال لقوم آخَرين هم أقدر على حملها، وهم أجرأ على النهوض بها، وهم يستطيعون أن يعملوا، ويستطيعون أن يقولوا، وأن يحتملوا تبعات ما يقولون وما يعملون، وهم يكرمون أنفسهم ويكرمون أمتهم عن مثل هذا الخصام السخيف الذي نشهده الآن بين قوم يظهرون ويستترون. -
حملة!
حديث المساء: حملة!
طه حسين
كوكب الشرق
١٨ مارس ١٩٣٤
ألن ترسل إلى حدود السودان؛ لأن الإنجليز يتولون حماية هذه الحدود لأنفسهم ولنا، ولن ترسل إلى أي ناحية من هذه النواحي التي يخاف منها على السلم أو يُخشى منها على الأمن. فمصر والحمد للَّه سالمة آمنة، والإنجليز يتولَّون حمايتها من كل غارة أجنبية، أعلنوا ذلك إلى الدول كلها في الوقت الذي أعلنَّا نحن فيه الاستقلال. بل لن تكون هذه الحملة التي أريد أن أحدثك عنها من هذه الحملات الخطرة المخيفة التي تسبقها وتلحقها المدافع وأدوات الموت؛ لأن مصر قد أخذت على نفسها عهدًا أن تكون بلد الحياة والسلام في ظل الدستور والنظام. إنما هذه الحملة شيء آخر من طراز خاص؛ هي حملة النور على الظلمة، وحملة الذكاء على الغباء، وحماسة الفطنة على الغفلة، وحملة العلم على الجهل. ولهذه الحملة قائد أظنك قد عرفته، فإن لم تكن قد عرفته، فأنت محتاج إلى أن توجَّه إليك وإلى الأقاليم الذي تعيش فيها، أو البلد الذي تضطرب بين أهله، حملةٌ كهذه التي نتخذها موضوعًا لهذا الحديث. لهذه الحملة قائد يجب أن تعرفه دون أن يُعرَّف إليك؛ لأنه ظاهر في سماء مصر وعلى أرضها، يتألق في سمائها كما يتألق النجم المضيء، ويشرق على أرضها كما تشرق الشمس الجميلة الناصعة، يعرفه الناس بخطبه الرنانة، وأحاديثه الطنانة، وأعماله التي لم تسبق بمثلها ولن تلحق بمثلها؛ لأن مصر لم ترزق ولن ترزق قائدًا من قواد الحملات يشبه هذا القائد العظيم. له بلاءٌ حسنٌ في الجامعة، وله بلاءٌ حسنٌ في التمثيل العربي وتعليمه، وله بلاءٌ حسنٌ في الأوبرا، وله بلاءٌ في هذه المشكلات المدلهمات التي تؤرق ليل الرجل الطيب بعد أن كانت تؤرق ليل الدكتاتور العظيم. وله كتاب قيم يعرفه الفقهاء جميعًا، لا يعرفون مثله ولن يعرفوا مثله؛ لأن اللَّه لم يقدِّر للبيع أن يدرسه أحد كما درس هذا الأستاذ العظيم. أظنك عرفت هذا القائد الآن، إن كنت من الذين لم يعرفوه، وما أحسب أن هؤلاء يوجدون، هو وزير التقاليد. فأمَّا حملته الرائعة البارعة، الناصعة الساطعة، التي ستدفع الظلمات دفعًا، وتردع الجهالات ردعًا، وتملأ الأرض علمًا بعد أن ملئت جهلًا، وضياءً بعد أن مُلئت ظلامًا، فهي هذه التي يجردها غدًا أو بعد غدٍ على أدنى الأرض من إقليم البحيرة ليزور المدارس ويشرف من قرب على حياة العلم والتعليم.
وهذه الحملة نادرة باهرة حقًّا، إن صح ما تتحدث به الصحف، فقد تخير لها الوزير العظيم من الجند أقواه وأذكاه وأمهره وأقدره وأبرعه وأشجعه. وحسبك أنها تتألف من أركان الحرب كلهم في وزارة التقاليد. فالوزير العظيم سيسافر ومن حوله السكرتير العام لوزارة التقاليد، ومدير المكتب لوزير التقاليد، والسكرتير الخاص لوزير التقاليد، ومراقب التعليم الأولي، ومراقب التعليم الابتدائي، ومراقب التعليم الثانوي، ومراقب التعليم الصناعي، ومراقب تعليم البنات، ومراقب التربية البدنية للفتيان، ومراقبة التربية البدنية للفتيات. ولعل مراقب التعليم الزراعي أن يكون قد سبقه، ولعل قومًا آخرين غير هؤلاء أن يكونوا قد سبقوه، أو قد كلفوا أن يلحقوا به بعد وصوله بساعة أو ساعات. وهناك قوم آخرون من رجال التعليم مستقرون في البحيرة، فسينتظرون الجيش، وسينضمون إليه. ولعل قومًا آخرين من رجال التعليم قد استقروا في الإسكندرية وغيرها مما يلي هذا الإقليم السعير، أن يدفعهم الشوق فيتركوا مراكزهم، ويسرعوا إلى لقاء الوزير، والسير في ركابه، والانضمام إلى حملته الموفقة. وقد يلاحظ بعض الملاحظين الماكرين أن في هذه الحملة شيئًا من التجديد، وهو اشتراك مراقبة التربية البدنية للبنات في هذه الحملة، على رغم ما هو مقرر من أن اختلاط الجنسين — حتى في الرسميات — لا يلائم التقاليد، ولكن لا تسمع لهؤلاء الملاحظين الماكرين، فإنما هم قومٌ من الحساد، لا يرضون عن شيء، ولا يطمئنون إلى شيء، ولا يستريحون إلَّا إذا وجدوا ما يمكرون.
وإذن فستستعد هذه الحملة — أو هي تستعد من أيام — للخروج من مركز القيادة العليا في القاهرة، وستفصل عن العاصمة مع الشمس إذا أشرقت غدًا أو بعد غدٍ، وستبلغ الميدان بعد ساعات. وهنالك لا تسل عن جيوش الجهل كيف تنهزم، وعن صروح الغفلة كيف تنهدم، وعن عقول الناس كيف تستضيء، وعن قلوب الناس كيف ترقى. ولا تسل عن ابتهاج الجمهور في ذلك الإقليم لمقدم هذه الحملة الموفقة، وطلعة ذلك القائد المظفر. لا تسل عن الصياح الذي سيبلغ عنان السماء، وسيمزق الحناجر تمزيقًا. ولا تسل عن التصفيق الذي سيصم الأسماع، وسيشق الأكف تشقيقًا. ثم لا تسل عن الخطَب الذي ستُلقى، وعن القصائد التي ستُنشد، وعن المقالات التي ستُدبج، ثم تُذاع في الصحف ليقرأها الناس، وليعلموا أن القائد المظفر قد كسب الموقعة، وظفر بالفوز والانتصار. كل هذا شيءٌ لا نشك فيه منذ الآن، ولن نشك فيه بعد أن يتم. وهناك أشياء أخرى لا تقبل الشك، وأهمها أن إقليم البحيرة سيمتاز من الأقاليم المصرية كلها، وسيملأ هذه الأقاليم حسدًا وغيرةً يخشى منهما على الأمن والسلم، ويُخشى منهما على راحة الوزير. فلن ترضى الأقاليم الأخرى أن ينفرد إقليم البحيرة بهذا المجد المؤثل، ولن تستريح إلَّا إذا ظفرت من الوزير وأركان حربه بغزوة كهذه الغزوة التي ينعم بها هذا الإقليم. والوزير أرقُّ قلبًا وأوسع رحمةً وأرأف بالمصريين من أن يؤثر بعضهم على بعض، أو يفضل إقليمًا على إقليم، أو يجود بغزوته على فريقٍ من الناس، ويبخل بها على فريق آخرين. وإذن فسيضطر الوزير إلى أن يطوف الأقاليم كلها، يومًا بجزوى ويومًا بالعقيق، يومًا في الغربية ويومًا في أسوان.
ومن هذه الأشياء التي لا تقبل الشك، هو أن مقدم الوزير وأركان حربه على هذا الإقليم السعيد سيحدث فيه المعجزات، فتُمحى الأمية محوًا، وسيصبح الناس جميعًا؛ رجالًا ونساءً شبابًا وشيبًا متقنين للقراءة، ولكن بشرط أن لا يقرءوا صحف المعارضة ولا ينظروا فيها. وهذا هو وجه الإعجاز، سيصبح الناس جميعًا قادرين على أن يقرءوا في أي صحيفة، وفي أي كتاب، حتى إذا وقعت إليهم صحيفة من صحف المعارضة مُحيَ فن الكتابة والقراءة من نفوسهم محوًا، فإذا طويت عنهم هذه الصحيفة عاد إليهم هذا الفن كأحسن وأرقى ما يكون. ومن المحقق أن الوزير إذا زار الأقاليم الأخرى سيحدث فيها ما سيحدثه غدًا أو بعد غدٍ في إقليم البحيرة. ولعلك توافقني على أن هذه الزيارات سيكون لها خطرها في حياة المصريين، ستخرجهم جميعًا من الظلمات إلى النور، فمن حقهم أن يبتهجوا بها، وستريحهم جميعًا من قراءة المعارضة والمعارضين، فمن حق هؤلاء أن يحسبوا لها كل حساب، بل من حق هؤلاء أن يقدِّروا ويستيقنوا أن لا مطمع لهم في الحياة بعد اليوم، وأن مصر ستفلت كلها من أيديهم إفلاتًا. ولهذا نتائجه الخطيرة، ومن أهمها أن الوزارة القائمة لن تخشى معارضة ولا معارضين، فستثبت إذن وستثبت إلى ما شاء اللَّه برغم الخصوم والحاسدين، وليس في شيءٍ من ذلك غرابة أو شيء يشبه الغرابة؛ فمصر قديمة العهد بهذه المعجزات. ولعل المصريين يعلمون أن أوزيريس كان يغزو أقطار الأرض فلا يثير فيها حربًا ولا يريق فيها دمًا، وإنما ينشر فيها علمًا ويذيع فيها سلمًا، ويعلم الناس كيف ينعمون بالحياة. وإذا كانت مصر قد أخرجت أوزيريس في العصر القديم، فما يمنعها أن تخرج أوزيريس في العصر الحديث. كل شيء إذن على خير ما تكون الأشياء، ستستنير مصر وسترقى، وستسبق الأمم الراقية المستنيرة في أسابيع. ولكن المصريين قوم لا يرضون، ونفوسهم تحفل دائمًا بالصغار، وتعرض دائمًا عن عظائم الأمور وجلائل الأعمال. فقد رأيت جماعة منهم يقرءون هذا النبأ العظيم في الصحف، ثم تعلو وجوههم غبرة، وتقطب جباههم، وتنطلق ألسنتهم بكلام كثير سخيف، يسألون: وكم ستنفق الدولة على هذه الحملة؟ وما الذي يدعو إلى أن يتبع هذا الجيش الضخم وزير التقاليد في زيارته للمدارس في ذلك الإقليم؟ أرأيت كيف يكون قصر النظر؟ وضآلة الخطر؟ وضيق التفكير؟ قومٌ يقال لهم: إن الوزير سيمحو الأمية من إقليم بأسره في يوم واحد، فيسألون عما سيكلفهم ذلك من المال، ويستكثرون على هذا الرجل العظيم أن يصحبه عشرة من كبار الموظفين. أؤكد لك أن هؤلاء المصريين لم يخلقوا لعظائم الأمور، ولم يخلقوا للأمل، إنما خلقوا ليعنوا بالسفاسف، وليملئوا قلوبهم وقلوب الناس من حولهم يأسًا وقنوطًا. أين تكون النفقات التي سينفقها هؤلاء العشرة، والتي سيتكلفها الناس للقائهم وتضييفهم؟ وأين يكون الوقت الذي سيضيعه هؤلاء العشرة، والذي سيضيعه الناس في لقائهم والاحتفاء بهم؟ أين يكون هذا كله من هذا الحدث العظيم والأمر الجسيم؛ وهو زيارة وزير من الوزراء لإقليم من الأقاليم؟ أليس من حق الإنجليز أن يضحكوا من هذا الشعب الذي كتب اللَّه عليه أن لا يفقه شيئًا، ولا يفطن لشيءٍ، ولا يستطيع أن يتجاوز صغائر الأمور إلى عظائمها؟ أليس من حق الإنجليز أن يستكثروا على هذا الشعب وزير التقاليد، وزملاء وزير التقاليد الذين يجاهدون ما يجاهدون، ويضحُّون بما يضحُّون، ويحتملون من الألم والمشقة ما يحتملون، فلا يلقون من هذا البلد العاق الجاحد شكرًا ولا ثناءً؟ وإنما يسمعونه وهو يسألهم عن هذه الأشياء اليسيرة الحقيرة التي يسمونها المال، والتي يؤديها الفلاح في غير مشقة، أو في مشقة لا تكاد تذكر. ومن الذي يستطيع أن يحفل بفلاح يجوع؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يحفل بفلاح يلتوي بالضريبة، أو يعجز عن أدائها، فتأخذ ظهره السياط؟ أليس من الغريب أن يستكثر المصريون على الوزير وأصحابه ما سينفق من المال على رحلتهم هذه الموفقة، وحملتهم هذه الظافرة؛ لأن الفلاح يحتمل جهدًا في تحصيله ويلقى عناءً في أدائه؟ فماذا يصنع المصريون؟ وماذا يقولون لو أن وزراءهم أخذوهم بما كانون يؤخذون به من قبل حين كانوا يقيمون الأهرام ويشيدون المعابد، ويحتملون أو يجرون تلك الأثقال؟ أليس من الحق عليهم أن يحمدوا اللَّه على ما هم فيه، وأن يشكروا للوزراء أنهم يأخذونهم باليسر لا بالعسر، ويفرضون عليهم أهون التكاليف؟ ولو شاءوا لعلموهم كيف تكون المشقة، ولو شاءوا لأروهم كيف يكون الضيق والضنك والعذاب! وقومٌ آخرون من هؤلاء المصريين يسألون عن ديوان الوزارة، ما عسى أن يكون خطبه يوم يتركه سادته وقادته، ويدعه رؤساؤه ومديروه، كأن ديوان الوزارة شيءٌ يستحق الذكر أو التفكير بالقياس إلى زيارة الوزير لإقليم من أقاليم مصر. أعترف أني ضقت بهؤلاء الناس حين كانوا يتحدثون بهذا السخف الذي يثير الغيظ، ويملأ القلوب حنقًا ووجدًا، وأعترف بأني وددت لو أن وزير التقاليد وسع حملته بعض التوسعة، وضخَّم عددها بعض التضخيم. فإذا كان هو محتاجًا إلى عشرة ليزور إقليمًا من الأقاليم، فكل واحد من هؤلاء العشرة يحتاج إلى اثنين على أقل تقدير يرافقانه في هذه الزيارة، كل واحد منهم محتاج إلى سكرتيره الخاص، وإلى خادمه الخاص، فيبلغ عدد القوم ثلاثين، وهو عدد يسير لا يبلغ عدد الذين يُحاكمون منذ أمس ويذوقون لذة السجن منذ يوم الخميس؛ لأنهم أرادوا أن يزوروا قبور الشهداء في مدينة الإسكندرية. وكان الوزير قادرًا على أن ينظر إلى هؤلاء التابعين بأركان الحرب، فهم أيضًا يحتاجون إلى الأعوان، وكان العدد يستطيع أن يُضاعف، وكانت الدولة مضطرة إلى أن تنفق أضعاف ما ستُنفق من المال، ولكن الوزير على عنايته بكبار الأمور وجلائلها لا يهمل صغارها ودقائقها، فهو يفكر في المال أيضًا، وهو يتفضل فيقتصد، وهو يتعطف فيقتر في الإنفاق، يكتفي بعشرة ولو شاء لاصطحب عشرين أو ثلاثين أو ستين. ومن ذا الذي كان يستطيع أن يمنعه من أن يصطحب رجال الديوان جميعًا ليزوروا معه هذا الإقليم؟ ولكنه لم يفعل؛ رفقًا بالفلاح، وعطفًا عليه، وإيثارًا للاقتصاد، وضنًّا بالمال، ومصانعة لوزير المالية. وعلى ذكر وزير المالية نلاحظ أنه هو أيضًا سيغزو ناحية من نواحي مصر، وسينبت فيها ألوانًا وأشكالًا من المعجزات. سيزور ساحل البحر الأحمر، ولم لا؟ فالمصريون لا يكادون يحفلون بهذا الجزء من أرض الوطن، فليعلمهم الوزير كيف تكون التسوية بين أجزاء الوطن وساحل البحر الأحمر، وهو غنيٌّ جدًّا فيما يُقال. تتحدث شهرزاد في بعض أقاصيص ألف ليلة وليلة بأن فيه منابع للبترول، ومقاطع للأحجار، ومناجم لفنون من المعدن، ومصادر لضروب أخرى من الثروة والغنى. والمصريون جميعًا يجهلون هذا، فمن حق الوزير، بل من الحق على الوزير أن يزور هذا الساحل؛ ليعرف المصريون من أمره ما يجهلون. وتزعم شهرزاد أن مصادر الثروة هذه قد كثر إهمالها، واشتد الإعراض عنها حتى نضبت أو كادت تنضب، فانتظر إذن زيارة الوزير، فسترى أن منابع البترول ستفيض وتفيض حتى تطغى على البحر الأحمر نفسه، وسترى أن مقاطع الأحجار ستغطي من الصخور ما لا قِبَل لأحد بحمله أو استغلاله أو استخدامه. أمَّا المعادن، فحدِّث عنها بعد زيارة الوزير ولا حرج عليك، ستصبح مصر أعظم البلاد حظًّا من الذهب والفضة والحديد، وما شئت من المعادن الموجودة وغير الموجودة! ولن تتكلف مصر في هذه الزيارة المباركة شيئًا، فسيقضي الوزير فيها عشرة أيام، وسيسافر الوزير في القطار حينًا، وفي السفينة حينًا آخر، وقد يصحب الوزيرَ عددٌ من الناس قليلٌ أو كثيرٌ، ولكن ما سيحتاج إليه من النفقات لن يكون شيئًا بالقياس إلى ما ستستفيده مصر من هذه الرحلة المباركة. وكذلك تجري أمور المصريين، وكيل الداخلية يبحث عن الأمن العام في الصعيد إذا كان الشتاء، ووزير التقاليد يغزو إقليم البحيرة مع هذا العدد الضخم من الموظفين، ووزير المالية يبحث عن المعجزات على ساحل البحر الأحمر عشرة أيام كاملة، يتخذ القطار حينًا ويتخذ السفينة حينًا آخر. ويقول الناس بعد ذلك: إن أمور مصر نائمة، وإن حكام مصر نائمون، وإن أموال مصر قد نضبت أو كادت تنضب. كلا، إن مصر لتباهي بلاد الأرض كلها بسادتها هؤلاء الذي يحكمون فيحسنون الحكم، ويدبِّرون فيتقنون التدبير، ويقتصدون فيتفوقون على الناس جميعًا في الاقتصاد. يجب أن تسعد مصر وأن تغتبط، وأن ترفع رأسها عزيزًا كريمًا، فوزير التقاليد يزور ساحل البحر الأحمر، ووكيل الداخلية قد فتَّش عن الأمن العام في الصعيد. -
ختام …
حديث المساء: ختام …
طه حسين
كوكب الشرق
٢٠ فبراير ١٩٣٤
هو ختام وابتداء في وقت واحد؛ ختام لقصة ظريفة، وابتداء لقصة جديدة، لا نَدْرِي أتبلغ من الظرف ما بَلَغَتْهُ القصة المُنتهية، أم تقصر عنه، أم تربى عليه، ولكنها ستكون قِصَّة لا تخلو من لذة، حلوة أو مُرَّة على كل حال. أمَّا القِصَّة الظَّريفة التي خُتِمَتْ أمس فهي قصة الخلاف الذي شَجَرَ بين المندوب السامي الجديد ورئيس وزارتنا الرجل الطيب. وأما القصة الجديدة، التي بُدِئت أمس، فهي قصة الحياة المُنظمة التي ستكون بين الرجلين منذ كان تبادل الزِّيارات، والوَاقِعُ أنَّ قصة ذلك الخلاف لم تكن تخلو من ظرف يُثِيرُ الإعجاب ويبعث الابتسام؛ فهي قد جمعت بين الفُكاهة المرضية والجد المُخيف، ثم انتهت كما كانَ يَجِبُ أَنْ تَنْتَهي أو كما كان يَجِبُ أنْ تبتدئ، وسأل الناس أنفسهم فيمَ كان النشاط والاضطراب؟ وفيمَ كان الاحتجاج واللجاج؟ وفيم كان مَدُّ الشفاه وتقطيب الجباه واستعارة هذا الغشاء القاتم، غشاء العبوس؟
ختمت القِصَّةُ بما كان ينبغي أن تُخْتَم به، فبدأ رئيس الوزارة بزيارة المندوب السامي، وختمت القصة بما كان ينبغي أن تبدأ به؛ فقد كان ينبغي أن يزور رئيس الوزراء دار المندوب السامي قبل أن ينتظر من المندوب السامي أنْ يَسْعَى إليه، وإذن ففيم كان الأخذ والرَّد؟ وفيم كان الدفع والشدُّ؟ وفيم كانت تلك المَقَالَاتُ المُلْتَهِبة والفصول المضطربة، التي كانت تنشر في الصحف وتُذَاع بين الناس، نَقْدًا لِمَسْلَكِ المَنْدُوب السامي، وتأييدًا لموقف الرَّجل الطَّيب، ودِفَاعًا عن استقلال مصر، وإنكارًا لما يزعمه الإنجليز لممثلهم من الامتياز؟ وفيم كان إحياءُ التاريخ القديم، ونشر ما طوي من محاضر مجلس النواب أثناء الائتلاف؟ وفيم كانت المطالبة بأن يكون المندوب السامي كغيره من الممثلين السياسيين، لا يَسْتَقْبِلُه أَحَدٌ إِذا جاء، ولا يزوره أَحَدٌ حتى يَبْدَأ بالزيارة؟ وفيم كان الإلحاحُ من أن يقدم المندوب السامي أوراق اعتماده إلى جلالة الملك كما يقدم غيره من الممثلين السياسيين؟ ثم فيم كان إقلاق وزيرنا المفوض في لندرة، وإثارة المناقشة بينه وبين وزارة الخارجية البريطانية، حتى ظَنَّ النَّاسُ أن بين القاهرة والعاصمة البريطانية أَزْمَةً سِيَاسِيَّةً حَادَّةً، تُوشِكُ أَنْ تكون بعيدة المدى؟ فيم كان هذا كله ما دام الأمر قد انتهى إلى حيثُ كان يجب أن ينتهي، وما دام الأمر قد خُتِمَ بما كان يجبُ أن يبتدئ به، تستطيع أن تلقي هذه الأسئلة، وأن تلقي أسئلة أخرى أكثرَ من هذه الأسئلة، ولكنك لن تظفر بجواب.
فأما الذين اندفعوا في تأييد الوزارة، وطلبوا إلى المصريين أن لا يبخلوا عليها بالتأييد، وألحُّوا على المصريين في أن يحموا ظهرها ويشدوا أزرها فيما اعتزمت بمُطَالبة بالحق واحتفاظ بالكرامة، وذَوْد عن الاستقلال، وتسوية بين ممثل الإنجليز وممثلي غيرهم من الأمم في مصر؛ فأمَّا هؤلاء فسَيُجيبونك بالصمت المُحكم، والسكوت البليغ، وسينسون هذه القصة كلها نسيانًا، وسيتحدثون إليك في أشياء أخرى، قد يُعْجِبُك وقد لا يُعجبك أن يتحدثوا فيها إليك، ولكنهم سيتحدثون على كل حال؛ لأنَّ صُحفهم لا بد أن تصدر، ولا بد أن تصدر ممتلئة لا فارغة، وهم لا يستطيعون أنْ يقولوا في هذه القِصَّة شيئًا، بعد أنْ صَرَفَ اللهُ شَرَّهَا عن الوزارة، وبعد أن أراح الله رئيس وزرائنا الرجل الطيب مما كانت تكلِّفه من عناء. فإذا ظهر خلافٌ آخر بين الرَّجُل الطيب والمندوب السامي، واحتاج الرجل الطيب إلى التأييد أو ما يُشْبِه التأييد، فإنَّ هَذِه الصُّحف قادِرَةٌ بإذن الله على أنْ تُهَاجِمَ الإنجليز وتذكر عدوانهم وطغيانهم، وتنكر امتيازهم من غيرهم من الأجانب، وهي قادرة بإذن الله على أنْ تقلب في مجالس مجلس النواب ومجلس الشيوخ أيام الائتلاف أو أيام حكم الوفد لتجد موقفًا من هذه المواقف التي طالبت فيها مصر بكرامتها، وحرصت فيها مصر على حَقِّهَا، وهي قادرة بإذن الله على أن تنشر من ذلك ما طُوِي، وتطلب إلى المصريين أن يؤيدوا رئيس الوزراء.
فإذا انتهى الخلاف بالتسليم والرِّضا والإذعان لقَضَاءِ الله كما انتهى الخلافُ أمس، فهذه الصُّحف قَادِرَةٌ بِإِذْنِ اللهِ على أنْ تدخل في الصمت، وتغلق من دونها أبوابه إغلاقًا مُحْكَمًا كلَّ الإحكام، وكذلك يعبث الناس بعقول الناس، ويسخر الناس من الناس، ويلعب الناس بالعواطف الوطنية كما يلعب الأطفال بهذه الكرات الصغيرة التي يتخذونها من الحجر أو الزجاج.
وأما الصحف الأخرى التي كانت مُستحية مُستخذية لا تذكر هذا الخلاف إلا كَارِهَةً، وَلَا تَقِفُ عِنْدَهُ إِلَّا وقفات قصارًا، حتى إذا اشتَدَّ الأَمْرُ، وَعَظُمَ الحَرَجُ، وقَيِلَ إن رئيس الوزراء قد استقال، دافعت عن استقالة رئيس الوزراء، وزعمت أنها استقالة مشرفة، ترفع الرأس، وتبيض الوجه، وتحسن الذكر، وتخلد اسم الرئيس في التاريخ. أما هذه الصحف، فهي تعرف كيف تُجيب، وقد عرفت بالفعل كيف تجيب، وقد نشرت جوابها صباح اليوم، يستطيع أن يراه من يمنحه الله شيئًا من الشجاعة على قراءة صحيفة الشعب، وهذا الجواب يسير ليس أقل ظرفًا من القصة نفسها، فصحيفة الشعب مسرورة، راضية، وصحيفة الشعب مُغتبطة مُبتهجة؛ لأنَّ الله قد كشف عن الوزارة ضُرَّ هذا الخلاف، وصحيفة الشعب لا يقنعها الرِّضا، ولا يكفيها السرور، وإِنَّما تمدُّ لنفسها في الأمل، وتفتح للوزارة أبوابًا من الرجاء، وفنونًا من الثقة بالمُسْتَقبل المزهر الوضِيء، فالصلح الذي تم أمس دليل واضح عند صحيفة الشعب، وعند أنصار الوزارة بالطبع، على أنَّ أسباب الحياة مَمْدُودة للوزارة، وأبواب الأمل مفتوحة لرئيس الوزراء، وإذن فما أكثر ما خدع المُعارضون أنفسهم، وما أكثر ما اندفعوا في الأمل، وما أكثر ما أمعنوا في الرَّجاء، ثُمَّ مَا أَشَدَّ ما ألمَّ بهم من خيبة الأمل، ومرارة اليأس والقنوط!
وكذلك كان غضب رئيس الوزراء من المندوب السامي مُشرفًا أمس، وأصبح رضا رئيس الوزراء بما طلبه المندوب السامي مشرفًا اليوم، وكذلك كان رئيس الوزراء مُصيبًا حين غضب، وكان رَئِيسُ الوزراء مُصيبًا حين رَضِي، وكذلك كان رَئِيسُ الوزراء مُوَفَّقًا حين امْتَنَعَ عَنِ السَّعْي إلى المندوب السامي، وكان مُوفَّقًا حين قبل السعي إلى المندوب السامي، ولا بَأْسَ على صحيفة الشعب من هذا؛ فرئيس الوزراء رجل طيب، وكل رجل طيب فهو رجل معصوم، وكل رجل معصوم فهو رجل مُوَفَّق، يصيب حين يأْبَى، ويُصيب حين يرضى، يُحسن حين يحجم، ويُحسن حين يُقْدِم، لا بأس عليه من شيء، ولا بأس منه على شيء.
ومع ذلك فماذا كان يُريد الإنجليز من رئيس الوزراء؟ كانوا يُريدون أن يسعى لزيارة المندوب السامي ليستطيع المندوب السامي أن يسعى إليه، فأَبَى رَئِيسُ الوزراء هذا، وأَلَحَّ في إبائه، وكَرِهَ أن يسعى مرتين، وقال: لقد سعيت إلى المحطة، فلن أسعى إلى الدار، وكان رئيس الوزراء في هذا مُخالفًا للتقاليد فيما يقول الإنجليز، مُدافعًا عن الاستقلال فيما يقول الوزاريون، ثم ماذا فعل رئيس الوزراء؟ سعى إلى دار المندوب السامي كما كان يطلب منه الإنجليز، ثم اسْتَقْبَل المندوب السامي كما كان يعرض عليه الإنجليز.
فماذا فعل؟ وماذا ترك؟ وماذا قَبِلَ؟ وماذا رَفَضَ؟ لم يفعل شيئًا ولم يترك شيئًا! لم يقبل شيئًا ولم يرفض شيئًا! وإِنَّمَا سَارَ سيرة أمثاله من رؤساء الوزارات إلا أَنَّه أَظْهَرَ التَّمَنُّعَ أَوَّلَ الأَمْرِ، ثم اضطر إلى الرِّضَا، فليته لم يتمنَّع ما دام آخر الأمر رَضِي، وليته لم يرضَ ما دام أَوَّلَ الأمر تَمَنَّع، ولكن ماذا تُريد؟ كذلك يفعل الرجال الطيبون، فأما غيرهم من رؤساء الوزارات فإنهم يرضون في غير تمنع؛ لأنهم ليسوا طيبين، أو يتمنعون في غير رضًا؛ لأنهم ليسوا طيبين أيضًا.
ومع هذا كله فرئيس وزرائنا خليق بالتهنئة حريٌّ أنْ يُقَدَّم إليه الثناء، ونحن لا نبخل عليه بالتهنئة إذا استحقها، ولا نَضِنُّ عليه بالثناء إذا استأهله، وهو مِنْ غَيرِ شَكٍّ مُسْتَحِقٌّ للتهنئة، مُسْتَأهل للثناء في هذه المرة.
كانوا يَقُولُون إنَّهُ استقال، أو إنه يُريد أن يَسْتَقِيل، وكُنَّا نُنْكِرُ ذلك، وننصح لرئيس الوزراء أن لا يُقْدِمَ عليه، فما ينبغي لرئيس الوزارة أن يستقيل لأَنَّه مُخاصم للمندوب السامي، وإذا لم يكن بُدٌّ مِنْ أَنْ يترك أحد المُختصمين الميدان لصاحبه، فإن رئيس الوزراء ليس هو الذي ينبغي أن يترك الميدان، وما رأينا قطُّ أنَّ رَئيس وزارةٍ استقال لأنَّه غَضِبَ من ممثل سياسي أجنبي. وقد قبل رئيس وزرائنا هذا النصح، ورضي رئيس وزرائنا بهذا الرَّأي، وأقام رئيس وزرائنا في مَنْصِبِهِ، وضَحَّى في سبيل ذلك تضحية شَاقَّة عسيرة على نفسه، فقبل أن يَبْدَأ هو بالسعي إلى المندوب السامي، وكان قد صَمَّمَ أَنْ لا يفعل فيما كان يُقال، فمن الحق علينا أنْ نَحْمَدَ لرَئيس الوزراء قبوله ما قدمنا إليه من نصح، وإقراره ما عرضنا عليه من رأي. ومن الحق علينا أن نحمد لرئيس الوزراء إنكاره لنفسه في سبيل مصر، وتَضْحِيَتَهُ بالاعتبارات الخاصة في سبيل الاعتبارات العامة، وتكلفه ما لم يكن يُحِبُّ ولا يُرِيدُ، حتى لا يُقالَ إن خلافًا بين الإنجليز ورئيس الوزارة المصرية قد اضطر الوزارة أن تستقيل، وعلى هذا النحو انتهت تلك القصة الظريفة إلى ما كان ينبغي أن تنتهي إليه، وختمت بما كان ينبغي أن تبتدئ به.
وبدأت أمس قصة أخرى لا ندري كيف تكون، ولكننا نتمنى على رئيس الوزراء أنْ لَا يَرْضَى عن شيء أو يَأْبَى حتى يُفَكِّر ويُطِيلَ التفكير، وحتى يسأل ويَسْتَشِيرَ؛ فَإِنَّ ذلك خَلِيقٌ أَنْ يَعْصِمَه من التورط في مثل ما تورط فيه من أمر البدء بالزيارة، ولعله يعصمه من أشياء قد لا يكون الخروج منها مُمكنًا إلا بالخروج من منصب الحكم، ورئيس الوزراء يعلم حقَّ العلم أن ليس أشقَّ على مصر ولا أشد إيذاءً لها من أن يستقيل هو، وتخلو مناصب الحكم من وزارة كوزارته قِوَامُها الحزم والعزم، وحفظ الكرامة، والذود عن الاستقلال، ببركة هذه الطيبة التي تملأ قلوب الرجال الطيبين. -
امتحان (١)
امتحان (١)
طه حسين
كوكب الشرق
٩ فبراير ١٩٣٤
ونقول اليوم كما قُلنا أمس، وكما قُلنا أول أمس: إنَّ فكرة الديمقراطية في مصر تُمْتَحَنُ الآن امْتِحانًا دَقيقًا عَسيرًا، كما يمتحن فهم المصريين لها، وإيمانهم بها، امتحانًا دقيقًا عسيرًا. بل نقول اليوم أكثر مما قُلنا أمس وأول أمس، نقولُ: إنَّ النظام القائم نفسه هو الذي يُمْتَحن الآن امتحانًا دقيقًا عسيرًا، والذي يمتحنه هو صدقي باشا مُنْشِئ النِّظام القائم، والذي حماه أكثر من ثلاثة أعوام، وتكلف في حمايته ما تكلف، وكلف المصريين في هذه الحماية ما كلفهم.
ففكرة الديمقراطية الصحيحة تقتضي أنْ يُسأل الوزراء عما فعلوا، وهي تقتضي أن يكون سؤال الوزراء شديدًا مُتحرجًا، مُبالغًا في الشدة والتَّحرج؛ لأنَّها تقتضي أن يكون الذين ينهضون بالأعمال العامة أطهارًا أتقياء، لا فيما بينهم وبين أنفسهم فحسْب، بل فيما بينهم وبين الناس قبل كل شيء؛ لأنَّ الثِّقَةَ بنزاهة الوزراء هي قوام الحكم في كل نظام، وهي قوام الحكم في نظام الديمقراطية خاصة. ولا ثقة حيث تُوجَدُ الإِشَاعَات ويَكْثُر فيها حديث الناس، وتخوض فيها الأندية في الليل والنَّهار، ثُمَّ لا تَجِدُ من شمس الحق المُشرقة ما يبدل سحابها الكثيف أو الرَّقيق.
والنظام القائم ديمقراطي فيما يقول أصحابه ومنشئوه، وهو قد قَرَّرَ أَنَّ الوزراء مسئولون، وهو قد قرَّرَ أنَّ الوزراء يُحَاكَمُون إذا اقتضت أعمالهم أن يحاكموا. وقد ملأ صدقي باشا وأصحابه، وملأ الرجل الطيب وأصحابه أسماع الناس وقلوبهم وعقولهم، بكلماتِ العدل والقسط والنَّزَاهة والإنصاف والدِّيمُقراطية، وما يشبه هذه الكَلِمَات التي يُحِبُّ الناس أن يَسْمَعُوها، ولكنهم يحبون قبل كل شيء أن يروا معانيها الجميلة الرائقة، وأن يبلوا آثارها الحلوة العذبة، وأن ينعموا برحمتها ويطمئنوا إلى أنها تبسط عليهم ظلها، وتحميهم من الجور والظلم والعبث، وتطرد عنهم القهر والعسف والاستبداد.
والناس يشهدون هذا الامتحان الذي تخضع له فكرة الديمقراطية، ويخضع له النِّظام القائم، وهم يُحِبُّون أنْ يَرَوا نتيجة الامتحان؛ ليعلموا أنَّ فِكْرة الديمقراطية موجودة حقًّا في مصر، وليعلموا أنَّ النِّظام القائم يُحَقِّق هذه الفكرة ويحميها، ويُثبت أنَّه صَالِحٌ للبقاء وقادرٌ عليه. وموضوع الامتحان سهل يسير ليس بالمعضل ولا بالمعجز، يستطيع أبسط أصول الديقراطية، ويستطيع أبسط النظم الديمقراطية أنْ يجوزاه مع نجاح عظيم. فوزير الداخلية السابق صدقي باشا قد أجاز أعمالًا خطيرة شعر الناس بخطرها وأكثر الناس فيها الحديث، وزَعَمُوا أنَّها أَضَاعَتْ مئات الألوف من الأموال العامَّة، وشعرت الوزارة القائمة نفسها بهذا الخطر، وجزعت له، وأَظْهَرَتِ الحِرْصَ على أن تتبينه وتُعاقب الذين تورطوا، وورطوا غيرهم فيه، وأُلِّفَتْ لذلك لجنة كلفتها التحقيق الدقيق، وانتظر الناسُ وانْتَظَرَتِ الحُكومة نتيجة هذا التحقيق.
فالمسألة التي تلقى الآن على الديمقراطية والنظام الدِّيمُقراطي في مصر، هي هذه: أيبلُغ التحقيقُ صدقي باشا أم يعجز عن الوصول إليه؟ وقد كان الجواب الأول مُحزنًا مع الأسف فقد ظهر أنَّ التَّحقيق الذي فرضته الحكومة، وأنشأت له لجنة لا يستطيعُ أنْ يبلغ صدقي باشا، بل لا يستطيع أن يفكر في الوصول إلى صدقي باشا؛ لأنَّ صدقي باشا كان وزيرًا؛ ولأنَّ الوزراء لا يسألون إلا أمامَ البرلمان ولجان البرلمان، واللجنة التي ألفتها الحكومة ليست برلمانية، وظهر أيضًا أنَّ السلطة القضائية القائمة ليستْ مُخْتَصَّة بسُؤال صدقي باشا وإنما البرلمان وحده هو المختص بهذا السؤال. وليس على شيء من هذا كله غبار، فليس الخطر على الديمقراطية والحق والعدل ألا يسأل صدقي باشا أمام اللجنة أو أمام السلطة القضائية، وإنما الخطر كل الخطر والإفلاس الديمقراطي كل الإفلاس، والهزيمة المنكرة للحق والعدل والإنصاف والنزاهة، ألا يسأل صدقي باشا بحال من الأحوال. وقد تكلمنا أمس، وتكلمنا أول أمس، عن موقف الوزارة القائمة من هذه المَسْأَلة، حين أُلِّفت لجنة التحقيق، فقد كانت تعلم من غير شك أنَّ في مصر دُستورًا، وأنَّ الدستور لا يُبيح سؤال الوزراء عن أعمالهم إلا أمام البرلمان، وهي إذن قد ألفت هذه اللجنة، وهي مُعتزمة في نفسها ألا يسأل أمامها صدقي باشا، ونحن نكره أنْ نَعْتَقِدَ أنَّ الوزارة كانت تجهل الدستور. فالمسألة الآن هي: هل يظل صدقي باشا بمأمن من أن يُسأل، ما دامت اللجنة لا تستطيع أن تسأله، وما دامت السُّلطة القضائية لا تستطيع أن تسأله، أم هل ينفذ الدستور الذي أصدره صدقي باشا في صدقي باشا نفسه؟ أم هل يؤلف البرلمان الذي أشرف على انتخابه صدقي باشا لجنةً لسؤال صدقي باشا؟ أم هل يُقِيمُ النِّظام القائم دليلًا لخصومه، وخصوم مُنْشِئِه على أنه قادر على البقاء، مُحَقِّق للعدل والنزاهة، لا يتحرج حتى من أن يسأل مُنشئه ومصدره، والذي حماه أكثر من ثلاثة أعوام؟ هذه هي المسألة، وهي كما ترى مسألة عَظِيمة الخطر، خليقة أن يُعنى الناس بها، ويلتفتوا إليها، ويتحدثوا فيها. وهي خليقة — بنوع خاص — أن يُعْنَى بها الوزراء، لا لأنَّهم خصومُ صِدقي باشا، فأُمور الحكم يجبُ أن تكون فوق الخصومات؛ بل لأنَّهم مكلفون بتنفيذ الدستور، ولأنهم قاموا لحماية النظام الجديد. وهي خليقة أن يُعنى بها الشيوخ والنواب، لا لأنهم أصدقاء الدكتاتور العظيم أو خصومه، فأمور الدَّولة يجبُ أن تكون فوق الحب والبغض، وفوق النصر والخصومة؛ بل لأنهم عمد النظام الجديد، قد أقسموا جميعًا يمين الإخلاص له، والاحترام لأصوله وأحكامه. ثم هي خليقة أن يُعنى بها صدقي باشا، لا ليدفع عن نفسه ما تصوغه حوله الإشاعات، فقد يكون صدقي باشا عند نفسه أرفع من أنْ تَمَسَّه الإشاعات، ولا ليدفع عن نفسه ما قد يتعرض له من سوء الظَّنِّ، فقد يكون صدقي باشا أشجع من أن يحفل بسوء الظن؛ ولكن ليحمي النظام الذي أنشأه، والذي حماه أكثر من ثلاثة أعوام. وصدقي باشا يُحِبُّ هذا النظام، كما يحب الأب الرحيم الشفيق ابنه البر الوفي، فمن حق النِّظام علي صدقي باشا أن يحميه، ومن حق صدقي باشا على نفسه أن يحمي ابنه، وأن يُثْبِتَ للنَّاس ولنفسه أَنَّه أَبٌ رَحِيمٌ يَعْرِفُ كيف يحمي أبناءه الأَعِزَّاء. وصدقي باشا مع ذلك قد أقسم يمين الإخلاص والاحترام للنِّظام القائم، فمن الحق عليه أنْ يبر بهذه اليمين، ومن الحق عليه أن يسعى إلى اللجنة القائمة، وإن لم تَدْعُه، وأن يتحدث إليها وإن لم تدْعُه، وأن يتحدث إليها وإن لم تسأله. فإن شق عليه ذلك ورأى سكوتًا من الوزارة، وسكوتًا من الشيوخ والنواب، فمن الحق عليه أن يطلب إلى مجلس النواب تأليف هذه اللجنة البرلمانية التي تستطيع وحدها أن تدعوه وأن تسأله، وأن تحكم له أو عليه، وأن تثبت أن في مصر ديمقراطية ونظامًا ديمقراطيًّا.
وكم يرتفع صدقي باشا في أعين الناس إن تقدم إلى البرلمان يطلب إليه تأليف هذه اللجنة! ثم نحب أن نقول في صَرَاحَةٍ ووضوح للوزراء وللشيوخ وللنواب، ولصدقي باشا نفسه: إنَّ التَّحقيق الذي جرى مع المُوَظَّفين في قصة الكورنيش ليس شيئًا إذا لم يتبعه التحقيق مع الوزير الذي أذن لهم في العمل إن كان قد أذن، أو الذي تركهم يعملون بغير إذن، إن كان قد تركهم يعملون بغير إذن. فالموظفون مسئولون من غير شك عن كل ما يعملون، ولكنَّ رؤساءهم من الوزراء ليسُوا أَقَلَّ منهم تبعة، بَلْ هُم أَشَدُّ منهم تبعة وأثقل واجبًا. ولعلَّ مِنْ مُجَاوزة العدل أن يُسأل الموظفون المرءوسون؛ لأنَّ الحكومة تملك سؤالهم ومحاسبتهم، وأن يُترك الوزراء المسئولون؛ لا لشيء إلا لأنَّ الدستور يجعل سؤالهم إلى البرلمان! فليسألهم البرلمان إذن، وليُنشئ بذلك القُدْوَة الصَّالحة والأُسْوَةَ الحَسَنَة، وليبين للموظفين الذين يُسألون أنهم لا يسألون وحدهم وإنما يسأل معهم وزراؤهم أيضًا.
أرأيت أنَّ الامتحان الذي تجوزه الديمقراطية، والنِّظام الديمقراطي في مصر الآن ليسا من الأشياء التي يُمكن الإغضاء عنها، أو التهاون في أمرها، وإنما هو من الأشياء ذات الخطر حقًّا. أما إذا جرت الأمور كما ينبغي أن تجري في البلاد التي لم يفسد مزاجها الظلم؛ فليس من شك في أن صدقي باشا سيسأل قبل أن يمضي وقت طويل. وأمَّا إذا لم يسأل صدقي باشا؛ فقد يكون من العسير أن نعتقد أن في مصر ديمقراطية وأنَّ النظام القائم قد نجح في الامتحان. -
حماية (١)
حديث المساء: حماية (١)
طه حسين
كوكب الشرق
٧ فبراير ١٩٣٤
ليس أيسر من أن يُسأل أمثالك وأمثالي من عباد الله المعارضين إن قالوا أو فعلوا أو خُيِّل إلى الوزارة أنهم قالوا أو فعلوا، ما تظن الوزارة أنه يحتاج إلى السؤال والتَّحقيق. فأَمَّا إِنْ قَالَ غَيْرُك وغيري، أو فعل غيرك وغيري، من عباد الله المؤيدين أو من عباد الله المُمْتَازِين ما يَحْسُن فيه إلقاء السؤال، واستماع الجواب، واستكشاف الحق، وتبين وجه الصواب، فإن أمر هؤلاء شيء آخر يحسن الإعراض عنه والإبطاء في الالتفات إليه، والنسيان له بعد البدء فيه وتفويضه إلى الله، يقضي فيه بما يشاءُ، حين يسألنا جميعًا عمَّا نفعل ونقول. فنحنُ على هذه الأرض المصرية قسمان: قسمٌ تُحاسبه الدولة في الحياة، ويُحاسبه الله بعد الحياة، وقسم آخر تشغل الدولة عن حسابه، وتكل أمره إلى الله الذي يُحصي كل شيء على كل إنسان، والذي يسأل كل إنسان عن كل شيء. ولا يَنْبَغِي لنا أنْ نُنْكِرَ ذلك ونعترض عليه، فإنَّا إنْ نفعل ذلك أو نقل منه شيئًا، نُسأل عَمَّا فعلنا، ونُسأل عَمَّا قُلنا، ونُضِفْ أَثقالًا إلى أَثْقَالٍ، وأَحْمَالًا إلى أحمالٍ. وإِنَّما الخير في أن نذعن ونرضى بقضاء الله فينا، فنُسْرِعَ إذا دعينا ونجيب إذا سئلنا، ونحتمل ما يريد الله لنا أن نحتمل من آلام الحياة، فلذلك خلق المصريون، وبذلك سبقت فيهم الكلمة، وقضت فيهم الأقدار. وإذا لم يكن بد من أن نفرج الكرب عن نفوسنا، ونُسلي الهم عن قلوبنا، ونتعزَّى عن هذه الآلام التي تنغص علينا الحياة، حين نشعر بما بيننا وبين غيرنا من الفروق، وحين نرى ما بيننا وبين غيرنا من التفاوت والتمايز في ظل الديمقراطية والدستور؛ فيكفي أنْ نَتَحَدَّث بامْتِياز المُمْتَازِين، وحَصَانَةِ المُحصنين، نغبطهم على ذلك، دون أن نحسدهم عليه، فقد يكون في الحديث عن نعمة المنعمين، وسعادة السعداء، عزاء عن بؤس البائسين، وشقاء الأشقياء، ثم لنُسَجِّل هادئين مُطمئنين ما نرى من ذلك، ولنحفظه في ذاكرتنا فقد تنفع الذكرى وقد يُفِيدُ التَّسْجِيلُ، والله يداول الأيام بين الناس، فقد يأتي يوم نستطيع فيه أن نذكر هذه الآلام والحسرات، فنحرص على ألا نفرضها على خصومنا ونحرص على ألا نوئسهم من العدل ونقنطهم من الرَّحمة، ونحرمهم ما ينبغي لهم من المُسَاواة؛ لأنَّ الذين ذاقوا الألم، وعرفوا إيذاءه للضمائر الحية، والنفوس الحية، خليقون ألا يُذيقوا مثل هذا الألم للناس، وأَلَّا يُحمِّلوهم منه ما احتملوا، ولا يسقوهم منه ما شربوا.
وإني لأستعرض هذه الخواطر كلها بعد أن فرغت من قراءة ما نشرته الصحف عمَّا كان في مجلس النواب أمس من أخذ ورد، ومن حوار وجدال، فقد كان صدقي باشا أمس يصول ويجول، وكان صدقي باشا أمس يُقَدِّم إلى الوزارة القائمة مُلاحظات فيها الجد وفيها الدعابة، فيها القوة وفيها الظَّرف والمزاح. وكان وزير المالية يلقى ملاحظات صدقي باشا بِكَثِيرٍ جِدًّا من الحذر والاحتياط، فيُجِيبُ مُتحفظًا مُتلطفًا، يُرِيدُ التَّسْلِيمَ ويُحَاوِلُ ستره فلا يستطيع.
ومن قبل هذا كان صدقي باشا يَصُولُ ويَجُولُ في الصحف، يذكر القطن وبيعه، وتوجه الأسئلة حول القطن وبيعه، فيرد صدقي باشا على الأسئلة، ويُناقش صدقي باشا ما يُقال. وتذكر قصة الكورنيش وفضائحها، وتُذاع الإشَاعَات والأَحَادِيث حول قصة الكورنيش وفضائحها، فيصدر صدقي باشا بياناتٍ حول ما يَمَسَّه من هذه القصة، أو حول ما يُرِيدُ بعض الناس أن يمسوه به من هذه القصة، وتجري الأمور على ذلك فلا تعرف مصر آخر الأمر شيئًا من الحق في القطن وبيعه، ولا تنتهي مصر آخر الأمر إلى كل ما ينبغي أن تنتهي إليه من أمر الكورنيش ومن يتصل بهم أمر الكورنيش من قريب أو بعيد. وكان النَّاسُ يقولون منذ أشهر: إن أمر القطن وأمر الكورنيش وغيرهما من الأمور قد ثارت في الجو المصري؛ رغبة منها في مُداعبة صدقي باشا، وأخذه بأن يبين للمِصريين عن طائفة من تصرفاته ليعلموا أكانت هذه التصرفات مُستقيمة لا غبار عليها، أم كانت معوجة تحتاج إلى شيء من التقويم. ولما أثيرت قصة الكورنيش لهج بها الناس وأكثروا الخوض فيها، وما زالوا يلهجون بها ويَخُوضُون فيها إلى الآن. وقال الناس ونشرت الصُّحف: إنَّ لَجْنَةَ التحقيق التي ألفتها الوزارة، ستستقصي كلَّ شيءٍ، وستسأل كل إنسان، يتصل بهذه القصة اتصالًا قويًّا أو ضعيفًا، ثم قال الناس ونشرت الصحف: إن هذه اللجنة ستسأل صدقي باشا نفسه؛ لتعرف منه وجوه الصواب فيما أتى من الأمر في هذه القصة، حين كان وزيرًا للداخلية. وغلا كثير من النَّاس فظنوا أنَّ هذه القِصَّة إنما أُثيرت لإحراج الدكتاتور العظيم، وأيُّ إحراج لرجل كصدقي باشا يُشْبِهُ ما يكون من إلقاء الأسئلة عليه، وانتظار الأجوبة منه؟! ومضى الناس يظنون هذا، ثم يعتقدونه، ثم ينتظرونه، ثم تقوى في نفوسهم الرغبة في الاستطلاع؛ فيتشوقون إلى هذا الموقف الذي سيكون بين رجل كانت إليه الأُمور كلها في مصر، أكثر من ثلاثة أعوام، ثم انصرفت الأمور كلها عنه، وإذا هو يقف أمام لجنة تحقيق تلقي عليه السؤال، وتسمع منه الجواب. ولكن اللجنة قد حققت ودققت، وسألت واستمعت للأجوبة، وأحصت واستقصت، ودنت في ذلك من صدقي باشا، ثم بعدت بذلك كله عن صدقي باشا، وقد أتمت أو كادت تتم تحقيقها، ولم تسأل صدقي باشا. وقيل آخر الأمر: إنها لن تسأل صدقي باشا، ولن تستطيع أن تسأله؛ لأن صدقي باشا محمي من سؤال هذه اللجنة له بالدستور! نعم، هو محمي بالدستور، فقد كان صدقي باشا وزيرًا ولا يسأل الوزراء عما يفعلون بحكم الدستور — فيما ظهر أخيرًا، وفيما قيل — إلا أمام البرلمان، أو أمام اللجان التي يُؤلفها البرلمان. وإذن، فيستطيع صدقي باشا وغير صدقي باشا من الوزراء أن يقولوا ويفعلوا، وأن يصولوا ويجولوا، وأنْ ينشروا في الصحف وأن يخطبوا في الأحزاب، وأن يُلاحظوا في البرلمان، فلن تستطيع السلطة التنفيذية ولن تستطيع اللجان التي تؤلفها هذه السلطة أن تراجعهم في شيء أو أن تسألهم عن شيء؛ لأنهم لا يسألون إلا أمام البرلمان ولجان البرلمان.
والظريف في هذا الأمر هو موقف وزارة الرجل الطيب من هذه القصة، فقد أُلِّفت لجنة التحقيق هذه لتحصي وتستقصي، وترفع إليها حقيقة الأمر واضحة جلية، لا لبس فيها ولا غموض، ولا خفاء من ناحية من نواحيها. وكانت وزارة الرجل الطيب حين ألفت هذه اللجنة بين اثنتين، فإمَّا أنْ تَكُونَ مُقَدرة أن هذه اللجنة ستسأل الناس جميعًا، وفيهم الوزير الذي حدثت في عهده قصة الكورنيش، وإذن، فقد كانت ساهية لاهية عن الدستور وأحكام الدستور، وحماية الدستور للوزراء من أن تتوجه إليهم مثل هذه اللجنة بالسؤال. وإذن، فما لها لم تستشر؟ وما لها لم يُشَرْ عليها؟ فلو قد استَشَارَتْ وأُشِيرَ عَلَيْهَا حينئذٍ لتجنبت شرًّا كثيرًا، ولمنعت الصحف والناس من أن يذكروا صدقي باشا أو يُفكروا فيه، أو يخوضوا في حديثه حين يَذْكُرون قصة الكورنيش، ولأراحت صدقي باشا نفسه من أن يُدافع عن نفسه وينشر في الأهرام وغير الأهرام، ما نشر من الحديث عن هذه القصة. وإمَّا أَنَّها لم تكن ساهية ولا لاهية، بل كانت تعلم حق العلم أن حكم الدستور في ذلك واضح، وأنَّ صِدْقِي بَاشَا لا يُمْكِنُ أن يتلقى من هذه اللجنة سؤالًا ولا يمكن أن يلقي إلى هذه اللجنة جوابًا. وإذن، فقد كان من الحق أن تُزيل عن هذا كل لبس وكل غموض. وإذن، فقد كان من حقِّ النَّاسِ أَنْ يُلَاحِظُوا أنَّ تأليف هذه اللجنة لن يكون مُغنيًا مُقنعًا؛ لأنَّ قِصَّةَ الكورنيش فيما يظهر كغيرها من القصص التي يتصرف فيها الوزراء، لا يمكن أن تتضح، ولا أن تستبين، إلا إذا سئل الوزير الذي حدثت في عهده، عن رأيه فيها وموقفه منها، وتصرفه بإزاء أشخاصها، وإلا إذا نُوقِشَ الوزير في ذلك مُناقشة دقيقة، عميقة تَمْحُو كل شك وتُزيل كل ريب.
ومهما يكن من شيء، فقد ظهر للوزارة آخر الأمر وأوله ألا بأس على صدقي باشا من قصة الكورنيش ولجنة التحقيق في قصة الكورنيش. ونُحِبُّ أن يفهم صدقي باشا أننا لا نختصه بشيء من هذه القصة؛ لأننا لا نعرف من أمره فيها شيئًا، وأنْ يفهم صدقي باشا أيضًا أنه كان وزيرًا، وأنَّ هذه القصة حدثت في عهده، وأنَّ إمضاءه هو الذي جعل هذه القصة حقيقة واقعة، وأنَّ مِنْ حَقِّنَا جَمِيعًا أنْ نَعْرِفَ حقيقة موقفه، وجلية الأمر في تصرفاته، وأننا لهذا نكتب ما نكتبه اليوم. وقد كانت هناك وسيلة لسؤال صدقي باشا والاستماع له، والانتهاء إلى الحكم له أو الحكم عليه، وهي تنظيم ما نص الدستور عليه من محاكمة الوزراء، ولكن وزارة الرَّجل الطيب لم تفكر في هذا التنظيم، ولم تهيئ له القانون، ولم تعرضه على البرلمان، ولم تصدره في سرعة، ولم تصدره في بطء، وأكبرُ الظَّنِّ أَنَّها ستستقيل قَبْلَ أنْ تُفَكِّرَ فيه. كانت مشغولة عن ذلك بأحداث جِسَامٍ، كانت مشغولة عن ذلك بحرب صدقي باشا نفسه، وقد ظهر أنَّها شغلت نفسها بذلك في غير نفع ولا جدوى، فهي لم تبلغ من صدقي باشا شيئًا، وهي لم تبعد صدقي باشا عن السياسة، وهي لم تصرفه عن مجلس النواب، وهي لم تحمِ نفسها من ملاحظات صدقي باشا وحملاته التي بدأها أمس، وإنما حاربته وجَدَّت في حربه، بكثير من الإشاعات والأحاديث والمناورات.
ثم انتهت هذه الحرب إلى موقف صدقي باشا منها أمس في مجلس النواب، وإذا كان صدقي باشا قد ضعف أمره، وهان حتى انصرف الناس عنه، فليس ذلك من فعل الوزارة، وإنَّما هو مِنْ فِعْل صدقي باشا بنفسه، أسرف على الناس حتى انْصَرَف عَنْهُ الناس، وهانَ أَمْره عَلَيْهِم إِلى هَذَا الحَدِّ الذي يُؤذيه ويُضْنِيهِ.
وكانت الوزارة مشغولة عن قانون محاكمة الوزراء بنقابة المحامين، وانتخابات نقابة المحامين، وخطبة نقيب المحامين، والتشريع المستعجل لنقابة المحامين … وقد انتهى بها هذا كله إلى مثل ما انتهت بها إليه حربها لصدقي باشا؛ فقد رَفَضَ المُحَامُون أنْ يُذْعِنُوا لقانونها، وأعلنوا أنَّ الحُكم الرجعي فيه يخالف الدستور، وأصروا على أن ما أقدموا عليه من انتخاب لا يزال صحيحًا بعد صدور القانون كما كان صحيحًا قبل صدور القانون. وكانت الوزارة مشغولة بما شئت، وما لم تشأ من المشكلات التي لم تنتهِ فيها إلى شيء، وكانت نتيجة هذا الاشتغال بتلك الأعمال الجِسَام أنْ وقف صدقي باشا منها موقف الخصم المخوف، ووقفت هي منه موقف الخصم الخائف، ووقفتِ الأُمَّةُ مِنْهُما ومن تَصَرُّفهما في مرافقها موقف المتألم المحزون.
أرأيت أننا على هذه الأرض المصرية قسمان: قسم لا يكاد يفعل أو يقول أو تتخيل الوزارة أنه يفعل أو يقول إلا دعي وسئل، وشدد عليه الحساب، وقسم آخر لا يقدر الناس على سؤاله ولا على حسابه، ولا على استدعائه فيفوض الأمر فيه إلى الله؟! وأغرب من هذا كله أن قصة الكورنيش لم تستطع إلى الآن أن تُثير في نفس واحد أو عشرة من النواب الرغبة في شيء يشبه الاستجواب! -
تجارب …
حديث المساء: تجارب …
طه حسين
كوكب الشرق
٥ فبراير ١٩٣٤
زَعَمُوا أنَّ وزارتنا قوية، شديدة القُوَّةِ، مُستقرة مُمْعِنَة في الاستقرار، تأمن الناس
جميعًا ويأمنها الناس جميعًا، ليس بينها وبين الشعب الأخير ما يكون بين الحاكم والمحكوم من
الصلات. وزعموا أنها مُسَيْطِرَةٌ على الأَمْرِ كُلِّه في مِصْرَ، حَافِظَةٌ على الناس أمنهم
كله وما يحتاجون إليه من الدعة والطمأنينة في ظل النظام، وأنها إنما وفقت إلى هذا لأنها مُسيطرة
على القلوب، مُتَسَلِّطَةٌ على النفوس، مُسْتَأْثِرَةٌ بالعواطف، مُصَرِّفة للأهواء، لا تأمر
الناس إلا ائتمروا، ولا تنهى الناس إلا انتهوا، ولا تريد إلا أسرع الناس إلى تحقيق ما
تريد.
وزعموا مع ذلك أنَّ لِهَذِهِ الوَزَارَة خُصومًا ضِعَافًا، لا يَمْلِكُون من أمرهم شيئًا،
فَضْلًا عن أن يملكوا شيئًا من أمور الناس، لا سلطان لهم على أنفسهم فضلًا عن أن يكون لهم سلطان
على الناس. وزَعَمُوا أنَّ هَؤُلاء الخصوم يُسْرِفُون على أَنْفُسِهِم فيَزْعُمون أنهم أقوياء،
ويُعْلِنُون أنَّ الوزارة تخافهم، وتخشى بأسهم، وأن الوزارة تغلو في خوفهم فتراقبهم من قريب،
وتراقبهم من بعيد، وتبذل المباح وغير المُبَاح لتَحُول بينهم وبين الشعب، ثم زَعَمُوا أنَّ
الوزارة أَرَادَتْ أَنْ تقضي على وهم هؤلاء الخصوم، وأن تمحق حجتهم محقًا، وأن توئسهم حتى من
التعلق بأهداب الوهم، والاستمتاع بلذات الخيال؛ فأذنت لهم، وأعلنت إلى الناس جميعًا أنها تأذن
لهم في أن يذهبوا ويجيئوا أو في أن يغدوا ويروحوا، وفي أنْ ينتقلوا كما يُحِبُّون لا في القاهرة
وحدها بل فيها وفي غيرها من المُدن، وفي أعماق الرِّيف أيضًا، فأَبَى هؤلاء الخُصوم أنْ يقبلوا
هذا التحدي، وأنْ يتنقلوا بين المدن والقرى؛ لِأَنَّهُم أَشْفَقُوا إِنْ فَعَلُوا أَنْ تَقُوم
عليهم الحجة، حتى أَمَامَ أَنْفُسهم، وأَنْ تقطع عليهم هذه اللذات التي يتعللون بها، ويتعزون
بها عما أصابهم من الإخفاق والخذلان.
ولكنَّ قومًا آخرين لا ندري من أين أقبلوا ولا ندري من أين نجموا، ولا ندري من أين هبطوا، قد
ظهروا فجأة، فإذا الناس يُحِبُّونهم حبًّا شديدًا، قد صرفهم عن الوزارة صرفًا، وإذا هُمْ
مَصْدَرُ قلق للوزارة إذا كان النهارُ، ومصدر أرق للوزارة إذا كان الليل، وإذا الوزارة تنظر
فتَرَى أَنَّها لا تَسْتَطِيعُ بقاءً أمام هؤلاء الناس الذين أقبلوا من حيث لم يكن أحد ينتظر
إقبالهم إلا إذا خاصمتهم أشد الخصومة، وحاربتهم أعنف الحرب، وأخذتهم من ألوان الكيد والبأس،
ونَصَبَتْ لَهُم من فنون المكر والحيلة أضعاف ما كانت تُهَيِّئ في الزَّمَان القديم لتلك الهيئة
السياسية التي كانت تُسَمَّى الوفد، والتي كانت خطرًا فزال، وخوفًا فرفع.
وأخذت الوزارة تستأنف مع هؤلاء الخصوم الجدد، أضعافَ ما كانت تفعل مع أولئك الخصوم القدماء،
وإذا الناس ينظرون ثم يسألون أنفسهم: أَمُحِيَ الوفد أم ما يزال قائمًا؟ أمات الوفد أم يزال
حيًّا؟ أمُحِقَ أُولئك الخصوم أم ما يزالون مُحتفظين بكل ما كان لهم من قُوَّةٍ عَنِيفَةٍ
وَبَأْسٍ شَدِيدٍ؟
ينظر الناس فإذا إقليم مجاور للقاهرة تفرض عليه الأحكام العرفية فرضًا، ويفصل من الأقاليم
التي كانت تجاوره فصلًا؛ لأن رجلًا يريد أن يزوره ولا ينبغي لهذا الرجل أن يزوره. وينظر الناس
إلى هذا الرجل، فيرون بينه وبين رئيس الوفد الذي زال ومحي شَبَهًا قويًّا، حتى لكأنه هو لم
يتغير، ولم يتبدل، له شكله وصورته، له صوته ومنطقه، له حركاته وأعماله، فيقولُ النَّاسُ
لِأَنْفُسِهِم أَين نَحْنُ؟ وماذا نرى؟ لقد كنا نظن أن عصر المعجزات قد انقضى، وأنَّ الموتى لا
ينشرون في هذه الحياة. فإذا الوفد الذي مات لا يزال حيًّا، وإذا رئيس الوفد الذي أخفق وانصرفت
عنه القلوب لا يزال منتصرًا، تلتف حوله القلوب، وإذا الوزارة ما تزال تعالج ما كانت تشكو منه من
هذا الوفد الذي كان أذًى في الأجواف، وشجى في الحلوق.
ولا يكاد الناس يفرغون من هذا الحديث حتى يروا سيدة تهم بالسفر إلى طرف من أطراف الصعيد، وإذا
الشعب من حَولِهَا قد خفَّتْ إليها نفسه وخفق لها قَلْبُه، وانْدَفَعَ إليها حُبُّه، يَغْمُرها
بما فيه من المَوَدَّة والإِكْبَار، والإجلال، والوفاء، وإذا الوزارة تقاوم وتخاصم، فتحصر
المحطات، وتُعَبِّئ القوى، وتحشد الجند، وتعتقل الناس، وإذا كل هذا يذكر بسيدة كان المصريون
يُحِبُّونها وكانت الوزارات تُقَاوِمُها، حتى ضَعُفَ أَمْرُها كلَّ الضعف، وحتى نسيها الناس
وأعرضوا عنها، وحتى مُحِيتْ صورتها من قلوبهم. وكانوا يُسَمُّونها أمَّ المصريين، فينظر الناس
إلى هذه السيدة ويسأل بعضهم بعضًا ماذا نرى؟ ما أشد ما بين هذه السيدة وتلك من الشبه! وما أشد
ما بين صنيع الوزارة معها الآن وصنيع الوزارات مع تلك من قبل!
ثم يقول بعضهم لبعض: من يدري؟ لعلها هي أم المصريين! لم ينسها أحد، ولم ينصرف عنها أحد، لم
يُصِبْ أمرها ضعف ولا وهن، وإنما خُيِّل إلى الوزارة أن أمرها قد ضعف، وأنَّ سُلطانها على
القلوب قد زال.
وكذلك يُفِيق المُجربون من نوم عميق، ويخلص المجربون من أحلام لذيذة، ويستيقن المجربون أنَّ
ما أَنْفَقُوا مِنَ الجَهْدِ قد ذهب في غير طائل، وأن ما سينفقون من الجهد سيذهب في غير غناء،
وأن مصر قد كانت وستظل خالصة للوفد، ورئيس الوفد، وأم المصريين، لا يصرفها عنهم صارف مهما تكن
قوته، ومهما يطل أمامه الزَّمان، ومهما يمنح من المعونة والتأييد.
ولكنَّ المجربين على ذلك لا يكفُّون عن تجربتهم ولا يستَحُون من المُضِيِّ فيها؛ لأنَّ
الاعْتِرَاف بالهَزِيمة أَثْقَل عليهم من الهزيمة؛ ولأنَّ التسليم بالخذلان أسهل عليهم من
الخذلان، فهم يقاومون ويخاصمون، وهم مُقْتَنِعون فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين
الناس، بأن لا فائدة لهم في المُقاومة، ولا نفع لهم في الخصام، ثم يعوِّدون أنفسهم هذا الجهاد
الذي لا يفنى، وهذه المقاومة التي لا تُفيد حتى يتعوَّدُوهما، وينظروا إليهما كما ينظر الرجل
إلى صناعة لا خير فيها ولا نفع منها، إلا أَنَّها تُعِينُ على الحياة، واحتمال العيش، وإنفاق
الوقت.
هذا بالضبط مثل ما نحن فيه الآن، تجارب تدفع إليها الوزارات وتدفع إليها مصر، وتخسر فيها
الوزارات جهودًا كان من المُمكن أن تكون مُثْمِرَة، وتخسر فيها مصر أوقاتًا كانَ من الممكن أنْ
تكون نافعة، ويظهر للوزارات المُختلفة، كما يظهر لمصر، أنَّ هذه التجارب ليست إلا لغوًا وعبثًا
وإضَاعَةً لِمَا لَا يَنْبَغِي أنْ يُضَاع. ولكنَّ الإنجليز يمضون في تجاربهم، وماذا يعنيهم أن
تضيع جهود الوزارات؟ وماذا يعنيهم أن يضيع وقت مصر؟ وهُم إِنَّمَا ينتفعون بما تُضِيع الوزارات
من جهود، وإنما هم ينتفعون بما يضيع على مصر من أوقات.
إنما اللوم كل اللوم على هذه الوزارات التي ترى إخفاق التجارب ثم تَمْضِي في مُعَاونة
الإنجليز عليها، وترى ضياع الجهود ثم تمضي في تحقيق آمال الإنجليز فيه، وترى ضياع الوقت على مصر
ثم تمضي في إغراء الإنجليز به، لماذا؟ لأنَّها تريد أن تحتفظ بالحكم؛ ولأنَّها تُرِيدُ أَنْ
تستبقي المناصب في أيديها، وإلا فحدثني ماذا تنتظر الوزارة القائمة من كل هذا الجهد العنيف الذي
تبذله، ومن كل هذا الوقت العزيز الذي تضيعه، ومن كل هذا الشر العظيم الذي تعرض البلاد له، وهي
قد رأتْ أَنَّ وزارات أُخْرَى قد فعلتْ أَضْعَاف ما فعلت فلم تَبْلُغ شيئًا ولم تنتهِ إلى شيء،
ولم تظفر برضا الإنجليز فضلًا عن رضا المصريين؟!
فيمَ كل هذا الجهد الذي بذلته الوزارة في منع رئيس الوفد من زيارة القليوبية، وفي التشديد حول
زيارة أم المصريين لأسوان؟ ما الذي تنتظره من هذا؟ وما الذي جناه صدقي باشا من محاولة هذا؟ لا
شيء، وإنما هي حياة يجب أن تحتمل، وجهود يجب أن تُبْذَل، وأوقات يجب أن تضيع.
وهذه أنباء أسوان تحمل إلينا ما كان من اصطدام بين الشرطة والشعب، وما كان من اعتقال للعشرات
من الناس، وما كان من إغلاق للفندق الذي نزلت فيه أم المصريين بالحواجز والسلاسل، وما كان من
تتبع لسيارة أم المصريين حين تذهب أو تجيء؟ تحمل إلينا أنباء أسوان هذا كله، فماذا تجني منه
الوزارة؟ وماذا تنتظر أن تجني منه؟ لن يدل أحدًا من المصريين ولا من الإنجليز على قوتها وشدة
بأسها وقُدْرَتِها على ضبط الأمر وحفظ النظام. فرأي المِصريين ورأي الإنجليز في ذلك معروف، لن
يمدَّ لها ذلك في الحياة، ولن يحفظ عليها ذلك مناصب الحكم، ولن يعينها ذلك على البقاء؛ فقد فعل
ذلك غيرها فلم يجنِ منه خيرًا، ولم يفد منه شيئًا، ونزل عن الحكم كما وثب إلى الحكم؛ لا يحبه
أحد، ولا يعطف عليه أحد.
ألم يأذن الله لمصر أنْ يَلِي أُمُورها قومٌ لَا يُحِبُّون إِضَاعَة الوقت، ولا إنفاق الجهود
فيما لا يُفِيدُ، ولا ينظرون إلى الحُكْمِ على أنه غاية تحتمل في سبيله الأثقال والمشقات، وإنما
ينظرون إليه على أنه وسيلة ترفع بها عن الأمة المشقات والأثقال؟! -
تنظيم
حديث المساء: تنظيم
طه حسين
كوكب الشرق
٢٨ يناير ١٩٣٤
وليست وزارة حازمة، ولا مشبهة للحازمة إذا لم تنظم كل شيء تنظيمًا يمكنها أن تبسط سُلطانها
عليه؛ تخضعه لما تُريد.
ومن الذي يستطيع أن يزعم أنَّ وزارتنا ينقصها الحزم من قريبٍ أو مِنْ بَعِيدٍ، ومن ذا الذي
يستطيع أن ينكر أنَّ وزارتنا حَازِمَةٌ من جميع أطرافها، ومن جميع جهاتها، يأتيها الحزم من كل
مكان، وينبع منها الحزم كما ينبع الماء من العيون الغزار؟! حزم عنيف مخيف.
قد ذاقه الوزراء المُفوضون وذاقه الإنجليز من الرجل الطيب فعرفوا أنه مُرٌّ ممض، ليس إلى
احتماله من سبيل وذاقه أهل المنصورة، وأهل القليوبية من وزير الداخلية فعرفوا أنه ملتهب محرق.
وذاقه الأساتذة والمعلمون، والطلاب والتلاميذ من وزير التقاليد فعرفوا أنه منغص يبعث الكآبة في
النُّفوس، ويُدْمِي القلوب حزنًا وألمًا. وذاقه المستشارون الملكيون من وزير المالية، فعرفوا
أنه يُثير الغيظَ أَوَّل الأمر ويُثير الابتسام آخر الأمر، وأَنَّه مُرٌّ عذب وحامض حلو. وذاقه
السماسرة من وزير المالية فأحبوه وكرهوه وخافوه وطمعوا فيه؛ لذلك غضبوا ثم رضوا ثم غضبوا وهم
يترجحون الآن بين الغضب والرضا. يريدون أن تطول اللذة وتتصل الغبطة ويبقى الابتهاج. وذاقه
المحامون من وزير الحقانية فكانوا إليه نهمين، وبه كلفين، يتهالكون عليه كما تتهالك الطير على
الماء بعد عبور الصحراء، لا يذيقهم وزير الحقانية منه لونًا إلا استزادوه وطمعوا منه في لون
آخر. أنذرهم فاستعذبوا الإنذار، ولم يقنعوا به، ولم يروا فيه إلا مُقَدِّمةً كهذه المُقَدِّمات
التي تسبق الطعام لتوقظ الميل إليه والرَّغبة فيه؛ فألحوا على الوزير في أنْ يَزِيدهم فتفضل
عليهم بقانون.
ويظهر أن طعام الوزير لذيذ، وأنَّ المحامين جياع، فلم يكادوا يذوقون القانون حتى كلفوا بقانون
آخر، أو بقوانين أخرى. انظر إليهم يتلقَّون القانون فرحين به، يكاد الفرح أن يطير بهم في الجو،
ويبلغ بهم السماء. يجتمعون فيدرسون ثم يعلنون إنكارهم للقانون، وخلافهم له، وامْتِنَاعَهُم عن
تنفيذه، يَزْعُمون أنه مخالف للدستور، وأن لا طاعة لحاكم في مخالفة الدستور، ويصرون على أن يظل
مكرم لهم نقيبًا، وقد أمرت الوزارة أن لا يكون مكرم لهم نقيبًا، ويكلفون نقيبهم أن يعلن موقفهم
هذا إلى الوزارة، فيفعل النقيب لا مترددًا ولا مصطنعًا للأناة.
وأنا مُعْتَذِرٌ إلى المُحامين إن أعلنت لهم أني لا أفهم موقفهم هذا، كما يعلنونه وكما يريدون
أن يفهمه الناس، وإنما أَفْهَمُه على وجهه الصحيح. فهم لا يُنكرون القانون إلا طمعًا في قانون
آخر، وهم لا يعصون الوزير إلا ليحرضوه على أن يُلح عليهم بالتشريع؛ لأَنَّهُم قد ذاقوا لذة هذا
اللون من ألوان الاضطهاد.
فالوزير مصري، والمصري كريم بطبعه [لا يُسأل] إلا أَعطى ولا يدعى إلا أجاب. وقد سأل المحامون
فأعطاهم الوزير، والمحامون يجددون السؤال والوزير يستأنف لهم العطاء. فَهَذا مَجْلِسُ الوزراء
قد اجتمع أَمس، وهذه الصحف تُنْبِئنا صباح اليوم بأن الأريحية قد هزت وزير الحقانية، ثم انتقلت
هذه الهزة من الوزير إلى زُمَلَائِهِ، فإذا الأريحية تهز المجلس كله هزًّا، وإذا المجلس كله سخي
كريم مُتَأَهِّبٌ للعطاء، مُتَعَجِّلٌ لإرضاء السائلين.
طلب المحامون الأهليون قانونًا، فستجُودُ الوزارة بقانونين: أحدهما للمحامين الأهليين، والآخر
للمحامين الشرعيين؛ لأنَّ الوزارة لا تُريد أن تعطي فريقًا وتحرم فريقًا، لا تريد أن تطعم
المحامين الأهليين وتدع المحامين الشرعيين تحرق قلوبهم الغيرة، ويتلهب ريقهم قرمًا إلى ما يأكله
إخوانهم الأهليون. طلب المحامون الأهليون قانونًا فسيظفرون به غدًا أو بعد غد، وسيظفر بمثله
المحامون الشرعيون.
ولن تعطل النقابة الأهلية وحدها، بل ستعطل معها النقابة الشرعية؛ رفقًا بها، وإشفاقًا عليها،
فَمَاذَا تَصْنَعُ وحدها بالحياة بعد أنْ تسبقها أختها إلى الموت؟! ستعطل النقابتان إذن،
وستعطلان بقانون — نستغفر الله — بل بقانونين. والمحامون جياع، فليعجل الوزراء في تهيئة الطعام،
وإذن فليعد القانون — نستغفر الله — بل القانونان في سرعة لا تُشبهها سرعة، وليقرهما الوزراء
اليوم أو غدًا، وليعرضا على البرلمان ولينظرهما عَجِلًا، وليُقرهما ولتصدرهما الدولة، وليقدم
الطعام إلى هؤلاء المُحَامِين الجياع قبل آخر الأُسبوع. وقد زَعَمَ أَصْحَابُ السِّياسةِ أَنَّ
الحكم إنما هو البصر بعواقب الأمور، والاستعداد للغد، والتهيؤ للطوارئ. ووزارتنا بارعة في
الحكم، تحسن العلم بغدٍ كما تحسن العلم بأمس.
وهي تقدر أن المحامين لن يشبعوا، وأن القانونين الجديدين لن يُهَدِّئا من هذا الجُوع الذي
يحرِّقُ أَجْوَافهم تَحْريقًا؛ وهي لذلك تُهيئ لهم قانونًا جديدًا، يصدر بعد هذين القانونين فيه
تنظيم لشئونهم، وإصلاحٌ لأُمورهم، وردٌ لهم إلى الصواب. ويظهر أنَّ هذا القانون الذي يهيأ منذ
زمن طويل سيكون مُقنعًا مُغنيًا، لا يجوع المحامون بعده أبدًا، سيعلمهم كيف تكون الطاعة،
وسيعلمهم كيف يكون الإذعان. سيخرج أمورهم من أيدي عامتهم إلى أيدي خاصتهم، وسيخرج اختيار هذه
الخاصة من أيديهم إلى أيدٍ أُخْرَى أبصر منهم بالاختيار. سيردهم إلى ما رد إليه المِصْرِيِّون
جميعًا حين غير الدستور، فإنَّ الدِّيمُقراطية الجامحة قد أفسدت الشعب فلم يكن بُدٌّ من رده إلى
الاعتدال. وهذه الديمقراطية الجامحة قد أفسدت المُحامين فليس بد من ردهم الاعتدال. وهي قد أفسدت
الطلاب، فلا بد من إغلاق أنديتهم وحل اتحاداتهم وأخذهم بأندية جديدة واتحاد جديد، لا يعبث بها
جموح الديمقراطية.
أرأيتَ أن وزارتنا حازمة حقًّا، ينبع منها الحزم كما ينبع الماء من العيون الغزار؟ في كلِّ
يوم قانون، وفي كل يوم نِظَام، لكل شيء قانون ولكل شيء نظام: قوانين للمُحامين، قوانين
للمُعلمين، قوانين للطلاب، قوانين لما شئت، وقوانين لما لم تشأ.
وما قيمة الوزارة إذا لم تُهيئ القوانين؟ وماذا يصنع البرلمان إذا لم يشرع القوانين؟ وماذا
تصنع الجريدة الرَّسمية إذا لم تنشر القوانين؟ وكيفَ يَعِيشُ المِصْرِيُّون إذا لم تنظم حياتهم
بالقوانين؟ ولكن ما رأي الوزارة في أن المحامين سيظلون جياعًا لن تشبعهم القوانين التي ستصدرها،
كما لم تشبعهم القوانين التي صدرت إلى الآن؛ لأنهم جياع إلى العدل والحق لا إلى النظم
والقوانين. ستصدر القوانين إثر القوانين إنْ طَالَ عمر الوزارة وسيلتهمها المحامون التهامًا
وسيكون سباق بين المحامين والوزارة، هذه تشرع وأولئك يلتهمون، وسنرى أيُّ الفَرِيقَينِ يعجز
صاحبه، أهي الوزارة التي ستضطر المحامين إلى التخمة، أم هم المحامون الذين سيضطرون الوزارة إلى
العجز والإفلاس؟
أما أنا فناصح للوزارة، مُخلص في النصح لها وأود لو تسمع لما أقدم إليها من النصح؛ لِتَدَع
التشريع فلن تقنع المحامين ولم تبلغ به منهم شيئًا. إنما السبيل أن تُحيل المحامين جميعًا إلى
مجلس التأديب فهم جميعًا مُسْتَحِقُّون للإحالة إلى مجلس التأديب؛ صدر الأمر إليهم فعصوه، وهبط
الوحي عليهم فخالفوه، وما جزاء من يعصي الأمر ويُخَالِفُ الوحي إلَّا أَنْ يُساق إلى مجلس
التأديب. وسيكون طريفًا حقًّا أن يُحَال المُحَامون جميعًا إلى مجلس التأديب، وسيكون في ذلك
اعتبار لمن لا يعتبرون، ووعظ لمن لا يتعظون، وتأديب لمن لا يتأدبون.
وسيبحث المحامون عمَّن يدافع عنهم أمام مجلس التأديب فلا يجدون، فيلتمسون المدافعين عنهم في
بلاد الشرق والغرب؛ وتنشط لذلك حركة التجارة. وسيعجز مجلس التأديب عن مُحاكمة هذه المئات
فيُعيَّن قضاة ومستشارون، وتشهد مصر حركة لم يشهدها بلد من قبل، ونشاطًا لا عهد به للأمم
والشعوب، وتقيم الوزارة للعالم كله دليلًا على أنَّ مِصْرَ النَّاهِضَةَ قد أصبحت في مُقدمة
البلاد الحيَّة تشق لها سُبُل الرُّقي وتقودها إلى الكمال، وعلى أنَّ الإنجليز غُلَاة قُسَاة
مُسرفون حين يضنون على مصر بالاستقلال، وعلى أنَّ الأجانب كلهم غلاة قساة مسرفون حين يترددون في
إلغاء الامتيازات.
اللهم إني مخلص فيما أقدم للوزارة من نصح، فاجعل وزارتنا من الذين يستمعون القول فيتبعون
أحسنه!