جنون!
طه حسين
مجلة المصور
٢٣ مايو ١٩٤٧
تحدثتُ في غير هذا المَوضع عن قصة لكاتبٍ عظيم من كُتَّاب تشكوسلوفاكيا هو «فرانز كفكا»، وهي قصة «القصر». وكنتُ أظنُّ كما يظنُّ غيري من النُقَّاد والبَاحثين أنَّ الكاتب قد اتَّخَذَ قِصَّتَهُ رَمْزًا لمُشكلة من المُشكلات العُلْيَا؛ هي مُشكلة الاتصال بين الإنسان وخَالِقِه. فالقصر قائم على ربوة مُرتفعة تنبسِط تحتها قرية مُنتشرة في أسفل الأرض، وليس من سبيل إلى أنْ يَصِلَ عامَّة الناسِ إلى هذا القصر، وإنَّما يَهبِط إلى القرية بعض الموظفين بين حينٍ وحين، ويصعب لقاء هؤلاء الموظفين على أهل القرية، ولا يرقى إلى القصر من أهل القرية إلا رُسُلٌ قليلون لا يزيد عملهم على نقل الأوامر بين القصر والقرية. وقد أقبل رجل من مكان بعيد على أنه قد عين مَسَّاحًا في هذه القَرية، ولكنه يُنفق خلاصة عمره دون أن يتسلَّم عمله، ويَبْذُل جهودًا لا تنقضي دونَ أنْ يَرْقى إلى القَصْر ليَتَسَلَّم عَمَله، أو دُون أن يَتَّصِلَ بأحد الموظفين الذين يهبطون بين حين وحين من القصر، لعله يجد عند هذا الموظف معونة على تسلُّم عمله!
وكنت أظن كما يظنُّ غيري من النُقَّاد والباحثين أنَّ هؤلاء الموظفين الذين يستقرون في القَصر أو يهبطون إلى القرية بين حين وحين، إنَّما هُمْ رُموز للوسطاء الذين يُحاولون أنْ يَصِلُوا بين المَخْلُوق وخَالقه دون أن يبلغوا من ذلك شيئًا، ولكنَّ نظرة يسيرة إلى بعض الشئون في حياتنا المِصرية قد لفتني إلى أنه وإن يكن من الجائز أنَّ الكاتب قد أراد بقصته إلى الرَّمز، ولكن من المُحقق أنه قد صوَّر في قصته ألوانًا من حقائق الحياة في بعض البلاد التي تتعقَّد فيها البيروقراطية، وتختلط فيها شئون الإدارة، وتتسلَّط فيها جماعة قليلة من كبار الموظفين على جماعة ضخمة من صغار الموظفين، ويتسلَّط فيها أولئك وهؤلاء على شعب كامل، يُرُونَهُ النجوم في الظهر، ويذيقونه من العذاب فنونًا وألوانًا!
ويَكْفِي أنْ تَذْهَب إلى دِيوان من دواوين الحُكومة في يومٍ منَ الأَيَّام العَادِيَّة؛ لترى ازدحام الديوان بطلاب الحاجات وأصحاب المصالح، وتجمعهم على أبواب الغُرُفات والحُجُرات، ولتَرَى من وراء أبواب هذه الغُرُفات والحجرات مُوظفين هادئين مُطْمَئنين، يُداعب بعضُهم بعضًا، ويتحدث بعضهم إلى بعض في أمورٍ ليس بينها وبين هذه الجماعات المُزدحمة صلة قريبة أو بعيدة.
ولتراهم ينفقون اللحظات الطوال والقصار يقولون للتليفون ويسمعون منه، وهم في أثناء هذا كله يُقْبِلون على البارد والحار من شرابهم، ويستعينون على قطع أوقاتهم بتدخين السيجارة أو تدخين السيجار، والجماعات مُزدحمة مُصطخبة يشكو بعضها إلى بعض، والحُجَّاب يحولون بينها وبين الأبواب، بحيث تشهد في هذا الديوان عالمين يختلفان فيما بينهما أشد الاختلاف: عالم الموظفين الذي يأتلف من الآلهة وأنصاف الآلهة وأثلاثهم وأرباعهم، بل من أخماسهم وأسداسهم؛ وعالم الرعية الذي يأتلف من عباد الله البائسين؛ أولئك الذين يُؤدون الضرائب ويرزُقُون هؤلاء الموظفين جميعًا من جر أموالهم وثمرة أعمالهم، دون أن يستطيعوا أن يصلوا إليهم ليعرضوا عليهم ما يهمهم من المآرب والحَاجَات، فإذا ذهبت إلى هذا الدِّيوان في بعض المَواسم الخَاصَّة التي تظهر فيها حاجات الناس عنيفة مُلِحَّة كمواسِمِ دخول المَدارس مَثلًا لرَأيتَ الفَرْقَ بين هذين العالمين مروعًا خطيرًا حقًّا!
وهذا وحده يكفي لتصوير لونٍ من ألوان الفساد في العلاقة بين الحاكمين والمحكومين؛ ولتصوير ما نستطيعُ أنْ نُسَمِّيه قلب الأوضاع، وتبديل قيم الأشياء؛ فالرَّعية هي التي تعمل وتجدُّ وتنتج وتملأ خزانة الدولة بما تؤدي إليها من الضرائب المُباشرة وغير المباشرة، وتتيح للدولة في أن ترزق الموظفين في آخر كل شهر. والرَّعية هي التي أنشأت الدولة إنشاءً، وجعلت لها حُكُومة ومُوظفين، وقَصَدَتْ بإنشاء الدَّولة وتكون الحكومة وترتيب الموظفين، إلى أنْ يكون الحُكَّام والموظفون عامة خدامًا لها، يُدَبِّرون أَمْرَها، ويَقْضُون مَصَالحها، ويُحققون منافعها، ويَسْمَعون لها إذا تكلَّمت، ويأتمرون بأمرها إذا أمرت، في حدود ما وضع من نظم وقوانين … ولكن الأوضاع تُقلب، والقيم تبدَّل، فيُصبح الموظفون سادة، وتُصبح الرَّعية عَبيدًا، ويتَحَكَّمُ المُوظفون في الشعب تَحَكُّمًا لا يصدر إلا عن السيد في تلك العصور القديمة التي كان النظام فيها يقوم على أنَّ الدولة لا تستَمِدُّ سُلطانها من الشعب، وإنَّما تستمده من الله.
ولكن في الأمر ما هو أغرب من هذا كله، وأدنى إلى الطرافة التي لا أدري أتسر هي أم تسوء! فطبقة الموظفين لا تقسو على الشعب وحده، ولا تسخر من الشعب وحده، وإنما يقسو بعضها على بعض، ويسخر بعضها من بعض، ويهمل بعضها أمر بعض، وتنظر فإذا بعض الموظفين سادة وبعضهم الآخر عبيد، وإذا السادة من الموظفين يتحكَّمون في العبيد منهم كما يتحكَّم أولئك وهؤلاء في طبقة ثالثة مُستعبدة لأولئك وهؤلاء؛ وهي طبقة الشعب!
هذه الطائفة من كبار الرؤساء لم يجعل القانون إليها أمور الشعب وحده، وإنما جعل إليها أمور المرءوسين الذين يُعاونونها على خدمة الشعب؛ فهِي التي تَخْتَارُهم وتضَعهم في مواضعهم، وتَكِلُ إليهم أعمالهم المُختلفة، وتكافئهم إن أحسنوا وتُعاقبهم إن أساءوا. وهي من أجل ذلك تَتَحكم فيهم كما تتحكم في الشعب، وتُغريهم بالتحكم فيمن دونهم من المُوظفين كما تتحكم هي فيمن دونها من الموظفين.
ويَكفي أن تتحدث إلى هذا المُوظف أو ذاك، أو أنْ تَسْتَمع للموظفين وهم يتحدثون في مَكاتبهم وأنديتهم وقهواتهم؛ لتتبيَّن مقدار ما يكون من التحكم بين طبقات الموظفين، ولتتبين أنْ لا غرابة مُطلقًا في إهمال مصالح الشعب، وإنما الغرابة كل الغرابة في العناية بمصالح الشعب؛ لأنَّ كبار الموظفين وصغارهم مُشغولون بأنفسهم عن الشعب، ولأنَّ الوسائل أصبحت غايات، فلم يبقَ الموظف خادمًا للشعب، وإنما أصبحَ خَادمًا لرئيسه أولًا، ومعنيًّا بنفسه ثانيًا، ومُستخدِمًا لمن دونه ثالثًا!
وكبار الموظفين يترضَّوْنَ الوزراء، وأوساط الموظفين يترضون كبارهم، وصغار الموظفين يترضون أوساطهم، والحُجَّاب والخدام يترضون الصغار والأوساط والكبار جميعًا.
فإذا بقي لهؤلاء الموظفين شيء من وقت رَفَّهوا فيه عن أنفسهم، وتَحَدَّثوا فيه بما يهمهم من الأمر، وقد يتَفَضَّل بعضُهُم فيُعْنَى بمصلحة الشعب من حين إلى حين!
وإذا كانت هذه الحال؛ فأي غرابة في أنْ تُوجد بين الموظفين طبقة المنسيين، وأي غرابة في أن تقرأ في الصحف منذ أيام أن مُوظفًا في وزارة الزراعة قد وقف عن عمله منذ ست سنين، وكُفَّ عنه مُرتبه منذ ست سنين أيضًا، ولم يُقْضَ في أمره إلى الآن، على ما كان من تَعاقُب الوزارات، وعلى أنَّ لهذا الموظف أُسرة يَجبُ أن تعيش، وأبناء يجب أن يتلعموا، وحياة يجب أن تحتمل؟!
وأي غرابة في أن يعود موظف من مُهِمَّة كان يُؤديها خارج مصر، وينتظر منذ أكتوبر إلى الآن دون أنْ يُقال له أين أنت أو ماذا تصنع، ودون أن يكلَّف عملًا من الأعمال على كثرة إلحاحه في أن يكلَّف بعض العمل، وعلى كثرة تردده على مكاتب الكبار والأوساط والصغار من الموظفين؟!
قوم لا يعملون، ولكنهم يترددون إلى المكاتب، ويقبضون المرتبات، ويُشغَلون بأنفسهم عن مصالح الشعب، وقوم لا يعملون، ولكنهم يقبضون مرتباتهم آخر الشهر … ومنهم من يرضى بذلك ويحمد الله على هذا الرزق الذي يُساق إليه في غير جهد، ومِنْهُم من يَذُوب قلبه حَسْرَةً لأنَّه يريد أن يعمل بمقدار ما يأخذ من أجْرٍ فلا يجد عَمَلًا! وقومٌ آخرون لا يَعْملون ولا يقبضون المُرتبات ولا يجدون ما ينفقون ولا يُخلى بينهم وبين التماس العمل؛ لأنهم موقوفون، قد علقوا بين الولاية والعزل تعليقًا!
وهذا كله يقع، تراه الأعين وتسمعه الآذان، وتلمسه الأيدي، وتفكر فيه العقول، وتتحدث به الألسنة، وفي مصر مع ذلك برلمان يُهيمن على شئون الدولة، ويُراقب السلطة التنفيذية فيما تأتي وما تدع!
فإذا كان هذا كله لا يدلُّ على أنَّ مصر قد جُنَّ جُنونها، وأصبحتْ في حاجة إلى البيمارستان، فلستُ أدري ماذا عسى أن يكون الجنون؟!
Tag: الحوكمة
-
جنون!
-
تبعات الأجيال
تبعات الأجيال
طه حسين
مجلة المصور
١٣ مارس ١٩٤٧
نشرنا في العدد الماضي كلمة عن «الطلبة» للأستاذ الكبير أحمد أمين بك، تضمنت وجهة نظر جامعي بارز.
واليوم ننشر مقالًا لكاتبنا الكبير الدكتور طه حسين بك يتضمن رأيًا جامعيًّا آخر. و«المصور» إذ ينشر مختلف الآراء في هذا الموضوع الخطير يستعرض كل وجهات النظر، ويفتح الباب لذوي الرأي:
لا أريد أن أذهب مذهب الأستاذ أحمد أمين بك، فأرجو كما رجا في المقال الذي نشره له «المصور» في الأسبوع الماضي أن تتسع صدور الطلبة والآباء والأحزاب لما أريد أن أقول في هذا الحديث، فلست أرى بأسًا بأن تضيق صدور الطلبة والآباء والأحزاب والحكومات أيضًا بما أريد أن أقول. وقد تعودت أن يغضب الناس عليَّ وأن يرضوا عنِّي، فلم يخفني غضبهم من شيء، ولم يطمِّعني رضاهم في شيء. وإنما قلت وسأقول ما أعتقد أنه الحق؛ لأني أعتقد أنه الحق، ولأنَّ من الخير أن يُقال الحق دائمًا وإن كان مرًّا بغيضًا!
ثم لأني من ناحية أخرى لا أخص بهذا الحديث حزبًا دون حزب، ولا طائفةً من المصريين دون طائفة، وإنما أسوقه إليهم جميعًا لا أفرق بين أحدٍ منهم.
ثم لأني من ناحية ثالثة لا أريد أن أنظر إلى قضية الطلبة نظرة كئيبة يائسة كما تعودنا أن ننظر إليها منذ أعوام، وإنما أريد أن أنظر إليها نظرة مشرقة باسمة، فيها كثيرٌ جدًّا من الأمل، وفيها كثيرٌ جدًّا من الدعابة أيضًا. فربما كان من الأشياء التي أفسدت على المصريين حياتهم في كثيرٍ من الأحيان أنهم ينظرون إلى الأشياء في كآبةٍ وبؤسٍ ويأسٍ، كأنما الكوارث تنذرهم بين ساعة وأخرى، وكأنما حملوا على عواتقهم أثقال الدنيا والآخرة، فهم لا يستطيعون حركةً ولا انتقالًا. وكأن كل ساعة تقبل عليهم من ساعات الليل أو من ساعات النهار، إنما تقبل عليهم بالأنباء المنكرة والأحداث الجسام. فهم متشائمون إذا قالوا، متشائمون إذا عملوا، متشائمون إذا حكموا على الأشياء. وحسبك بهذا مثبطًا للهمم، مفترًا للعزائم، مشيعًا للظلمة في النفوس والقلوب والعقول، مانعًا من النشاط الخصب والإنتاج المفيد.
والطلاب في جميع أقطار الأرض يرضون ويسخطون، ويقبلون على الدرس ويضربون عنه، ويعبرون المدن الكبيرة والصغيرة في مظاهرات صاخبة، يتصايحون ويتهافتون، فلا تضيق بذلك النفوس ولا تحرج له الصدور، ولا تظلم له الحياة في وجه الأحياء!
والطلاب في جميع أقطار الأرض شبابٌ يسرعون إلى الرضا، ويسرعون إلى السخط، ويندفعون إلى الجد، ويندفعون إلى اللعب. ذلك شيءٌ ملائمٌ لطبعهم ولهذا الطور من أطوار حياتهم … عُرِف ذلك منذ أقدم العصور، وصوره أرسطاطاليس تصويرًا رائعًا بارعًا في كتاب «الخطابة»، فمن الطبيعي أن نأخذ الشباب كما هم، وكما يريد اللَّه أن يكونوا، فلا نملأ الدنيا ضجيجًا وعجيجًا، ولا نملأ الجو صياحًا ونواحًا، ولا نجند الجيش، ولا نلغي إجازات الشرطة، ولا نعمل العصي في الرءوس، ولا نصوب البنادق إلى الصدور. ولا نعتقد أن مستقبل مصر قد ضاع؛ لأن الطلاب أضربوا ذات يوم جادِّين أو لاعبين. ولا نعتقد أن مستقبل مصر قد أصبح مكفولًا مضمونًا؛ لأن الطلاب قد أقبلوا على الدرس وألحوا في الاستذكار!
كل هذا غلو في غير موضع للغلو، وإسراف في غير حاجة إلى الإسراف.
على أن هناك أمورًا يحسن أن نقف عندها وقفة قصيرة، ونسأل عنها أنفسنا فيما بيننا وبين ضمائرنا. فمنذ ربع قرن حين كانت الحركة الوطنية، كان لوم الطلاب على الإضراب جريمة لا تُغفر، وتقصيرًا في ذات الوطن؛ لأن الطلاب كانوا يضربون محتجين على عبث الإنجليز بحقوق الوطن. وكان كثيرٌ من وزرائنا القائمين ومن النواب والشيوخ الذين يسندون هؤلاء الوزراء طلابًا يضربون، ويرون الإضراب واجبًا وطنيًّا، ويتظاهرون ويرون التظاهر جهادًا في سبيل الوطن، ويتلقون من القادة والساسة تشجيعًا على التظاهر والإضراب. ويُخيَّل إليَّ أننا من هذه الأيام نقف من الإنجليز موقفنا من قوم يعبثون بحقوق الوطن، يحاولون أن يقروا فيه جيوشهم وأن يشطروه شطرين، على حين جعله اللَّه واحدًا لا يقبل القسمة. فما الذي حدث حتى يصبح ما كان وزراؤنا يرونه واجبًا وحقًّا وعدلًا، وإذا هو قد أصبح باطلًا وحرامًا وجورًا؟! لم يتغير الإنجليز ولم يتغير المصريون، وإنما ارتقى إلى الحكم من كانوا يسعون في الشوارع مضربين ومتظاهرين. فالإضراب يسوءهم؛ لأنه يضايقهم، والتظاهر يؤذيهم؛ لأنه يكلفهم مشقةً وجهدًا!
وما ينبغي أن تفهم الحكومة ولا أن تفهم النيابة ولا أن يفهم الطلاب أني أدعو إلى الإضراب أو أغري به أو أحرض عليه، فأنا أحرص الناس على أن يفرغ الطلاب لدروسهم. ولكني أحب أن أقرر الحق، وأن أدعو الحكام وقادة الرأي إلى أن يأخذوا أمور الشباب بالابتسام والإسماح، لا بالعبوس والتقطيب وانتظار الكوارث والإشفاق من الملمات!
وإذا لم تكذبني الذاكرة، فقد فُصِل أستاذ من أساتذة الجامعة ذات يوم؛ لأنه حاول أن يؤلف من الطلاب في إحدى الكليات — أو في غير كلية — جماعةً تدافع عن حقوق مصر حين كان الإنجليز يؤيدون نظام صدقي باشا، ويأبون على مصر أن تستردَّ دستورها الصحيح. وقد رأينا تصرف الحكومة مع هذا الأستاذ ظلمًا أي ظلم ونكرًا أي نكر! وهاجمنا صاحب المعالي وزير التقاليد في عنف أي عنف! ثم تدور الأيام ويتقدم الزمان، وإذا هذا الأستاذ الذي فُصِل؛ لأنه كان يشجع الطلبة على مقاومة الظلم الداخلي والخارجي قد أصبح وزيرًا للمعارف، وإذا هو يضيق بإضراب الطلاب ومظاهراتهم كما كان يضيق بها وزير التقاليد.
وإذا لم تكذبني الذاكرة فقد ذهب بعض كبار الساسة ذات صباح إلى ميدان الجامعة أو إلى الحرم الجامعي كما يُقال، وخطب في الطلاب قائلًا: «لقد أدَّينا واجبنا فأدُّوا واجبكم.» وقد أدى الطلاب يومئذٍ واجبهم كأحسن ما يكون الأداء، فهجموا على عميد من عمدائهم وهمُّوا بإلقائه من حالق! ويذكر هذا العميد أنه غضب يومئذٍ وأقام في داره، وأن صديقًا من أصدقائه أقبل عليه متلطفًا مواسيًا ناصحًا له بألا يقاوم حركة الطلاب. ثم تدور الأيام ويتقدم الزمان، وإذا الخطيب الذي حثَّ الطلبة على أن يؤدوا واجبهم يصبح رئيسًا لمجلس الشيوخ، وإذا الصديق الذي نصح للعميد بألا يقاوم حركة الطلاب يصبح رئيسًا لمجلس الوزراء!
وأؤكد للقراء أني لا أذكر هذه القصص مغضبًا ولا عابسًا، وإنما أذكرها باسمًا بل متضاحكًا! فالمصريون لم يتغيروا، والإنجليز لم يتغيروا. وما زالت مصر تشقى بظلم يأتيها من بعض أبنائها كما يأتيها من حلفائها، وقد كدت أملي «من أعدائها»! وإنما الذي تغير هو أن المحكومين في تلك الأيام قد أصبحوا حاكمين في هذه الأيام!
والأيام تدور كما يعرف القراء، وسيأتي يوم يعود فيه الحاكمون إلى الصف ويصبحون محكومين. ومن يدري لعلهم حينئذٍ أن يقولوا للطلاب: قد أدينا واجبنا فأدُّوا واجبكم، وأن ينصحوا لبعض العمداء بألَّا يقاوموا حركات الطلاب! المهم هو ألَّا نبتئس لما لا يدعو إلى الابتئاس، وألَّا نكتئب لما لا يقتضي الاكتئاب، وألَّا يشغلنا جد الطلبة ولعبهم عن مقاومة الإنجليز والفراغ لما يسلطون علينا من ظلم، وما يدبرون لنا من كيد!
وما من شك في أن الخير كل الخير في أن يقبل الطلاب على دروسهم، ولا يُشغلوا عن هذه الدروس بما يضيِّع عليهم أوقاتهم وجهودهم. ولكن مَن المسئول عن هذه المحن التي يتعرض لها الطلاب حين يصرفون عن الدرس، ويتعرض لها الشعب حين يرى أبناءه يُصرفون عن الدرس؟! أهم الكبار الذين يدبِّرون الأمور فيسيئون تدبيرها؟ أم هم الشباب الذين يندفعون مع طبائعهم؛ لأن الله خلقهم مندفعين مع طبائعهم؟!
الشيءُ المحقق أن الطلاب لم يتقدموا إلى صدقي باشا في تعطيل الدراسة شهرًا ونصف شهر؛ لأنه أراد أن يسافر إلى لندرة. والشيء المحقق هو أن الطلاب لم يتقدموا إلى الوزارة القائمة في محاصرة الجامعة وفي منع العاجزين عن أداء المصروفات من الاختلاف إلى دروسهم، ولم يتقدموا إلى الوزارة القائمة في اتخاذ هذا القرار العجيب الذي يلغي الإجازة في نصف العام! أليس من الظلم أن يخطئ الكبار، وأن يحمِّلوا الصغار تبعة ما تورطوا فيه من خطأ؟!
يجب أن يحاسب الكبار أنفسهم وضمائرهم قبل أن يقدموا على كثيرٍ من الأعمال وقبل أن يتخذوا كثيرًا من القرارات … ثم يجب ألَّا يتخفف الكبار من أثقال تبعاتهم على الصغار!
إن الطلاب لا يتمنون إلَّا أن يفرغوا للدرس كما يفرغ الشباب للدرس في جميع أقطار الأرض، جادِّين حينًا ولاعبين حينًا آخر؛ لأن من الحق عليهم أن يجدُّوا، ولأن من الحق عليهم أن يلعبوا. فلنيسر لهم وسائل الفراغ للدرس، ولنتجنب خلق المشكلات التي تصدهم عنه وتزهدهم فيه. ولنحتمل تبعاتنا كما ينبغي أن يحتمل الرجال تبعاتهم. ولنضن بأنفسنا على هذا العبث الذي يثير الضحك ويغري بالرثاء حين نحمل على الشباب تبعة أغلاط الشيوخ! -
مثلث …
مثلث …
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٨ أكتوبر ١٩٤٦
هو الذي يحكمنا الآن، ويريد أن يقرر مصيرنا، ويقضي في أمرنا سواء رضينا أو كرهنا، ويريد فوق ذلك أن يقرر مصير أجيال مقبلة من المصريين، ويقضي في أمرها، لا يستشير في ذلك غير نفسه، ولا يراجع في ذلك غير نفسه، ولا يرجع في ذلك إلى غير رأيه، ولا يعقل في ذلك لما يُقدَّم إليه من نصح، أو يُعرَض عليه من تحذير. وهذا المثلث الخطير الذي يؤمن بنفسه أشد الإيمان، وإن لم يؤمن به أحد من المصريين، ويثق بنفسه أعظم الثقة، وإن لم يثق به أحد من المواطنين، يأتلف من ثلاثة أشخاص، لكل منهم مكانة رفيعة إلى أبعد حدود الرفعة، ممتازة إلى أقصى غايات الامتياز؛ أحدهم: وهو رئيس الوزراء بارع لا يُشَقُّ له غبار، ولا يباريه في براعته أحد، ولا ينفذ إلى أسرار دهائه إلا القضاء الذي لا ينفذ إلى أسراره إنسان، وهو يؤمن لنفسه بهذه الخصال كلها. وقد يؤمن له بها، أو ببعضها فريق من أقربائه وذوي خاصته. ولكن الشيء الذي لا يشك فيه أحد، ولا يشك فيه صدقي باشا نفسه، هو أن الشعب المصري كله لا يثق به، ولا يطمئن إليه. ومن الحمق والإطالة أن نحاول الاستدلال على أن الشعب المصري قد أبى دائمًا أن يمنح صدقي باشا من ثقته قليلًا أو كثيرًا، فقد نهض صدقي باشا بأعباء الحكم وزيرًا يرأسه غيره، ووزيرًا يرأس هو غيره. فلم يستطع أن يحكم في مصر إلا بالقوة والعنف، وبالبأس والبطش، وبالإرهاب ينشره على الأرض المصرية كلها، وبالترغيب يقصره على أفراد قليلين لا يغنون عنه، ولا عن حكمه شيئًا. ولو قد ظفر صدقي باشا بثقة الشعب كله أو ثلثه أو نصفه لما احتاج إلى قوة، ولا عنف، ولما احتاج إلى ترغيب أو ترهيب. وأغرب من هذا أن صدقي باشا ابتكر في يوم من الأيام حزبًا طويلًا عريضًا، ولكنه غير عميق، وأن هذا الحزب آمن به ما استقامت له أمور الحكم، فلما أُقْصِيَ عن الحكم تفرق الحزب عنه، ونظر صدقي باشا فرأى نفسه وحيدًا، لا يؤنس وحدته إلا الحزن الذي تثيره الذكرى، وإلا أشباح حمر كانت تتراءى له من هنا وهناك، وتدعوه في أنين المريض وحشرجة المحتضر، وهي أشباح أولئك الصرعى الذين أرسلهم بأسه وبطشه إلى الموت. وأشد من هذا غرابة أن صدقي باشا أنشأ في ذات يوم من الأيام برلمانًا كاملًا له مجلسان، ووثق به البرلمان ما استقامت له أمور الحكم، فلما أُقصي عن الحكم نظر فإذا البرلمان يسترد ثقته، ويؤثر العافية على أن يناصر منشئه الذي منحه الوجود وبث فيه الحياة. وأشد غرابة من هذا وذاك أن صدقي باشا في وزارته الأولى، أو قُلْ في دكتاتوريته الأولى، لم يستطع أن يضمن ثقة زملائه به، فاضطر ذات يوم أن يستقيل؛ ليتخلص من بعضهم، ثم أُقصي عن الحكم، فإذا أحد زملائه يخلفه، ويسومه ما يعرف الناس جميعًا من ألوان المحن والخطوب. وأشد من هذا كله غرابة أن صدقي باشا في وزارته القائمة لم يستطع أن يضمن ثقة زملائه؛ فقد همَّ أن يتخلص من بعضهم، فكانت أزمة التعديل التي لم ينسها الناس بعد، ثم استقال ورُفِضت استقالته، وظن أن الأمور قد استقامت له، وإذا زميلان من أخص زملائه به، وأصفاهم له، وأعطفهم عليه يستقيلان فجأة، وعلى غير انتظار. وأشد من هذا كله غرابة أن صدقي باشا قد رأس هيئة المفاوضات، ثم نظر ذات يوم فإذا نصف هذه الهيئة لا يثق به، ولا يطمئن إليه، وإنما يعلن الشك في كل ما كان يصدر عنه من قول أو عمل، فإذا دل هذا كله على شيء، فإنما يدل على أن صدقي باشا — وهو رأس هذا المثلث الخطير — لا يوحي بالثقة، ولا يشيع الاطمئنان من حوله. ومصدر ذلك في أكبر الظن أنه هو نفسه لا يثق بأحد، فلا يستطيع أحد أن يثق به. والشيء البديع أنه على رغم هذا كله ينهض بأعباء الحكم، ويريد أن يقرر مصير المصريين، ويقضي في أمرهم، ويزعم مع ذلك أنه يفعل هذا كله على أساس من الحق، والعدل، والحرية، والمساواة، والثقة التي يفرضها الدستور. أمَّا الطرف الثاني: من أطراف المثلث فهو حضرة صاحب الدولة النقراشي باشا، وهو رجل حزم وعزم، ورجل شدة وبأس، ورجل مضاء وإقدام، وكان يظن أن الناس يثقون به، ويؤمنون له، ويطمئنون إليه، ولكنه لم يتولَّ الحكم مرءوسًا أو رئيسًا حتى استيقن أن ثقة الناس به وهم من الأوهام، وباطل من زخرف القول، وعلم أن الذين كانوا يعملون معه، ويخضعون لسلطانه لم يكونوا يصدرون عن حب، أو أمن، أو ثقة، وإنما كانوا يصدرون دائمًا عن الشك، والخوف، والاحتياط. والنقراشي باشا يعلم حق العلم، والناس جميعًا يعلمون حق العلم، أن زملاءه في وزارته الأخيرة كانوا يرتابون به، ويشكون فيه، ويقسون عليه، حتى اضطروه آخر الأمر إلى أن يستقيل، وهو يعلم حق العلم أن حزبه نفسه قد انقسم عليه، وتفرق من حوله، وأن جماعة من خاصته وأصفيائه يقفون منه الآن موقف الخصومة المنكرة، وهو مع ذلك يرى نفسه زعيم الكثرة في مجلس النوَّاب، ويرى نفسه قادرًا على أن يشد أَزْر زعيمه، ومعلمه، وأستاذه صدقي باشا في المفاوضات مع أنه هو محتاج إلى من يشد أزره في الحياة الداخلية لحزبه حين يجتمع في ناديه، وحين يجتمع في البرلمان. أمَّا الطرف الثالث لهذا المثلث الخطير، فهو رئيس مجلس الشيوخ، ورئيس الأحرار الدستوريين، وهو رجل حظه من الأدب أعظم من حظه في السياسة، وإقباله على الفكاهة أشد من إقباله على الجد، لا يبغض شيئًا كما يبغض مواجهة المصاعب واحتمال التبعات، أقصى ما تصبو إليه نفسه أن يهدأ، ويقرأ، وينعم، ويستريح. وقد يجادل في مقال يكتبه أو حديث يلقيه، ولكنه أبغض الناس للنضال يوم يحتاج النضال إلى العمل، والاشتداد على النفس، والنهوض بالأعباء الثقال. وهو أعلم الناس بأن الشعب لا يثق به، وإنما يضحك له أحيانًا، وقد يضحك منه كثيرًا، وهو أعلم الناس بأن حزبه ليس ملتفًّا حوله، ولا مستعدًّا للمضي في تأييده؛ لأن هذا الحزب لم يلتفَّ قط حول رئيس، ولم يطمئن قط إلى ما ينبغي أن تقوم عليه الأحزاب من التضامن واحتمال التبعات، ورئيس هذا الحزب مع ذلك يرى أنه قادر على أن ينهض بالأعباء، ويقضي في أمر مصر، ويقرر مصير المصريين، ويسند رئيس الوزارة، ورأس المثلث بحوله وطوله، وهو رجل لا حول له ولا طول، وبقوته وأَيْده، وهو رجل لا حظ له من قوة أو أَيْد. هذا هو المثلث الخطير تفرضه الظروف القاسية على مصر في أشد الأوقات حرجًا، وأعظمها دقة، والذي يفرض نفسه على الأمة المصرية ليقرر مصيرها، ويقضي في أمرها، وينظم العلاقة بينها وبين الإنجليز. رأس هذا المثلث لا يثق به أحد، وليس له حزب يظهر تأييده، ويتكلف معونته، وطرفَا هذا المثلث لا يثق بهما أحد، ولا يؤيدهما حزباهما إلا مقدار ما يتيحان من المنافع لهذا أو ذاك. فإذا استطاع أحدهما أن يتيح الوزارة لِزَيْدٍ أغضب عَمْرًا، فإن استطاع أن يرضي عمرًا أغضب بكرًا، وخالدًا، وما شئت من الأسماء. أليس من حق المصريين بعد هذا كله أن يشكُّوا أعظم الشك وأعمقه فيما يُقال لهم، وفيما يُقال عنهم من أنهم شعب ديمقراطي يَقُوم أمر الحكم فيه على الحق والعدل والحرية والدستور. إن الثقة هي قوام النظام الديمقراطي، وهي أساس الحكم الدستوري؛ ثقة الشعب بالبرلمان أولًا، وثقة البرلمان بالوزارة ثانيًا، فإذا فقد البرلمان ثقة الشعب وجب أن يتفرق أعضاؤه، ويُنتخَب مكانهم أعضاء آخرون، فكيف إذا لم يثق البرلمان بنفسه، وإنما وضع يده على قلبه دائمًا مخافة الحل، أو مخافة الانحلال؟! وإذا لم يثق البرلمان بالوزارة وجب أن تستقيل، ولكن برلماننا سيثق بالوزارة دائمًا إلى أن تُقال أو تُكرَه على أن تستقيل. أليس غريبًا أن يتهيأ هذا المثلث الخطير للسفر إلى لندرة؛ ليفاوض الإنجليز في مصير مصر، وفي حقوق المصريين؟! ولكنَّ أبا العلاء لم يخطئ حين قال: إذا قلتُ المحال رفعتُ صوتي وإن قلتُ الصحيح أطلتُ همسي -
امتحان
امتحان
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٦ سبتمبر ١٩٤٦
لم تُمتحن مصر في أخلاقها السياسية كما تُمتحن الآن، ولم ترسب مصر في امتحان خطر كما ترسب الآن في هذا الامتحان. ويكفي أن تلاحظ أن حديث المفاوضات بدأ بيننا وبين الإنجليز منذ العام الماضي، وأنه لم ينقضِ إلى الآن ولا يعرف متى يريد أن ينقضي. ومصدر ذلك بسيط، وهو ضعف الخلق السياسي عند فريق من المصريين؛ فهم لا يتحدثون إلى الإنجليز كما يتحدث الندُّ المؤمن بحقه إلى الندِّ المغتصب لهذا الحق، وإنما يتحدثون إليهم كما يتحدث الضعيف المتهالك الذي لا يقدر على شيء — والذي يريد مع ذلك أن يعيش — إلى القوي المتماسك الذي لا يشفق من شيء ولا يحتاج إلى شيء، والذي يملك من أمر هذا الضعيف كل شيء.
من أجل هذا تردد النقراشي باشا وأسرف في التردُّد قبل أن يطلب من الإنجليز الأخذ في المفاوضات، حتى تعجله صدقي باشا وألحَّ في تعجله، وحتى أنذره مكرم باشا وألح في إنذاره، وحتى غَلَى الرأي العام وكاد ينفجر. هنالك تقدم النقراشي باشا في أدب واستحياء وتسليم بأكثر من نصف الحق، ورد عليه الإنجليز في فتور وبرود واستمساك بما قُدِّم إليهم من الحق. ولو قد كان النقراشي باشا وأنصاره ذوي خلق سياسي قوي لطالبوا بالحق قبل أن يذهبوا إلى سان فرانسيسكو قبل أن تضع الحرب أوزارها، وقبل أن يُدفعوا إلى هذه المطالبة بالوكز والوخز واللكز كأنما كانوا يُساقون إلى الموت وهم ينظرون.
ولو قد كان النقراشي باشا وأنصاره ذوي خلق سياسي قوي لطالبوا بالحق كاملًا غير منقوص، ولطالبوا به في لهجة جازمة حاسمة، لا تهالك فيها ولا استحياء. ولكنهم كانوا مُحدَثِين أتيح لهم الحكم على غير استحقاق منهم للحكم، فآثروا أنفسهم على أمَّتِهم، وآثروا بقاء عهدهم السعيد على الجلاء ووحدة وادي النيل. ثم عصفت العاصفة بالنقراشي باشا وأنصاره، ونهضت الوزارة القائمة بأعباء الحكم، وكان المنتظر من رئيسها الذي تعجَّل حتى تعب وأتعب، وألح حتى مَلَّ وأَمَلَّ، كان المنتظر أن يكون أصرح لهجةً وأمضى عزمًا، وأحرص على أن يستخلص الحق في غير تردُّد ولا تلكؤ ولا إبطاء، ولكنه نهض بالحكم في فبراير ولم يصِل إلى شيء، ونحن الآن في شهر سبتمبر لأن خلقه السياسي وخلق أنصاره ليس أقوى من خلق النقراشي باشا وأنصاره. ولم يكن الفرق بين أولئك وهؤلاء إلَّا أن فريقًا كان في الحكم فأظهر الحكم في أخلاقهم ما كان خفيًّا، فلما وثب الآخرون إلى الحكم أظهر الحكم من أخلاقهم ما كان خفيًّا أيضًا.
ولو كان سادتُنا المفاوِضُون ذوِي شدة في الحق، وصلابة في الرأي، وقوة في الخلق السياسي، وقدرة على أن يقولوا لا حين يجب أن تُقال؛ لما وقفوا أنفسهم وأمتهم هذا الموقف الرائع البديع الذي يصوره أبدع تصوير قول العاشق القديم:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخر عنه ولا متقدم
ولكن الله أراد أن تُمتحن مصر في أخلاقها السياسية، وبرجال هذا العهد السعيد، أولئك الذين يرون كل شيء متاحًا مباحًا إلَّا أن ينزلوا عن الحكم، ويوضعوا حيث وضعهم الله في منزلة القلة التي لا ينبغي أن تنوب عن الشعب، ولا أن تنطق بلسانه، ولا أن تتحدث باسمه، ولا أن تقضي في أمره؛ لأنها لا تملك من ثقته شيئًا، ولأن النيابة عن الأمة لا ينبغي أن تكون إلَّا نتيجة للثقة الخالصة الكاملة.
سادتنا اليوم مستأثرون بشئون الحكم والسياسة عن غضب لا عن ثقة، وهم يشهدون على أنفسهم بذلك حين يتقاذفون تهم التزوير في الانتخابات.
هم غاضبون لحقوقنا الداخلية، كما أن الإنجليز غاضبون لحقوقنا الخارجية؛ فأي غرابة في أن يشق الأمر على الغاصبين من أولئك وهؤلاء؟ وأي غرابة في أن يشفق الإنجليز من قطع المفاوضات ومن إضاعة الفرصة، فالاتفاق مع القلة أيسر من الاتفاق مع الكثرة؟
وأي غرابة في أن يشفق ساستنا من قطع المفاوضات ومن إضاعة الفرصة التي تتيح لهم البقاء في الحكم والاستمتاع بما يتيح لهم من جاهٍ وسلطان. والأمر كله راجع إلى ضعف الخلق السياسي. فلو قد كان الخلق السياسي قويًّا لآثر ساستنا أمتهم على أنفسهم، ولما رضُوا أن يقِفُوا أنفسهم وأمتهم من الإنجليز هذا الموقف المؤذي المهين. وما رأيك في قوم يُقدِّمون إلى الإنجليز مذكرة يسجلون فيها الحماية على وطنهم تسجيلًا، فإذا أحسوا من الإنجليز تمنُّعًا واستعلاءً لم يجرءوا على قطع المفاوضات، وإنما طاولوا وماطلوا وألقَوْا بعض أعينهم إلى جنة الحكم، وألقوا بعضها الآخر إلى نار الحرمان، فطاولوا وماطلوا وأضافوا مطاولة ومماطلة حتى أصبح الأمر مماحكةً لا أكثر ولا أقل.
ومن ذا الذي يستطيع أن يلوم الإنجليز إذا دلوا وتاهوا وأسرفوا في الدل والتيه … وتركوا ساستنا المحنكين ينضجون على نار هادئة؟
وليس أمر التعديل الوزاري بأقل دِلالة على ضعف الخلق السياسي من أمر المفاوضات. فقد استكشف رئيس الوزراء — فجأة وعلى غير انتظار — أن وزارته ضعيفة تحتاج إلى تقوية، ومزعزعة تحتاج إلى تثبيت؛ لأنه رأى فيما يُقال فريقًا من المفاوِضين يتردَّدون في أن يمضوا معه إلى آخر الشوط، فأراد أن يأخذ للأمر عُدَّتَهُ، وأن يدعم وزارته بالقادرين على أن يمضوا معه إلى آخر الشوط بقوم أشجع من هؤلاء السادة الذين يستحون من أنفسهم ويوشكون أن يستحوا من الناس. وأغرب من هذا أن النقراشي باشا استكشف — فجأة وعلى غير انتظار — أنه يستطيع أن يتعاون مع صدقي باشا بعد أن كان يرى أن هذا التعاون آثم في شهر فبراير الماضي. ولِمَ لا؟ لقد أظهر صدقي باشا أنه كفؤ للتعاون مع النقراشي باشا، فحكومته قد سفكت دم الشباب كما سفكته حكومة النقراشي، وحكومته قد أهدرت حرية الشعب كما أهدرتها حكومة النقراشي باشا، وحكومته قد تهالكت على رضى الإنجليز كما تهالكت عليه حكومة النقراشي باشا. وكان النقراشي باشا يخاف في شهر فبراير أن يكون صدقي باشا قد غيَّر سيرته حقًّا، فلان لمواطنيه وخشن على الإنجليز، فلمَّا رأى أن البيت القديم ما زال صادقًا، وأن صدقي باشا ما زال يطرب حين ينشد المنشدون:
أسد عليَّ وفى الحروب نعامةفتخاء تنفر من صفير الصافر
لم ير بأسًا من أن يشاركه في النهوض بأعباء الحكم.
أمَّا الأحرار الدستوريون فليسوا هناك، وإنما هم قوم هيِّنون ليِّنون كما يقول الشاعر القديم؛ يستجيبون لكل دعاء، ويسرعون إلى كل مائدة، ويذوقون من كل صنف، يرضون ليغضبوا، ويغضبون ليرضوا، وأمرهم أيسر من أن يشقى به رئيس وزراء كائنًا ما يكون. أحبُّ شيءٌ إليهم الحكم، وأبغض شيءٌ إليهم اعتزال الحكم؛ فهم يشاركون النقراشي باشا وهم يشاركون صدقي باشا، وهم يشاركون الرجلين حين يتفقان، وليس عليهم بأس من أن يشاركوا النقراشي باشا وحده، أو من شئت من رؤساء الوزارات إن كتب الله على صدقي باشا أن يريح ويستريح.
وقد قيل إن الأحرار الدستوريين غاضبون لأن صدقي باشا يريد أن يزحزح أحدهم عن منصبه، وهم غاضبون حتى يروا العين الحمراء، ويتبيَّن لهم أن الغضب لن يغني عنهم شيئًا. هنالك يرضون كل الرضى، ويستقبلون ما يعرض عليهم من مناصب الحكم باسمين شاكرين، أو قُلْ فَرِحين مرحين مستبشرين. والغريب أن بين المصريين من هؤلاء الساسة من يعرفون المثل القديم: إنك لا تجني من الشوك العنب. -
وعود …
وعود …
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٤ مارس ١٩٤٦
يظهر أن الشعب المصري مقبل على حياة راضية، سيأخذها الرغد من جميع أقطارها، وسيملؤها الخير والبر والمعروف حتى لا تبقى من ذلك زيادة لمستزيد كما يقال، وستصبح مصر جنة الله في أرضه كما أنها كنانة الله في أرضه، وستنظر الشعوب الشرقية كلها إلى مصر نظرة فيها كثير من الغبطة، وفي بعضها شيء من الحسد؛ لأن مصر ستعيش عيشة ناعمة لا يعرف أهلها فيها جوعًا ولا بؤسًا ولا مرضًا ولا احتياجًا لشيء من الأشياء. وما ينبغي أن يظن القارئ أني أعبث أو أقصد إلى الدعابة، أو أريد إلى السخرية، فما ينبغي أن تتخذ حياة الشعوب وآمالها وحاجاتها موضوعًا للعبث أو الدعابة أو السخرية، وإنما يجب أن تكون موضوعًا للجد كل الجد، والعناية كل العناية.
وأنا أعتقد أن المصريين سيستقبلون حياة راضية ناعمة يأخذها الرغد من جميع أقطارها؛ حتى لا يجد أحد منهم حاجة إلى الشكوى في السر ولا في الجهر. وتعليل ذلك يسير؛ فقد أعلن وزير الخارجية البريطانية — منذ استطاع أن يتكلم بعد أن تولت الحكم وزارة العمال — أنه حريصٌ كل الحرص على أن يُعنى عناية خاصة برفع مستوى المعيشة في الشرق الأدنى، وبإصلاح الاقتصاد في هذا الشرق حتى يستطيع الناس أن يأمنوا آفات البؤس والمرض والجوع.
ثم أعلن وزير الخارجية البريطانية مرة أخرى أن بريطانيا العظمى لا تريد سيطرة على مصر، وإنما تريد أن تنشئ معها شركة قوامها المساواة بين الند والند، وغايتها إصلاح الاقتصاد، ورفع مستوى المعيشة، وتأمين الناس من آفات المرض والجهل والفقر.
وكان المصريون في أيام النقراشي باشا يسمعون هذا الكلام فيضيقون به أشد الضيق، ويرون أنه محاولة سخيفة للتدخل في شئونهم، وكانوا يرون أن من الحق عليهم لأنفسهم أن يصلحوا أمورهم بأيديهم، وأن يؤمِّنوا أنفسهم من آفات البؤس وغوائل الشقاء. وكانوا يفضلون البؤس الذي يأتيهم من فساد النظم الاجتماعية في ظل الاستقلال، على السعادة التي تأتيهم من صلاح النظم الاجتماعية في ظل هذه الشركة التي تتوق إليها نفس وزير الخارجية البريطانية. كما أنهم يفضلون الظلم الذي يأتيهم من فساد النظم السياسية في ظل الاستقلال، على العدل الذي يأتيهم من صلاح هذه النظم السياسية في ظل هذه الشركة التي يريد المستر بيفن أن ينشئها، وإن أقامها على أساس من المساواة بين الند والند.
وكانوا يرون أن إصلاح الاقتصاد، ورفع مستوى المعيشة، وتحقيق العدل الاجتماعي، كل هذه أشياء لازمة ما في ذلك من شك، ولكنها يجب أن تأتي من أعماق الشعب المصري، وتُفرض على الحكومات المصرية بإرادة الشعب. ولا ينبغي أن تأتي من وراء البحار، وتُفرض على الحكومات المصرية من طريق الشركة بيننا وبين الإنجليز.
وكانوا يرون أن حلفاءنا الإنجليز قد يحبوننا أشد الحب، ويكلفون بنا أشد الكلف، ويعطفون علينا أحسن العطف، ولكن هذا كله لم يبلغ بهم في يوم من الأيام أن يحاولوا إصلاح الاقتصاد، وتحقيق العدل الاجتماعي، وتوفير الرخاء، بحيث يرتفع مستوى المعيشة، وبحيث نأمن غائلة الفقر والمرض والجهل. فعنايتهم بهذه الأشياء في هذه الأيام لا يمكن أن تكون خالصة لوجه الله، وإنما يمكن أن تكون خالصة لوجه الإمبراطورية البريطانية! وكانوا من أجل ذلك يزهدون في هذا العدل الذي يأتيهم من لندرة، ويتوقون إلى عدل آخر يأتيهم من أعماق مصر، وتنبت أشجاره على ضفاف النيل لتؤتي ثمرها في وقت قريب أو بعيد.
وكان النقراشي باشا نفسه وحكومته — فيما أظن — لا يحفلان بهذه الدعوة إلى العدل التي تأتي من وراء البحار، ولا بهذا الطموح إلى الإصلاح الذي يدعو إليه المستر بيفن، وإنما يفكران في الاستئثار بالأمر من جهة، وفي الانقياد المتباطئ إلى ما يريد الشعب من المطالبة بالاستقلال من جهة أخرى.
ثم تبيَّن في بعض الأوقات — ومنذ الصيف الماضي بنوع خاص — أن حلفاءنا البريطانيين يفكرون تفكيرًا متصلًا في إقامة العدل الاجتماعي في مصر، وفي التقرُّب من الشعب على حساب هذا، ويتحدثون حديثًا متصلًا بأن الأمور في مصر قد بلغت من الفساد حدًّا لا يطاق، وبأن الأغنياء من المصريين يستأثرون بكل شيء على حين لا تملك الكثرة من المصريين شيئًا، وبأن تحقيق العدل الاجتماعي أعظم خطرًا من تحقيق الاستقلال السياسي، وبأن المصريين الذين يطالبون بالجلاء ووحدة وادي النيل يجب عليهم قبل ذلك أن يعصموا الشعب من الفقر والمرض والجهل.
وقد نقلت هذه الأحاديث من بريطانيا العظمى إلى مصر في أواخر الصيف وأوائل الخريف، فلم يحفل بها المصريون ولم يقف عندها النقراشي باشا وحكومته، ثم تتابعت الحوادث وتوالت الخطوب واستقالت وزارة النقراشي باشا، ووثب إلى الحكم رئيس وزرائنا القائم صدقي باشا. وذكاء صدقي باشا معروف لا ينكره المصريون ولا الإنجليز، ولباقة صدقي باشا واضحة لا يشك فيها مصري ولا أجنبي، وقدرة صدقي باشا على انتهاز الفرص أشهر وأظهر من أن تحتاج إلى بيان.
ومن أجل هذا كله امتلأ الجو في مصر وفي بريطانيا العظمى، بأن ساعة العدل الاجتماعي قد أصبحت أقرب من لمح البصر، وبأن حكومتنا الجديدة قد جرَّدت بيدها القوية سيفًا مصلتًا ستطيح به رءوس الفقر والمرض والجهل، وبأن المصريين سيصبحون بمأمن من كل هذه الآفات. لن تدخر حكومته في سبيل ذلك جهدًا إلا بذلته. وهي من أجل ذلك ستعقد قرضًا قوامه خمسون مليونًا من الجنيهات، وستُجرِّد حملة هائلة تطرد بها هذه الآفات من مصر طردًا نهائيًّا عنيفًا؛ فلن توجد مدينة في مصر إلا وفيها مراكز مختلفة لمقاومة الفقر والمرض والجهل، ولن يوجد فرد من الأفراد المصريين إلا وهو مؤمَّن من الفقر والمرض والجهل.
ثم لم تكتفِ حكومتنا القائمة بإذاعة هذه الأنباء في مصر وحدها، ولكنها أخذت تُذيعها في الخارج، وأخذت تذيعها في بريطانيا العظمى بنوع خاص، تريد من ذلك شيئين طبيعيين؛ أحدهما: إحياء الأمل في نفوس المصريين، والآخر إقرار الاطمئنان في نفوس الإنجليز.
فيجب أن يأمل المصريون وأن ينتظروا حياة رغدًا خيرًا من حياتهم هذه البائسة، ويجب أن يلوح لهم صدقي باشا بهذه الآمال لينصرفوا إليها، ويطمعوا فيها، ويشغلوا بها عمالًا ينبغي أن يعنيهم من أمور السياسة والحكم، ومن أمور المفاوضات والاستقلال أيضًا.
ويجب من جهة أخرى أن يرتاح المستر بيفن والزعماء الاشتراكيون في بريطانيا العظمى إلى أن الحكومة القائمة في مصر — الحكومة التي ستفاوضهم في الجلاء ووحدة وادي النيل — لا تريد الاستئثار ولا الامتياز، وإنما هي حكومة مؤثرة عطوف ترحم الشعب، وترفق به، وتريد أن تبذل جهودًا هائلة لتُقرِّبه من العدل، وتعطيه حقَّه من الإنصاف.
وكذلك تستقيم الأمور لصدقي باشا، يطمع الشعب في العدل فيشغل به عن السياسة، وتثق بريطانيا العظمى برغبة الحكومة المصرية في العدل، فتطمئن إليها، وتقبل على مفاوضتها غير مُتكرِّهة ولا مُتحرجة.
فأي ذكاء أبرع من هذا الذكاء؟ وأي فطنة أنفذ من هذه الفطنة؟ ولكن الشعب المصري ينظر فلا يرى عدلًا اجتماعيًّا، ولا سعيًا إلى تحقيق هذا العدل الاجتماعي. ما زال الجائعون يشكون ألم الجوع، وما زال المرضى يشكون ألم المرض، وما زال الجاهلون ينعمون بلذة الجهل. لم تتخذ الحكومة إلى الآن خطوة قصيرة أو طويلة في سبيل الإصلاح، بل لم تمهد لاتخاذ خطوة طويلة أو قصيرة، وإنما نشرت الدعوة وأسرفت في نشرها. ولعلها لا تتجاوز نشر الدعوة، بل لعلها أن تكون قد أخذت تتسلك طرقًا مضادة لتحقيق العدل الاجتماعي، وإنقاذ الشعب من آفات البؤس والشقاء.
فعنايتها بالأغنياء — إلى الآن — أظهر من عنايتها بالفقراء، واهتمامها بالمنتجين أكثر من اهتمامها بالمستهلكين، وإشفاقها على البورصة أشد من إشفاقها على العمال والفلاحين، ولكن المهم هو أن تقول الحكومة لا أن تعمل. وما دامت هناك أبواق تملأ الجو ضجيجًا وعجيجًا، وما دامت هناك صحف تكتب المقالات الطوال والقصار، وما دامت هناك شركات برقية تذيع في الخارج ألوان الإعلان وفنون الدعوة، وما دام هناك رسل يتحدثون في الخارج بما تحب الحكومة أن يتحدثوا به، ما دام هذا كله قائمًا؛ فما من شك في أن صدقي باشا — الذكي اللبق الذي يحسن انتهاز الفرصة — قد أدى واجبه على أحسن الوجوه، فواجب صدقي باشا هو أن يشغل الشعب بالآمال والأماني، وهو أن يُخيِّل إلى الإنجليز أنه صاحب مذهب في الإصلاح، وخطط في تحقيق العدل الاجتماعي.
كل هذا حسن، ولكن أحسن منه وأجدى أن يثوب صدقي باشا إلى نفسه، وأن يعلم أن نفس الشعب قد تغيَّرت، وأن الذين كانوا يُخدعون بالأماني والآمال في وزارته الأولى قد أصبحوا لا يقنعون إلا بالحقائق والأعمال في وزارته الثانية، وأن نفس الشعب إذا تغيرت وجب أن تتغير معها سياسة الحكومة؛ فلينظر صدقي باشا إلى أن في مصر شعبًا جائعًا بائسًا جاهلًا مريضًا، وإلى أن هذا الشعب لا يكفيه أن يوعد بالسعادة والشبع والعلم، وإنما هو في حاجة إلى أن يمسَّ هذا بيده، وإلى أن يظفر معه بحقِّه واقعًا ملموسًا، لا أملًا بعيدًا، ولا خيالًا يضطرب في السماء.
وصدقي باشا أذكى من أن يحاول خداع البريطانيين عن نفسه وعن حكومته؛ فالبريطانيون يعرفون كل شيء، ويرون كل شيء، وهم بعد هذا كله لا يعنيهم أن يتحقق في مصر، وإنما يعنيهم أن يتخذوا العدل الاجتماعي وسيلة للتدخل في شئون مصر، والتلكؤ في النزول لها عن حقها الطبيعي في الاستقلال.
ليس يكفي أن يكون رئيس وزرائنا ذكيًّا لبقًا منتهزًا للفرص، وإنما يجب مع ذلك أن يكون مخلصًا في حبِّه للعدل، مخلصًا في حرصه على تحقيق هذا العدل، مخلصًا في شعوره بآلام الشعب ورغبته في إزالة هذه الآلام، مخلصًا في اعترافه بحق الشعب في أن يستمتع بعدل اجتماعي صحيح غير مزيف ولا قائم على الخداع.
فإن استطاع صدقي باشا أن يُغيِّر طبيعته، وأن ينقلب من رأسمالي إلى محبٍّ للعدل، مؤثر للحق، منصف للشعب؛ فليفعل، وإلا فليرح نفسه من الوعود التي لا تغني، والآمال التي لا تجدي، والكلام الذي لا يفيد، وليصارح الشعب في وزارته الثانية — كما صارحه في وزارته الأولى — بأنه قد جاء ليحكم سواء رضي الشعب أو لم يرض.
ونؤكد لصدقي باشا أن هذه الصراحة أجدى عليه وأنفع له من كل هذا التكلف الذي يحمله ويُحمِّل أنصاره عناءً ثقيلًا.
يجب أن يذكر صدقي باشا أن الناس يعلمون حق العلم أن بعض الملائكة قد استحالوا إلى شياطين، ولكنهم لم يعلموا قط أن بعض الشياطين قد استحالوا إلى ملائكة. -
ذات الرءوس
ذات الرءوس
طه حسين
جريدة البلاغ
٧ فبراير ١٩٤٦
هي وزارتنا الرائعة البارعة، كانت لها رءوس ثلاثة إلى أمس، فنقل منها مجلس الأمن رأسًا ليضعه في محكمة العدل الدولية، وعادت الوزارة ذات رأسين بعد أن كانت ذات رءوس ثلاثة. وقد تبقى ذات رأسين اثنين، وقد يُضاف إليهما رأس ثالث مكان الرأس الذي نُقِلَ إلى لاهاي، يختلف ذلك باختلاف الوزير الذي سيُختار لوزارة الخارجية إن أُتِيحَ لهذه الوزارة أن تبقى، وأن تُعدَّل، وأن يُختَار للخارجية فيها وزيرٌ جديدٌ.
والقراء يعرفون بالطبع قصة ذلك الكائن الخرافي الغريب الذي كان يحمل رءوسًا سبعة، لا يكاد عدوُّه يقطع منها رأسًا إلَّا نبت مكانه رأس آخر، ولكن عدوًّا من أعدائه عرف مقتله فقضى عليه. وكان من الممكن أن تكون وزارتنا كذلك الكائن لها رءوس بمقدار ما فيها من الوزراء، ولكن ثلاثة من وزرائنا ليس غير استطاعوا أن يكونوا رءوسًا، وأدرك الخمول أو التواضع سائرهم، فقنعوا بأن يظلوا أعضاء يعملون في المرافق المختلفة لهذه الأمة السعيدة بهذا العهد السعيد.
فأمَّا الرءوس الثلاثة فمعروفون: أحدهم رئيس الوزراء، والرئيس مشتق من الرأس، فهو رأس بطبعه وإن كان كغيره من رءوس الوزارات المصرية يعمل رأسًا ويدًا، فهو رأس للوزارة حين يجلس في مكتبه برئاسة مجلس الوزراء، وهو يد للوزارة حين يجلس في مكتبه بوزارة الداخلية، أو قُلْ إنه يدان: يد يمنى حين يذهب إلى وزارة الداخلية، ويد يسرى حين ينوب عن وزير الخارجية أثناء غيابه في لندرة. وقد كان يدًا ثالثة بين اليمين واليسار وقتًا ما حين ذهب وزير العلم والعرفان إلى السودان.
أمَّا الرأس الثاني لهذه الوزارة فهو هذا الذي اقْتُطِعَ منها أمس ونُقِلَ مما بين كتفيها إلى كرسي من كراسي محاكم العدل. فقد كان رأسًا أي رأس، كان رأسًا مرفوعًا في القارات الثلاث في أفريقيا حين كان يختلف إلى مكتبه بمصر، وفي أمريكا حين كان يرأس وفدنا في سان فرنسسكو، وفي أوروبا حين كان يرأس وفدنا في لندرة. وقد كاد أن يكون رأسًا في قارة رابعة حين ذهب إلى الحجاز مؤديًا فريضة الحج، لولا أن الوزارة استعارت يدًا من أيديها فجعلتها رأسًا من رءوسها وقتًا ما حين كان وزير الصحة أميرًا للحج.
مهما يكن من شيء، فقد كان وزير خارجيتنا رأسًا ثانيًا من رءوس الوزارة، له الخطر كل الخطر، وبه معقد الأمل كل الأمل، أمل مصر أولًا وأمل البلاد العربية ثانيًا، وأمل البلاد الإسلامية بعد ذلك. فقد انتُخِبَ في مجلس الأمن، ولم تُنتخَب فيه تركيا ولا إيران. وهو قد حقق هذه الآمال كلها على أحسن وجه وأكمله، وما كان ينبغي له أن يفعل غير ذلك، فهو فقيه متعمق للفقه، وهو قاضٍ متمكن في القضاء، وهو سياسي ممتاز في السياسة، وهو من أجل ذلك يأتي البيوت من أبوابها ولا يأتي البيوت من ظهورها، وهو من أجل ذلك يفتح الأبواب فيحسن فتحها ويغلق الأبواب فيحسن تغليقها. وقد أغلق باب مجلس الأمن في وجه مصر وفي وجه البلاد العربية الأخرى.
فأمَّا مصر فقبلت حكمه ونزلت عند رأيه، ووقفت أمام الباب المغلق ترمقه مستخذية وتنظر إليه متهالكة، ترفع رأسها لتفضه وتفض رأسها لترفعه، أو قل إنها ترفع رأسًا وتفض رأسًا، فقد كان لها في ذلك الوقت رأسان في مصر، يرتفع أحدهما في رياسة الوزراء فينخفض الآخر في حزب الكتلة، ويرتفع أحدهما في دار مكرم باشا فينخفض الآخر في رياسة الوزارة.
والشعب المصري واقف موقف النظارة، يعجب بهذين الرأسين اللذين لا يرتفع أحدهما إلَّا انخفض أحدهما الآخر. والشيء المهم هو أن رأس وزارتنا الثالث قد غلق أبواب مجلس الأمن فأحسن تغليقها، فمصر وغيرها من البلاد العربية أهون شأنًا من أن تُهَدِّد السلم. وإذن فلن ينظر مجلس الأمن في شئونها، ومصر وغيرها من البلاد العربية لا تشكو من شيء أعقبته الحرب، وإنما تشكو من عاهات مستديمة وعلل مقيمة نشأت قبل أن تشب الحرب، وإذن فلن ينظر مجلس الأمن في شئونها.
وقد جعل رأس من رءوس الوزارة المصرية يملأ الأرض ضجيجًا وعجيجًا وبكاءً محتجًّا على تغليق الأبواب، وجعل الرأس الآخر يملأ الجو ثناءً ودعاءً رضًا بتغليق الأبواب، وجعل الرأسان يختصمان وإن حملهما جسم واحد، وجعل أعضاء هذا الجسم يستجيبون لهذا الرأس مرة فيصيحون وينوحون ويستجيبون لذلك الرأس مرة فيحمدون ويشكرون. فأمَّا البلاد العربية الأخرى، فقد هزَّت رءوسها ورفعت أكتافها، وأعرضت عن الوزارة المصرية ورءوسها الثلاثة، وحطمت الأقفال واقتحمت الأبواب، وعرضت على مجلس الأمن شئون سوريا ولبنان، ثم قررت أن تعرض على مجلس الأمن شئون فلسطين، وأثبتت بذلك أن جماعة الأمم العربية متضامنة كل التضامن، وأن مصر تنوب عنها فتحسن النيابة في مجلس الأمن، وأن الأمور تجري في هذا الجزء من ساحل البحر الأبيض المتوسط على خير ما تجري عليه الأمور.
وعلى كل حال فقد عرفنا لوزارتنا رأسين بارزين يعملان فيحسنان العمل، ويقولان فيحسنان القول. أحدهما يملأ مصر حزمًا وعزمًا وسلامًا وأمنًا، يعلن في مجلس الشيوخ مثلًا أنه يحفظ الأمن فيحسن حفظه، وفي نفس الوقت الذي كان يعلن فيه ذلك كانت عصابة من المجرمين تُغِير على قطار قريبًا من القاهرة فتثخن حفظة البريد جراحًا وتشد وثاقهم وتأخذ ما تستطيع أخذه من المال وتنصرف موفورة لم تلقَ كيدًا؛ لأن رأسًا من رءوس الوزارة المصرية أو لأن الرأس الأول من رءوس الوزارة المصرية قد ملأ مصر حزمًا وعزمًا وسلامًا وأمنًا، وأعلن ذلك في مجلس الشيوخ.
وعرف المصريون رأسًا ثانيًا من رءوس وزارتنا قد قال في لندرة فأحسن القول وعمل فيها فأحسن العمل، شرَّفَ مصر بين الأمم فانتُخِبَتْ في مجلس الأمن، وأضعف التضامن بين الأمم العربية فذهب في ناحية وذهبت الأمم العربية في ناحية أخرى، وعرف العالم كله له هذا الفضل وهذا التفوق، فانتخبه قاضيًا في محكمة العدل.
فأمَّا الرأس الثالث من رءوس وزارتنا، فأمره عجب أي عجب، هو الرأس الذي يحسن التنغيص على الرأسين الآخرين وعلى أعضاء الوزارة، يصيح في غير أبان الصياح حتى إذا نغص على أصحابه يَوْمَهم، وأرَّق عليهم نَوْمَهم، وأقضَّ عليهم مضاجعهم سكت فجأة كأنه لم يأتِ حركة ولم يرفع صوتًا. كل همه أن يملأ الأرض صياحًا، وليس من همه أن يعمل شيئًا، يُقْدِم لِيُحْجِم، ويهجم لينهزم، ويحتج ليستكين، لا يريد إقدامًا ولا هجومًا ولا احتجاجًا، وإنما يريد تنغيصًا وتأريقًا وإقلاقًا. هو رأس نشيط لا يستطيع أن يستريح، ولا يريد أن يريح.
له في كل يوم استقالة، وله في كل يوم عدول عن الاستقالة، وهو قد تحدث باسم الوزارة. كان رأسها الأول متعبًا يوم الثلاثاء، وكان رأسها الآخر غائبًا في لندرة؛ فتحدث نائبًا عن الرأسين أو مستبدًّا بأمر الرأسين.
ولست أدري، أرضيَ الرأسان عما قال طوعًا واختيارًا أم قسرًا وقهرًا. فأمَّا الرأس الغائب فلم يَرْضَ ولم يسخط؛ لأنه لم يسمع مما قيل شيئًا. فأمَّا الرأس الحاضر فقد كان يود في أكبر الظن أن يخرج بالصمت من لا ونعم؛ لأنه يؤثر الصمت ويهواه، ولكن الماكرين من الشيوخ سألوه فأحرجوه، سألوه أيقر ما قال الرأس الثاني، ولم يكن يستطيع إلَّا أن يجيب: نعم. وهل كان يستطيع أن يقول إنه لا يتشدد في الجلاء الكامل عن برِّ مصر وجوِّها وبحرِها؟! وهل كان يستطيع أن يقول إنه سيستفتي سكان السودان في أمر السودان ورأسه المكرمي يقيد الحكومة أشد التقييد، فيعلن أن الحكومة لا ترضى بأقل من الجلاء الكامل عن البرِّ والبحرِ والجوِّ، ولا تقبل استفتاء في السودان مهما تكن الظروف؟!
كان رئيس الوزراء يستطيع أن ينكر شيئًا من ذلك! أشهد لقد انتصر الرأس المكرمي على الرأسين الآخرين انتصارًا مؤزرًا في مجلس الشيوخ، فقد أنكر الرأس النقراشي الأول وزير الخارجية كل الإنكار، وأعلن أن الحكومة المصرية ترى من حقِّها أن تعرض قصتها على مجلس الأمن إذا لم تتفق فيها مع الإنجليز، ثم أعلن أنه يقر الرأس المكرمي على ما قال من المطالبة بالجلاء كاملًا شاملًا، ومن رفض الاستفتاء مهما تكن الظروف.
ومع ذلك فقد نصَّت المذكرة المصرية على أن وزارتنا تريد أن تفاوض في مسألة السودان مستوحية أماني السودانيين. فمن أين تُستوحَى هذه الأماني من السودانيين أنفسهم فهو الاستفتاء، وقد قال الرأس المكرمي غير الحق من غير السودانيين، فهي لا تستوحي شيئًا، وقد قال الرأس النقراشي للإنجليز غير الحق.
وإذن؛ فالسفينة التي يقودها ربانان مضطرة إلى الغرق، والجسم الذي رُكِّب بين كتفيه رءوس ثلاثة لا يستطيع أن يعيش إلَّا في عالم الأساطير والأعاجيب. ومصر جزء من عالم الأساطير والأعاجيب منذ أقدم العصور.
ولكن أعجوبتنا المصرية الحديثة الرائعة — وهي الوزارة ذات الرءوس الثلاثة — لا تمتاز برءوسها هذه المثلثة وحدها، بل تمتاز بشيء آخر لست أدري أين أضعه من جسمها العجيب، أأضعه موضع الذنب فتكون وزارة مذنبة أم أضعه موضع الأنف فتكون وزارة ذات أنف ممتاز؟! وقد قال شاعرنا القديم:
قوم هم الأنف والأذناب دونهمو ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا؟!
فأين تحب الهيئة السياسية أن تضع نفسها من هذا الجسم الوزاري العجيب؟! أمَّا هي فتريد أن تكون أنفًا أو أنوفًا، ولست أكره لها ذلك وإن لم يَرْضَ البرلمان وإن لم يَرْضَ الدستور، وأمَّا الوزارة فتريد أن تضعها موضع الذنب، وإن ضاقت بذلك كرامتها ولم يَرْضَ به مركز أعضائها الممتاز.
مهما يكن من شيء، فلتضع الهيئة السياسية نفسها حيث شاءت، ولتضعها الوزارة حيث شاءت، وربما كان خير الحلول أن تكون أنفًا حين يجد الجد وتتحرج الأمور، وأن تكون ذَنَبًا حين يُحاس الحيس وحين تجري الريح رخاءً.
والشيء الذي لا أشك فيه ولا يشك فيه أحد هو أن صدقي باشا غاضب. كان يريد أن تكون الهيئة السياسية أنفًا كما كانت في شهر سبتمبر وفي شهر ديسمبر، ولكن الوزارة جعلتها ذنبًا بعد أن جاء الرد البريطاني، فلم تدعها إلى الآن لسبب غير مفهوم كما يقول صدقي باشا في الأهرام صباح اليوم. وغضب صدقي باشا يخيف أحيانًا ولا يخيف أحيانًا أخرى، على أنه ليس غاضبًا للهيئة السياسية وحدها، بل هو غاضب لمجلس النوَّاب أيضًا، فقد أُجِّلت مناقشة المفاوضات إلى وقت بعيد في مجلس النواب.
وصدقي باشا غاضب على الحكومة التي تقبل المحادثات، مع أن الأمر لا ينبغي أن يُقبَل فيه إلَّا المفاوضات، والقارئ الذكي يفهم أن المفاوضات شيءٌ تُؤلَّف له الوفود التي تذهب إلى لندرة، والتي يمكن أن يكون فيها صدقي باشا، وأن تكون الهيئة السياسية فيها أنفًا. أمَّا المحادثات فشيءٌ تستأثر به الوزارة، ولا يشارك فيه صدقي باشا، ولا تكون الهيئة السياسية فيه إلَّا ذنبًا. وإذن فصدقي باشا غاضب، والسؤال الخطير الآن هو: هل تخاف الحكومة من غضب صدقي باشا فترضيه وتغضب الإنجليز برفض المحادثات أم تسخر الحكومة من غضب صدقي باشا هذه المرة فتسوءه وترضي الإنجليز بقبول المحادثات؟!
وهناك حل بديع فيما أعتقد يريح الناس جميعًا. فقد قطع مجلس الأمن أمس رأسًا من رءوس الوزارة، فأي بأس على الوزارة من أن تقطع الذَّنَب إن كانت الهيئة السياسية ذَنَبًا؟! وما أكثر الوزارات التي تعيش ولا أذناب لها، ومن أن تجدع الأنف إن كانت الهيئة السياسية أنفًا! وما أكثر الوزارات التي تعيش وأنوفها مجدوعة!
كل شيء يمكن، قد استطاعت وزارتنا أن تعيش برءوس ثلاثة، وهي الآن تعيش برأسين اثنين، فما يمنعها أن تعيش بغير ذنب؟! وما يمنعها أن تعيش بغير أنف؟! بل ما يمنعها أن تعيش بغير أنف ولا ذنب؟! بل ما يمنعها أن تعيش برءوس كثيرة جدًّا، وذلك يسير؟!
يُقال إن التعديل الوزاري قريب، فليصبح أعضاء الهيئة السياسية كلهم وزراء، ولتعِشْ وزارتنا بعشرين رأسًا لا برأسين اثنين، ذلك أجدر أن يُضْحِك المصريين. وما أشد حاجة المصريين إلى أن يضحكوا في هذه الأيام! -
حكمة …
حكمة …
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٠ يناير ١٩٤٦
يجب أن يكون أصدقاؤنا الإنجليز راضين عنا كل الرضى؛ فقد سلكنا في جماعة الأمم المتحدة مسلكًا من شأنه أن يملأ قلوبهم رضى ونفوسَهم غِبطةً وحبورًا. سلكنا مسلك الأطفال المؤدَّبين المهذَّبين الذين أحسنت أمهاتهم تربيتهم وتأديبهم، فهم لا يخالفون عن التقاليد في المحافل والمجتمعات، وهم لا يرفعون أصواتهم بكلمة نابية أو غير نابية، وهم لا يقولون إلَّا ما يُراد لهم أن يقولوا، وهم يؤثِرُون الصمت على أي كلام. فإذا اضْطُرُّوا إلى القول قالوا، ولكن في لهجة هادئة معتدلة وصوت مُتَّئِدٍ رزين. ثم هُم لا يطلبون شيئًا فضلًا عن أن يُلِحُّوا في طلب شيء، فليس من حسن الأدب ولا من كمال التربية أن يطلب الأطفال إلى أسرهم شيئًا أمام الأضياف، فضلا عن أن يطلبوا شيئًا إلى الأضياف أنفسهم. وإنما الأدب كل الأدب والتربية كل التربية أن ينتظر الأطفال هادئين وادعين، مُطرِقين إلى الأرض مبتسمين لمن حولهم، لا يقولون شيئًا ولا يطلبون شيئًا حتى يوجَّه إليهم الكلام، فيكون الجواب في أدب واستحياء، وحتى تقدم إليهم الطرفة فيكون القبول في كثير من التردُّد والتمنُّع مهما يكُن في دخيلة القلب والضمير.
كذلك كانت سيرتنا في جماعة الأمم المتحدة. فلولا أن الأدب نفسه كان يقتضينا الكلام لما تكلمنا، ولكن مندوبي الأمم كلها تكلموا، فيجب أن نقول شيئًا وأن نُسمع صوتنا حتى لا يُظَنَّ بنا الخَرس أو العمى. وجماعة الأمم المتحدة قد أهدت إلينا فضلًا وصنعت لنا معروفًا، وأخذت بيدنا حتى أجلستنا في مجلس الأمن، فمن أيسر الأدب ومن الرعاية لأصول التربية الصالحة أن نشكر لها هذا الفضل، وأن نعترف لها بهذا الجميل. فقد تكلمنا إذن كما تكلَّم الناس ليقال إننا تكلمنا، وقد تكلمنا إذن لنشكر الفضل فيقال إننا مؤدبون مهذبون، وقد تكلمنا بعد هذا وذاك لنسمع صوت أنفسنا، ولنعرف أننا ما زلنا قادرين على الكلام، ولنطمئن إلى أن ممثلينا في الخارج يستطيعون أن يرفعوا صوت مصر عاليًا بين أصوات الأمم، ورأسها شامخًا بين رءوس الشعوب. ولولا أن في أصدقائنا الإنجليز حزمًا صارمًا وعزمًا جازمًا واقتصادًا في القول وبُخلًا بالثناء؛ لأهدَوْا إلينا كثيرًا من هذه الألفاظ الحُلوة التي تدل على الرضى وتُصَوِّر حُسن التقدير. ولكن أصدقاءنا الإنجليز يُؤثِرُون التجهُّم والعبوس على الإشراق والابتسام، وهم يخشَوْن إن ابتسموا لنا وأظهروا رضاهم عن سيرتنا في جامعة الأمم المتحدة أن نطمع فيهم ونجترئ عليهم.
والإنجليز ماهرون في التربية بارعون في البيداجوجيا، أمهر من وزارة المعارف المصرية، وأبرع من مشيري وزير المعارف المصرية. وهم من أجل ذلك لا يُحِبون أن يبتسموا لنا حتى حين نستحق الابتسام، ولا أن يُظهروا الرضى عَنَّا حتى حين نستأهل الرضى. ولو أن لنا حلفاء غير الإنجليز وسلكنا معهم هذا المسلك الوديع الظريف لما بخَلوا علينا بالابتسام، ولا ضنوا علينا بالثناء، ولا تردَّدوا في أن يُقدِّموا إلينا ألوانًا من الحلوى والفاكهة؛ تقديرًا لهذا المسلك المؤدب المهذب الظريف.
والأشياء تُعرف بأضدادها، فانظر إلى إيران لم يكَد ممثلها يتكلم حتى أثارها حربًا شعواءَ على روسيا، فشغل بنفسه وبوطنه جماعة الأمم المتحدة، وشغل بنفسه وبوطنه أنباء البرق والراديو وكُتَّاب الصحف والمجلات. وانظر إلى ممثِّلي سوريا ولبنان، لقد أنذروا بأنهم سيقولون شيئًا فجعل الناس ينتظرون ليسمعوا ما سيقولون، ثم تكلَّموا فقالوا ما أرادوا أن يقولوا، واستمَعَ لهم ممثلو الدول في كثير من العناية وفي كثير من الاهتمام، وشغلت بهم أنباء البرق والراديو، واحتفل بهم كُتَّاب الصحف والمجلات. ضايقوا فرنسا وبريطانيا من غير شَكٍّ كما ضايق ممثلو إيران الدولة الروسية الكبرى. أمَّا نحن فقد كُنَّا على حظٍّ عظيمٍ من الأدب الكريم، وعلى نصيب موفور من التربية العالية الممتازة. فلم نقُل شيئًا، ولم نضايق أحدًا، ولم نشغل بأنفسنا برقًا ولا بريدًا ولا صحفًا ولا مجلاتٍ، وإنما اختلسنا حديثنا اختلاسًا، ومررنا به على الجماعة مرَّ النسيم الهادئ البليل في الوقت القائظ المُحرِق للأجسام المرهق للنفوس.
ومن الحق أن نشكر لوزير خارجيتنا أنه مثَّلنا فأحسن تمثيلنا، وأظهر لجماعة الأمم المتحدة أن مصر مؤدبة مهذبة ورقيقة رشيقة، لا تحب أن تزعج أحدًا، وإنما تُؤثِرُ دائمًا أن تكون خفيفة الظل حُلوة الرُّوح، حتى حين تُلِمُّ بها المُلِمَّات وتثقل عليها الخطوب. من الحق علينا أن نشكر لوزير خارجيتنا حُسن تمثيله لنا وصدق تعبيره عَنَّا، ودِقَّةَ تصويره لأخلاقنا وآدابنا وسيرتنا الراقية ونفوسنا الراضية.
ولكن وزير خارجيتنا لا ينبغي أن يستأثر وحده بهذا الشكر، فله فيه شركاء ليسوا أقلَّ منه فضلًا ولا أيسر منه استحقاقًا للثناء. فوزير الخارجية لا يتكلَّم عن نفسه، وإنما يقول ما يطلب إليه أن يقول؛ فهو لسان الحكومة، وهو مرآة لمجلس الوزراء. فإذا كان قد أحسن تمثيلنا وأجاد التعبير عن أخلاقنا وآدابنا وعن نفوسنا الراضية وقلوبنا المطمئنَّة؛ فالفضل في ذلك ليس له وحده، وإنما هو لرئيس وزرائنا أولًا ولمجلس وزرائنا ثانيًا ولوزير خارجيتنا آخر الأمر.
ولو أن رئيس وزرائنا أراد وأراد معه زملاؤه الوزراء؛ لكُنَّا أطول لسانًا من إيران، ولكُنَّا أشد إقلاقًا من سوريا ولبنان. ولكننا قومٌ مؤدَّبون مهذبون، يُقضى في أمرنا ونحن غائبون فلا ننكر، ويُقضى في أمرنا ونحن شاهدون فلا نحتج. يمنعنا الأدب من الإنكار، وتمنعنا التربية من الاحتجاج، ونحن بناة الحضارة وشادة الأهرام، ومعلمو الإنسانية، قد حلبنا الدهر أشطره، وبلونا حلوه ومره، وجربناه فأَحْسَنَّا تجربته. عنَّا صدرت الحكمة قبل أن تعرفها الهند، وقبل أن تعرفها اليونان، وقبل أن يعرفها العالم الحديث. ونحن من أجل هذا نُؤثِرُ الصمت لأنه من ذهب، ونترك لغيرنا الكلام لأنه من فِضَّةٍ، والحكماء يؤثرون الذهب على الفضة، ويفضلون الصمت على الكلام.
ونحن نعلم حق العلم أن احتجاج إيران لن يُجلِيَ روسيا عن أذربيجان، وأن احتجاج سوريا ولبنان لن يجلي البريطانيين والفرنسيين عن أرض سوريا ولبنان. وإذن فلِم ننكر ونحن نعلم أن الإنكار لن يُغني شيئًا، ولِم نحتج ونحن نعلم أن الاحتجاج لم يرد مكروهًا. إنما يتكلم ويحتج ويُنكر من لا حظَّ له من حكمة، ولا نصيبَ له من تجربة. فأمَّا نحن الذين علَّموا الناس الحكمة، وبيَّنوا لهم كيف ينتفعون بالتجربة، فما ينبغي أن نتكلم إلَّا حين نستيقن بأن الكلام سينفع أو يفيد.
أرأيت إلى أن وزير خارجيتنا لم يُمَثِّلْ آدابنا وأخلاقنا فحسب، وإنما مثَّل حكمتنا وفطنتنا وحُسن فَهمِنَا للأمور، وحسن تدبيرنا للظروف، وحُسن حكمنا على الأشياء والأحياء. ومن الحق أن الشعب المصري ساخط محزون، كان يَوَدُّ لو سلك وزير خارجيتنا مسلك إخواننا السوريين واللبنانيين والإيرانيين. ولكن الشعب المِصري ليس مُطَّلِعًا على حقائِقِ الأمور كما يَطَّلِعُ عليها الوزراء، ولا مقدِّرًا لدقائقها كما يُقَدِّرُهَا الوزراء، وفي الشعب اندفاع يَحْسُنُ أن يُضبط، وتطرُّف يحسن أن يُرد إلى الاعتدال. وحسب الشعب أن يعلم أن العناية الإلهية قد جعلت مصيره ومستقبله أمانة بين يدي رئيس الوزراء، ورئيس الوزراء خيرُ من يحمل الأمانة، وهو أقدر على حَملها من السماوات والأرض والجبال. فما ينبغي للشعب إلَّا أن يطمئن وينام ما دام رئيس الوزراء وزملاؤه حاملين للأمانة ناهضين بأعبائها.
ومن الحق أن بعض حكمائنا وعقلائنا وأصحاب الرأي فينا وأساتذتنا المُحَنَّكِين كانوا يَوَدُّون لو سلك وزير خارجيتنا في لندرة مسلك غيره من وزراء الشرق الأدنى والأوسط.
فصدقي باشا مثلًا ليس راضيًا ولا مطمئنًّا، ولكن صدقي باشا رجل عسير ليس إلى إرضائه من سبيل، فلندعه يسخط اليوم فسيرضى غدًا، وهو بعد كل شيء ليس مبعوث العناية الإلهية في هذه الأيام. فليس له إلَّا أن يطمئن وينام كما يطمئن الشعب وينام.
ومن الحق أن من وزرائنا من يملِك القلق عليه أمره، ويفسد عليه حياته، ويخرجه عن التضامن الوزاري، ويضطره إلى التشهير والتشنيع. ولكن هذا كله لا ينبغي أن يُخِيفَنَا، ولا أن يقلقنا. فهذا الوزير المُشفِق القلِق لم يندفع إلى إشفاقه وقلقه إلَّا لأن الأمر ليس إليه هو، ولو قد كان هو في لندرة لتكلَّم كما تكلم وزير الخارجية، ولكان خفيف الظل حُلو الرُّوح عند أصدقائنا الإنجليز. فقد يظهر أن وزراءنا لا يحبون أن يظهروا للإنجليز من أنفسهم ولا من وطنهم إلَّا خفة الظل وحلاوة الرُّوح، فأمَّا شدة الوطأة وغلظة الحديث ومرارة اللسان وعظم السطوة وحِدَّة البأس، فكل هذه خِصال يُؤثِرُون بها مواطنيهم من المصريين. ولهم في هذا كله الحق كل الحق، فهم مُضطَرُّون أن يلينوا مع الإنجليز لأن الإنجليز لا يؤخَذُون إلَّا باللين، وهم مُضطَرُّون إلى أن يخشنوا على المصريين لأن المصريين لا يُؤخَذُون إلَّا بالخشونة والعنف. وهم حين يتصلون بالإنجليز أصحاب سياسة، والسياسة لباقة ورشاقة ولِين، وهم حين يتصلون بالمصريين أصحاب تربية وتعليم، ولا تكون التربية إلَّا بالحزم، ولا يكون التعليم إلَّا بالعزم، فأي غرابة في أن يكون وزراؤنا أسودًا علينا وظباءً حِسانًا مع حلفائنا وأصدقائنا الإنجليز؟
أمَّا بعدُ، فقد آنَ لهذا الشعب المصري أن يعرف نفسه ويقدِّر حياته حقَّ قدرها، ويملأ قلبه ثقة بأنه قد خُلِق ليحكم على غير ما يريد، ويُدبر أمره على غير ما يُحب، ويخضع لوزراء تُلقي عليهم العناية الإلهية أعباء الحكم فينهضون بها، لا يُسألون عنها إلَّا أمام ضمائرهم وأمام العناية الإلهية التي اختارتهم. وضمائرهم راضية مطمئنَّة، وآية ذلك أنهم لا يغيِّرون من سيرتهم شيئًا. والعناية الإلهية التي اختارتهم راضية عنهم، وآية ذلك أنها لم تزلهم عن مناصب الحكم. ونحن المصريين قد أنشأنا الحضارة ونشرنا الحكمة في العالم، فلا ينبغي أن نخرج عن هذه الحكمة التي تعلِّمنا أن نسمع ونطيع مهما تكُن الظروف ومهما تكن المُلِمَّات.
لقد أفلح من طار بجناح أو استسلم فأراح، ونحن المصريين لا نُحْسِنُ أن نطير لأننا لسنا أُولِي أجنحة، أو لأن أجنحتنا لم ينبت فيها الريش بعدُ!
فلنصبر حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. -
بين الفصلين
بين الفصلين
طه حسين
جريدة البلاغ
٦ ديسمبر ١٩٤٥
قد يطول وقت الراحة بين الفصلين وقد يقصر، ولكن الشيء المحقق هو أن النظارة في حاجة إلى أن يستريحوا الآن. الفصل كان طويلًا حقًّا بالقياس إلى غيره من فصول القصة التمثيلية الرائعة التي تمثل في ملعبنا السياسي البديع.
كان الفصل طويلًا حقًّا أطول مما ينبغي، وكان معقدًا حقًّا أشد تعقيدًا مما ألِف الناس. وقد كان اليونان القدماء يحبُّون التمثيل حبًّا شديدًا، وكان شعراؤهم يرضون حبهم هذا للتمثيل إرضاءً شديدًا، وكانت أيام بعينها من العام تخصص لهذا الفن الجميل. وكان التمثيل يبتدئ مع الصبح وينتهي مع انتهاء النهار، ولكن الممثلين لم يكونوا ينفقون اليوم كله في تمثيل فصل واحد ولا في تمثيل قصة واحدة، وإنما كانوا يمثلون فصولًا كثيرة وقصصًا مختلفة، منها ما يحزن ومنا ما يسر!
أمَّا نحن فقد تفوقنا على اليونان تفوقًا سيُسجَّل لنا في تاريخ التمثيل. وما رأيك في فصل يُبدأ في تمثيله يوم الجمعة الماضي، ثم يشرق الصبح يوم الخميس والستار لم يُسدل بعد، وإنما يهم العمال أن يسدلوه حين تصدر إليهم الإشارة بذلك من منظم الفرقة؟ فقد يسدل الستار على أحداث هذا الفصل اليوم، وقد يُسدل غدًا، وقد يُسدل في أي وقت وفي أي يوم، متى اجتمع مجلس الوزراء ليقرَّ ما ليس من إقراره بدٌّ، ويوافق على ما لا يستطيع إلَّا أن يوافق عليه. وما من شك في أن النظارة قد جعلوا يسأمون طول هذا الفصل ويتعجلون إسدال الستار؛ حتى قال صحفي لبق ممتاز من الذين يحبون هذا الفن من فنون التمثيل أمس: لو أنصف رئيس الوزراء لدعا زملاءه إلى اجتماع يُعقد بعد انفضاض الهيئة السياسية؛ ليُريح الناس من هذا العناء الطويل.
والحمد لله على أن التمثيل في هذه القصة يجري على الطريقة المصرية المألوفة، أو التي كانت مألوفة قبل أن تدنو مصر من أوروبا، أو قبل أن تدنو أوروبا من مصر، حين كان الممثلون يلعبون، وكان النظارة يأكلون ويشربون ويدخنون، ويتسلون بهذه السخافات التي تعوَّد كثيرٌ منهم أن يقطعوا بها الوقت. فلا يشق عليهم أن يقصر التمثيل أو يطول؛ لأنهم لا يشكون جوعًا أو ظمأً، ولا يتكلفون جهدًا عسيرًا في تتبع التمثيل. فممثلونا سياسيون يلعبون حين يشرق الصبح، ويلعبون حين يرتفع الضحى، ويلعبون حين تميل الشمس إلى الغروب، ويلعبون حين ينشر الليل ظلمته على أرجاء مصر، لا يملون اللعب، ولا يتعرضون للإعياء. والنظارة في أثناء ذلك يعملون ويكسلون، ينشغلون ويفترون، يتضاحكون ويتندرون، والأمور تجري على خير ما نحب. أليس حافظ رحمه الله هو الذي قال:
وإذا سُئلت عن الكنانة قل لهم: هي أمة تلهو وشعب يلعب
وماذا تريد أن تصنع الأمة إذا قررت حكومتها أن تلهيها؟ وماذا تريد أن يصنع الشعب إذا صممت وزارته على أن تلعب له من حين إلى حين فصلًا أو فصلين من فصول التمثيل؟
بدأ هذا الفصل إذن يوم الجمعة في نادٍ من أندية الأحزاب المؤتلفة، حين اتخذ هذا الحزب الخطير في هذا الوقت الخطير قرارًا خطيرًا؛ ليقدَّم إلى الرئيس الخطير للوزارة الخطيرة صباح السبت. وكان مشوِّقًا حقًّا أول هذا الفصل حين رفع عنه الستار، فقد أراد النظارة أن يتبينوا حقيقة هذه الأخطار الكثيرة التي يتلو بعضها بعضًا في غير ريث ولا أناة. ولكن الممثلين مهرة بارعون يعنيهم قبل كل شيء أن تتعقد الأمور وتتعقد، وأن تتحرج الأمور وتتحرج، وأن تتعلق أنفس النظارة أطول وقت ممكن بما يقولون وما يعملون، وبما يمكن أن يقولوا ويعملوا؛ ولذلك جعل الممثلون يقولون ويعملون، وجعل النظارة يتشوقون ويتحرقون حتى كان مساء السبت، أو حتى تقدم الليل في مساء السبت، وإذا القوم قد عملوا كثيرًا وقالوا كثيرًا، ولم يفهم النظارة شيئًا. وإنما عرفوا أن اجتماعًا كان في ذاك المكان، وأن المجتمعين قد تفرقوا ليلتقوا، فازداد النظارة شوقًا إلى شوق، وتوقًا إلى توق، وارتفاعًا إلى تحت وانحدارًا إلى فوق، وظلوا في هذا كله ليلةً كاملةً ونهارًا كاملًا، وليلةً كاملةً أخرى. ثم أصبحوا يوم الإثنين، وقد عرفوا القرار الخطير الذي أبلغه الوزير الخطير إلى الرئيس الخطير؛ فضحكوا أو أغرقوا في الضحك. ولكن الرئيس الخطير لم يضحك، بل لم يبتسم، بل لم يحتفظ بوجهه هادئًا مستقرًّا، وإنما تجهم وتنمر، وأعرض واستكبر، وقرر أن يعصف بكل شيء.
ولست أدري أتوافقني أم تخالفني؟ ولكن أرى من أجمل الأشياء وأشدها روعةً في ملاعب التمثيل أن يظهر الغضب الشديد في وجوه الممثلين وفي أقوالهم وأعمالهم وحركاتهم، وأن تمضي النظارة في ضحكها الهادئ المتصل. هذا التناقض بين الغضب المتكلف على المسرح، والرضا الطبيعي بين النظارة رائع حقًّا. وهو الذي أتيح للمصريين أن يشهدوه ويستمتعوا به بياض النهار يوم الإثنين وبياض النهار يوم الثلاثاء وسواد الليل بين هذين النهارين.
وقد كان رئيس الوزراء غاضبًا كل الغضب، ثائرًا كل الثورة، يريد أن يعصف، ولا يريد أن يعطف كما يحب مكرم باشا أن يقول. وكان مكرم باشا نفسه ثائرًا هادئًا ومضطربًا مستقرًّا وساخطًا راضيًا، يدور حول رئيس الوزراء دون أن يدنو منه أو يبعد عنه. وكان النظارة يشهدون ويضحكون، ويغرقون في الضحك حينًا، ويغرقون في النوم حين يشق عليهم الضحك، ولكنهم استأنفوا نشاطهم مساء الثلاثاء حين اجتمع بالهيئة السياسية من أساطين العهد. فقد خُيِّل إلى النظارة أن الفصل يوشك أن ينتهي، وأن الكتاب يوشك أن يبلغ أجله؛ فجددوا نشاطهم كما يجدد المسافر نشاطه حين يدنو من غايته. ولكن الهيئة السياسية اجتمعت وطال اجتماعها، ثم انصدعت وطال انصداعها، ولم يعرف النظارة شيئًا إلَّا أنه لا بد من الاجتماع بعد الانصداع.
وهل الحياة إلَّا اجتماع وانصداع، أو قل كما يحب مكرم باشا أن يقول: هل الحياة إلَّا انقضاض وانفضاض. فقد انقضت الهيئة يوم الثلاثاء، ثم انفضت ولم يعرف النظارة من أمرها شيئًا، فظلُّوا يتشوقون ويتلهفون، يريدون أن يبلغوا آخر السفر، وأن يشهدوا إسدال الستار، ولكن قيل لهم: انتظروا فسيكون اجتماع وانصداع وانقضاض وانفضاض. وقد انقضت الهيئة مساء الأربعاء ثم انفضت، ولكن أي انفضاض سيسجله التاريخان: تاريخ السياسة وتاريخ الأدب جميعًا؛ تاريخ السياسة لأن الهيئة السياسية قد اتخذت بالإجماع قرارًا خطيرًا بالغ الخطورة، فأثبتت بذلك أن حزب الكتلة ليس هو وحده الذي يحسن اتخاذ القرارات الخطيرة، وأن في مصر رجالًا غير المتكتلين يحسنون اتخاذ القرارات الخطيرة أيضًا.
وتاريخ الأدب وهذه مسألة المسائل، ومشكلة المشاكل، والقصة التي سترفع رأس مصر بين الرءوس، وسترفع صوت مصر عاليًا بين الأصوات، وستبلغ رسالة مصر إلى الأجيال المقبلة إلى آخر الدهر، ألم تفهم بعد؟ ألم تقرأ قول رئيس الوزراء للصحفيين في هذا الإيجاز الرائع البارع: «اجتمعنا، وتناقشنا، واتفقنا»؟ ألا يذكرك هذا الكلام شيئًا؟ إنه صورة مطابقة للأصل لكلمة خالدة في تاريخ الأدب العالمي يُضرب بها المثل لأنها سارت مسير الأمثال. ولست أزعم — وأعوذ بالله أن أزعم — أن رئيس الوزراء قد قلَّدها أو حاكاها، فأنا أقطع — أو أكاد أقطع — بأن رئيس الوزراء إنما قال كلمته هذه الخالدة عفو الخاطر؛ لأنه لم يعرف تلك الكلمة الخالدة الأخرى التي أرسلها قيصر إلى مجلس الشيوخ الرومان حين هزم بعض الجيوش. أتعرف هذه الكلمة؟ إنها تشبه كلمة رئيس الوزراء كأنما قُدَّت الكلمتان من أديم واحد هو أديم التفوق والنبوغ. قال رئيس الوزراء للصحفيين: اجتمعنا وتناقشنا واتفقنا، وكتب قيصر إلى مجلس الشيوخ: «وصلت، ورأيت، وانتصرت.» ألست ترى أن رئيس وزرائنا يشبه قيصر في براعته وبلاغته وتفوقه في الإيجاز؟ فكيف إذا أضفت إلى ذلك أنه يشبه قيصر في الحزم والعزم والانتصار؟! كل هذا حسن، ولكن النظارة لم يعرفوا شيئًا، أو قل: إنهم عرفوا قليلًا وجهلوا كثيرًا، وسيعرفون كل شيء حين يجتمع مجلس الوزراء اليوم أو غدًا أو في أي وقت. أرأيت أن الفصل قد ابتدأ تمثيله يوم الجمعة حين أقبل المساء، ولم ينتهِ تمثيله يوم الخميس حين أقبل الصباح؟!
أرأيت أننا قد تفوقنا على اليونان في الإطالة والإسهاب، وتفوقنا على الرومان في الاختصار والإيجاز؟ أتستطيع أن تكابر بعد ذلك أو أن تماري أو أن تشك في أن مصر هي كنانة الله في أرضه، وهي البلد المختار المتفوق على جميع البلاد، الذي يسكنه شعب مختار متفوق على جميع الشعوب، وتحكمه وزارة مختارة متفوقة على جميع الوزارات، ويظله عهد سعيد مختار متفوق على جميع العهود.
وبعد، فأين نحن من المفاوضات؟! مقبلون نحن عليها أم منصرفون نحن عنها؟ أيقبل عليها منَّا شخص واحد هو رئيس الوزراء، أم شخصان هما رئيس الوزراء ووزير الخارجية؟ أيشارك مكرم باشا في أولها أم يشارك في وسطها أم يشارك في آخرها؟ والأحرار الدستوريون أين يقعون من هذا كله؟ أيقعون موقع الأنف أم موقع الذنب؟ كل هذه أسئلة لا سبيل إلى الإجابة عنها قبل أن يُرخى الستار. ولكن لي أنا جوابين على هذه الأسئلة: أحدهما بيت حافظ رحمه الله:
وإذا سئلت عن الكنانة قل لهم: هي أمة تلهو وشعب يلعب
والثاني: أن المفاوضات قد تكون وقد لا تكون، وأن من الأحزاب من يقوم منها مقام الأنف ومن يقع منها موقع الذيل، ولكن المهم هو شيء آخر غير المفاوضات وغير موقع الأحزاب من المفاوضات، هو أن يبقى العهد السعيد، وأن يظل الشعب حيث أريد له أن يكون خاضعًا خاشعًا يرضى من الغنيمة بأن يشهد ساسته يلعبون له في ملعب التمثيل. -
مخالفات
مخالفات
طه حسين
جريدة البلاغ
١٩ أغسطس ١٩٤٥
رحم الله زيادًا، لقد أقبل على العراق تتسبقه النذر، وكان صاحب حزم وعزم ومضاء وتصميم، وكان يريد أن يصلح الفاسد ويُقوِّم المعوج، وأن يمحو الفوضى ويقر النظام، وكان يرى أن أهل العراق قد أحدثوا أحداثًا لم تكن، وأن من الحق عليه أن يُحْدِث لكل ذنب عقوبة، وكان يرى أن آخر أمر الحكم بين المسلمين لا يصلح إلا بما صلح به أوله؛ لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف.
ولم يكن للعراق ولا لغيره من أمصار الإسلام وأقطاره في تلك الأيام برلمان يُسأَل أمامه الوزراء عمَّا يقولون ويعملون، ولكنه مع ذلك خطب الناس خطبته المشهورة، فقال لهم فيما قال: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.»
أباح زياد الطاغية أن يعصوه ويخالفوا عن أمره، إن أثبتوا عليه أنه قال لهم على المنبر غير الحق، أو أنه ينفذ فيهم الأمر على غير ما رسم لهم وأباح لهم أن يعصوه ويخالفوا أمره، وألا يصدقوه فيما يعلن إليهم من الأمر بعد ذلك؛ لأنه إن كذب عليهم مرة، فهو خليق أن يكذب عليهم مرة أخرى، أو مرات أخرى، ولم يكن لأهل العراق ولا لغيرهم من المسلمين دستور مكتوب يبيح للنواب أن يقولوا لأمرائهم أنهم قد أخطئوا، أو أنهم قد خالفوا ما لا ينبغي أن يُخالَف من النظام والقانون، ويبيح للنواب والشيوخ أن يحاسبوا حكامهم حسابًا يسيرًا أو عسيرًا، وأن ينزلوهم عن مناصب الحكم إن أجروا أمور المسلمين على غير ما ينبغي أن تجري عليه.
ويُخيَّل إليَّ أن في مصر دستورًا مكتوبًا منشورًا مقررًا يفرض على النوَّاب والشيوخ أن يراقبوا الوزراء ويحاسبوهم، ويبيِّنوا لهم حدود هذه المراقبة والمحاسبة، ويبيح للنواب أن ينزلوا الوزراء عن مناصب الحكم إن انحرفوا بالأمر عن الجادة، وساروا في الحكم سيرة تخالف ما رسم الدستور والقانون من الحدود. وليس منبر مجلس النوَّاب ومنبر مجلس الشيوخ بأهون شأنًا من منبر البصرة الذي تحدث منه زياد إلى أهل العراق؛ فلم يكن لأهل العراق أن يعزلوا زيادًا أو أن يخاصموه، وإنما كان عليهم أن يسمعوا له إذا قال ويطيعوه إذا أمر، أمَّا مجلس النوَّاب عندنا فيستطيع أن يقول للوزير المخطئ: أخطأت. ويستطيع أن يرد الوزير عن منصب الحكم ردًّا.
ويُخيَّل إليَّ أن هذا العهد السعيد الذي يظلنا، إنما اسْتُؤْنِف فيما تزعم الأحزاب المؤتلفة؛ ليصلح أمورًا كانت هذه الأحزاب تراها معوجة، وينفذ الدستور نفاذًا صحيحًا لا يلتوون بنصه ولا يلتوون بروحه؛ لأن الذين سبقوهم إلى الحكم كانوا فيما زعموا يلتوون بالدستور عن طريقه المستقيمة، ويكلفونه ما لا يطيق من التأويل والتعليل.
ومعنى هذا كله أن وزراء هذا العهد أقبلوا ليحترموا الدستور في نصه وروحه، وفي لفظه ومعناه، وليسيروا في تنفيذه واحترامه سيرة حنبلية لا تحتمل لبسًا ولا غموضًا، ولا تتعرض لمراء ولا جدال.
يُخيَّل إليَّ هذا كله، ويُخيَّل هذا كله إلى كثير من الناس، ولكن التخييل شيء والتحقيق شيء آخر، كما أن القول شيء والعمل شيء آخر، وكما أن الوعد شيء والبر بالوعد شيء آخر، ولو أنصف الذين ينهضون فينا بأمور الحكم في هذا العهد وفي غيره من العهود لكتبوا هذه الكلمة الخالدة التي قالها زياد: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.»
لو أنصف الوزراءُ — مهما يكونوا — أَنْفُسَهم وأنصفوا الشعب؛ لكتبوا هذه الكلمة الخالدة في قلوبهم أولًا، وفي مكاتبهم ثانيًا، وفي مجلس النوَّاب ومجلس الشيوخ ثالثًا، ولعرفوا وعرف الناس أن من الحق عليهم إذا تكلموا من منبر البرلمان أن يقولوا الحق وحده، وإذا وعدوا من منبر البرلمان أن يبروا بالوعد، فإن قالوا للبرلمان شيئًا، وساروا خارج البرلمان بغير ما يقولون، فمن حق الناس ألا يسمعوا لهم وألَّا يطيعوهم، ومن حق الناس ألَّا يطمئنوا إليهم، وألَّا يثقوا بهم، وألَّا يصدقوهم. وهل يستطيع وزراؤنا أن يؤكدوا لنا مطمئنين أنهم قد بروا بما وعدوا، وصدقوا الأمة والبرلمان ما قالوا، وأنفذوا الدستور في نصه وروحه، لم يحرفوه عن موضعه، ولم يلتووا به عن طريقه.
وهل يستطيع وزراؤنا أن يؤكدوا لنا أنهم أنفذوا أمر البرلمان الذي يفرض عليهم الدستور أن ينفذوا أمره، وأنهم بروا بوعودهم للبرلمان الذي يفرض الدستور أن يبروا له بالوعود. وهل يستطيع شيوخنا ونوابنا أن يؤكدوا لنا أنهم قد راقبوا الوزراء وحاسبوهم كما يريد الدستور أن يُراقَب الوزراء ويُحاسَبوا؟! هذه الأسئلة التي يجب أن يلقيها كل مصري على نفسه، والتي يلقيها المصريون بالفعل على أنفسهم ليعرفوا أتقوم أمورنا في مصر على الديمقراطية الصحيحة أم على الديمقراطية المتكلفة؟! أتجري أمورنا في مصر على الاحترام الصادق أم على الاحترام المصنوع؟!
لقد وعد المغفور له أحمد ماهر باشا بأنه سيسعى لينظم الأمور بيننا وبين الإنجليز قبل أن تبدأ المفاوضات في سان فرانسيسكو. فلما كانت الكارثة، ونهض رئيس وزرائنا القائم بالأمر بعده، وعد بأنه سينفذ خطته، ويسير سيرته، ويمضي سياسته كما رسمها. ولكن وفدنا سافر إلى سان فرانسيسكو، وأقام فيها، وأمضى ميثاقها، وعاد منها وهو الآن بيننا سعيدًا موفورًا، ولم نعلم أن رئيس وزرائنا قد أنفذ خطة سلفه رحمه الله، بل نحن نعلم أنه لم يطلب المفاوضة، ولم يَسْعَ إليها، وإنما هو ينتظرها ولن يتردد في قبولها إن عُرِضَتْ عليه، فهو إذن قد وعد البرلمان، ثم لم يَفِ بالوعد، ورحم الله زيادًا فما أجدر كلمته أن تكون دستورًا للوزراء!
وأقبل رئيس الوزراء ذات يوم على البرلمان فأنبأه مبتهجًا مسرورًا ومفاخرًا مكاثرًا بأنه قد خطا خطوة حسنة في طريق إلغاء الأحكام العرفية، فرد إلى الناس حريتهم في الكتابة، والخطابة، والانتقال، والاجتماع. وقد ارتاب المرتابون يومئذ، وطلبوا إليه أن يستصدر مرسومًا يسجل به رد هذه الحريات، ولكن الناس عاتبوهم وبينوا لهم أن هذا إسراف في سوء الظن، وأن رئيس الوزراء رجل إذا قال فعل وإذا وعد وفَّى، ثم لم يَمْضِ شهر أو أقل من شهر حتى مُنِعَ الانتقال، ومُنِعَ الاجتماع، ومُنِعَت الخطابة، ومُنِعَت الكتابة بأمر عسكري أمضاه رئيس الوزراء.
وأقبل وزير المعارف ذات يوم على مجلس النوَّاب، فتحدث في سياسة التعليم، وأعلن أنه لن ينفذ سياسته الجديدة حتى يعرضها على المجلس الأعلى ويظفر منه بإقرارها، وحتى يعرضها على مجلسي البرلمان ويظفر منه بإقرارها، ثم انصرف وزير المعارف عن البرلمان وأخذ في تغيير سياسة التعليم، وقلبها رأسًا على عقب، والبرلمان منعقد لم ينفضَّ ولم ينقضِ كما يقول حكيمنا العظيم، ولم يَنْسَ وزير المعارف إلا شيئين اثنين؛ أحدهما: أن للتعليم سياسة قائمة قد أقرها برلمان شرعي، وأقرها في مجلسيه، فلا ينبغي أن تُغيَّر إلا بقرار من البرلمان، الثاني: أنه هو نفسه وعد البرلمان القائم بألا يُغيِّر سياسة التعليم حتى يظفر بموافقته. نسي هذين الأمرين، وهو مع ذلك عضو في وزارة جاءت لتصلح الفاسد، وتقوم المعوج، وتنفذ الدستور نصه وروحه إنفاذًا صحيحًا.
بل نسي أكثر من هذا، نسي أن للتعليم قوانين قائمة لا يجوز أن تُغيَّر إلا بقوانين تنسخها وتقوم مقامها، ولكنه مع ذلك يُغيِّر سياسة التعليم غير حافل بقرار البرلمان السابق، ولا آبهٍ بوعده للبرلمان القائم، ولا متحرج من تحميل القوانين القائمة ما لا تطيق، وأنا أعلم أنه لن يعدم تأويلًا يفسر به موقفه، يلتمسه هو في فقهه هو بالقانون، ويلتمسه في فقه أقلام القضايا بالقانون، ولكني أعلم أيضًا أن للفقهاء حِيَلًا فقهية يعلم وزير المعارف من براعتها ورشاقتها أكثر مما أعلم، ويعلم وزير المعارف أن الناس يلجئون إليها حين يضيقون بنص القانون وروحه، وقد جاءت الوزارة الحاضرة فيما تزعم لتنقذ الدستور نصًّا وروحًا في غير عوج ولا التواء.
وقرر مجلس النوَّاب ألَّا تعرض الصحف من قريب أو من بعيد فيما تدرسه لجنة التحقيق، ولكن وزير المالية قد ترك لصحيفته أن تخالف في صراحة، واستمرار، وتحدٍّ عن أمر مجلس النوَّاب؛ لأنه جاء فيمن جاء ليحترم الدستور، ولِيُعلِّم الناس احترام الدستور.
وكذلك يتنافس الوزراء في احترام الدستور على هذا النحو البديع ليصدقوا ما قال أبو العلاء:
إذا كان رب البيت بالدف مولعًا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
ورب البيت هنا هو رئيس الوزراء الذي قال ولم يفعل، ووعد ولم يَفِ بالوعد.
على أن هناك نوعًا آخر من احترام الدستور بأسلوب بديع في نصه وروحه، وفي لفظه ومعناه. فقد يُقال إن الاستجواب هو الطريقة التي نظمها الدستور لمحاسبة الوزراء، والاستجواب ينتهي عادة بإبراء ذمة الوزير، واحتفاظه بثقة المجلس الذي يُستجوَب فيه، أو بفقدان الوزير هذه الثقة واستقالته إن كان الاستجواب في مجلس النوَّاب، وقبوله للوم أو استقالته إن أراد حين يكون الاستجواب في مجلس الشيوخ.
والمصريون جميعًا يعلمون أن استجوابات قُدِّمَتْ إلى مجلس النوَّاب فأُرْجِئَتْ وأُرْجِئَتْ، وانفضَّ مجلس النوَّاب أو انقض دون أن تُنظَر هذه الاستجوابات، أي دون أن يتمكن النوَّاب من محاسبة الوزراء. والمصريون جميعًا يعلمون أن استجوابًا قُدِّم إلى مجلس الشيوخ ونُوقِش فيه، ثم انفض مجلس الشيوخ أو انقض، ولم يعرف أحد رأي المجلس في هذا الاستجواب.
أليس هذا كله احترامًا بديعًا للدستور؟!
أليس هذا كله تنفيذًا للدستور بنصه وروحه في غير عوج ولا التواء؟!
أليس هذا كله دليلًا على أن الديمقراطية التي تظلنا في هذا العهد ناصعة كالثلج، شفافة كالزجاج، وقد كدت أقول أنها رخوة كالزجاج أيضًا، ولكن أستغفر الله وأبرأ إليه من هذا الخاطر الذي هم الشيطان أن يلقيه في روعي فرددته به ردًّا عنيفًا.
فديمقراطيتنا نقية كضوء الشمس، صافية كصفو السماء في أحسن أيام الاعتدال، صلبة كجبل المقطم، رائعة كجلال الأهرام. تنبئ الناس جميعًا في مصر وفي خارج مصر بأن ليس في الإمكان أبدع مما كان، وبأننا نُحكَم على أحسن أسلوب يمكن أن تُحكَم به الشعوب، يقول وزراؤنا فيفعلون، ويعدون فيبرون، ويأمرهم البرلمان فيطيعون؛ فهم حماة الدستور، وهم حفظة القانون، وهم آخر من يصح أن نفكر فيه إذا ذكرنا قول زياد: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة، فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.» -
دكتاتورية
دكتاتورية
طه حسين
جريدة البلاغ
١٨ يونيو ١٩٤٥
نريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء ليس راضيًا، ولا يمكن أن يرضى عن هذه التصرفات الخطيرة التي تضاف إلى بعض زملائه، والتي تحقق النيابة في بعضها مع الصحف.
فإن لنا في رئيس الوزراء رأيًا لم تغيره الحوادث بعد، ونرجو ألَّا تغيره، وهو أنه يكره أشدَّ الكره ما يَشِين نزاهة الحكم قليلًا أو كثيرًا.
ونريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء يعلم حق العلم أن بعض هذه المسائل التي تحقق فيها النيابة إذا نسبت إلى موظف كبير أو صغير؛ كان وقف هذا الموظف عن العمل حتى يتم التحقيق أول ما يجب على الوزير المسئول أن يعمله. فإذا نُسبت هذه المسائل إلى الوزير نفسه فليس وقف الوزراء عن أعمالهم ممكنًا؛ لأنه يعطل السلطان العام، وليس استمرار الوزير في عمله معقولًا؛ لأنه يعرض سمعة الحكم للخطر، ويعرض التحقيق نفسه للخطر أيضًا. وإذن فلا سبيل إلى الاحتفاظ بسمعة الحكم من جهة وتحقيق العدالة من جهة أخرى إلَّا أن يستقيل الوزير أو يُقال.
نريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء يعلم هذا كله حقَّ العلم، ويؤمن به فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الله أشدَّ الإيمان.
ولكن نرى رئيس الوزراء يصرح للصحفيين بأن الأمور تجري في طريقها المألوفة، وأن الوزارة متضامنة منسجمة. وإذن فلا مَحِيدَ عن إحدى اثنتين: إمَّا أن يكون رئيس الوزراء قد تغيَّر تغيُّرًا كاملًا وغيَّر آراءه في سمعة الحكم وتحقيق العدل، وهذا بعيد كل البعد. فالنقراشي باشا مبرَّأ والحمد لله من هذه المرونة الخطرة، ومن الاستعداد لهذا القول المريب. وإمَّا أن يكون عاجزًا عن إجراء الأمور كما يجب أن تُجرى، وإخراج الذين تحوم حولهم الشكوك من وزارته عجزًا مؤقتًا أو متصلًا، وهذا هو الذي نميل إليه. وإذن فهناك ظروف قاهرة تعلق سلطة رئيس الوزراء وتمنعه من أن يؤلف وزارته كما يجب أن تكون.
والناس جميعًا يعلمون أن مجلس النوَّاب القائم قد اتخذ قرارًا بمنع الصحف والنوَّاب أنفسهم من الخوض العلني في التقرير الذي يُعرض الآن على لجنة التحقيق في أعمال الوزارة الوفدية السابقة. والناس جميعًا يعلمون أن هذا القرار الذي اتخذه مجلس النوَّاب قد احترمته صحف المعارضة والصحف المستقلة، واحترمه نوَّاب الأحزاب المؤتلفة والنوَّاب المستقلون، ورفض احترامه فريق بعينه هو فريق الكتلة. فلم يحترمه رئيس هذا الحزب الذي طبع التقرير وأخذ يذيعه باليمين وبالشمال في مصر وفي خارج مصر. ولم تحترمه صحيفة الكتلة التي أخذت تتحدث عنه أحاديث مفصلة، وتنشر منه أجزاءً مطولة. ولم يصنع مجلس النواب شيئًا ليفرض على رئيس الكتلة وزملائه وصحيفته احترام هذا القرار.
فإمَّا أن يكون مجلس النواب راضيًا عن هذا التصرف، وإذن فلم يكن في حاجة إلى أن يتخذ ذلك القرار. وإذن من الحق عليه أن يعلن ذلك ليستطيع الناس أن يخوضوا في هذا الحديث كما يخوض فيه فريق الكتلة، وليستطيع المعارضون أن يردُّوا على ما ينشر في صحيفة الكتلة ردًّا صريحًا حرًّا، سواءٌ استقامت لذلك أمور التحقيق أم لم تستقم. وإمَّا أن يكون مجلس النواب عاجزًا عن أن يردَّ رئيس الكتلة وزملاءه وصحيفته إلى الحدود الدستورية الصحيحة؛ وإذن فالسلطة التشريعية معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين، كما أن سلطة رئيس الوزراء معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض الوزراء.
والناس جميعًا يعلمون أن النيابة قد أصدرت أمرها في الشهر الماضي بمنع الخوض في شئون التحقيق الذي أجرته لجنة وزارية يرأسها رئيس الكتلة، والذي يُعرض الآن على مجلس النواب. وقد احترمت الصحف المعارضة والصحف المستقلة أمرَ النيابة الذي يجب احترامه بحكم القانون، وأبتْ صحيفة الكتلة أن تحترم هذا الأمر، فخاضت فيه كما شاء لها الهوى.
وإذن فإذا كانت النيابة راضية عن تصرف الكتلة، فيجب إذن أن تُبيح هذا التصرف نفسه للصحف الأخرى. ولا نفهم أن تكون النيابة عاجزة عن أخذ الكتلة باحترام القانون والخضوع لما يخضع له المصريون من النظام؛ لأن هذا معناه أن السلطة القضائية معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين. وإذا علقت اختصاصات السلطة التنفيذية واختصاصات السلطة التشريعية واختصاصات السلطة القضائية كلها أو بعضها في بلدٍ من البلاد؛ فإن لهذا التعليق اسمًا معروفًا مشهورًا لا تحبه الديمقراطية ولا ترضاه، وقد حاربته دول الحلفاء ومنها مصر حتى سحقته سحقًا ومحقته محقًا، وهذا الاسم هو الدكتاتورية.
فأحكام الدستور والقوانين العامة تعلنها الأحكام العرفية أحيانًا، ويقوم الحاكم العسكري العام على تنفيذ هذه الأحكام، ولكننا رأينا أن سلطة الحاكم العسكري نفسه معلقة، فهو لا يستطيع أن يتخلَّص من بعض زملائه، وهو لا يستطيع أن يحمل زملاءه وبعض صحفهم على احترام القانون. وإذن فالدستور والقوانين العامة معلقة في مصر مرتين: معلقة بالأحكام العرفية، وهذا تعليق شرعي نبغضه، ونود أن نخلص منه، ولكنه تعليق شرعي على كل حال، ومعلقة بهذه الظروف التي تهدر السلطات الثلاث في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين. فما عسى أن تكون هذه الظروف الخفية التي أنشأت في مصر نظامًا دكتاتوريًّا يعيش جنبًا لجنب مع النظام الديموقراطي الشرعي ويتحيَّف هذا النظام شيئًا فشيئًا، ويأكله قليلًا قليلًا من يومٍ إلى يومٍ؟ ومن عسى أن يكون هذا الدكتاتور الذي فرضته هذه الظروف الخفية على مصر، ففرض هو إرادته على الذين يمثلون السلطات الثلاث؟
يقول الناس إن هذه الظروف الخفية ليست إلَّا الائتلاف الذي تقوم عليه الوزارة؛ لأن استمتاع رئيس الوزراء بحقه الدستوري الكامل الذي يمكنه من أن يُخرِج من وزارته من تحوم حوله الريب والشكوك؛ هذا الاستمتاع يعرِّض الائتلاف الوزاري للتصدع، وإذا تصدَّع الائتلاف انهارت الأمور القائمة كلها انهيارًا. فمصر إذن مخيَّرة بين أن تصبر على تعليق السلطات الثلاث وعصيان أمر مجلس النواب جهرة، وعصيان أمر النيابة جهرة، وضياع الشعور باحترام السلطات والقانون ليبقى لهذا الائتلاف ويستطيع الوزراء أن يحكموا والنواب أن يشرِّعوا، وبين أن تأبى هذا الصبر وتحرص على الدستور والقانون واحترام النظام، فيتصدع الائتلاف وتسقط الوزارة وينحل مجلس النوَّاب.
مصر مخيَّرة بين هاتين الخصلتين، ومن المحقق أنها تختار الخصلة الثانية لو أن لرأيها وزنًا، ولكن رأيها نفسه معلق في هذه الأيام كما أن السلطات الثلاث معلقة في هذه الأيام أيضًا.
فإلى أن يتيح الله لمصر ذلك اليوم الذي تصبح فيه كلمتها هي العليا، يمكن أن نظنَّ أن نقترح على رئيس الوزراء رأيًا أقلَّ ما يوصف به أن يستر هذا الإخلال الخطير بالنظام الديموقراطي في مصر، ويجعل لمصر حكومة ذات رأسٍ واحدٍ لا ذات رأسين. وهذا الرأي بسيطٌ جدًّا، يطالب به السعديون أنفسهم، وهو أن يسترد رئيس الوزراء حقَّه في تأليف وزارته كما يجب أن تكون، وفي أن يبسط سلطان القانون والدستور على المصريين جميعًا من غير تفريق، وفي أن يمكَّن مجلس النوَّاب من أن تكون قراراته محترمة. وكل هذا لا يكلف رئيس الوزراء إلَّا أن يكون كعهد الناس به، رجلًا جازمًا حازمًا صارمًا، لا يخشى في سبيل رأيه لوم اللائمين، ولا يصطنع في تنفيذ هذا الرأي مرونةً ولا لينًا.
إن له الكثرة في مجلس النواب، فليستقل حزبه بالحكم إذن ليعرف كيف يحمل التبعات، وكيف يواجه المصاعب، وكيف ينفذ من المشكلات، وليحتمل أوزاره دون أن يحتمل معها أوزارًا أخرى. وإذا لم يكن بد من الائتلاف، فليأتلف مع المسالمين الذين لا يجهلون قدر أنفسهم، ولا يطمحون إلى التسلط ولا يطمعون في غير الحكم، والخير له أن ينفرد حزبه بالحكم؛ فإن لرئيس الوزراء وزملائه السعديين مزاجًا خاصًّا ينفر من الائتلاف وينفر منه الائتلاف.
ومن الحق أن أخذ رئيس الوزراء بهذا الرأي سيفتح عليه أبوابًا خطيرة من المداورات والمناورات والمشاغبات لا حدَّ لها، فسيعارضه حزب الكتلة لا معارضة الصديق، فليس لحزب الكتلة صديق، وستضاف هذه المعارضة المعادية إلى المعارضة الشعبية القاسية التي يصلى نارها رئيس الوزراء الآن. ولكن رئيس الوزراء يعلم حق العلم أن النهوض بأعباء الحكم ليس رياضة جميلة ولا نزهة مرهفة على النفس، وإنما هو جهد وجهاد وصبر واحتمال، وأخذ للنفس بما لا تحب، وإجشام لها على ما تكره.
ورئيس الوزراء يوافقنا على أن كل شيء يهون إلَّا أن تكون سلطته معلنة، فيحمل التبعة ولا يتمتع بما يلائمها من الحرية. وعلى أن كل شيء يحتمل إلَّا أن تُعصى قرارات مجلس النوَّاب أو مكتبه جهرة وإعلانًا. وعلى أن كل شيء يُطاق إلَّا أن تخالف أوامر النيابة ولا تُطاع قرارات السلطة القضائية.
فليتوكل رئيس الوزراء على الله، وليحزم أمره، وليؤلف وزارة حزم وعزم وجد، وليجمع السلطان الدستوري كله في يده، وليجنِّب نفسه ووطنه هذا الوضع الذي يخيِّل إلى الناس أن في مصر حكومة ظاهرة وأخرى مستخفية، وأن في مصر نظامًا ديمقراطيًّا من ورائه نظام دكتاتوري خفي، وأن للحكم في مصر رأسين: رأسًا يظهر باسمًا حينًا وعابسًا حينًا، ورأسًا آخر تظهر آثاره في القول والعمل.
ليعتمد رئيس الوزراء على الله، وليجتهد في ألَّا يتغير رأي الناس فيه؛ فقد كان اسمه دائمًا إذا ذُكِر فهم الناس منه جدًّا لا يعرف العَبَثَ، وصراحةً لا تعرف المزاح، واستقامةً لا تحبُّ الالتواء.