Tag: الحوكمة

  • مشكلات

    حديث المساء: مشكلات

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٧ يناير ١٩٣٤

    نعم، ليست مشكلة واحدة ولا مشكلتين، وإنما هي مشكلات عدة تشغل الوزارة في هذه الأيام، أو قل:
    تشغل أبطال الوزارة. فلا يزال بين الوزراء قوم متواضعون لم يخلقوا لأنفسهم بعدُ مشكلاتٍ تعنيهم
    وتؤرق عليهم ليلهم.

    فلسنا نعلم أن لوزير الأشغال مشكلة ظاهرة، ولسنا نعلم أن لوزير المواصلات مشكلة صارخة، ولسنا
    نعلم أن لوزير الزراعة مشكلة تعلن نفسها إلى الناس. وقد تكون لهؤلاء السادة من الوزراء مشكلات
    لم تظهر بعد، وقد تظهر غدًا أو بعد غد، وقد تكون لوزير الأوقاف أيضًا مشكلة أو مشكلات لم نعلم
    بعد من أمرها شيئًا. ولكن هؤلاء السادة من الوزراء لا يزالون متواضعين إلى الآن لم يتحدثوا عن
    أنفسهم، ولم يدعوا الناس إلى أن يتحدثوا عنهم. أما أبطال الوزراء إلى الآن فلهم مشكلات خطيرة،
    وخطرها يأتي من أنهم هم الذين خلقوها لأنفسهم، وأرادوها على أن تظهر لهم وتنغص عليهم الحياة،
    ولو قد تركوها حيث كانت لمضوا أمامهم هادئين يصرفون أمورهم في فتور أو شيء يشبه الفتور، حتى
    يأذن لهم الله بما يأذن به عادة للوزراء من هذه الراحة التي ليس فيها نشاط.

    ولكنهم قوم جادون يحبون الكَدَّ، ويكرهون الراحة وفراغ البال؛ فهم ينشئون لأنفسهم المشكلات
    إذا لم تنشأ وحدها أو إذا لم تنشئها الظروف. ولست أدري ماذا يريد منهم المصريون بعد هذا، وهم
    يجعلون للسياسة طعمًا، ويأبون على السياسة أن تنام.

    أما رئيس الوزراء الرجل الطيب، فلا يَعْرِفُ الناس أنه استراح من المشكلات منذ أَلَّفَ
    الوزارة أو أُلِّفَتْ له الوزارة. كانت مشكلته الأولى صدقي باشا، ولم يفرغ منها إلا بعد مشقة
    طويلة وهم ثقيل، ومَنْ يدري؟ لعله لم يفرغ منها بعد؛ فإنا نقرأ في الصحف أحاديث تدل — إن صحت —
    على أن صدقي باشا لم ينم ولكنه يتكلف النوم. ثم نشأت للرجل الطيب مشكلة الوزراء المفوضين وخطبة
    قاضي القضاة، ثم نشأت له مشكلة المندوب السامي والتقاليد فيما بينه وبين المندوب السامي من
    صلات. ومَنْ يدري؟ لعل مشكلة أخرى أن تكون قد نشأت له اليوم أو أن تنشأ له غدًا؛ فالرجل الطيب
    لا يستطيع أن يعيش إلا إذا كثرت حوله المشكلات.

    وأما وزير الداخلية فحسبه رئيس الوفد، وزيارات رئيس الوفد، مشكلة لا كالمشكلات، ومعضلة لا
    كالمعضلات. مراقبة دقيقة في القاهرة، وعنف لا حدَّ له في الأقاليم. نشاط لا يعرف الخمود، ويقظة
    لا تعرف النوم. أرصاد تُبَثُّ وجنود تُحْشَدُ، وطرق تقطع، ودور تحاصر، وأخرى تحتل، ولعب من هذا
    اللعب الذي إذا ابتدأ فليس له انتهاء.

    وأما وزير التقاليد فحسبه مشروع القرش، وحماية المروجين له، وعقاب الضيِّقين به؛ يفصل قومًا
    ويدرس أحوال قوم آخرين، ويحتاط لغدٍ فيلغي اتحادًا، وينشئ اتحادًا، ويغلق ناديًا ويفتح ناديًا.
    ثم لا يكفيه ذلك حتى يفكر في زي المعلمين؛ فيهيئ قانونًا أو مرسومًا لفرض العمامة وتحريم
    الطربوش، وهو في أثناء هذا كله يتهيأ لإلقاء خطبته الرائعة البارعة التي ستلقى يوم الثلاثاء حين
    يُفْتَتَحُ المجمع اللغوي في دار الأوبرا.

    وأما وزير المالية، وما أدراك ما وزير المالية! فمشكلاته لا تنقضي، ومعضلاته لا تنتهي،
    وأحاديث الناس عنه لا تفرغ، وإن قَلَّتْ أحاديثه هو عن نفسه، فمن مسألة الدَّين العام إلى مسألة
    الدَّين الخاص، ومن حكاية القطن الذي بِيْعَ إلى حكاية القطن الذي سيُبَاع، ومن خلاف مع الوكيل
    إلى خلاف مع المستشارين، ومن هذا كله إلى سماسرة البورصة يغضبهم ثم يرضيهم، ثم يغضبهم ثم
    يلاعبهم ويداعبهم، في هذا الظرف اللبق الذي لا يُحْسِنُه غيره من الوزراء.

    وتأبى الظروف إلا أن تكون لوزير الحقانية مشكلة، وأي مشكلة؟ مشكلة لم يكن في حاجة إليها، ولم
    تكن الوزارة كلها في حاجة إليها، لولا أن العدوى قد سَرَتْ إلى الوزراء؛ فأحبَّ كلُّ واحد منهم
    أن تكون له مشكلة، وأن يكون له شأن وإن كثر حوله الأخذ والرد، وأن تطول حوله الأحاديث. كان وزير
    الحقانية هادئًا، وكان المحامون هادئين، وكانت الأمور تجري بينهم وبينه مطمئنة، لا باسمة ولا
    عابسة، لا ثائرة ولا مستقرة. ولكن الظروف، وويل للناس من الظروف! أبت إلا أن تُغْرِيَه
    بالمحامين؛ فإذا هو يتحداهم، وإذا هو ينذرهم، ويأبى إلا أن يسمعوا له ويطيعوا فيما يتخذون من
    قرارات وما يعمدون إليه من انتخابات. وإذا المحامون يأبون عليه، ويخالفون عن أمره، وينتخبون
    مَكْرَمًا لهم نقيبًا، وإن كره الوزير أن يرى مكرمًا نقيبًا.

    هنالك غضب الوزير، ولم لا يغضب؟! وهل هو أقل من وزير التقاليد، أو من وزير المالية، أو من
    وزير الداخلية، أو من رئيس الوزراء؟ كلهم يغضب، وكلهم يبطش. وما له لا يغضب، وما له لا يبطش؟
    وهَبْهُ يكره الغضب ولا يحبه، فكيف يقبل أن يخطب معه مكرم باسم المحامين بين يدي جلالة الملك؟!
    وإذن، فليُهَيَّأ قانون، وليُعْرَضْ على البرلمان وليُصْدَرْ، ولينسحب على الماضي؛ وليُفْصَلْ
    مكرم وأصحابه من نقابة المحامين فصلًا، وليعلم المصريون أنهم جميعًا أمام إرادة الوزراء سواء،
    وليعلم وزير التقاليد أنه ليس هو وحده الذي يملك فصل الطلاب والأساتذة، وأن هناك وزيرًا آخر
    يملك فصل النقباء وأعضاء النقابة من نقابة المحامين.

    وكذلك غضب وزير الحقانية كما غضب غيره من الوزراء، وهَمَّ وزير الحقانية أن يبطش كما يبطش
    غيره من الوزراء، ولكن ماذا؟ وزير الحقانية يَهِمُّ، ولكنه لا يفعل؛ لأنه لا يستطيع أن يفعل،
    لأنه لا يخاصم التلاميذ، ولا يخاصم الأساتذة، ولا يخاصم الموظفين، وإنما يخاصم المحامين.
    والمحامون رجال خصومة؛ فيجب أن يَحْسِبَ لهم حساب. أراد وزير الحقانية أن يتحدى المحامين؛ فقبل
    المحامون تحديه وثبتوا له؛ لم يدعُ نقيبهم إلى حفلة الأوبرا، فأبوا أن يشهدوا حفلة الأوبرا
    وأقاموا حفلتهم في هيليوبوليس. أصدر قانونه، فأبى المحامون أن يذعنوا له؛ لأنه مخالف للدستور
    وما ينبغي لرجال القانون أن يذعنوا لمخالفة الدستور. أعاد إنذارهم بعد صدور القانون كما أنذرهم
    قبل صدور القانون؛ فابتسموا لإنذاره الثاني كما ابتسموا لإنذاره الأول، وأقروا مكرمًا لهم
    نقيبًا بعد صدور القانون كما اختاروا مكرمًا لهم نقيبًا قبل صدور القانون. وأعلنوا إلى المصريين
    جميعًا أنه إذا كان بين الناس مَنْ يحب اللعب، فإنهم هم لا يلعبون. وأعلنوا إلى المصريين جميعًا
    أنه إذا كان بين الناس مَنْ لا يؤذيه أن يهون على نفسه وعلى غيره، فإنهم هم لا يرضون أن يهونوا
    على أنفسهم ولا على أحد. وأعلن نقيبهم إلى المصريين جميعًا أن المحامين إن كانوا قد عجزوا عن
    إقناع الحكومة؛ فهم قد استطاعوا إقناع أنفسهم، وأن الرجل الخليق بهذا الاسم هو الذي لا يتجاوز
    موقفه الذي يفرضه عليه الاقتناع ورضا الضمير مهما تكن الظروف. وأعلن نقيبهم إلى المصريين جميعًا
    أن عمل المحامين الخليقين بهذا الاسم إنما يعظم ويرتفع شأنه ويجل خطره، ويكون عمل رجال حقًّا
    حين يرفعون القانون إلى مستوى العدل، ولا يهبطون بالعدل إلى مستوى القانون. وأعلنت جمعيتهم
    العمومية إلى المصريين جميعًا أن القانون الذي أصدرته الحكومة لا يلائم العدل؛ لأنه لا يلائم
    الدستور، وأنهم لذلك لا يطيعونه، ولا ينزلون عند حكمه، ولا يختارون لأنفسهم نقيبًا آخر غير
    مكرم. وكلفوا نقيبهم مكرمًا بأن يبلغ ذلك إلى الجهات المختصة لينتهي إلى الحكومة التي أصدرت
    القانون.

    وكذلك تَمَّ لوزير الحقانية ما أراد وما تم لغيره من الوزراء؛ فكانت له مشكلة كما أن لزملائه
    مشكلات. وليس أمام وزير الحقانية للخروج من هذه المشكلة إلا إحدى اثنتين: فإما أن يرضى قرار
    المحامين ويسحب ما ينكره المحامون من قانونه، وفي هذا الموقف انتصار للحق والعدل والدستور
    وانخذال للوزارة. وإما أن يأبى على المحامين موقفهم ويهيئ لهم قانونًا آخر؛ وفي هذا الموقف
    إصرار على البطش، ومُضي في الطريق التي يمضي فيها زملاؤه من أصحاب المشكلات. والمحامون ومعهم
    المصريون جميعًا منتصرون على كل حال: منتصرون إذا نزلت الوزارة عند رأيهم، منتصرون إذا أبت
    الوزارة إلا أن تسلك معهم سبل البطش والعسف. فليس المظلوم ضعيفًا، وليس المظلوم منهزمًا مهما
    ينزل به من الظلم، وإنما يضعف المظلوم وينهزم حين يرضى الظلم ويذعن له ويستكين للظالمين.

    فلننظر أي الطريقين يسلك وزير الحقانية!

  • دروس

    حديث المساء: دروس

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٣ يناير ١٩٣٤

    قد ألقيت من غير شك، ولكن الذين ألقوها مشكوك فيهم، لا يُعْرَف أمرهم مع ما ينبغي من الوضوح والجلاء. وأظهر هذه الدروس مُتَّصِلٌ بالعلاقة بين رئيس الوزراء الرجل الطيب، والمندوب السامي الجديد. فقد وصل المندوب السامي الجديد إلى مصر، واستقبله الرجل الطيب في محطة القاهرة، ثم لم يره بعد ذلك حتى طار إلى لندرة. وتساءل الناس عن هذه العلاقة السلبية بين الرجل الطيب والمندوب الجديد، كيف كانت؟ ولمَ كانت؟ وكيف يمكن أن تدوم؟ وتحدث الناس بأن الرجل الطيب كان أول المتسائلين. ثم أذاعت الصحف أمس أن المندوب السامي بالنيابة زار الرجل الطيب بالأصالة، وكَلَّمَهُ في هذه العلاقة السلبية، وعرض عليه صورة من صور التقاليد فيما كان، وما يحب الإنجليز أن يكون بين المندوبين الساميين ورؤساء الوزارات. ونلاحظ بين قوسين أن المندوب السامي بالنيابة قد أسرف بعض الإسراف، وتجاوز الحدَّ على نحوٍ ما حين تحدث في التقاليد إلى الرجل الطيب، مع أن للتقاليد وزيرًا ينبغي أن تُسْتَقَى منه، وأن يتحدث إليه فيها المتحدثون؛ فنظن أن الذين يلقون على الناس دروسًا في التقاليد يجب أن يحافظوا هم قبل كل شيء على هذه التقاليد، ونظن أن المندوب السامي بالنيابة والمندوب السامي بالأصالة، لن يتحدثا في التقاليد منذ اليوم إلى الرجل الطيب أو إلى غير الرجل الطيب قبل أن يرجعا إلى وزير التقاليد ويستأذناه.

    ولنقفل القوسين الآن ثم لنَعُدْ إلى مجرى الحديث، فالناس متفقون على أن درسًا قد أُلْقِيَ أمس حين لَقِيَ المندوب السامي بالنيابة رئيس وزارتنا الرجل الطيب، ولكنهم يختلفون فيمن أَلْقَى هذا الدرس: فقوم يزعمون أن الرجل الطيب هو الذي ألقى الدرس أمس على المندوب السامي، أو بعبارة أدق هو الذي ألقى الدرس على المندوب السامي بالأصالة، وعلى وزارة الخارجية البريطانية حين احتج على تقصير السير ميلز لمبسون في زيارته، وأن المندوب السامي بالنيابة إنما زاره أمس ليبلغه أن الإنجليز قد سمعوا هذا الدرس ووعوه، وأنهم معتذرون من تقصير مندوبهم السامي، وأنهم يطلبون إلى الرجل الطيب أن يعذره؛ لأنه حديث عهد بمصر قد هبط إليها بآداب الصين، وأنه قد كان يعلم أن للصلة بين رئيس الوزراء وبين المندوب السامي تقاليد، وكان يجهل أن الرجل الطيب فوق التقاليد؛ لأنه أقوى وأشد بأسًا وأحرص على كرامته من أن يذعن لهذه التقاليد.

    وهؤلاء يزعمون أن الرجل الطيب قد رضي بعد تمنع، وصفح بعد إباء، وأخذ على المندوب السامي بالنيابة عهدًا ليبدأن المندوب السامي الأصيل بزيارته إذا عاد إلى مصر. وانتهى الأمر عند هذا الحد، وعُرِضَ الأمر على مجلس الوزراء فأقره، وقدر الرجل الطيب بلاءه الحسن وإباءه البديع.

    وقوم آخرون يزعمون أن المندوب السامي بالنيابة هو الذي ألقى الدرس أمس؛ لأنه بَيَّنَ لرئيس وزارة التقاليد حقيقة التقاليد، ونبَّهَهُ إلى ما كان يجب أن يتنبه إليه من أن له صفتين مختلفتين، كوزير التقاليد بالضبط، فكما أن وزير التقاليد قد أعلن في مجلس الشيوخ أنه وزير المعارف من ناحية ورئيس الجامعة الأعلى من ناحية أخرى، وأنه بحكم هاتين الصفتين يأتي أعمالًا مختلفة متحدة، ويقدر أعماله تقديرًا متفقًا مفترقًا؛ فالرجل الطيب رئيس للوزراء ووزير للخارجية، فيجب عليه من حيث إنه وزير للخارجية أن يستقبل المندوب السامي في محطة القاهرة، ويجب عليه من حيث إنه رئيس للوزراء أن يزور المندوب السامي في داره، ثم يجوز له بعد ذلك أن ينتظر من المندوب السامي زيارته في مكتبه. وقد أدَّى الرجل الطيب أحد هذين الواجبين ثم اختلط عليه الأمر؛ فظن أنه أدى الواجبين جميعًا، وانتظر زيارة المندوب، فلم يظفر بها. وإذا كان الله قد مَنَّ على مصر بأن وزارتها القائمة وزارة تقاليد، فإن الوزارات الإنجليزية كلها وزارات تقاليد، وإذا كانت الوزارة المصرية لا تحب التفريط في تقاليدها، فإن الوزارات الإنجليزية أشد على تقاليدها حرصًا. وإذن، فهي لم ترضَ عن إهمال الرجل الطيب لما تقوم عليه صلات مصر مع المندوب السامي من التقاليد. ويقول أصحاب هذا الرأي: إن الرجل الطيب قد وعى هذا الدرس، ووعد بألا يعود إلى مثل ما أتى، وبأن يكون هو البادئ بالزيارة، حين يعود المندوب السامي إلى القاهرة، وأن ممثل الإنجليز رضي بعد تمنع وصَفَحَ بعد إباء، وأن الأمر قد عرض بعد ذلك على مجلس الوزراء؛ فأقره وأثنى على براعة الرجل الطيب وسعة حيلته، ومعرفته كيف يكون الخروج من المآزق، والتخلص من المشكلات. وقوم آخرون وأنا منهم يشكون في هذا كله، ولا ينكرون أن درسًا قد أُلْقِيَ، ولكنهم لا يعلمون مَنْ ألقى هذا الدرس، ومن تلقاه، ولا يقطعون بنتيجته، وإنما ينتظرون أن تتكشف عنها الأيام، ومَنْ يدري لعل الأيام أن تتكشف عمَّا لا يقدر الرجل الطيب وأنصاره من النتائج ذات البال. وقد يقال: إن معظم النار من مستصغر الشرر. وليس هذا الدرس الذي لا يُعْرَف من ألقاه ولا من تلقاه هو الأول من نوعه، فقد كان هناك درس آخر أُلْقِيَ بعد أن خطب قاضي القضاة، وزعمت الصحف أن وزير فرنسا المفوض هو الذي ألقاه على الرجل الطيب، ثم زعمت صحف أخرى أن وزير فرنسا المفوض هَمَّ بإلقائه، فأسكته الرجل الطيب إسكاتًا، وألقى عليه وعلى زملائه درسًا بليغًا، ثم جاء مكاتب «الديبا»، فكذَّب هذا تكذيبًا قاطعًا، وأكَّد أن وزير فرنسا المفوض قد ألقى على الوزارة المصرية درسًا في الذوق، وأن الرجل الطيب قد سمع الدرس ووعاه، ولم يرد عليه كما قيل.

    وهناك دروس أخرى تَمَس سياستنا الداخلية، وهي تُلْقَى في كل يوم، وقد كثر إلقاؤها بنوع خاص منذ كان العيد، والناس يختلفون فيمَنْ يلقيها، ومَنْ يتلقاها. فقد أُلْقِيَ درس في المنصورة من غير شك، وقوم يقولون: إن رئيس الوفد هو الذي ألقاه؛ فعَلَّم به الوزارة أنها أضعف من أن تقاوم شعور الشعب، وأن الشعب أقوى من أن يستكين للرجل الطيب بعد أن أبى أن يستكين لصدقي باشا. وتقول الوزارة: إن وزير الداخلية هو الذي ألقى هذا الدرس على الوفد والوفديين؛ فعلمهم أن الشعب قد انصرف عنهم كل الانصراف، وأعرض عنهم كل الإعراض، وأن الخير في أن يلتمسوا لهم شعبًا آخر في بلد آخر يلتمسون منه الصبر والتأييد؛ فقد قطعت بينهم وبين مصر الأسباب. وأُلْقِيَتْ دروس خطيرة أمس في القليوبية، وفي شبرا، وعند جسر سرياقوس، وفي القناطر الخيرية، والناس يختلفون فيمن ألقاها وفيمن تلقاها: فالوفد يزعم، ويزعم معه نفر قليل جدًّا من المصريين قد يبلغون خمسة أو ستة، أنه هو الذي ألقى هذه الدروس، وعَلَّم الوزارة أنها مفلسة حقًّا، لا تستطيع أن تعيش ولا أن تبقى إلا إذا خالفت الدستور، وخرجت على القانون وأهدرت الحريات، واستخدمت قوتها المادية العنيفة؛ وهذا هو الإفلاس كل الإفلاس. ووزير الداخلية يزعم ومعه الشعب والاتحاد والليبرتيه — ومعنى ذلك أن معه مصر كلها وصحف مصر كلها — أنه هو الذي ألقى الدرس؛ فعَلَّمَ الوفد أن أمره قد انتهى، وأن عهده قد انقضى، وأنه ما دام في مصر جند؛ فلن يكون فيها وفد.

    ودروس أخرى قد ألقاها وزير الداخلية من غير شك بإجماع الناس كافة، ولكنه لم يلقها على المصريين، وإنما ألقاها على الأجانب، وعلى الأجانب الذين يقع الخلاف السياسي في بلادهم بنوع خاص. فوزير الداخلية قد عَلَّم الفرنسيين مثلًا أن مهارتهم في قمع المظاهرات محدودة جدًّا، عندهم نهر السين يجري في باريس وتقوم عليه الجسور، وهم مع ذلك لم يفكروا في أن يرفعوا جسرًا من هذه الجسور، أو يقيموا عليه صفوفًا من السيارات؛ ليقطعوا الصلة بين أهل الشاطئين. وليس من شك في أن الفرنسيين المقيمين في مصر قد كتبوا تقاريرهم أمس، وأبرقوا بها إلى باريس؛ ليستفيد منها وزير الداخلية هناك في منع هذه المظاهرات التي لا تنقطع في مدينة النور.

    ولا شك في أن برقيات الأهرام ستنبئنا غدًا أو بعد غدٍ، بأن الباريسيين قد رأوا جسورهم مرفوعة أو مسدودة لأول مرة منذ عهد بعيد. ولعل أبلغ هذه الدروس التي يلقيها المصريون على أنفسهم وعلى الناس في العالم كله منذ أيام، هذا الدرس الذي ألقاه وزير التقاليد في شأن مشروع القرش؛ فطلابنا ليسوا شيئًا إلى جانب الطلاب الأجانب في الاشتغال بالسياسة، والطلاب الملكيون في فرنسا يؤرقون ليل وزير المعارف هناك، ولا تذكر طلاب الجامعات في النمسا وألمانيا وإسبانيا؛ فهم قد تجاوزوا في الاشتغال بالسياسة كلَّ حدٍّ، ولم يفتح الله على وزراء المعارف في تلك البلاد بمثل ما فتح به على وزير التقاليد وصاحب كتاب البيع من فصل الطلاب من الجامعات والمدارس. وليس من شك في أن قرار وزير التقاليد قد طُيِّرَ إليهم أمس بالبرق، وليس من شك في أنهم سيقلدون صاحب التقاليد، وأكبر الظن أنه سيصبح عضوًا في المجامع العلمية الأوروبية كلها مكافأة له على هذا الاختراع البديع.

    فأما إقفال نادي الجامعة فدرس لا يشبهه درس، وستعجز أوروبا عن مكافأته، ولكنها لن تعجز عن استغلاله؛ فستُقْفَل أندية الجامعات في أوروبا منذ اليوم، وسيعود الطلاب إلى الصواب وسيعلمون كيف يسيطر الوزراء على قلوب الشباب وعقولهم.

    أرأيت أن مصر هي مركز الحياة الجِدية في الأرض ومبعث النور المضيء للعالم كله؟! ولكن المصريين قوم لا يعجبهم ولا الصوم في رجب، فهم ما زالوا يسيئون الظن بأنفسهم، ويطلبون المزيد من الرقي، ولا يصدقون أنهم أساتذة العالم في جميع فروع الحياة.

  • إسراف

    حديث الوادي
    إسراف…
    من أظهر جنايات الحكم على الحاكمين أنه يُطغيهم ويُنسيهم أن توليهم أمور الناس ضرورة طارئة، وضرورة ليست محببة إلى الناس، ولا حسنة الوقع في نفوسهم، وإنما هي من هذه الضرورات المكروهة، التي يحتملها الناس؛ لأنهم لا يجدون من ذلك بدًّا، ولو استطاعوا أن يخلصوا منها، لما ترددوا في ذلك. فالحكم تقييد للحرية وحجر على الناس، يمنعهم من أن يأتوا كثيرًا مما يحبون. ولولا أن حياة الناس تُكرههم على أن ينزلوا عن بعض الحق، ليستمتعوا ببعضه الآخر، لما استقر في الأرض حكم ولا قام في الناس حكام. ولو عرف الحكام هذا، واستيقنوه، واستحضروه في أنفسهم، كلما هموا أن يبيحوا شيئًا أو يحظروا شيئًا آخر، لتجنبوا كثيرًا من الشر ولجنبوا المحكومين كثيرًا من المكروه، ولكنهم لا يكادون يصلون إلى مناصبهم، حتى ينسوا كل شيء ويظنوا أنهم سادة وهم خدام، وأنهم أصيلون وهم وكلاء، وأنهم أصل من الأصول، وهم ضرورة من الضرورات. ولست ترى عقلاً حرًّا، يستطيع أن يفهم الحكومة، إلا على أنها ضرورة ثقيلة، لا تُطلب لذاتها ولا تُحتمل لأنها شيء مرغوب فيه، وإنما تُطلب لغيرها وتُحتمل لأن احتمالها شيء لا بد منه.
    ولست ترى عقلاً حرًّا يتردد في أن أول واجب على الحكومة إنما هو أن تتجنب الدخول في أمور الناس، إلا حين تُضطرها إلى ذلك الضرورات الملحة التي لا سبيل إلى اتقائها بغير ذلك. فإذا رأيت حكومة تحاول أن تنظم للناس كل شيء، وأن تضع يدها في كل شيء فاعلم أنها حكومة ثقيلة، بغيضة، خليقة أن يضيق بها الناس، وأن يفروا من سلطانها، ما وجدوا إلى الفرار منه سبيلاً. ومن أجل هذا قال ساسة الأحرار إن الحكومة في كل بلد متحضر أداة لحفظ الأمن والنظام بين الناس في الداخل، ولدفع غارات العدو على البلاد من الخارج، والخير كل الخير ألا تتجاوز الحكومة هذه الحدود.
    ولولا طغيان الحكومات أو ضعف الشعوب لما كان للحكومة أن تُعنى بالتعليم ولا أن تُعنى بغير التعليم، من تنظيم شؤون الناس العامة والخاصة. فما بالك إذا عنيت الحكومة بتنظيم الاستحمام، وما يلبسه الناس حين يدنون من الماء، وما يخلعونه حين يغمرون أجسامهم فيه، وما يعودون إلى لبسه إذا خرجوا من الماء، وكيف يجلسون، وكيف يدنو بعضهم من بعض، وكيف ينأى بعضهم عن بعض، وكيف يعرضون أجسامهم لضوء الشمس، وكيف يملأون رئاتهم من الهواء.
    هذا كثير لا ينبغي للحكومة أن تدخل فيه إلى هذا الحد الذي نرى حكومتنا تتوخاه في هذه الأيام. وحجة الحكومة أنها تريد أن تحفظ على الناس أخلاقهم وآدابهم، وأن تستبقي فيهم حظًّا من الفضيلة، وأن تنأى بهم عما لا يليق. وهذه أغراض حسنة في ظاهرها، ولكن تحقيقها ليس من شأن الحكومات، وإنما هو من شأن الوعاظ الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدعون إلى الخير ويصدون عن الشر، وهو من شأن المربين الذين يُنشئون الشباب على رعاية الفضيلة، والحرص على الكرامة، والارتفاع عن ابتذال الجسم والنفس معًا. فأما وزارة الداخلية فأبغض شيء تأتيه هو أن تنظم للناس تنفسهم وحركاتهم وأوضاعهم حين يستحمون، وحين يجلسون على ساحل البحر.
    والوزارة لا تقف عند هذه الحدود من الإسراف، ولكنها تتجاوزها إلى ما هو أبعد منها وأشد خطرًا، فهي تزعم لنفسها الحق في أن ترمم للمصريين الطرق التي يسلكونها إذا زار بعضهم بعضًا، وتناقش المصريين في عدد المدعوين إلى المآدب التي يقيمها بعضهم لبعض، وتحاسب المصريين على التحيات التي يهديها بعضهم إلى بعض. كأنما أقامت الوزارة من نفسها ملائكة حفظة يراقبون الأفراد والجماعات في كل ما يأتون من الأمر، وفي كل ما يجيلون في أنفسهم من الخواطر، وفي كل ما يجرون على ألسنتهم من الألفاظ. وما لهذا أُنشئت الوزارات وما لهذا رضي الناس أن تقوم فيهم نظم الحكم. والوزارة لا تقف عند هذه الحدود أيضًا، ولكنها تتجاوزها إلى حدود أخرى بعيدة الأثر في حياة الناس فانظر إليها كيف تنظم شؤون الطلاب في الجامعة، وكيف تفرض عليهم السيرة التي ينبغي أن يسيروها، وكيف تبيح لهم ما تحب هي لا ما يحبون، وتحظر عليهم ما تكره هي لا ما يكرهون، وكيف تتوخى فيما تشرع من قوانين التعليم، كل المعاني التي تُنشئ الطلاب على الطاعة والخضوع والإذعان، لا على الحرية، والاحتفاظ بالكرامة، والاحتمال للتبعات، التي يحتملها الرجال.
    ثم انظر إليها كيف تُريد المحامين على مثل ما تُريد عليه الطلاب من الطاعة والإذعان، حتى في انتخاب من يمثلهم في نقابتهم. ثم انظر إليها الآن كيف تُريد الصحفيين على مثل ما تُريد عليه الطلاب والمحامين من الطاعة والخضوع والإذعان ومن إلغاء العقول، وإهدار ملكات النقد والاستحالة إلى أدوات تُسجل ما تُريد الوزارة تسجيله، وتُهمل ما تُريد الوزارة إهماله، تقول إذا أرادت الوزارة منها القول، وتسكت إذا رغبت الوزارة إليها في السكوت. إسراف في تنظيم كل شيء، وفي إخضاع كل شيء وكل إنسان، لهذا السلطان الحكومي الذي لم يُنشأ ليتسع، وإنما أُنشئ ليضيق فالبلد الحر حقًّا، هو الذي لا يكاد يشعر أهله بأن فيه حكامًا يصرفون الأمور. فأما إذا كانت حياة الناس إذا أصبحوا، وإذا أمسوا، وإذا استيقظوا، وإذا ناموا، وإذا استراحوا، وإذا عملوا، وإذا فكروا، وإذا قالوا، كلها اتصالاً بينهم وبين الحكومة، وحسابًا بينهم وبين الحكومة، وتقديرًا لما سيكون بينهم وبين الحكومة، فليس هذا البلد حرًّا وليس أهله أحرارًا، وإنما هو بلد ذليل يسكنه قوم أذلاء.
    ما أجدر الوزارة أن تفكر في هذا كله، ولا سيما إذا كانت تريد أن تعيش ظافرة بإغضاء الناس عنها، واحتمال الناس لها، فأقرب وسائلها إلى ذلك أن تتجنب الناس ليتجنبوها، إلا عند الضرورات القصوى. فالشعوب لا تكسب مودتها بالمضايقة المتصلة، ولا بالإعنات الثقيل، ولا بالإلحاح المحرج للصدور، وإنما تكسب مودتها بهذه الحرية السمحة التي تشعرها بأنها سيدة نفسها حقًّا. وإن من أغرب الأمور حقًّا أن يوجد في هذا العصر الذي نعيش فيه وزراء تُطغيهم مناصبهم، فتُنسيهم أنهم قلة لا تكاد تُذكر إلى جانب الشعوب التي يحكمونها، وأن بقاءهم في المناصب موقوت، وأنهم حاكمون اليوم ومحكومون غدًا، وتُخيَّل إليهم بعد هذا أنهم يستطيعون أن يفرضوا أنفسهم وإرادتهم وتحكُّمهم على الناس فرضًا. ولكن طبيعة الإنسان لا تخلو من هذا الضعف الذي يجعل الوسائل غايات، ويمحو الغايات، من نفوس الوزراء محوًا.
    ومن يدري لعل من الخير أن تنشأ مناصب وعظ جديدة يقصد بها إلى تذكير الوزراء بما يجب لهم وما يجب عليهم، ولكن كيف السبيل إلى إنشاء هذه المناصب، والوزراء لا يحتملون الصحافة، ولا يصبرون عليها ولو استطاعوا لألغوها إلغاءً.
    ويل للناس من الإسراف…
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ١٥ يناير ١٩٣٤.

  • دفاع (١)

    حديث المساء: دفاع (١)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٤ يناير ١٩٣٤

    أُريد أَنْ أنهض بأعباء هذا الدفاع تطوعًا للخير، وتصدقًا ببعض ما أملك مِنَ الجَهْدِ، وابتغاء للرَّحْمة من حيث هي رحمة، وحبًّا للإشفاق من حيث هو إشفاق.

    ولستُ أدري، لِمَ يَكُون المُعَارِضُ قَاسيًا دَائِمًا؟! ولِمَ تكون المعارضة قسوة خالصة؟! ولِمَ يَقْطَعُ المُعَارِضُون للأيام على أنفسهم عهدًا أن يكونوا قُسَاة لا يعرفون الرحمة، وجُفاة لا يعرفون اللِّين، ولم يقُل أَحدٌ من أصحاب اللغة ولا من أصحاب السِّياسة إنَّ المُعَارَضَة لا ينبغي أن تكون إلا قسوة خالصة وشِدَّة لا هوادة فيها ولا رفق؟!

    وليكن رأي أصحاب اللغة ما يكون، وليكن رأي أصحاب السياسة ما يكون، وليغضب المُعارضون أو ليرضوا، وليعرف القُرَّاء أو لينكروا؛ فإني مُصِرٌّ اليوم على أن أُدافع عن الوزارة لأني أصبحت اليوم شديد المَيْل إلى الرحمة، عظيم الرغبة في الرفق والإشفاق.

    وأنا أُريدُ أَنْ أَنْتَهِزَ هَذِهِ الفُرْصَةَ، وأَنْ أُدَافِعَ عن الوزارة في هذا الفصل قبل أن تُعاودني قسوة المعارضة، أو قبل أن أَعُود أنا إلى قَسْوَة المُعَارضة، أو قبل أن تذهب عني هذه العاطفة التي تجعلني رفيقًا رحيمًا، وتعطفني على الضعفاء الذين لا يَجِدُون لهم ردءًا يَقِيهم، ولا ذائدًا يَحْمِيهم، ولا مُنَاضِلًا يرد عنهم عدوان المُعتدين.

    والمعتدون هُنَا هم هؤلاء المُعارضون الذين يَصِفُون الوزارة بالضعف والقصور أو العجز والتقصير، ويُسمون سياستها سياسة الرُّكود. ثم لا يكتفون بذلك، بل يسرفون؛ فيتفكهون، ويتندرون، ويقترحون على الرَّجُل الطيِّب حَقًّا وصِدْقًا كما تقول الشعب أن يستريح كل ما هبَّتْ عليه عاصفة أو هدأت عنه زوبعة، وأن يستريح لا في داره كما يستريح الناس، بل في سفينة من سفن الدولة تصعد به في النيل وتهبط به إلى البحر كما يستريح المُترفون.

    هذا كثير! وأكثر منه أنَّ الذين يكتبونه لا يشعرون بأنهم يَظْلِمُون ويسرفون في الظلم، وبأن هذا النوع من الفكاهة اللاذعة والدعابة المُرَّة لا ينبغي أن يُساق إلى الرَّجل الطيب، إنَّما ينبغي أن يُساق، وقد كان يُساق بالفعل إلى صدقي باشا؛ فصدقي باشا كان قويًّا صلبًا يستطيع أن يتلقَّى الجد والهزل، وأن يصبر على الجد والهزل، لم يكن يحفل بشيء، ولم يكن يَتَأَذَّى بشيء، بل لم يكن يصل إليه شيء مما كان يُكتَب عنه، أو يُقال فيه.

    أمَّا الرجل الطيب فدقيق الحس، رقيق المزاج، مترف مُحِبٌّ للترف، مُؤْثِرٌ للعاقبة، حريص على السلم، مبغض للخصومات، كاره للجدال والنِّضال. فلا ينبغي أنْ يُهَاجِمَهُ أو يُخَاصِمَه أو يتجنى عليه إلا الذين انتُزِعَتِ الرَّحمة من قلوبهم انتزاعًا، واقتُلِعَتِ الشفقة من نفوسهم اقتلاعًا، وصُوِّرَتْ قلوبهم من صوان، ونفوسهم من حديد.

    وقد يَقول هؤلاء النَّاس القُساة أنَّ الرَّجل الطيب قد خاصم صدقي باشا، وصبر لخصومته. تولى رِيَاسَة الوزارة بعد أنْ أَنْزَل عنها صدقي باشا، فلم يخف من خلافته، ولم يشفق من احتمال تركته، بل ما يزال يداور صدقي باشا ويناوره حتى اضطره إلى أن يستقيل من الحزب مَرَّتين، هازلًا في الأولى وجادًّا في الثانية، ثُمَّ إلى أنْ يَسْتَقِيل من مجلس النواب مرة واحدة هازلًا، ولكنه من غير شك سيستقيل للمَرَّة الثانية، جادًّا متى انتهى شهر الصوم، وَمتى رَأَى في مجلس النواب كيف يجدُّ الجد، وكيف يدعو الزَّعيم أَنْصَاره، فلا يُجِيبه منهم أحد، ولا يعود إليه إلا صدى صوته الذي يملأ الهواء، ثُمَّ لا يصل إلى أذن ولا يطرق سمعًا، ولا ينتهي إلى نفس.

    وإذا استطاع الرَّجُل الطيب أنْ يَبْلُغ بطاغية مصر في القرن العشرين ما بلغ، وأنْ يُذِيقَه من العذاب ألوانًا؛ فهو قوي جلد، وهو صبور صلب، وهو قادر على أن يحتمل من الجد والهزل، ومن الفكاهة اللاذعة والدُّعابة المُرَّة، مثل ما احتمل صدقي باشا أو أكثر مما احتمل صدقي باشا.

    ولكنَّ الذين يَقُولون هذا الكلام غُلاة مُسرفون، يعتذرون لأنفسهم عن أنفسهم ولا يقنعون أحدًا ببعض ما يقولون؛ فالرجل الطيب لم يصنع بصدقي باشا شيئًا، وما كان له أنْ يَصْنَع به شيئًا، وإنما دُعِيَ إلى رِيَاسَة الوزارة فقبل رياسة الوزارة، ولو قد خُلِّي بينه وبين صدقي باشا لما ثبت في رياسة الوزارة، ولكنَّ الظروف أحاطته بسياج مَنِيعٍ، وحِصْنٍ حصين، وسلطت على صدقي باشا جنودًا رَمَتْه فأصمَّتْه، وجهدته فاضطرته إلى الانهزام.

    وقد كانت لصدقي باشا درع متينة حصينة تزل عنها السهام، فلما خلعه الحكم تجرد من هذه الدرع، فجعلت السِّهَامُ لا تُوجَّه إليه حتى تُصيبه وتثبت فيه، وإذا جسمه كله سهام أو آثار سهام؛ فليسَ الرَّجُل الطيب هو الذي رمى، وإِنَّما الظروف هي التي رَمَتْ! وليس الرَّجل الطيب هو الذي أقصى صدقي باشا عن الحزب وإنما الظروف هي التي أقصته، وليس الرجل الطيب سيقصي صدقي باشا عن مجلس النواب، وإِنَّما الظروف هي التي ستقصيه!

    وإذن؛ فليس الرَّجُل الطيب بصاحب جهاد وحرب، وليس الرجل الطيب بصاحب طعان وضرب، وإنما الرَّجل الطيب صاحب دعة وسلم وهدوء وأمن؛ فتوجيه اللوم إليه، وتَسْلِيطُ الأَلْسِنَةِ عليه تجنٍّ لا يَنْبَغِي، وتحرشٌ لا يُطاق. سيقولون: ولكن الرجل الطيب قد ثبت للمُحاماة والمحامين، بل هجم على المحاماة والمحامين؛ فأنذر وأعذر، ثم أبرق وأرعد، ثم هيَّأ التشريع، ثم تقدَّم به إلى المَجلسين، ثم أصدره وجعله قانُونًا، ثم أنكر المُحامين إنكارًا وجَهِلَهم جهلًا، وأقام حفلين لم يشترك فيهما المحامون. ومن فعل هذا كله، ونهض بهذا كله؛ فهو خليقٌ أنْ يَحْتَمِل النقد، ويثبت للهزل والجد.

    ولكنَّ هذا الكلام كغيره من الكلام لا يثبت للنقد ولا يستقر أَمَام النظر الصحيح؛ فالرجل الطيب خير بطبعه لا يُحِبُّ الشَّر، عَادِلٌ بِطَبْعِهِ لَا يُحِبُّ الجور، حسن بطبعه لا يحب السوء، هادئ بطبعه لا يحب الاضطراب، رفيق بطبعه لا يحب العنف. ومن كانت هذه حاله وتلك خصاله، لم يُهاجم المحاماة ولم يعرض للمحامين؛ فليس هو الذي هاجم تلك أو عرض لهؤلاء، وإنما هي الظروف، وويل للناس من الظروف!

    هي الظروف التي تجنَّتْ على المحامين كما يتجنى خصوم الرَّجُلِ الطيب على الرجل الطيب، وأساءت إلى المُحامين كما يُسيء خصوم الرجل الطيب إلى الرجل الطيب؛ فالمُحَامُون مَظْلُومون، والرجل الطيب مظلوم أيضًا.

    والظروف — وويل للناس من الظروف! — هي التي ظلمت هذا وهي التي ظلمت أولئك.

    وقد انتصر المحامون وانتصفوا لأنفسهم، ولكنهم لم ينتصروا على الرَّجُل الطيب؛ لأنَّ الرَّجُل الطيب لم يُحَارِبهم، وإنما انتصروا على الظروف وانتصفوا لأَنْفُسِهِم من الظروف فالذين يلومون الرَّجُل الطيب يسرفون عليه ويسرفون على أنفسهم، وإذا لم يكن بد من أن يلوموا، وإذا لم يكن بد من أن يقسوا، وإذا لم يكن بد من أن يجربوا مهارتهم في النقد، وبراعتهم في الهزل والجد؛ فليدعوا الرجل الطيب وما هو فيه وليوجهوا لومهم كله، ونقدهم كله، وجدهم كله، وهزلهم كله إلى الظروف؛ لأنَّ الظروف هي التي جنت ما يُنكرون من نشاط في حرب صدقي باشا، وعنف في حرب المحامين، وإعراض عن جلائل الأعمال، ونوم عن عظائم الأمور. بل الظروف هي التي أزعجت هذا الرجل الطيب، وحملته من أوروبا حملًا على جناحَيْ نعامة حتى أقرَّتْه في رياسة الوزارة، ثم أَجْرَتْ على يديه البريئتين ما أَجْرَتْ من الأعمال.

    والقراء جميعًا يشهدون أني لا أكره النقد، ولا أخاف الإقدام عليه، ولكنهم يشهدون أني لا أُحِبُّ زيادًا ولا سيرة زياد، ولا آخذ البريء بِذَنْبِ المُسِيء. والرَّجُل الطيب بريء، بريء من كل ما يُوجَّه إليه من لوم؛ لأَنَّه طَيِّبٌ حَقًّا وصدقًا، كما تقول الشعب، وإنما المسيء الذي يستحق اللوم كل اللوم هي الظروف.

    لذلك لا ألوم إلا الظروف، ولا أحب لخصوم الوزارة أن يخاصموا إلا الظروف، فإذا لم يكن بد من أن تُذكَر سياسة الركود، فلتُذكَر على أنها سياسة الظروف، وإذا لم يكن بد من أن تُقترَح الراحة في سفينة نيلية؛ فلتُقترَح هذه الراحة على الظروف! ستقول: وكيف تستريح الظروف في دار أو في سفينة؟! وكيف تصعد الظروف في النيل أو تهبط إلى البحر؟! فأقول: وكيف قهرت الظروف صدقي باشا؟! وكيف نصبت الظروف حربها للمحامين؟! ألم تفعل ذلك كله على يد رئيس الوزراء؟! فلتسترح إذن في شخص رئيس الوزراء.

    ستقول: فاللوم موجه إلى رئيس الوزراء ما دامت الظروف لا تأتي شيئًا ولا تحتمل شيئًا، إلا إذا تقمصت رئيس الوزراء؛ فأقُول: هذا صحيح، ولكِنْ فرق عظيمًا بين أن تلوم رئيس الوزراء من حيث هو صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا أو تلومه من حيث هو مظهر لما تريد الظروف، ولما تأتي الظروف من الأعمال.

    وأظُنُّ أنَّ رئيس الوزراء نفسه ترضيه هذه التفرقة، ويريحه هذا النحو من تصوير الأشياء؛ فهو لا يُلام لأنه رجل طيب حقًّا وصدقًا، ولكن تُلام الظروف في شخصه؛ لأنَّ هذه الظروف مَاكِرَةٌ مَاهِرَةٌ غَادِرَةٌ تأبى إلا أن يكون لها شخص وإلا أن يكون لها اسم، وقد بالغت في المكر والمهارة والغدر؛ فتقمَّصَتْ شخصَ رئيس الوزراء، وتسمَّتْ باسمه في هذه الأيام، فلنلُمْها في هذا الشخص ولنَدْعُها بهذا الاسم حتى تتقمَّص شخصًا آخر أو يتقمصها شخص آخر، وحتى تتسمى باسم آخر أو يُفرَض عليها اسم آخر!

    ولعل هذا أن يكون قريبًا؛ فيستريح الرجل الطيب حتى مِنْ لَوْم الظروف.

  • مريض

    حديث المساء: مريض

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٠ ديسمبر ١٩٣٣

    ليس هو صدقي باشا، فقد أصبح مرض صدقي باشا لا يعنينا بعد أن خرج من الحكم وأصبح رجلًا من عامة الناس. إنما كان مرض صدقي باشا شيئًا يصح الوقوف عنده حين كان الدكتاتور العظيم مستأثرًا بشئون الحكم، عاجزًا كل العجز عن تصريفها، مستمتعًا بلذات الحكم، عاجزًا كل العجز عن أن يحتمل ما يقابل هذه اللذات من الجهد في خدمة البلاد، مستحلًّا لمرتبه الضخم، عاجزًا كل العجز عن أن يؤدي مقابل هذا المرتب الضخم. منتهزًا فرصة استئثاره بالحكم ليصطاف في أوروبا على حساب الدولة، وليصطحب الحاشية على حساب الدولة، وليشتري السيارات في باريس على حساب الدولة، وليعيش في فرنسا وسويسرا على حساب الدولة، عيشة السراة المترفين، دون أن تستطيع الدولة أن تنتفع منه بشيء يعدل أو يقارب كل ما كانت تمنحه من المزايا على اختلافها وتباينها.

    في ذلك الوقت كان مرض صدقي باشا شيئًا يصح الوقوف عنده والحديث عنه؛ لأن صدقي باشا في ذلك الوقت كان يأتي أمرًا خُلقيًّا غريبًا فيه شذوذ فاحش عن أصول الحق والعدل، ونقاء اليد ونزاهة الضمير. فلم يكن بد من أن نلفته إلى ذلك، وندله عليه وندعو الناس إلى أن ينظروا إلى حقوقهم كيف تهدر، وإلى مصالحهم كيف تضاع، وإلى عقولهم كيف تتخذ هزءًا وسخرية؛ لا لشيء إلا لأن رجلًا من الناس لم يكن يريد أن يستقيل.

    أما الآن وقد أصبح صدقي باشا رجلًا عاديًّا لا يحتمل من أعباء الدولة قليلًا ولا كثيرًا، فليس التحدث عن مرضه والإسراف في هذا الحديث شيئًا يعني السياسة وما تقتضيه من الجدال. ولعل التحدث عن مرضه والإسراف فيه أن يشذَّا عما يلائم الذوق والمجاملة، وما ينبغي أن يحرص عليه الرجل الكريم من الارتفاع عن صغائر الأشياء، وما لا يلائم منها أوضاع الحياة الاجتماعية الراقية.

    ولذلك أنكرنا منذ حين على رئيس الوزراء تعريضه بمرض خصمه وإلحاحه في هذا التعريض حين ألقى خطبته في مصر الجديدة. ولذلك ننكر اليوم على رئيس الوزراء رجوعه إلى ذكر المرض والتنديد به حين تحدث إلى المقطم أمس. فقد كنا نحب لرئيس الوزراء وهو الرجل الطيب الذي يتحدث الناس بأنه لا يحرص على التأنق في الزي والشكل وحدهما، بل يحرص عليه في القول وفي السيرة الاجتماعية أيضًا. ومهما يكن من شيء، فكنا نود أن لا تكون النغمة التي ذهب إليها رئيس الوزراء أمس هي التي يهبط بها الوحي على بعض الصحف فتغلو في توقيعها واستخراج ألحانها حتى تصف صدقي باشا باضطراب العقل وبشيء يشبه الجنون إن لم يكن هو الجنون. ولكن رئيس الوزراء وصحفه أحرار فيما يؤثرون لأنفسهم من سلاح يحاربون به صدقي باشا، وفيما يؤثرون أنفسهم من ارتفاع بالخصومة إلى حيث ينبغي أو هبوط بها إلى حيث لا ينبغي.

    ومهما يكن من شيء، فليس المريض الذي نريد أن نتحدث عنه اليوم هو صدقي باشا، بل ليس هو فردًا من الأفراد، ولا هيئة من الهيئات، وإنما هو معنًى من المعاني، وفن من الفنون. وقد يضحكك هذا الكلام! فأنت لا تتصور أن تمرض المعاني وتسلم، وأنت لا تتصور أن تعتل الفنون وتصح، ولكني مع ذلك سأحدثك عن معنًى مريض وأسلوب عليل. ولست أرى بأسًا بأن تضحك وتلهو، فإني لا أحب أن أُبكي القراء؛ إلا حين لا يكون من بكائهم بد. فاضحك إذا ما شئت، والْهُ إذا ما أحببت، وحسبي ألا تُتم قراءة هذا الفصل حتى توافقني على ما أقول من أن في مصر الآن معنًى مريضًا وفنًّا عليلًا. وهذا المعنى المريض وهذا الفن العليل، هو هذا المذهب الذي تصرف عليه أمورنا في هذه الأيام، هو هذا الأسلوب الذي تجري عليه شئون الحكم بيننا في هذا العهد السعيد. فيكفي أن تنظر إلى هذه الأحداث التي تشرق عليها الشمس ويظلم عليها الليل؛ لتعرف أن سياستنا الرسمية قد أصيبت بمرض عضال ليس أقل خطرًا عليها من مرض صدقي باشا على صحة صدقي باشا، حين كان المرض عليه ثقيلًا ملحًّا.

    وأكبر الظن أن هذا المرض الذي أصاب سياستنا الرسمية سيزداد إلحاحًا، وستثقل وطأته من يوم إلى يوم، حتى تنحل هذه السياسة انحلالًا أو حتى تجهز عليها الظروف إجهازًا؛ لتريحها من نفسها ولتريح الناس منها. وقد تسأل الأطباء عن تشخيص هذا المرض، وتحقيق هذه العلة فيختلف الأطباء في هذا التحقيق وذلك التشخيص؛ فبعضهم يرى أن السياسة الرسمية مريضة بصدقي باشا لا تستطيع أن تخلص منه ولا تستطيع أن تسيغه أو تهضمه أو تحتمله! وكيف تريد أن تخلص منه وهو مقيم في مصر لا يريد أن يرحل عنها إلى الشمال ولا إلى الجنوب، وليس في الدستور المصري القديم أو الجديد ما يبيح نفي المصريين من الأرض وإخراجهم من ديارهم كارهين. فهي إذن مضطرة إلى أن تقبل كارهة بقاء صدقي باشا في مصر. وهو باقٍ، ولكنه لا يريد أن يعتزل السياسة ولا أن ينفض يده من ترابها، وإنما هو يحب السياسة الرسمية ويكلف بها كما يحب السرطان جسم الإنسان أو الحيوان. وقد وجد الطب شفاءً، بل ألوانًا من الشفاء لضروب العلل، ولكن السرطان أعيا الأطباء إلى الآن، كما أن الحماقة أعيت الفلاسفة ورجال الأخلاق إلى الآن. وصدقي باشا يمكر بهذا الجسم العليل جسم السياسة الرسمية كما يمكر السرطان بجسم المريض، فهو يثقل، ويشتد، ويمتد حتى يدفع السياسة الرسمية إلى الصياح والإلحاح في الشكوى، وتجنيد الأطباء واستدعاء الممرضين من جميع الأقاليم. ثم يتضاءل ويتناقص ويستخفي حتى يشعر المريض كأنه قد برئ من المرض فيتنفس ملء رئتيه، ويتكلم ملء شدقيه، وينظر ملء عينيه، ويسمع ملء أذنيه، ويعتقد أنه قد أخذ على الأيام عهدًا بالسلامة والأمن وطول البقاء. وإنه لفي ذلك، وإذا السرطان الغريب المتنقل قد ظهر في ناحية من أنحاء جسمه، وأخذ يقوى وينمو ويشتد حتى ينغص على مريضه نوم الليل ويقظة النهار. ويقول الأطباء: إن هذا المرض لن يترك السياسة الرسمية حتى يستنفد منها آخر قطرة من قطرات الحياة. ولكن أطباء آخرين يقولون: ليس من شك في أن السياسة الرسمية مريضة بصدقي باشا. ولكن صدقي باشا وحده ليس كل شيء، ومع أن السرطان داء خَطِر أعيا الأطباء، فإن أصحاب السرطان يعيشون عليه أعوامًا وأعوامًا. ولكن السياسة الرسمية مريضة بشيءٍ آخر وإنها مصابة منذ نشأت بضعف عام قد انتشر في بنيتها كلها، فجعلها غير قادرة على المقاومة ولا قابلة لاحتمال العلاج. انظر إليها من جميع أنحائها فستجد فيها ضعفًا ظاهرًا لا يخفى على أشد الناس سذاجة فضلًا عن الأطباء. فلو لم تكن ضعيفة من ناحية الوزارة لما استطاع صدقي باشا أن يلعب بها هذا اللعب الغريب المتصل. وقد قيل: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ومع ذلك فقد لدغت الوزارة من جحر صدقي باشا مرات! ثم انظر إليها من جهة الأحزاب فسترى أنها ضعيفة حقًّا. أموجودٌ حزب الشعب أم غير موجود، أقوي هو أم ضعيف؟ أمخلصٌ هو لرئيس الوزراء أم متنكرٌ هو لرئيس الوزراء؟ أَوَفيٌّ هو لصدقي باشا أم غادرٌ هو بصدقي باشا؟

    هذه أسئلة تستطيع أن تلقيها فستظفر حين تلقيها بأجوبة طريفة. فحزب الشعب موجودٌ غير موجودٍ؛ موجود إذا اختصم صدقي باشا وعبد الفتاح باشا فظهرت المنافع والمطامع، ولاحت أشباح الأمل والرجاء. وهو غير موجود إذا ظهرت القوة وكشرت عن نابها. وهو كذلك قوي وضعيف، وهو كذلك مخلص ومتنكر، وهو كذلك وَفِيٌّ وماكر.

    ثم انظر إليها من هذه الجهة جهة الصلة بين الوزارة والبرلمان؛ فسترى مرضًا ظاهرًا جِدًّا، ظهر حتى شاع أمره في الآفاق ونشرته الصحف الإنجليزية، وأفاضت فيه. ألم تقرأ ما نشرته الديلي تلغراف وهي صديقة الوزارة القائمة بعد أن كانت صديقة الوزارة الساقطة، وستكون بإذن االله صديقة الوزارة المقبلة. فالديلي تلغراف تقول: إن الوزارة القائمة قوية قابضة على أعنة الأمور؛ لأن في يدها سلاحًا قاطعًا هو تهديد النواب بحل مجلس النواب. أرأيت إلى حياة نيابية تتحدث عنها الصحف الأجنبية بهذا الحديث؟! أرأيت إلى وزارة قوية؛ لأنها تهدد بحل مجلس النواب، وإلى نواب أقوياء واثقين بالوزارة؛ لأن الوزارة تهددهم بالحل والتفريق؟! ومع ذلك فهذا كلام نشرته الديلي تلغراف صديقة الوزارة بعد أن نشرته صحف مصرية موالية للوزارة. والغريب أن رئيس الوزراء ينكر ما نسب إليه، وأن وزير التقاليد ينكر ما نسب إليه، وأن وزير الداخلية ينكر ما نسب إليه، وأن نوابًا يسعون إلى صدقي باشا، وإلى غير صدقي باشا مؤكدين أن رئيس الوزراء قد قال ما نسب إليه، وأن وزير التقاليد قد قال ما نسب إليه، وأن وزير الداخلية قد قال ما نسب إليه. والغريب أن جماعة من النواب يهيئون استجوابًا في هذا الموضوع ولا يصدقون الوزراء حين ينكرون بل يريدون التحقيق. ولست أدري كيف يكون هذا التحقيق؟ أيكون والوزارة قائمة في الحكم، أم يكون بعد أن تستقيل الوزارة؟ أم يكون والوزارة بين البقاء والفناء موقوفة عن الحكم؟! أكبر الظن أن هذا كلام يقال، ومن الممكن جِدًّا أن يكون الاستجواب نفسه كلامًا يقال.

    وأظرف من هذا كله وأطرف أن نائبًا من النواب زعم للناس أنه سيوجه سؤالًا إلى رئيس الوزراء، وسيقول له في المجلس بمحضر من إخوانه جميعًا أنه سمع منه هذا الكلام الذي ينكره. وكان هذا النائب يقول هذا الكلام أمس قبل الظهر أو نحو الظهر، وكان يزعم أن سؤاله مستعجل، وأنه سيلقى إذا كان الليل، فلما أقبل الليل وانعقد المجلس كان هذا النائب بين المعتذرين.

    أترى إلى هذا كله؟ أتظن أن هذا كله يصدر عن سياسة صحيحة بريئة قوية البنية قادرة على المقاومة والاحتمال؟ كلا، إنها سياسة مريضة حقًّا، مريضة إلى أقصى غايات المرض. وحسبك أن تذكر أن مجلس النواب اجتمع أمس فلم يستطع أن ينشط لانتخاب لجنة الرد على خطاب العرش، بل تخفف من هذا الانتخاب على مكتبه، ثم انصرف ليستريح مع مجلس الشيوخ إلى يوم الإثنين. وهو معذور؛ صوم بالنهار وسياسة بالليل، هذا كثير! ولا سيما حين يكون الإنسان متعبًا مكدودًا قد أصابه هذا المرض الجديد الذي يسميه الأطباء صدقي باشا.

    سياستنا الرسمية إذن مريضة كصدقي باشا حين كان مريضًا، فقد يقال: إنه قد ثاب إليه الشفاء، أو هي أشد مرضًا من صدقي باشا، وهي تحتمل من هذا المرض وتُحمِّل الناس عناء لا حدَّ له. ألستَ ترى معي أن الخير والرحمة لأنفسنا ولهذه السياسة المسكينة أن نسأل الله ببركة شهر الصوم أن يعجل لها بالراحة من هذا العناء؟!

  • عدوى

    حديث المساء: عدوى

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٦ ديسمبر ١٩٣٣

    أصبحت حماية التقاليد عدوى تسعى في أعضاء الوزارة كما يسعى اللهب في الهشيم، لا يكاد يقاومها وزير أو يسلم منها بطل من أبطال الحكم في هذه الأيام، ويظهر أن مصدر هذا الانتشار الغريب لعدوى حماية التقاليد هو أن رئيس الوزارة قد تغيَّرَ، فقام عبد الفتاح يحيى باشا مقام صدقي باشا.

    ويظهر أن صدقي باشا كان قويًّا عنيفًا مسرفًا في القوة والعنف لا يقصرهما على خصومه بل يتجاوزهم بها إلى أصدقائه ثم إلى زملائه من الوزراء؛ فقد استطاع صدقي باشا أن يحصر علة التقاليد في وزارة المعارف، ويأبى عليها أن تخرج منها أو أن تمتد إلى غيرها من الوزارات، وظل وزير المعارف محتكرًا للتقاليد، وحب التقاليد، وحماية التقاليد حتى سقط الدكتاتور العظيم، وتألفت الوزارة الجديدة، وإذا التقاليد تشيع، وإذا حماية التقاليد تنتقل إلى وزير الداخلية، ثم إلى وزير الحقانية، ثم تعم الوزراء جميعًا وتسيطر على مجلس الوزراء.

    وبغير هذا النحو من التفسير لا نستطيع أن نفهم هذه الأزمة الجديدة التي أنشأها مجلس الوزراء مساء الخميس حين أصدر بلاغه الهائل المخيف إلى نقابة المحامين، يأمرها وينهاها، ويرغبها ويحظر عليها ويمنعها أن تنتخب جماعة معينة من المحامين بحجة الخوف على التقاليد أن تُهان، والإشفاق على التقاليد أن ينالها السوء من فوق أو من تحت أو من أي نحو من هذه الأنحاء التي تسعى منها العلة إلى الأصحاء.

    نعم؛ بغير هذا النحو من التفسير لا سبيل إلى فهم هذه الأزمة الجديدة التي أثارتها الوزارة يوم الخميس. فأضافت ثقلًا عنيفًا إلى أثقالها الأخرى التي كانت تحملها من صدقي باشا ومن ظلال صدقي باشا، وفتحت لنفسها بابًا جديدًا من أبواب النشاط، وفتحت على نفسها بابًا من أبواب الضعف وما هو أشد من الضعف، وأسوأ منه عاقبة وأقبح أثرًا. فلولا أن وزير الداخلية قد غار فحمى التقاليد ومنع تمثيل طائفة من قصص الخلاعة والمجون لما أحس الناس أن أمر التقاليد قد عظم وضخم، حتى أصبح ينذر بشرٍّ عظيم.

    وما كادت تمضي أيام على غيرة وزير الداخلية، وما كاد وزير التقاليد القديم يروض نفسه على احتمال منافسه الجديد في حماية التقاليد حتى ظهر وزير الحقانية منافسًا للرجلين جميعًا، فطلب أن تُحمَى تقاليد المحاماة. ولم يكد يطلب هذا إلى زملائه حتى سرى فيهم جميعًا حب التقاليد كما تسري نشوة الغناء في الأعضاء، وجرى فيهم جميعًا حب التقاليد كما يجري روح الحياة في العروق، وإذا هم جميعًا حماة للتقاليد، وذادة عنها، وإذا هم جميعًا دعاة إلى التقاليد وحراص عليها، وإذا هم جميعًا ينطقون بهذه الكلمة الكريمة على نفوسهم، الأثيرة في قلوبهم، الحلوة على ألسنتهم، اللذيذة في مسامعهم، التقاليد، التقاليد، يجب أن تُحمَى التقاليد، يجب أن تُصان التقاليد.

    وأمسى الناس يوم الخميس وإذا مجلس الوزراء ينذر المحامين جميعًا؛ لأنه قد علم أن جماعة من الذين حُكِم عليهم قد رشحوا أنفسهم أعضاءً للنقابة وبأن مجلس الوزراء ينكر هذا الترشيح ويأباه، ولا يرضى بحالٍ من الأحوال أن ينتهي إلى نتيجته فيُنتخَب المرشحون ويصبحوا أعضاءً في النقابة؛ لأن تقاليد المحاماة لا تسمح بذلك، وهي تأبى أن يتحدث عن المحامين أو يمثلهم من صدر عليه حكم من أحكام التأديب. ولا يكتفي مجلس الوزراء بهذا النذير بل يضيف إليه أن الحكومة ستضطر إلى أن تصدر تشريعًا يفرض هذه التقاليد فرضًا، ويكفل لها ما هي في حاجة إليه من الحماية والصيانة، ويَحُول بين هؤلاء المرشحين إذا انتُخِبوا وبين تمثيل المحامين أو التحدث عن المحامين. ومعنى ذلك أن الحكومة ستصدر التشريع وستجره على الماضي جرًّا؛ لتخلص من هؤلاء الأعضاء الذين لا نحب أن تراهم مرآة للمحامين أو لسانًا للمحامين.

    ولم يكد الناس يقرءون هذا البلاغ ويسمعونه حتى أخذهم دهش غريب من هذا الحرص الغريب على التقاليد وحتى قال بعضهم لبعض: ما دام مجلس الوزراء حريصًا على التقاليد إلى هذا الحد؛ فما باله لم يَحْمِ تقاليد الدستور، وهي أعظم خطرًا وأبعد في حياة الناس أثرًا من تقاليد المحاماة؟! وقال بعضهم لبعض: وما بال مجلس الوزراء لم يتحقق الأمر قبل أن يسرع إلى إصدار هذا النذير الخطير، فقد يظهر أن تقاليد المحاماة لم يصبها بأس ولم يلم بها مكروه، وقد يظهر أن جماعة من المحامين الأهليين والشرعيين قد صدرت عليهم أحكام تأديبية، ثم لم يمنعهم ذلك من أن يمثلوا المحاماة في نقابات المحامين، ولم يخطر للوزارة القائمة يومئذ أن في ترشيح هؤلاء المحامين لأنفسهم وفي قبول إخوانهم لهذا الترشيح وفي انتخاب إخوانهم لهم أعضاء في النقابات مساسًا للتقاليد أو عدوانًا عليها أو مخالفةً لها. وقال بعضهم لبعض: إن من هؤلاء المحامين الذين صدرت عليهم أحكام تأديبية منها التوبيخ ومنها ما هو أشد من التوبيخ من كان وكيلًا لنقابة المحامين الأهليين، ومن كان رئيسًا لنقابة المحامين الشرعيين أعوامًا طوالًا. لم تشكُ منهم التقاليد ولم تَضِقْ بهم ولم تتأذَّ بانتخابهم ولم تستعدِ عليهم النيابة، ولم تفزع منهم إلى مجلس الوزراء.

    قال بعضهم لبعض هذا الكلام وابتسم بعضهم لبعض وهم يقولون هذا الكلام، ثم ضحكوا جميعًا بعد أن فرغوا من هذا الكلام؛ وذلك أنهم فهموا ما لم يكن من فهمه بد، واستيقنوا ما لم يكن عن استيقانه مندوحة، وعرفوا أن التقاليد إنما هي ستار من أستار السياسة، وأن الحكومة لا تغار على التقاليد إلا لتمنع خصومها أن يعترف لهم إخوانهم بفضلٍ أو يعلن بهم إخوانهم ثقة أو يتخذهم إخوانهم لهم ممثلين.

    فَهِمَ النَّاسُ هذا كلَّه، وابتسم الناس لهذا كله، وضحك الناس من هذا كله. ثم قال بعضهم لبعض آخر السهرة يوم الخميس: يا لها من وزارة أخطأها التوفيق! فلو قد أراد الله بها خيرًا لعصمها من أن تلقي بنفسها في هذا الميدان الذي لن تجني منه إلا شرًّا.

    وزارة خُلِقَتْ لتقاوم صدقي باشا وأنفقت جهدها كله في مقاومة صدقي باشا، وأخذ صدقي باشا يداورها ويناورها، يتراءى لها فتنكمش ثم يحتجب عنها فتنتفش، وإنها لفي ما هي فيه من مداورة ومناورة، ومن انكماش وانتفاش، وإذا هي تضيف إلى حملها حملًا، وإلى ثقلها ثقلًا، وإلى محاربة صدقي باشا محاربة المحامين.

    إن الرجل الحازم الموفق الرشيد هو الذي لا يخلق لنفسه المصاعب، ولا يُحمِّل نفسه فوق ما تطيق، ولا يشغل نفسه بشأن عن شأن، ولا يُورِّط نفسه في معركة قبل أن يخلص من معركة أخرى. ولكن وزارتنا مؤمنة بأنها قوية، مستيقنة أنها عزيزة الجانب! ولِمَ لا؟! أليس يؤيدها النواب الذين أقسموا لها جهد أيمانهم لينتخبن من اتفقوا معها على ترشيحه، ثم غدوا على مجلس النواب فذهبوا إلى الانتخاب من طريق، وذهبت هي من طريق؟!

    والوزارة طويلة اليد تستطيع أن تبلغ صدقي باشا فتخرجه من الحزب إخراجًا، وتقصيه من البرلمان إقصاءً. فما الذي يمنعها أن تمتد إلى مكرم وأصحابه فتخرجهم من النقابة وتحول بينهم وبين النقابة، الوزارة قوية عزيزة الجانب طويلة اليد، ولكن الوزارة غير موفقة؛ فإن اليد التي تنال الشعبيين قد تعجز عن أن تنال الوفديين، والقوة التي تخيف صدقي باشا وأصحابه قد لا تثير في نفوس المحامين إلا المرح، وقد لا تبعث على ثغور المحامين إلا الابتسام، قد تنهى فيفعل المحامون ما نهت عنه، وقد تأمر فيعصي المحامون ما أمرت به، والرجل الموفق الرشيد حقًّا هو الذي يريد أن يُطاع فيطلب ما يُستطاع. الرجل الموفق الرشيد هو الذي لا يسير في الوفديين سيرته في الشعبيين، هو الذي لا ينتظر من الوفديين ما ينتظر من الشعبيين، هو الذي يعلم حق العلم أن الشعبيين إن خافوا فإن الوفديين لا يخافون، هو الذي يعلم حق العلم أن الشعبيين إن تفرقوا عن صدقي باشا لترضى الحكومة، فإن المحامين سيجتمعون حول مكرم وإن غضبت الحكومة.

    هذا هو الرجل الموفق، ولكن الله لم يقدر للوزارة في هذه المرة كما لم يقدر للوزارة في حربها لصدقي باشا شيئًا من التوفيق. وغدا المحامون إلى الانتخاب صباح الجمعة، فلم يكد يقرأ عليهم نقيبهم السابق بلاغ الحكومة حتى أسرعوا إلى انتخاب نقيبهم الجديد، وأعلنوا إلى الحكومة في حزم وعزة وإباء أنهم ينكرون تدخلها في أمورهم، ويأبون أن يتلقوا منها دروسًا في الاحترام لتقاليد المحاماة.

    وكان كل واحد منهم يتحدث إلى نفسه وإلى أصحابه بأن الذي يريد أن يُعلِّم الناس ينبغي له أن يُعلِّم نفسه أولًا، وبأن الذي يريد أن يأخذ الناس باحترام التقاليد يجب أن يبدأ هو باحترام التقاليد، وما هي إلا ساعات حتى كان الأستاذ مكرم نقيبًا للمحامين برغم هذا البلاغ الطويل العريض العميق، وحتى كان أصحابه أعضاء في النقابة رغم هذا البلاغ الطويل العريض، وحتى أعلن إلى الوزراء وإلى الناس جميعًا في مصر، وإلى الشعوب الأخرى في غير مصر أن المصريين لا يزالون كما كانوا قبل أن ينجم الدكتاتور العظيم من أرضها، كرامًا على أنفسهم، أباة للضيم، حماة للنظام والقانون في غير لفٍّ ولا دوران، وفي غير تأول ولا تمحل، في غير ميل إلى الهوى ولا اندفاع مع الأغراض.

    نعم؛ ولم تمضِ ساعات حتى أعلن المحامون إلى الوزراء وإلى المصريين جميعًا وإلى الأجانب في مصر وفي غير مصر، أن الخوف الذي سُلِّط على المصريين أكثر من ثلاثة أعوام لم يغير من طبيعتهم شيئًا، لم يُلِنْ قناتهم ولم يُقلِّل شباتهم، ولم يستطع أن يجد إليهم سبيلًا فهم لا يخافون اليوم برغم صدقي باشا وخلفائه كما أنهم لم يكونوا يخافون أمس وهم قد صبروا للإنجليز على قوتهم فهم يستطيعون أن يصبروا لجماعة من ضعاف المصريين.

    نعم؛ ولم تمضِ ساعات حتى أعلن المحامون إلى صدقي باشا أن في مصر أخلاقًا، وحتى أعلن المحامون إلى رئيس الوزراء أنه إذا احتاج إلى أكثر من شهرين وإلى ما في يده من حول وطول، ومن قدرة على النفع والضر ليكسب الشعبيين، ثم لم يبلغ منهم كل ما يريد فإن غيره من الناس — مكرم مثلًا — ليس في يده حول ولا طول، ليس قادرًا على نفع ولا ضر، لم يَسْعَ مسرعًا ولا بطيئًا، لم يُدبِّر في الليل، ولم يُقدِّر في النهار، واستطاع مع ذلك أن يظفر بثقة إجماعية أمس من مئات المحامين برغم البلاغ العنيف الحاد الذي أصدره مجلس الوزراء، وبرغم ما يعلم هؤلاء المحامون من أن مجلس الوزراء قادر على أن يُغيِّر ويبدل، وعلى أن يمحو ويُثْبِت.

    نعم؛ لم تَمْضِ ساعات حتى علم الناس أين تكون القوة المصرية حقًّا وأين يكون الضعف، حتى علم الناس أين يكون الثبات وأين يكون التخاذل، حتى علم الناس أين يكون الانتصار وأين تكون الهزيمة.

    ثم أخذ الناس يتحدث بعضهم إلى بعض مساء أمس، فيقول بعضهم لبعض: أليس غريبًا أن تعجز الوزارة عن أن تجمع حولها مائة ونصف مائة من النواب، وألا يحتاج مكرم وأصحابه إلى شيء من الجهد ليجتمع حولهم مئات من المحامين، فيقول بعضهم لبعض: لا غرابة في ذلك ولا بدع؛ فهنا نحو من الناس وهناك نحو آخر من الناس. ويقول بعضهم لبعض: ماذا ترى العناصر الرشيدة في مئات المحامين هؤلاء الذين يثقون برجل ليس من العناصر الرشيدة؟ فيرد بعضهم على بعض: ليس المحامون من العناصر الرشيدة، وإنما هم من دهماء الناس، وثقوا برجل من دهماء الناس؛ فليس على العناصر الرشيدة بأس أن تثق الدهماء بالدهماء، وتجتمع عامة الناس على عامة الناس ثم يبسط الجد الحازم ظله على المتحدثين، فيقول بعضهم لبعض في ثقة: لقد أسفر الصبح، وتبيَّن الحق، وعرف الناس أن هذه التجارب العقيمة التي يُضيِّع الظالمون فيها الوقت على أنفسهم وعلى مصر لم تنتج شيئًا ولا يمكن أن تنتج شيئًا.

    هذا المندوب السامي يعود مخفقًا وهذا الدكتاتور ينزوي مخفقًا، وهذا رئيس الوزراء يلقاه المحامون بما لقوه به أمس ويحيطه أولياؤه وأنصاره بهذا الشك المريب. والغريب أن لرئيس الوزراء وأصحابه أملًا في القدرة على البقاء.

  • انتظار

    انتظار
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٣ ديسمبر ١٩٣٣

    زعموا أن توقع البلاء شر من وقوع البلاء؛ لأن في توقع المكروه عذابًا مصدره الاضطراب بين الأمل واليأس، وبين القنوط والرجاء، ولأن في وقع المكروه يأسًا مريحًا، يستتبع الإذعان لما لم يكن منه بد. ومن المحقق أن عمد السياسة الرسمية يشقون في هذه الأيام بانتظار طويل ثقيل، ويلقون في هذه الأيام عذابًا يُمِضُّ النفوس، ويقضُّ المضاجع، ويحتملون في هذه الأيام آلامًا ليس الصبر عليها والثبات لها بالشيء اليسير.

    يذوق الصدقيون عذاب الانتظار لما ستتكشف عنه الأحداث من فوز الدكتاتور العظيم أو اندحاره. ويذوق العبفتيون عذاب الانتظار لما ستنجلي عنه الخطوب من انتصار رئيس الوزراء أو اضطراره إلى الانهزام وإلقاء السلاح، أو إلى الاستطالة وحل مجلس النواب. ولعل الخصمين — صدقي باشا وعبد الفتاح يحيى باشا — أشد القوم ألمًا وأعظمهم ضيقًا بهذا الانتظار. فالشعبيون إذا فتشت أمورهم سعداء بهذا الموقف الظريف الذي انتهوا إليه؛ كل منهم يسعى إليه، وكل منهم يرغب فيه، وكل منهم يسعى في تأييده، ويحرص على معونته. كل منهم يلقى ابتسامات حلوة مشرقة وضاءة من صدقي باشا، وكل منهم يلقى من وراء هذه الابتسامات آمالًا وأمانيَّ تسبغ على الحياة لونًا ورديًّا جميلًا ساعة من نهارٍ أو ساعة من ليل. كل منهم يشعر بأنه في هذه الأيام قادر على صدقي باشا، بعد أن كان صدقي باشا قادرًا عليه، متحكم في صدقي باشا بعد أن كان صدقي باشا متحكمًا فيه. كل منهم يستطيع أن يلقى طاغية أمس بشيء من الذل الذي يغيظ ويحرج، وبشيء من التيه الذي يملأ الصدور كمدًا والقلوب غلًّا وحقدًا، ويضطرها مع ذلك إلى التملق والاسترضاء والإذعان لأحكام القضاء. كل منهم يذكر تلك الأيام التي كان صدقي باشا فيها أرفع وأكبر من أن يصدر أوامره بطرف اللسان إلى واحد منهم، إنما كان يريد فيبتسم أو يريد فيعبس، أو يريد فيشير وبطرف العين أو بطرف البنان؛ فإذا الأنصار والأعوان يسرعون إلى السمع والطاعة والنزول عند ما يريد الدكتاتور العظيم. فأصبح الآن صدقي باشا يسعى ويلح في السعي ويتوسل ويغلو في التوسل، يمد الموائد ويفتن في إعداد الطعام، ويرسل المغريات عن يمين وشمال ويوجه الرسل والسفراء، وينطلق لسانه بالحمد والثناء والاستعطاف والاستجداء لعل أتباعه يستجيبون له فيجددوا معه أكل الخبز والملح. وبينما الشعبيون يدلون ويتيهون ويشعرون بهذه الغبطة التي يشعر بها من عز بعد ذلة، وأمر بعد طاعة، وتحكم بعد خضوع، إذا رئيس الوزراء وأصحابه يبسمون هم أيضًا للشعبيين ويترضونهم ويتقربون إليهم، ويرسلون إليهم الرسل والسفراء. وقد كان الشعبيون من قبل يسعون إلى رئيس الوزراء، وإلى الوزراء، فأصبحوا الآن يُقصَدون بفتح الصاد ولا يَقصِدون بكسر الصاد، أصبحوا الآن يغالون بأنفسهم ويكبرون على هؤلاء الذين كانوا ينظرون إليهم أمس في غطرسةٍ وكبرياء. وليس قليلًا أن يحس الشعبيون أنهم قادرون على أن يتحكموا في مؤسس النظام القائم، وفي حامي النظام القائم. أضف إلى ذلك أن الشعبيين رابحون على كل حال: رابحون طعامًا وشرابًا عند لملوم باشا وعلي المنزلاوي بك، ورابحون طعامًا وشرابًا اليوم عند صدقي باشا، وعند صدقي باشا يوم الخميس. فما عليهم أن يطول الخصام ويتصل الخلاف! وهم يجدون في ذلك هذه اللذات المختلفة لذات الذين يتحكمون ولم يتعودوا أن يتحكموا، ويثيرون الطمع ولم يتعودوا إلا أن يكونوا طامعين، وينعمون بما لا يتاح للناس أن ينعموا به في هذه الأيام إلا حين تشتد الخصومات بين رئيس وزارة كعبد الفتاح يحيى باشا، ورئيس حزب كإسماعيل صدقي باشا.

    أما الذين يَشْقَوْنَ بهذا الخلاف ويبتئسون بهذه الخصومة، ويذوقون ألوان العذاب بينما يذوق غيرهم ألوان الطعام والشراب، فهم القادة والسادة الذين يسمعون الوعد ويشفقون من الإخلاف، ويرون الرضا ويخافون من السخط، ويؤنسون التأييد ويتوقعون الخذلان، ثم ينفقون أوقاتهم في العد والإحصاء، وفي البحث والاستقصاء.

    لقد بلغ أنصارنا نيفًا وثلاثين، فإذا انضم إليهم فلان، ومنَّ إلي فلان فقد يبلغون الأربعين، فإذا انضموا إلى الاتحاديين فقد تمت لنا الكثرة، ولكن فلانًا هذا زواغ رواغ:

    يعطيك من طرف اللسان حلاوةويروغ منك كما يروغ الثعلب
    وبينما الوزراء وأنصار الوزراء في هذا التفكير والتقدير، إذا صدقي باشا والذين يدفعون صدقي باشا ليسوا أقل منهم تفكيرًا وتقديرًا، فهم يعدون ويحصون، وهم يبحثون ويستقصون، وهم يثقون ويشكون، وهم يَصْلَوْنَ نارًا أي نار من طول هذا الانتظار! وأقبح ما يكون الانتظار أثرًا وأشد ما تكون النار لذعًا حين تكون الموقعة ثم تنجلي عن الشك لا عن اليقين، وعن الريب لا عن الثقة؛ هنالك تخفق القلوب وتضطرب النفوس وتظلم السماء، وتضيق الحياة بالأحياء ويود السادة لو لم يكونوا سادة، ويود القادة لو لم يكونوا قادة. ثم يبلغ بهم الضعف أقصاه وينتهي بهم الضجر إلى غايته، فيدقون كفًّا بكف، ويستسلمون لقضاء الله ويستأنفون الانتظار، واصطلاء تلك النار. وأنت واهمٌ إن ظننت بهذا الكلام غلوًّا أو إغراءً أو قصدًا إلى العبث والدعابة. فلو قد رفعت عنك الحجب واستطعت أن ترى القلوب لعلمت أن هذا الكلام يصور لك حقيقة الأمر كما هي.

    والناس يتساءلون ما بال المرسوم الذي يدعو البرلمان إلى الانعقاد لم يصدر إلى الآن؟ مع أن موعد انعقاد البرلمان قد قرب، وأسرف في القرب، ومع أن التقاليد جرت بأن يصدر هذا المرسوم قبل انعقاد البرلمان بشهر وأكثر من شهر لا بأيام. والناس يتساءلون كيف فرط وزير التقاليد في حق التقاليد، وسمحت نفسه أن تهمل إلى هذا الحد؟ فإذا كثر السؤال وطال القيل والقال ظهر الجواب من وراء حجاب، وقال القائلون: إنما يتأخر المرسوم حتى تنجلي الغيوم، وتصدق النجوم ويعلن الشعبيون مع من يكونون؛ فإن كانوا مع الوزارة صدر المرسوم، وإن كانوا مع الدكتاتور فالحل المحتوم.

    وكان الناس قد تحدثوا، وكانت الصحف قد نشرت أن مجلس الوزراء سينعقد صباح اليوم، وكان الناس قد قالوا والصحف قد نشرت أن مجلس الوزراء إذا انعقد فسيهيئ المرسوم بدعوة البرلمان. ثم أمسى الناس أمس وإذا هم يتحدثون أن المجلس قد أرجئ إلى غدٍ ثم أصبح الناس اليوم وإذا الصحف تنشر أن المجلس مرجأ إلى غدٍ فتساءل الناس عن هذا الإرجاء ما مصدره وما غايته؟ وقال الماكرون والمتشائمون: إن مصدر هذا الإرجاء وليمة الغريب، فمن يدري لعل الذين يستجيبون للدكتاتور ويطعمون عنده اليوم ويعدونه بالنصر والتأييد أن يكونوا أكثر من الذين ذهبوا إلى مصر الجديدة، وشربوا الشاي وصفقوا لرئيس الوزراء يوم الجمعة؛ وحينئذٍ يحسن التفكير قبل تهيئة المرسوم بدعوة البرلمان. ولعل الذين يستجيبون للدكتاتور أن يكونوا قلة قليلة وجماعة ضئيلة لا تقدم ولا تؤخر؛ وحينئذٍ يمكن الإسراع إلى تهيئة المرسوم بدعوة البرلمان. ولسنا ندري أحق هذا الفهم لما كان من إرجاء مجلس الوزراء؟ أم هو لون من ألوان الخيال وفن من فنون الدعابة؟ ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن الناس يرتابون في تأخر دعوة البرلمان إلى الآن، وينظرون في شيء من العجب إلى إرجاء مجلس الوزراء في اليوم الذي يأدب فيه الدكتاتور العظيم مأدبته. وإذا كان لنا أن نفسر أو أن نقول، فإنا لا نتردد في أن نشفق على الوزارة من هذا الإبطاء والإرجاء؛ فهما لا يدلان على أنها مترددة وإن أظهرت الحزم، خائفة وإن أظهرت الثقة، ضعيفة وإن تكلفت القوة، تظهر الإعراض عن خصمها المريض، ولكنها إذا خلت إلى نفسها حسبت له حسابًا شديدًا.

    وأكبر الظن أن تردد الوزارة هذا هو الذي سينتهي بها إلى الإخفاق السريع؛ فهو يطمع فيها خصومها ويغري بها أعداءها من الصدقيين. ولو أن الوزارة عرفت كيف تستقبل الخصومة وتثبت للخصوم لما أبطأت في استصدار المرسوم، ولما حسبت لصدقي باشا حسابًا؛ فصدقي باشا أهون على أنصاره أنفسهم من أن يغضبوا الوزارة من أجله. ولكنهم يرون الضعف فيشكون، ويرون التردد فيرتابون ويقول بعضهم لبعض: إن صدقي باشا نفسه لم يضعف، ولم يتردد حين كان إليه الأمر، ولولا أن هناك سرًّا مكتومًا وقضاءً محتومًا وأمورًا تدبر بليل لما وقفت الوزارة هذا الموقف الضعيف. ومن يدري، لعل قوى خفية تسند الدكتاتور وتغريه بهذه الحرب التي لم يكن أهلًا لها ولا قادرًا عليها!

    وكذلك تفسد الأمور بين أولئك وهؤلاء؛ فيخاف بعضهم بعضًا، ويرتاب بعضهم ببعض، ويكيد بعضهم لبعض. وما رأيك في صلة تقوم على الخوف والكيد؟! والظريف أن موقعة الغريب ستنجلي — كما انجلت موقعة مصر الجديدة — عن الشك لا عن اليقين؛ فيزداد تردد الوزارة واضطرابها. ومن يدري، لعلها ترجئ مجلس الوزراء، أو تهيئة المرسوم إلى يوم الجمعة، أو إلى يوم السبت بعد أن تنجلي الموقعتان الحاسمتان يوم الخميس في دار وزير الزراعة وفي نادي حزب الشعب.

    ومهما يكن من شيء فإن عمد السياسة الرسمية خليقون أن يغتبطوا بهذه القوة التي انتهوا إليها، وبهذا الانتصار الذي ظفروا به. وأي قوة أعظم، وأي انتصار أروع من أن يزعم قوم لأنفسهم أنهم حماة النظام ومقروه؛ فإذا هم لا يزيدون على أن يلهوا الناس ويضحكوهم بما يقولون ويعملون!

  • مضاربة …

    حديث المساء: مضاربة …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٤ نوفمبر ١٩٣٣

    يظهر أنها قوام سياستنا الرسمية في هذه الأيام، ليست مقصورة على القطن، وإنما تتجاوزه إلى غيره من المصالح العامة التي تعنى بها الوزارة أو تشتغل بها الأحزاب المؤتلفة حول الحكم. فلم يكُن صدقي باشا إلا مضاربًا حين أنذر بالاستقالة من الحكم، وحين أقدم عليها. كان يرجو أن يربَح فلم يظفر إلا بالخسران، ولم يكُن صدقي باشا إلا مضاربًا حين استقال من رياسة الحزب، وحين عدل عن هذه الاستقالة، ولم يكن إلا مضاربًا حين فصل من الحزب من فصل، ثم سحب قراره سحبًا، وارتاح لعودة المفصولين وطلب إلى حزبه أن يرتاح.

    ولم يكن رئيس الوزراء إلا مضاربًا حين استقال من حزب الشعب، كان يُقدِّر أنه سيضعف حزب الشعب أو سيضعف خَصمه صدقي باشا رئيس حزب الشعب، فلم يبلغ ممَّا كان يقدر شيئًا؛ لأن حزب الشعب لم يكن قويًّا فيضعف، ولأن صدقي باشا لم يستمد قوته في يوم من الأيام من حزب الشعب.

    ولم يكن رئيس الوزراء إلا مضاربًا حين قبِل رياسة الوزراء؛ كان يقدر أنه سيجد بعد النهوض بأعباء الرياسة نفس القوة التي كان يجدها صدقي باشا قبل أن يستقيل، فلما انتهى إلى مكتب الرياسة لم يجِد قوة، وإنما وجد ضعفًا، ولم يكن الوزيران اللذان خرجا على صدقي باشا، وخالفا عن أمره، ودخلا الوزارة برغمه إلا مضاربَيْن؛ كانا يقدران أن تحديهما لرئيسهما سيضعف الرئيس، فلم يظفرا بشيء لأن رئيسهما لا حَظَّ له من القوة ما دام بعيدًا عن مناصب الحكم.

    كل شيء يأتيه هؤلاء الناس الآن مضاربة تقوم على حب الخطر والمجازفة، وعلى اللعب بما في اليد من الورق، فقد يربح اللاعب وقد يخسر، ما دام الربح ممكنًا، فلا ينبغي التقصير في طلبه والسعي إليه، وليس الشر أن صدقي باشا ضارَبَ بأموال الدولة أو ضارب بأموال الفقراء والأحداث في سوق العقود، وليس الشر أن وزارة المالية ضاربت بأموال الدولة أو تضارب الآن بأموال الدولة، ليس الشر هو هذا وحده، وإنما الشر أبعد جدًّا من هذا مدًى، وأعمق جدًّا من هذا أثرًا، وأشد جدًّا من هذا خطرًا، الشر هو أن رجال هذا العهد يضاربون بالمصالح العامة كلها، لا يبتغون إلا أن يظفروا، ويستعلُوا، وينتصر بعضهم على بعض، ويقهر بعضهم بعضًا، وينتقم بعضهم من بعض، فأما تحقيق المنافع المصرية الخالصة، فأما أداء الواجبات الوطنية الخالصة، فأما خدمة الشعب؛ لأن الأحزاب والوزارات إنما تقوم لخدمة الشعب، فأما كسب الاستقلال، فأما اتِّقاء الإفلاس، فأما رد الجوع، وصد الفقر، وطرد البؤس عن هؤلاء المصريين الذين تقوم على أكتافهم الأحزاب والوزارات؛ فكل هذا شيء قد مضى وقتُ التفكير فيه منذ عهد بعيد، وسيأتي وقت التفكير فيه بعد وقت قريب.

    أما الآن فإلى المضاربة، وإلى المضاربة وحدها، أتثبُت الوزارة في مركزها أم تزول عنه؟ أتظفر الوزارة بتأييد الشعبيين، أم تبوء بخذلانهم؟ أيظفر صدقي باشا بكثرة الحزب، أم تُعرِض عنه هذه الكثرة، أيستطيع كل فرد من أفراد هذا الحزب أن يرضي الرئيسين المختصمين أم هو مضطر إلى أن يضحي بأحدهما ليعيش وبمن يضحي، أبمؤسس النظام الجديد صدقي باشا، أم بحامي النظام الجديد عبد الفتاح يحيى باشا؟

    الوقت الآن وقت مضاربة ليس غير، والحظ قائم غير بعيد ينظر إلى هؤلاء السادة جميعًا بعين ماكرة، وابتسامة ساحرة، ونية ليس إلى العلم بها من سبيل، ومصر قائمة غير بعيد تنظر إلى هؤلاء السادة محزونة القلب كاسفة البال، كئيبة الوجه، مقطبة الجبين، مصممة مع هذا كله على أن تكون كلمتها هي العليا، وكلمة الوصوليين هي السفلى.

    لم نكُن مخطئين حين طلبنا إلى المصريين منذ أيام أن يحتاطوا لأنفسهم، وأن ينتبهوا لأن باب المخزيات سيفتح على مصراعيه، ولأن الفضائح ستخرج من هذا الباب، سود الوجوه، كاشرة عن الأنياب، منكرة الصور، مسممة للجو، مفسدة حولها كل شيء.

    لم نكن مخطئين، فهذه الفضائح يتبع بعضها بعضًا، ويأخذ بعضها برقاب بعض، لا تظهر قصة الكورنيش حتى تتبعها قصة القطن، وإن في حكاية القطن لعجبًا.

    رجلٌ قضى ثلاثة أعوام في الحكم يتهم الوفد بالإسراف في أموال الدولة، والعبث بهذه الأموال، واتخاذ القطن وسيلة إلى إفساد المالية وتبديد الاحتياطي، حتى إذا خرج من الحكم، وقد ملأ الدنيا صياحًا، وخيل إلى الناس وإلى نفسه أنه قد مَحَقَ سمعة الوفد محقًا، وسحق كفايته المالية سحقًا، ظهر أنه كان يقول كلامًا ويأتي من الأمر ما يعجِز عن تصويره الكلام، ظهر أن الوفد لم يتصرف إلا في حدود القانون والدستور، تحت مراقبة البرلمان وبإذن مجلس الوزراء، وبعد استشارة الفنيين، ومنفِّذًا لقرار قيدته به وزارة سابقة ومبتغيًا مصلحة لا شك فيها، ومتقيًا شرًّا لا شك فيه. ظهر هذا كله واضحًا جليًّا. وظهر أن هذا الرجل الذي كان يعيب الوفد بما لا يعاب، كان يأتي من الأمر ما يعاب، وما لا يمكن أن يجِد عنه دفاعًا مُغنيًا، أو تعليلًا مقنعًا، كان يضارب بأموال الدولة، وبأموال الشعب، والبرلمان قائم ولكنه لا يَسأله، ومجلس الوزراء قائم ولكنه لا يستأذنه، والفنيون قائمون ولكنه لا يستشيرهم. كان يضارب في السر ومن وراء ستار صفيق، وكان ينتهي بهذه المضاربة إلى ضياع الألوف الكثيرة من أموال الدولة على حين كانت الدولة في حاجة لا إلى الألوف، بل إلى المئات، بل إلى العشرات، بل إلى الآحاد من الجنيهات.

    ظهر هذا كله فإذا افتضح أمره للناس تقدَّم أعوان هذا الرجل وشركاؤه في التبعة يلومونه، ويُلِحُّون في لومه ويسألون الوزارة أن تفضح من سره ما كان مكتومًا، ويحكم أيها الناس! فما بالكم انتظرتم إلى الآن؟! وما الذي أغراكم بصاحبكم بعد أن أعرض عنه الحكم وجفاه السلطان؟! ثم يهم هذا الرجل أن يدافع عن نفسه فيتحدى ويتصدى ويعتب ويلوم، ويتهم وزير المالية القائم بأنه يصنع مثل ما صنع، ويضارب كما ضارب، ويخسر كما خسر، وإذا وزير المالية محرَج يريد أن يدفع عن نفسه، فيُكذب خصمه تكذيبًا، ويعلن أنه لم يُؤمر بالتدخل في سوق العقود قليلًا ولا كثيرًا، وينهض صدقي باشا فيرد على تكذيبه ردًّا، ويؤكد أنه لم يقُل إلا عن علم، ولم يروِ إلا عن ثقة، وأن لديه تفصيل القصة ودخائلها. ثم يفسر المفسرون، ويُؤَوِّل المؤَوِّلون فيقولون إن الوزير القائم لم يأمر بالتدخل، ولكنه وافق عليه، وفَرْقٌ بين من يقول لك افعل، ومن يقول لك لا بأس عليك. ولِمَ أنشئ الفقه؟ ولم اختُرِع الذكاء؟ ولم وُجِد البيان؟ إلا للتفريق بين الأمر والإقرار، أو بين الأمر والموافقة، لم آمُر، فلست مسئولًا، وإنما وافقت فالمسئول هو الذي طلب إلى هذه الموافقة.

    كذلك تعقدت الأمور أمس واشتد الاضطراب في وزارة المالية، وهَمَّ الوزير بمعاقبة بعض الموظفين، ثم اضْطُرَّ الوزير إلى أن يعدل عن هذا العقاب، والله يعلم كيف اضْطُرَّ الوزير، ومن اضْطَرَّ الوزير، ولماذا حمل الوزير على إلغاء ما هَمَّ به من عقاب، أرأيت إلى حكاية القطن هذه وإلى ما فيها من عجب، رجل يتهم الوفد بسوء التصرف في شئون القطن، فإذا هو يضارب في القطن. وقوم من أنصار الوزارة يتهمون صدقي باشا بأنه يضارب في القطن فإذا الوزارة نفسها تضارب في القطن. ماذا؟! أليس إلى فَهم هذه الألغاز من سبيل؟ أقُضيَ على هذا البلد التعس أن تطبق الظلمات عليه إطباقًا وأن يسمم الجو عليه تسميمًا، وأن تكون حياته ومصالحه كرة تتقاذفها الظروف والمنافع والأهواء؟

    وقصة أخرى ليست أقل من هذه القصة نُكرًا، وزير قائم يقذف وزيرًا سابقًا بما لا يليق بالوزراء، فلا تكاد تمضي الأيام حتى ينهض لهذا الوزير القائم، من يزعم له — أو يزعم عليه — أنه لم يؤدِّ الضرائب منذ ثلاثة أعوام، وأن بعض أمواله كانت قد حُجِزَتْ فرَفع عنها الحجز بأوامر مخالِفة للقانون. ثم ينهض من النواب من يسأل عن حقيقة هذا الأمر، وكما سكت الوزير السابق عمَّا أصابه من القذف، فما يزال الوزير القائم ساكتًا على ما يُوجَّه إليه من اللوم. ماذا؟! أكان جهاد مصر في عصرها الحديث، وما بذلت من ضحايا وما احتملت من أثقال، وما تكلفت من عناء، أكان هذا كله مقدِّمة لتظفر بما تظفر به في هذه الأيام، من هذا الجو الموبوء الذي يتراشق فيه الوزراء القائمون والسابقون بأقبح التهم وأشنعها؟! ومن الذي يستطيع أن يلوم الناس من عامة الشعب إذا فسدت بينهم الأمور، وساءت بينهم الصلات، ما دام وزراء الدولة وزعماء الحكم فيها يعيشون في هذا الجو المنكَر الذي أخذه الفساد من جميع نواحيه؟

    لقد نحب أن نعلم لِمَ أُنشِئَت النيابة إذا لم تحقق مثل هذه التهم، ولِمَ أنشئت المحاكم إذا لم ترفع إليها مثل هذه الخصومات. لقد نحب أن نعلم متى تصلح الوزارات، وتستقيم أمورها، ويصرف الوزراء أعمال الحكم بالنزاهة والإخلاص والصدق في السر والجهر. إذن لِمَ يسأل الوزراء المخطئون عن خطئهم، ولِمَ يؤخذ الموظفون المسيئون بإساءتهم، لقد نحب أن نعلم من الذي جعل الوزراء فوق القانون يخطئون فلا يسألون، ويسيئون فلا يلقَوْن جزاءً على ما أساءوا. ثم لقد نحب أن نعلم كيف تُسمَّى الأيام التي تقع فيها هذه السيئات كلها فتمضي وكأن شيئًا لم يقَع، وتذاع فيها هذه المنكرات كلها، فتمضي وكأن شيئًا لا يذاع أن في المضاربة لذة للمضاربين، هذا شيء يُقال ويَتحدث به الناس، ولكنَّ للمضاربة أحكامًا في القانون يجب أن تُحترم، ويجب أن تُنفذ في كبار الناس كما تنفذ في صغارهم، وما الذي يعنيني أن ينتصر صدقي باشا أو عبد الفتاح يحيى باشا، إنما الذي يعنيني ألا يسيء أحد هذين الرجلين، فإن كان منهما السوء فيجب أن يكون القانون كفيلًا بدفع شرِّهما، وردهما إلى ما ينبغي من الإنصاف.

    ما أعرف أن مصر احتاجت في يوم من الأيام إلى أن يَطْهُرَ جوُّها السياسي كما تحتاج إلى ذلك في هذه الأيام.

  • قذف

    حديث المساء: قذف

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢١ أكتوبر ١٩٣٣

    ليس من الأشياء التي تُحَبُّ أو يشتد إليها الميل، أن تلقي دروسًا في الأخلاق على قوم يجب أن يكونوا قدوة في حسن الأخلاق، بل ليس من الأشياء التي تُحتَمل أو تبتغى أن تلفت الوزراء السابقين واللاحقين إلى هذه الواجبات اليسيرة التي تفرضها الأخلاق.

    وحسب الكُتَّاب أن يلفتوا الوزراء والمشتغلين بالحياة العامة إلى الواجبات السياسية التي تفرِضها المصلحة العامة، ويحتمها الإخلاص في خدمة الشعوب.

    والأمر يزداد مشقَّةً وعُسرًا حين يتصل بالسابقين واللاحقين من وزراء هذا العهد السعيد؛ فهم معصومون من الخطأ، مبرَّءُون من العيب، مُنزَّهون عن هذه الخصال التي يمكن أن تَشين مثلك ومثلي من عامة الناس. ولولا أنهم معصومون من الخطأ ولولا أنهم مبرَّءُون من العيب، ولولا أنهم مُنزَّهون عن كل ما يَشين لما ارتقوا إلى مناصب الوزارة، ولما قبضوا بأيديهم على أَعِنَّةِ الأمور يصرفونها كما تقضي المصالح العامة وحدها لا يتأثرون في ذلك بميول الأحزاب وأهوائها، ولا بنزعات الأفراد وشهواتهم، ولا يجورون في ذلك عن قصد السبيل.

    وإذا كانت هذه حالُهم فنحن جماعة الكُتَّاب نتجنَّى عليهم ونتجاوز الحدود في أمرهم، حين تزعم أنهم قصروا في السياسة أو أخطَئوا سبيل المنفعة العامة، أو أهملوا حقًّا من حقوق الناس. وهُم كرام إلى أقصى حدود الكرم، حلماء إلى أبعد آماد الحلم، يقبلون منا التجنِّي ويعفون لنا عن النقد، ولا يخاصموننا في ذلك إلا قليلًا، وقد يُغرِينا كرمهم فنغلو في النقد، ويطمعنا حلمهم فنُغرِق في التَّجنِّي، وهم مع ذلك لا يغضبون ولا يعبسون، وإنما يمضون في العفو ويُلِحُّونَ في العطف، ويريحون النيابة من التحقيق، ويُريحون المحاكم من القضاء، ويريحون الشرطة من أخذ الناس، ويريحون الناس من عنف الشرطة، ويعصمون أجسامهم من وقع السياط. فكيف بنا إذا تجاوزنا السياسة وشئونها ونقدنا الوزراء السابقين واللاحقين فيما يتصل بأعمالهم وأقوالهم مما يتصل بالأخلاق؟ ولكن صناعة الكتابة، والكتابة في الصحف بنوع خاص، تدعو إلى شيء من التطفل، وتدفع أصحابها إلى أن يدخلوا فيما لا يعنيهم، ويعرضوا لما لا ينبغي أن يعرضوا له، ويقولوا فيما لا ينبغي أن يقولوا فيه. وأكبر الظن أن الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد سيعفون للكُتَّاب عن هذا التطفُّل كما يعفون لهم عن ذلك التجني. وسيصفحون عن نقدهم فيما يمَس الأخلاق، كما يصفحون عن نقدهم فيما يمس السياسة. فإن العفو فضيلة من هذه الفضائل الواسعة التي لا تحصر ولا تقصر ولا تتناول شيئًا دون شيء، ولا تتجاوز إثمًا دون إثم، وإنما هي ميالة بطبعها إلى التجاوُز عن السيئات جميعًا.

    فإذا كان نقد الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد في أمر يمس الأخلاق متصلًا بالسياسة العامة من بعض الوجوه، كان طمعُهم في عفو الوزراء أعظم، وأملُهم في صفح الوزراء أشد، وثقتهم بحُلم الوزراء أدنى إلى أن تملأ قلوبهم أمنًا، وتشعر نفوسهم طمأنينة وهدوءًا.

    ونحن نريد أن نعرض لأمر من أمور الأخلاق متصل بالسياسة أشد الاتصال، أثارته تلك القصة المضحكة التي مثَّل فصولَها حزبُ الشعب في هذه الأيام الأخيرة الماضية. فقد زعموا أن الصلح لم يَكَدْ يَتم بين الحظيرة وبين الوزيرين اللذين أُقْصِيَا عنها. حتى نهض وزير الزراعة السابق فأعلن في حدة وغضب، وغيظ وحنق: أن وزير المواصلات السابق تحدث إلى بعض الناس بأن وزير الزراعة اللاحق يقذفه، ويتهمه بأمور تمس الانتفاع المادي على حساب المصلحة العامة، واختلف الناس بعد ذلك في تحقيق هذه الأمور، فبعضهم زعم أنها تمس حزب الشعب، وإدارة الوزير السابق له، وهذا هو الذي قرأناه في الصحف صباح أمس، وبعضهم زعم أنها تمَس الحكومة وأموالها. وهذا هو الذي قرأناه في صحيفة من صحف المساء نشرته أمس للناس في صراحة مؤلمة حقًّا. ولسنا نحب أن نروي ما صرحت به صحيفة المساء تلك فقد يثقل ذلك علينا، وقد يثقل ذلك على الناس، ولكن الذي نحب أن نلاحظه هو أن الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد — مع أنهم معصومون من الخطأ ونحن جميعًا نخطئ — مبرَّءون من العيب، ونحن جميعًا قد نتورط في العيب، لا تمنعهم العصمة ولا تعفيهم البراءة من أن يكونوا كغيرهم من الناس يخطئون كما يخطئ الناس، ويعيبون كما يعيب الناس، ويدفعون كما يدفع الناس إلى أشياء لا تليق. فهذا وزير مقيم في الحكم يتهم وزيرًا معتزلًا للحكم في نزاهته، وهذا وزير سابق ينقل عن الوزير اللاحق ما قاله، فإذا هو يُذاع ويُشاع، حتى يقرع سمع الوزير المقذوف، وإذا هو الوزير المقذوف يحاول أن يبرئ نفسه، ويدفع عنها، فلا يزيد الأمر إلا ذيوعًا وانتشارًا، وقد كُنَّا نقدر أن عصمة الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد، ترفعهم عن أن يتورطوا في مثل ما يتورط فيه غيرُ المعصومين من الناس، وتجعلهم أعلى وأكرم على أنفسهم من أن يقذف بعضهم بعضًا، ويسوق بعضهم إلى بعض هذه التُّهَم التي إن صحت كانت مزرية مخزية. ثم يسعى بعضُهم إلى الناس بما قال بعضهم في بعض، حتى يشيع الشر، وينتشر النُّكر، وتسوء سمعة السابقين واللاحقين من وزراء هذا العهد السعيد. والقاذف والمقذوف من وزراء حزب الشعب، والساعي بهذا القذف من وزراء حزب الشعب، ومبلغ القذف إلى المقذوف من أعضاء حزب الشعب. فهل هي المصادفة التي جمعت بين حزب الشعب وبين هذا النحو من أنحاء الاتهام؟

    على أن للأمر وجهًا آخر أعظم خطرًا من هذا. فليس من شَكٍّ في أن الناس جميعًا يتمنَّوْنَ أن يكون وزراء هذا العهد السعيد أرفع من أن يقذف بعضهم بعضًا، ويسعى بعضهم ببعض. ولكن الناس يتمنَّوْنَ بنوع خاص ألَّا يكون هذا القذف صحيحًا، ولا مصوِّرًا لحقيقة من هذه الحقائق المزرية المؤذية، والناس يتمنَّوْن أن يكون الغضب وحده هو الذي أنطق وزير الزراعة القائم بما نقله وزير المواصلات السابق حتى انتهى إلى وزير الزراعة المستقيل. ولكن كيف يستطيع الناس أن يتبيَّنوا جَلِيَّةَ هذا الأمر، وأن يعلموا ويستيقنوا ويطمئِنُّوا، وتُمحى من نفوسهم الريب والشكوك، ولا يتطرق الوهم إلى أحد منهم بأن وزير الزراعة السابق موسوم بما رماهُ به وزير الزراعة القائم إن صح ما نقل عنه؟

    أمَّا حزب الشعب فسيصلح الأمر بين أعضائه إصلاحًا ظاهرًا تصفو معه القلوب أو لا تصفو، وتخلص معه النِّيَّاتُ أو لا تخلص. وسيزول الخلاف بين وزير الزراعة القديم ووزير الزراعة الجديد، وسيعود أولهما إلى الحظيرة بعد أن خرج منها، كما عاد ثانيهما إلى الحظيرة بعد أن أُخْرِجَ منها إخراجًا. وسيرتاح صدقي باشا لرجوع وزير الزراعة السابق إلى الحظيرة كما ارتاح لرجوع وزير الزراعة القائم إليها. ولكن الأمر لم يبقَ مقصورًا على حزب الشعب ولا على الوزيرين المختَصِمَيْن، وإنما هو يتجاوز الحزب وأعضاءه جميعًا إلى الأمة وإلى الدولة؛ فلم يَبْقَ بُدٌّ من أن يعرف الناس جلية هذا الأمر، ولم يَبْقَ بُدٌّ من أن تتبين الدولة حقيقة هذه التهم، ولم يَبْقَ بُدٌّ من أن تعود إلى قلوب الناس الثقة بأن وزراءهم لا يستفيدون لأنفسهم على حساب المصلحة العامة. ونحن نعلم حق العلم أن هذه الجملة المشئومة التي قالها علي المنزلاوي بك، إن صح ما رواه عنه توفيق دوس باشا، وقد وقفت جماعة من الوزراء بين أمرين كلاهما شَرٌّ وأحلاهما مُرٌّ، فهي إن صحت أثبتت ما لا ينبغي أن يتصف به الوزراء، واستتبعت آثارًا لا تَسُرُّ ولا تُرْضِي، وهي إن لم تَصِحَّ أثبتت ما لا ينبغي أن يتصف به الوزراء من اتهام الناس بغير الحق وبما لا يليق. وواضح جدًّا أن تحقيق هذا الأمر وإظهار جليته للناس لا يمكن ولا ينبغي أن يكون في حزب الشعب ولا بين يدي صدقي باشا، وإنما يجب أن يكون في مكان غير حزب الشعب، وأمام رجل غير صدقي باشا، أفترى هذا التحقيق ممكنًا، أفترى هذا التحقيق واقعًا غدًا أو بعد غدٍ؟ أم تظن أن أمر هذا القذف سيُترك لتمضي به الريح وليُسدِل عليه النسيان ستارًا صفيقًا. أما نحن فنعتقد أن ليس على أخلاق الناس ومصالحهم ونزاهتهم فيما يأتون وما يَدَعُونَ خطر أشد من إهمال مثل هذا القذف وتركه غنيمة للنسيان. فذلك يُغرِي الناس بالإقدام على الشر طامعين في عفو النسيان، وذلك يُغري الناس بالإقدام على القذف طامعين في عفو النسيان أيضًا. ونحن نعتقد أن في مصر قوة حريصة أشد الحرص على الأخلاق وعلى صيانة المصالح العامة، وعلى صيانة سمعة الوزراء السابقين واللاحقين، ونعتقد أن هذه القوة لن تقصر فيما يجب عليها من التحقيق.

  • نزاهة

    حديث المساء: نزاهة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٧ أكتوبر ١٩٣٣

    أخص ما ينبغي أن يميز الرجل السياسي الذي ينهض بأعباء الحياة العامة، وينصب نفسه لتصريف أمور الناس: أن يكون نزيهًا فيما يأتي من الأمر، وفيما يُرسِل من القول، وفيما يرسم من الخطط. ومعنى النزاهة فيما أعتقد أن يكون الرجل السياسي الذي ينهض بالأعباء العامة، ويقبل تصريف أمور الناس منصفًا للناس من الناس، ومنصفًا للناس من نفسه قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء، لا يؤثر بالإنصاف خَصلة أخرى، ولا يتجاوزه مهما تَكُنِ الظروف، ومعنى ذلك أن أخص ما يَتَّصِفُ به الرجل السياسي النزيه، إنما هو حسن فَهمِه للمساواة وتذوُّقه إياها، وتمثُّله لها حتى تصبح جزءًا من مزاجه، ومقوِّمًا من مقوِّمات أخلاقه العامة، لا سبيل إلى فَهمه بدونها، ولا سبيل إلى تصوُّر عملٍ من أعماله دون أن يظهر فيه أثر الإنصاف والعدل، والحرص على تحقيق المساواة.

    وكان عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — من أشد الناس قَدرًا للمساواة، وحرصًا عليها، وتذوُّقًا لها، كان ينصف الناس من الناس وكان ينصف الناس من نفسه قبل أن ينصفهم من أنفسهم، وكان عمر — رضي الله عنه — شديد الحرص على أن يسير عُمَّاله وقضاته في الأقاليم سيرته هو في مستقر الخلافة، والناسُ جميعًا يذكرون أنه كان يأخذ قضاته في بتحقيق المساواة بين الذين يختصمون أمامهم في كل شيء، حتى فيما لا يستطيع الإنسان أن يحقق فيه المساواة إلا بهذه الإرادة القوية النادرة التي لا يمتاز بها إلا أمثاله من العظماء، وهو ميول النفس، وأهواء القلب، وما ترسم على وجه القاضي من مظاهر الإقبال والإعراض، وعلامات الحب والبغض، وآثار العطف أو الانحراف، فكان عمر — رضي الله عنه — يطالب قاضيه أبا موسى الأشعري أن يسوِّي بين خصومه حتى في وجهه، ولأمرٍ ما اتفقت أجيال المسلمين — على اختلاف العصور والبيئات والأجناس، منذ ثلاثة عشر قرنًا أو أكثر — على أن عمر كان المثل الأعلى لحب العدل وتحقيق المساواة بين المسلمين.

    ولسنا نطمع في أن يكون ساستنا والناهضون بأعباء الحياة العامة فينا مُثُلًا حية لعمر، ولا للذين اقتدَوْا بعمر من خلفاء المسلمين وقادتهم في عصور المجد الإسلامي القديم؛ فذلك مطمَع يدل كل شيء على أن تحقيقه في هذه الأيام لا سبيل إليه، وإنما نطمع — ومن حقنا أن نطمع — في أن تكون سيرة عمر — رحمه الله — هَدْيًا للذين ينهضون بأعباء السياسة، يتأثرونها ما وسعهم ذلك، يتأثرونها ولو من بعيد جدًّا، فهم إن فعلوا أراحوا أنفسهم من شر كثير؛ أراحوا أنفسهم أمام ضمائرهم، وأراحوا أنفسهم من هذا الخوف الذي يخالط القلوب الحية فيزعجها حين تفكر فيما أَعَدَّ الله للظالمين من حساب عسير. أراحوا أنفسهم من سخط الناس عليهم، وتبرُّم الناس بهم وشَكِّ الناس فيهم، ورجاء الناس أن يخلصوا من سلطانهم الذي ليس له حَظٌّ من رحمة أو رفق فضلًا عن أن يكون له حظ من حب للعدل أو تحقيق للمساواة والإنصاف.

    نعم، وأراحوا أنفسهم من أن يذكرهم التاريخ هذا الذِّكْرَ الذي تشمئز له النفوس، وتعبِس له الوجوه، وتقطب له الجباه، ثم أعانوا مع هذا كله على إذاعة الخير ونشر المعروف وأخذ الناس بحب العدل، والرغبة في الإنصاف، والشعور القوي بمنافع الديمقراطية والإيمان القوي بأنها خير ما وصل إليه الناس من أصول الحكم والنظام. من حقنا أن نطمع في هذا كله من ساستنا والناهضين بأمورنا العامة؛ لأننا نؤدِّي واجباتنا الاجتماعية والسياسية على وجهٍ حسن. فمن الحق على الذين يلون أمورنا أن يؤدوا واجباتهم الاجتماعية والسياسية على وجه حسن. فليس ينبغي أن يؤدي الشعب كل ما يطلب إليه لحاجة الدولة، وأن تعوج الوزارات في تأدية ما يطلب إليها في حاجة الشعب. وليس ينبغي أن يؤدي الشعب إلى الدولة ما تفرض عليه من الضرائب، ولا تؤدي الوزارات إلى الشعب ما يجب عليها من إنفاق هذه الضرائب في مصالح الشعب ومرافقه، وليس ينبغي أن يؤثِر الشعب حاجات الدولة على حاجاته الخاصة، ثم لا ترضى الدولة منه ذلك حتى تظلمه وتجور عليه وتكلفه فوق ما يطيق.

    ولعل الذين يسوسوننا ويلون أمورنا يعلمون أن الشعور العام قد يئس منذ نهض صدقي باشا بالحكم من أن تناله الوزارة برحمة أو رفق. فالشر كل الشر، والخطر كل الخطر أن ييأس الشعب من أن تناله الوزارة بالعدل والإنصاف.

    أكتب هذا كله، وبين يديَّ حوادثُ ثلاثٌ تدعو حقًّا إلى التفكير الطويل فيما وصلت إليه أمور مصر حين أخطأ الناس في المساواة، وحين انصرف الناس فيها عن تحقيق هذه المساواة. وتدعو إلى التفكير الطويل في هذه النزاهة التي يجب أن تكون الشرط الأساسي لكل نهوض بالأعباء أو تصريف للأمور العامة.

    فهذه قصة أبي جرج ليست في أكبر الظن إلا عنوانًا لقصص أخرى لعل أصحابها يُشفِقون من التحدُّث بها إلى الصحف؛ مخافة أن يغضب ذلك الوزراء والمديرين، فيضاعف لهم ما يجِدون من الهم والغم، وما يحتملون من المشقة والجهد، وهي قصة أَقَلُّ ما تُوصَفُ به أنها مَثَلٌ قبيحٌ لإهمال المساواة، وتعمُّد التفريق بين الناس فيما ينبغي ألَّا يفرق بينهم فيه من العدل. وقد أخذت السياسة تتحدث عنها منذ يوم الأحد، وأخذت اليوم تنشر بعض أدلتها بالصور التي لا تدع سبيلًا إلى الشك فيها. والوزارة ساكتة لا تقول شيئًا ولا تنكر شيئًا. أفتراها بعد هذا الصمت الذي هو أشبه الأشياء بالاعتراف ستمضي في إقرار هذا الظلم على هؤلاء الناس؟ أم تراها سترفعه عنهم، وعن أمثالهم، وستعاقب الذين اقترفوه؟ وقد زعموا أن رئيس الوزراء أُخرج من وزارة صدقي باشا لأنه أنكر أمثال هذا الظلم، وأراد تغييرًا في سياسة رئيسه أمس، وخصمه اليوم.

    أفتراه يقر اليوم ما كان ينكر في أول هذا العام؟ أم تراه يطلب إلى الوزير المسئول أن يُنصِف الناس من نفسه، وأن ينصف الناس من أنفسهم؟ فإن فعل فذاك وإن لم يفعل أخرجه من الوزارة، ورضي الناس عن إخراجه؛ لأنه إنما يكون نتيجة للرغبة في العدل والحرص على رفع الظلم والجور.

    وقصة أخرى تحتاج إلى عناية رئيس الوزراء، وقد لفتناه إليها منذ أيام، وهي قصة هذا الهزل المؤلم المُحزِن الذي يأتيه مدير الدقهلية مع رجال التعليم الأوَّلي في إقليمه، حين يتحكم فيهم، ويفرض عليهم زيًّا من الأزياء غير معتمِد في ذلك على حق ولا عدل، ولا مستنِد في ذلك إلى نظام ولا دستور، وإنما هو التحكُّم الذي ينبغي أن يُضحِك لولا أنه اعتداء على الحرية وإرهاق للناس وإضاعة لوقت المعلِّمين فيما لا ينبغي أن يضيع وقتهم فيه. ووزير الداخلية هو المسئول عن هذا الهزل. فمن الحق عليه أن يأمر مديره بأن ينظر في أمور الناس بالجِد، وألا يُكرِهَ فريقًا منهم على غير ما يريدون، وألَّا يتحكم في أزياء الناس؛ فإنه لم يُعَيَّنْ مراقبًا للأزياء، وإنما عُيِّنَ لشيء آخر بعيد كل البعد عن مراقبة الأزياء. ومن الحق على رئيس الوزراء أن يتقدم إلى زميله وزير الداخلية في أن يَكُفَّ هذا الهزل الذي لا يلائم جِدًّا ولا عدلًا ولا احترامًا للدستور، فإن فعل فذاك وإن لم يفعل أخرجه من وزارته، ولم يَلُمْهُ في ذلك أحد؛ لأنه يكون يومئذٍ مدافعًا عن الحرية والعدل والقانون.

    وقصة ثالثة هي أثر من آثار الوزارة السابقة، ومن الحق على الوزارة القائمة أن تصلحها أو أن تنفيها؛ فقد زعموا أن وزير الزراعة السابق تجاوز مشورة الفنيين في وزارته وأمضى عقودًا أجرت بها أرض لحقول التجارب، وأمضى هذه العقود وهو مستقيل، وألزم الدولة بهذه العقود، ولم يكن يملِك إلزامها، وأنفق في ذلك عشرة آلاف من الجنيهات، ولم يكن يملك إنفاقها، وكانت المصلحة الظاهرة تقضي ألا تنفَق ولا سيما في هذا الوقت العصيب، فمن الحق على رئيس الوزراء أن يفضي إلينا بجَلِيَّة الأمر، ومن الحق على وزير الزراعة الجديد — إن كان حقًّا ما أُشِيعَ — أن يمحو هذا الأثر من آثار وزير الزراعة القديم، وإن كانا جميعًا شعبيين. ومن الحق على رئيس الوزراء ألَّا يقبل من زميله وزير الزراعة إلا إلغاء هذه العقود؛ لأن النزاهة السياسية تفرِض عليه ذلك فرضًا.

    ويخيل إلينا أن في حياتنا العامة أمورًا كثيرة ليست أقل خطرًا، ولا أبعد عن العدل والمساواة من قصة أبي جرج ومن هزل الدقهلية، ومن عقود وزير الزراعة السابق. ويخيل إلينا أن النزاهة السياسية تفرض على رئيس الوزراء أن ينفق وقته في تقويم هذا العوج، وإصلاح هذا الفساد؛ فذلك أنفع وأجدى من إنفاق الوقت في مخاصمة صدقي باشا، وهو أضعف من أن يصلح للخصام.