بين الجد واللعب
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢ أبريل ١٩٥٥
يظهر أن أصدقاءنا الترك ينسون أنفسهم شيئًا ما في هذه الأيام، ويُعرِّضون أنفسهم كذلك لما لا نحب أن يتعرضوا له، فقد كنا نتمنى أن يحتفظوا بخطة الأناة والوقار والعناية بمصالحهم الخاصة كما يفهمونها وكما يحبونها، غير حافلين برضى الناس عنها أو سخطهم عليها.
فهم قد اصطنعوا هذه الخطة وفرضوها على أنفسهم منذ أتاحت لهم ثورتهم في أعقاب الحرب العالمية الأولى أن يستردوا استقلالهم ويخلصوا لأنفسهم، لا يؤذون أحدًا ولا يؤذيهم أحد. وهم قد انتفعوا بهذه الخطة فثبَّتوا استقلالهم ووطدوا مكانتهم وجنوا ثمرات الحياد الذي التزموه في الحرب العالمية الثانية؛ فخرجوا منها موفورين لم يُكْلموا كَلْمًا ولم تتعرض مرافقهم المختلفة لخطر قليل أو كثير.
فهم قد صادقوا الأعداء جميعًا أثناء الحرب العالمية الأخيرة، ولم يحفلوا بتلك الأحداث الجسام التي كانت تملأ العالم من حولهم شرًّا، والتي ملأت العالم العربي نفسه خوفًا وذعرًا، وهم أقاموا هادئين مطمئنين منتفعين حين شبت الحرب في جارتها سوريا بين الحلفاء وبين الفرنسيين المهادنين لألمانيا، وشقيت سوريا شقاء غير قليل بهذه الحرب، وجيرانها الترك آمنون وادعون لا يغضبون لها ولا يشفقون عليها ولا يمنحونها عونًا ولا يختصونها بتأييد.
بل هم قد انتفعوا من هذه الحرب الأخيرة على حساب جارتهم سوريا؛ فأخذوا جزءًا منها ثمنًا لمساومة الحلفاء، ولم ينسَ العالم العربي بعد أن الإسكندرونة قد اقتُطعت من سوريا ورُدت إلى الترك ثمنًا لهذه المسالمة دون أن يُستأمر السوريون في ذلك أو يُستشاروا.
في ذلك الوقت لم يكن الترك أصدقاء العالم العربي، ولم يكن العالم العربي يعنيهم قليلًا أو كثيرًا، وإنما كان يعنيهم أن يَسْلموا أولًا وإن دُمر العالم من حولهم، وأن يأمنوا ثانيًا وإن امتلأ العالم من حولهم هلعًا وفزعًا، وأن ينتفعوا ثالثًا وإن أوذي العرب في وطنهم وإن فُرق الإخوة ظلمًا وبغيًا وعدوانًا.
كانت هذه الخطة الآثرة هي التي التزمتها تركيا منذ وضعت الحرب العالمية أوزارها، وكانت تجد في هذه الخطة أمنها ومنفعتها، واستقرار الأمر فيها وتطور ثورتها في عافية من تدخل الأجنبي، وكان من الخير لها أن تحتفظ لمنقذها من العدوان الأجنبي؛ مصطفى كمال — أو كمال أتاتورك كما سمته — فرارًا من الصلة بينها وبين العرب؛ حتى حملها بغضها لقديمها وطموحها إلى التخلص من أوزار إمبراطوريتها والتخفف من أثقال الخلافة الإسلامية التي انتحلتها انتحالًا وأخذتها غلابًا، ولكنها خافت من جارتها روسيا وأمنت لصديقتها أمريكا. ووجدت عند صديقتها هذه فضلًا كثيرًا ومالًا غزيرًا، وأغراها الفضل بالفضل ورغَّبها المال في المال، وأرادت أن تستكثر من التقرب إلى الأمريكيين، فخرجت عن خطتها تلك، وظنت أنها أصبحت دولة عالمية تستطيع أن تشارك في تقرير مصير الدول الأخرى. وكان خروجها عن هذه الخطة حين شاركت حلفاءها فيما عرضوا على مصر سنين من حلف؛ يحفظ السِّلم في هذا من الشرق الأدنى، وقد رفضت هذا العرض في غير مناقشة ولا جدال، وكان الترك خليقين أن يحسوا لوم العرب لهم، وعتبهم عليهم؛ إنكارهم أن تعين دولة إسلامية كانت تزعم لنفسها حماية الإسلام على تدخل الأجنبي في شئون المسلمين، وتعريضهم للمشاركة في مغامرات ليس لهم فيها نفع قليل أو كثير.
كان الترك خليقين أن يحسوا ما لم يُخْفِ العرب من لوم لهم وإنكار عليهم، وأن ينتفعوا بهذا الدرس الذي تلقوه من مصر حين أبت أن تستجيب لهم كما أبت أن تستجيب للأمريكيين والإنجليز والفرنسيين. لكن الترك لم يحسوا شيئًا ولم ينتفعوا بهذا الدرس، وإنما جعلوا أنفسهم عملاء للأقوياء من دول الغرب، وكلفوا أنفسهم أن يضموا الشرق العربي راضيًا أو كارهًا إلى ذلك الحلف الذي يدفع إلى المغامرات ويغري بالحرب ويعرض الناس لأخطار لا يعلم عواقبها إلا الله.
وهم قد مضوا في ذلك حتى ضموا إليهم العراق في حيلة لم يستروها، ولم يخفوا ما فيها من الكيد، ولم يحتاطوا لها؛ فهم لا يكادون يتمون هذا الحلف حتى يسرع الإنجليز بالمشاركة فيه، وحتى يزمع الأمريكيون أن يشاركوا فيه أيضًا، وإن آثروا الانتظار بهذه المشاركة وقتًا طويلًا أو قصيرًا.
وكذلك خرج الترك من حيرتهم تلك، ولكن خروج التابع الذي لا يعمل لنفسه وإنما يعمل لغيره، ولا يدبر الأمر ويتقن الحيلة لينتفع هو وحده، بل لينتفع غيره من الأقرباء وإن عرَّض نفسه لشر عظيم. فالترك يعلمون أنهم جيران الروس وأنهم جديرون أن يكونوا أول من يصطلي نار الحرب ويشقى بها حين تثار في يوم قريب أو بعيد، وكان ذلك جديرًا أن يحملهم على إيثار العافية والركون إلى الحياد الذي آمنهم من الخوف في الحرب الأخيرة، ولكنهم عادوا إلى المغامرة وأبوا أن يعودوا إليها وحدهم، ولم يحبوا أن تزلزَل بهم الأرض من دون جيرانهم، فجروا العراق وانجرَّ العراق لهم. وقد أغرتهم طاعة الحكومة العراقية القائمة بأن يجروا إليهم سوريا، ومن يدري لعلهم إن ظفروا من سوريا بما يحبون أن يعودوا إلى مصر ليعرضوا عليها مغامرتهم تلك مرة أخرى وليتموا لحلفائهم ما أرادوا من إخضاع العالم العربي كله لسلطانهم، وإشراكه في مغامرتهم وتعريضه لهذه الأهوال التي لا تنفعه وإنما تؤذيه كما تؤذي الناس جميعًا. ولكن سوريا أبت أن تنجر كما انجرَّت حكومة العراق القائمة. وهنا يستحيل الجد إلى لعب، وتستحيل المأساة إلى ملهاة، ويخرج الترك عن طورهم، فيغضبون وينذرون ثانيًا، ويحشدون جيشهم على الحدود السورية آخر الأمر، فيغرق العالم العربي في الضحك وإن كان ضحكًا مرًّا.
ولكن الشيء المحقق هو أن الجيش التركي المظفر لم يرهب أحدًا، ولا يمكن أن يرهب أحدًا؛ لأنه لا يستطيع أن يجوز الحدود، ولأن تركيا لا تستطيع أن تُعلن الحرب على سوريا، لا لشيء إلا لأنها لا تريد أن تشترك في المغامرات، ولأن الحرب لا تُعلَن في هذه الأيام كما كانت تُعلَن فيما مضى، وإنما تقوم دون إعلانها مصاعب لا بد من تذليلها. وليس الترك وحدهم هم الذين يستطيعون أن يذللوها، فتركيا عضو في هيئة الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن نفسه، وليست تملك أن تقحم حلفاءها في حرب لا يريدونها، وهي بعد هذا كله ليست حرة في إعلان الحرب؛ لأن لها جارة تتربص بها الدوائر ولا تنتظر إلا الفرصة التي تتيح لها أن تغير. فهذا النذير التركي بجارتها سوريا عبث من العبث، لا يخيف السوريين فضلًا عن أن يخيف غير السوريين، وإنما هو يعرِّض الترك أنفسهم لشيء من الرثاء كنا نحب ألا يعرضوا أنفسهم له، وكنا نحب لهم كذلك أن يقرروا فيما بينهم وبين أنفسهم أن الأحلاف لا تكون بالإكراه، وأنها إما أن تكون بالرضى وإما ألا تكون. وكنا نحب لهم كذلك أن يقدروا في أنفسهم أن الدنيا قد تغيرت، وأن أمور السلم والحرب لم تصبح خاضعة لأهواء الناس وشهواتهم، وكنا نحب لهم آخر الأمر أن يقدروا في أنفسهم أنهم يوشكون أن يسوءوا حلفاءهم من حيث أرادوا أن يسروهم، ويضروهم من حيث أرادوا لهم النفع، ويغضبوهم من حيث أرادوا أن يبتغوا لهم الوسيلة.
فحلفاء الغرب يريدون أول ما يريدون أن تستقر الأمور في الشرق الأدنى، ويكرهون أشد الكره أن يضطرب هذا الجزء من الأرض، وإنذارهم هذا المُلِح لسوريا يوشك أن يملأ الشرق العربي اضطرابًا. وقد ينبغي أن يحسب الترك لجيرانهم شيئًا من الحساب، ومن حق العرب أن يغضبوا حين يُساء إليهم في غير ما يدعو إلى الإساءة، وأن يُستخف بهم دون ما يدعو هذا الاستخفاف. والعرب يحسنون اصطناع الحلم ويعرفون كيف يملكون أنفسهم، ولكنهم يعرفون أيضًا كيف يغضبون وكيف يثورون إذا أُثيروا. وإذا كان أصدقاؤنا الترك قد غفلوا عن هذا كله وخرجوا عن أطوارهم؛ فما أجدر حلفائهم من الإنجليز والأمريكيين أن يردوا عليهم فضل أحلامهم وأن يكفوهم عن الطيش ويعيدوهم إلى شيء من صواب، وأن يذكروا أن صغار الأمور قد تُهيج كبارها، وأن للأناة والصبر غاية ينتهيان إليها.
وأن في نفوس العرب بقية من مودة للترك، فمن الخير ألَّا يُضيعوها بإصرارهم على ما هم فيه من حمق وطيش.
Tag: السيادة
-
بين الجد واللعب
-
ولو …
ولو …
طه حسين
جريدة الجمهورية
١ أكتوبر ١٩٥٤
كان مما يضحك حقًّا موقف ذلك النائب في الجمعية الوطنية الفرنسية منذ أسابيع حين طالب رئيس الوزراء مسيو منديس فرانس بالاحتجاج على الحكومة المصرية؛ لأن إذاعتنا تؤيد المجاهدين في سبيل الاستقلال من التونسيين والمراكشيين، وحين طالب بإنذار مصر بأنها إذا لم تكُف عن هذه الإذاعة فسينشأ في الإذاعة الفرنسية قسم خاص، يُسمى قسم مصر الحرة ويقاوم حكومة الثورة في مصر.
كان مضحكًا حقًّا موقف ذلك النائب؛ لأنه إن دل على شيء فإنما يدل على سذاجة تشبه سذاجة الأطفال، أو يصور غضبًا يُخرج الناس عن أطوارهم ويُطلق ألسنتهم بالسخيف من القول ويردهم أطفالًا، وإن كانوا شيوخًا أو كهولًا، فلسنا نعرف نحن وليس الفرنسيون أنفسهم يعرفون أن شيئًا خارج مصر يمكن أن يُسمى مصر الحرة؛ وإنما الشيء الذي نعرفه نحن ويعرفه الفرنسيون وغيرهم من شعوب الأرض، أن مصر الحرة إنما توجد في وطنها المقسوم لها وداخل حدودها الطبيعية وهى حرة بطبعها؛ لأنها قاومت الطغيان الملكي الداخلي حتى ظفرت به وانتصرت عليه وقاومت الاحتلال الأجنبي حتى مهَّدت لخروج جنوده من مصر في أقرب وقت ممكن.
فمصر الحرة تلك التي أراد ذلك النائب أن يدعو لها في الإذاعة المصرية وأن يغيظ بها حكومة الثورة، لا توجد إلا في خياله وفي خيال رئيس الوزراء منديس فرانس الذي استجاب له فيما يظهر.
كان ذلك الكلام مضحكًا، ولكنه كان محزنًا أيضًا؛ لأنه يثير في النفوس ذكريات قريبة العهد جدًّا لم ينسها الفرنسيون وإن نسيها المصريون؛ لأن المصريين يحسنون وينسون إحسانهم، يصدرون في هذا الإحسان عن طبيعتهم الكريمة الخيرة، ويعلمون أنهم يؤدون به واجبًا إنسانيًّا، وهم من أجل ذلك لا يعتمدون به على أحد ولا ينتظرون عليه من أحد جزاءً ولا شكورًا.
فقد كان يوجد منذ عهد قريب جدًّا شيء يُقال له فرنسا الحرة، وكانت مصر في مقدمة البلاد التي آوت فرنسا الحرة تلك، ومنحتها من العون والتأييد ومن العناية والرعاية ما مكَّن لها في الأرض، وأتاح لها أن تكون حقيقة واقعة بعد أن كانت كلامًا يُقال.
في ذلك الوقت كان الجيش الفرنسي منهارًا أمام الجيش الألماني، وكان الوطن الفرنسي محتلًّا، تفعل به جنود هتلر أشنع الأفاعيل، وكان الشعب الفرنسي منقسمًا قسمين؛ أحدهما مشرَّد في أقطار الأرض يرفض الهزيمة ويأبى الإذعان، والآخر مستقر في أرض الوطن مستسلم للأقدار، يُضمر فريق منه البغض للمحتلين ويتهيأ للمقاومة، ويُظهر فريق منه حب المحتلين ومسالمتهم وتمكينهم من التنكيل بالأحرار من الفرنسيين.
في ذلك الوقت كانت مصر تأوي فريقًا من الفرنسيين المدنيين المستقرين فيها واللاجئين إليها، وفريقًا آخر من الفرنسيين العسكريين الفارين إليها من جيش فرنسا في سوريا ولبنان. وفي ذلك الوقت كانت مصر تشمل هؤلاء الفرنسيين جميعًا بحبها لهم وعطفها عليهم، وتيسير العسير من أمرهم، وتُسخر إذاعتها لرفع صوتهم الخافت الضئيل ونشره في أقطار الأرض. والفرنسيون لا ينسون من غير شك أن أول تنظيم لجيشهم المقاوم إنما كان في أرضها حين ألفت قلوبهم المنهزمة أول فرقة شاركت الحلفاء في حرب ألمانيا وإيطاليا.
في ذلك الوقت كانت حكومة مصر كريمة لا تبخل بالمعونة على شعب كريم أصابته المحنة وعبثت به الخطوب، وكان شعب مصر كريمًا يجود بالمال والجهد وبالحب والعطف لشعب صديق؛ ألمَّت به الكارثة واضطرته إلى أن يطلب معونة الأصدقاء. في ذلك الوقت لم تبخل مصر على صديقتها فرنسا البائسة بمال بذلته سخية به، ولا بجهد أنفقته غير مترددة في إنفاقه، وفي ذلك الوقت أقبل رئيس فرنسا الحرة الجنرال دي جول فتلقته مصر حفية به، مكرمة له، وأتاحت له أن يتحدث إلى مواطنيه من الإذاعة المصرية يدعوهم إلى المقاومة ويحرضهم على أن يثوروا بالمحتلين.
كان هذا كله أثناء الحرب العالمية الثانية حين خفَت صوت فرنسا وحين سخَّرت إذاعتها لخدمة المحتلين، وحين كان صوت فرنسا الحرة يرتفع من مدينتين اثنتين إحداهما لندرة والأخرى القاهرة.
كانت فرنسا الحرة حقيقة واقعة أتيح لها بفضل المعونة التي شاركت مصر فيها أن تنظم المقاومة وأن تصبح شيئًا مذكورًا بعد أن لم تكن شيئًا ذا بال، وأن تشارك في النصر بعد أن انفردت فرنسا بالهزيمة في أول الحرب، وكان طبيعيًّا أن تنسى مصر ما قدَّمت من خير وما أسدت من جميل؛ لأن مصر لا تبيع المعروف ولا تأخذ له ثمنًا، وكان طبيعيًّا أيضًا أن تذكر فرنسا هذا المعروف ولا تنساه ولا تجزي مصر به عقوقًا وجحودًا ونكرانًا.
والشيء الذي أحققه ولا أشك فيه، هو أن الشعب الفرنسي يذكر لمصر هذا المعروف ويحفظ لها هذا الجميل، ويُقدِّر ما قدمت إليه من يد أثناء المحنة، ولكن الشعب الفرنسي شيء، والحكومات الفرنسية على اختلافها شيء آخر.
وقد لاحظت منذ وضعت الحرب العالمية أوزارها أن في فرنسا ظاهرة خطيرة، هي إخلال التوازن فيها بين الشعب والدولة؛ فالشعب الفرنسي لا يكاد يعرف الدولة الفرنسية والحكومة، لا يكاد يؤمن لهما، وإنما هو يحيى حياته مستسلمًا للظروف التي تحيط به غير حافل بالحكومة ولا آبه للبرلمان، يرى أن شعبًا مثله لا بد من أن يكون له برلمان فينتخب النواب والشيوخ حين يدعو إلى انتخابهم، ولا بد من أن تكون له حكومة فيعرف الحكومة حين تؤلَّف له. ولكنه يمضي بعد ذلك في سبيله غير حافل بالنواب والشيوخ الذين انتخبهم، ولا آبه للوزراء الذين يديرون أموره العامة. وهو يخضع لسلطان الدولة كارهًا لهذا الخضوع، ولو استطاع لأعلن الثورة والعصيان، فمن الظلم للشعب الفرنسي أن تحمل عليه كثرة الآثام التي تقترفها حكوماته المختلفة في أقطار الأرض على تباعدها. لقد كان الشعب الفرنسي يكره الحرب في الهند الصينية أشد الكره؛ لأنها كانت تزهق نفوس أبنائه وتسفك دماءهم وتُضيع عليه أمواله في غير نفع، وما زال يقاوم هذه الحرب حتى ظفر بوقفها. وما أشك في أن الشعب الفرنسي يكره السياسة التي تصطنعها حكوماته في شمال أفريقيا؛ لأنها تكلفه أثقالًا لا يحب أن يحتملها، لا أستثني من ذلك إلا المستعمرين الذين يقيمون في شمال أفريقيا، ورجال المال الذين يستغلون أموالهم في استذلال الأفريقيين، وأولئك وهؤلاء قلة ضئيلة بالقياس إلى الشعب الفرنسي المغلوب على أمره.
ولست أقول هذا عن الظن، وإنما أقوله عن العلم اليقين، فاقرأ الصحف الفرنسية إن شئت؛ فسترى صحف المال والاستعمار تؤيد الحكومة في عبثها، وسترى صحف الشعب على اختلاف أحزابه تناهض الحكومة في هذا العبث. وقد خُدع الشعب الفرنسي برئيس وزارته القائم منديس فرنس حين أمره يمضي الهدنة في الهند الصينية ويريد أن يخرج من مشكلات أفريقيا الشمالية، ولكنه لم يلبث أن رأى تسلط المستعمرين والماليين على السياسة الخارجية الفرنسية، فأدركه كثير من خيبة الأمل، وقال القائلون: حكومة كغيرها من الحكومات تخرج من مشكلة لتتورط في مشكلة أخرى.
وقد تحدثتُ في غير هذا المقال بما كان من تفاؤل بعض الصحف الفرنسية حين حلَّت مصر مشكلاتها مع الإنجليز، ومن انتظار هذه الصحف أن يكون ذلك مقدمة لحل المشكلات في تونس ومراكش. ولكن هذا التفاؤل لم يدُم، وإنما مضى مسرعًا وترك مكانه لتشاؤم بغيض؛ لأن المستعمرين ورجال المال والأعمال كانوا أقوى قوة وأعظم نفوذًا من الشعب الفرنسي العامل الكادح، الذي يشقى بالحرب ولا ينعم بالسلم إلا قليلًا.
وفي نفس رئيس الوزارة الفرنسية القائم منديس فرانس عقدة عسيرة الحل؛ فهو إسرائيلي، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يجحد إسرائيل، وهو من أجل ذلك دعا رئيس الجيش الإسرائيلي إلى زيارة فرنسا، وهو من أجل ذلك يدعو رئيس الحكومة الإسرائيلية لزيارة فرنسا فيما يُقال. وللإسرائيليين في فرنسا وفي بيئات المال والأعمال خاصة نفوذ بعيد المدى. ولكن الذي نعلمه أن الشعب الفرنسي شعب مسيحي كاثوليكي، وأن فرنسا ترى نفسها ابنة الكنيسة الكبرى، وأن الشعب الفرنسي يغالب سخطه على النفوذ الإسرائيلي هذا مغالبة شديدة، ويوشك أن يعجز عن هذه المغالبة، وأن كثيرًا من أعلام المسيحيين الفرنسيين من كتابهم وعلمائهم وأساتذتهم ينكرون السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا، ويجاهرون بهذا الإنكار ولا يستخفون به.
ومن أجل ذلك لا أحفل ولا أحب أن يحفل أحد بهذا السخف الذي يتورط فيه رئيس الوزارة الفرنسية حين يبدي ما يبدي من التقرب إلى إسرائيل، فهذا التقرب لا يخيف أحدًا ولا ينبغي أن يثير في نفوس المصريين والعرب عامة إلا الهزء والسخرية. وسياسة فرنسا الخارجية ليست إليها وحدها ولا سيما في الشرق الأدنى، وإنما هي إليها وإلى حلفائها من الإنجليز والأمريكيين.
ولن تستطيع فرنسا أن تعطي إسرائيل من الأسلحة إلا ما يأذن به حلفاؤها، وما ينبغي أن ننسى أن أسلحة فرنسا إنما تأتيها من أمريكا أو تُصنع بالمال الأمريكي في فرنسا نفسها.
فهذا الخداع الذي يعمد إليه رئيس الوزارة الفرنسية لا يخدع أحدًا؛ لأننا نعرف ما تستطيع فرنسا أن تصنع لإسرائيل وما لا تستطيع أن تصنع.
والخير كل الخير للحكومة الفرنسية القائمة أن ترتفع بنفسها عن هذا السخف الذي يُضحك ولا يخيف، فتقربها إلى إسرائيل لا يُقوي إسرائيل؛ لأن فرنسا نفسها محتاجة إلى القوة، وتَقرُّب إسرائيل إلى فرنسا لا يُقوي فرنسا؛ لأن إسرائيل نفسها محتاجة إلى القوة أيضًا، وتَهجُّم الإذاعة الفرنسية على مصر لا يخيف مصر؛ لأن فرنسا لن تضر مصر شيئًا.
والخير كل الخير أن يثوب رئيس الوزارة الفرنسية إلى نفسه وأن يقدر عاقبة أمره؛ فهو أذكى وأحصف من أن يجهل أن لفرنسا مصالح كثيرة خطيرة في مصر، وأن إصراراه على سياسته هذه الحمقاء قد يُعرِّض هذه المصالح الكثيرة الخطيرة لما لا يحب الفرنسيون أن تتعرض له.
لن تكف مصر إذن عن تأييد التونسيين والمراكشيين في مطالبتهم بالاستقلال، بل لن تكف مصر عن تأييد الجزائريين في مطالبتهم بالاستقلال، وإن زعمت فرنسا أن الجزائر جزء من الوطن الفرنسي؛ لأن مصر لا تؤمن بحق الفتح، ولأن أهل الجزائر ليسوا من فرنسا وليست فرنسا منهم في شيء.
ومصر مؤمنة بأن الاستعمار مهما تكن صوره آثم لا يقره إلا الظالمون، وبأنه خزي لا يليق بالحضارة والإنسانية الحديثة، وهي من أجل ذلك ستقاومه وستؤيد مقاوميه في كل مكان، لا يردها عن ذلك شيء، حتى حنين رئيس الوزارة الفرنسية إلى إسرائيل وتقربه من إسرائيل وإطلاقه ألسنة السوء في مصر.
فإن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، والحق منتصر وإن كره المبطلون. -
فرنسا … والإسلام
فرنسا … والإسلام
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢٤ أغسطس ١٩٥٤
لم تكد فرنسا تَفرغ من مأساتها المنكرة في الهند الصينية، حتى أخذت تواجه مأساة أخرى أقل منها نُكرًا في شمال أفريقيا. والغريب أنها تواجه هذه المأساة الأفريقية بنفس المراوغة والمداورة اللتين واجهت بهما مأساتها في الشرق الأقصى. فهي تقوم لتحجم، وتعزم لتتردد، وتقدم الصلح بإحدى يديها والحرب بيدها الأخرى.
وهي في أثناء هذا التردد والاضطراب تسفك دماء أبنائها ودماء الأبرياء من غير أبنائها، وتنفق في سَرَفٍ خلاصة أموالها وخلاصة أموال غيرها من الأمريكيين، ويشغلها الحرص على منافعها القريبة عن التفكير في منافعها البعيدة، فضلًا عن التفكير في الحق والعدل والإنصاف. ومع ذلك، فما أكثر ما قدم إليها وإلى غيرها من الأمم المستعمرة من النذر فلم تحفل بها، ولم تأبه لها غيرها من المستعمرين!
وأخص ما يمتاز به الظلم أنه قصير النظر، لا يفكر في العواقب ولا يحفل إلا بالمنافع القريبة العاجلة والساعة التي هو فيها، لا ينتفع بالمواعظ التي سبقته ولا يفكر في النُّذُر التي تدعوه إلى الاحتياط، ولا ينظر إلى غدٍ أو بعد غدٍ؛ ذلك شأن الظلم حين يقع من بعض المواطنين على بعض، وهو شأن الظلم حين يقع من المواطنين على غيرهم من الأمم والشعوب.
وإذا استقصيت أمر المستبدين في أوطانهم والظالمين لمواطنيهم، رأيتهم جميعًا مُمْعِنِينَ في الحُمق مُغْرِقِينَ في الغفلة، يأتيهم النُّذُر من بين أيديهم فلا ينظرون إليها ولا يسمعون لها، لا يعتبرون بما حاقَ بالظالمين من قبلهم ولا بما يحيق بالظالمين من حولهم، حتى تأخذهم القارعة وتدور عليهم الدائرة ويصبح أمرهم كله عليهم وبالًا ولغيرهم نكالًا.
وكذلك شأن الشعوب حين يستعلي بعضها على بعض، وحين يظلم بعضها بعضًا. لا تنتفع الشعوب الظالمة المستعلية بما حاق بغيرها من شعوب أخرى ظلمت الناس، واستعلت في الأرض، وكانت عاقبة أمرها وبالًا ونكرًا. بل لا تنتفع بالتجارب التي خضعت هي لها في تاريخها الطويل أو القصير. وإنما تركب رأسها وتستجيب للغرور والكبرياء، وتفتنها منافعها العاجلة حتى تتورط فيما لا بد من أن تتورط فيه، فتندم حين لا يُغني عنها الندم قليلًا ولا كثيرًا.
والفرنسيون قد جرَّبوا الظلم والاستبداد في بلادهم، حين ظلمهم ملوكهم وأشرافهم فيما مضى من تاريخهم، ورأوا مَصَارِعَ الظالمين من حولهم، وذاقوا ظلم الأجنبي حين احتل وطنهم فملأه فسادًا وشرًّا.
وهم أقرأ الناس للتاريخ، وأفقه الناس لحقائقه، وأقدر الناس على استخراج عِبَرِهِ ومواعظه. ولكنهم لا ينتفعون بشيء من ذلك في سيرتهم حين يستعمرون، وإنما يملك الغرور عليهم سياستهم، فيتورطون في الخطأ بعد الخطأ، ويقترفون الآثام في أثر الآثام.
كأنما تغريهم أغلاطهم بارتكاب أغلاط أخرى أشد منها نُكرًا.
رأوا ما أصابهم في الهند الصينية حين استعلوا واستكبروا وأَبَوْا أن يسمعوا الثائرين، لا يريدون إلا العافية وإقامة الأمر بينهم وبين فرنسا على شيء من الحق والعدل والإنصاف. ثم انتهى أمرهم إلى هذه الكارثة المنكرة التي ألمَّت بهم منذ أسابيع حين طلبوا الهدنة إلى الذين لم يسمعوا لهم ولم يحفلوا بهم منذ أعوام قليلة. وهم يسيرون هذه السيرة نفسها في شمال أفريقيا، تأتيهم النُّذُر من عقلائهم وتأتيهم النذر من خارج بلادهم، ويرون مصارع الشعوب المستعمِرة من حولهم ويرون انتصار الشعوب المغلوبة من حولهم أيضًا. فتأخذهم العزة بالإثم وتشغلهم الكبرياء عن الانتفاع بالعبرة والموعظة، وتصرفهم المنافع القريبة العاجلة عن التفكير حتى في الأوليات التي لا ينبغي أن تكون موضع خلاف أو نزاع.
هم يذكرون كيف أُخرجوا من سوريا ولبنان، وهم يرون كيف دارت عليهم الدائرة في الشرق الأقصى، وهم يرون كيف اضطرت بريطانيا العظمى — وهي أقوى منهم قوة وأكثر منهم مالًا وأوسع منهم سلطانًا — إلى أن تستجيب للهند والباكستان ودول أخرى كانت خاضعة بها مُذْعِنَةً لسلطانها، فعرفت لها الحق ونزلت لها عن استقلالها طوعًا أو كرهًا. ولكن الفرنسيين على ذلك كله لا يحفلون بشيء ولا ينتفعون بما يرون من المواعظ والعبر.
ويمضون في مأساتهم هذه المنكرة في شمال أفريقيا، غير مقدرين للعاقبة ولا حافلين بالنتائج، يكررون في شمال أفريقيا خطأهم في سوريا ولبنان، وخطأهم في الهند الصينية؛ تغريهم الكوارث بالكوارث، وتدفعهم الخطوب إلى الخطوب، يقرءون في صحفهم كل يوم أن دماءهم ودماء غيرهم تُسفك في شمال أفريقيا كما سُفكت في غيرها من المواطن. فيعيدون سيرتهم القديمة ويُلِحُّونَ في إقرار النظام وإخضاع الثائرين به والخارجين عليه، والاحتفاظ بسمعة فرنسا في العالم وهيبتها أمام الشعوب يرددون نفس الألفاظ ونفس المعاني ونفس الأوهام التي طالما ردَّدُوها بالقياس إلى سوريا ولبنان وبالقياس إلى الهند الصينية، ولا يخطر على بالهم أنهم سيلقون في شمال أفريقيا مثل ما لقوا في تلك الأقطار، وأن استجابتهم للغرور واعتدادهم بالقوة واعتزازهم بالأوهام، كل ذلك لن يُغني عنهم شيئًا غدًا كما أنه لم يغنِ عنهم شيئًا في أمس القريب ولا في أمس البعيد.
والفرنسيون يُكثِرُون الكلام عن الصلة بينهم وبين الإسلام، وعن الصلة بينهم وبين المسلمين، كما أكثروا الكلام من قبلُ عن أنهم حماة المسيحية في الشرق الأقصى، وكما أكثروا وما زالوا يُكثِرون الكلام عن أنهم دعاة الحضارة وحماتها في أقطار كثيرة من الأرض، يُغرون أنفسهم بهذا الكلام الذي لا يدل على شيء.
فهم قد حلوا عن الشرق الأدنى فلم تتعرض المسيحية بعد جلائهم لخطر قليل أو كثير، وهم يُجلون عن الهند الصينية ولن تتعرض الحضارة في الهند الصينية بعد جلائهم لخطر قليل أو كثير.
وهم يُسرِفون على أنفسهم وعلى الناس حين لا يفرقون بين بلاد لها سابقتها في الحضارة ولها سابقتها في العزة والمجد — كشمال إفريقيا — وبين بلاد أخرى لا حَظَّ لها من حضارة، ولم تعرف العزة والمجد؛ لأنها لم تخرج بعدُ أو لم تكد تخرج من طور الإنسانية الأولى التي تجهل كل شيء، أو تكاد تجهل كل شيء.
ومحنة الفرنسيين في شمال أفريقيا تأتي من أنهم حين غَزَوْا تلك البلاد في غفلة من أهلها عن أنفسهم وعن حقهم، لم يقدروا أن تلك الغفلة كانت موقوتة، وأنها زائلة عن أصحابها في يوم قريب أو بعيد، فلم يكتفوا بالتسلُّط السياسي وإنما هاجر كثير منهم إلى تلك البلاد أفواجًا في إثر أفواج، فاستقروا في أرضها واستأثروا بخير ما فيها، وكوَّنوا لأنفسهم ولمواطنيهم ثراء ضخمًا وجاهًا عريضًا. وهم الآن حائرون قد اختلط عليهم كل شيء. تَنَبَّهَ الأفريقيون إلى حقهم فطالبوا به، وذكروا سابقتهم في المجد والحضارة فأرادوا إحياءها، ورأوا أرضهم وثروتهم في أيدي هؤلاء الطارئين فأرادوا أن يقوم الأمر بينهم وبين هؤلاء الطارئين على الحق والعدل والإنصاف، وألا يكونوا غرباء في بلادهم، وألا يستأثر الطارئون من دونهم بالخير كله.
فأمر الفرنسيين مختلط، ليس من اليسير عليهم أن ينزلوا عمَّا في أيديهم كله أو بعضه، وليس من اليسير عليهم أن يحتفظوا بما في أيديهم كله أو بعضه، تدعوهم المنفعة العاجلة وتدعوهم الكبرياء إلى أن يفرضوا أنفسهم فرضًا. ولا عليهم في سبيل ذلك أن تُسفك الدماء وتُزهَق النفوس وتُقتَرف الآثام، وتدعوهم الضرورة المُلجِئَة وظروف الحياة الحديثة وتنبُّه الشعوب إلى حقوقها، وإيذان الاستعمار القديم بالزوال، إلى أن يردوا إلى هذه البلاد من حقها كله أو بعضه؛ فهم مضطربون بين أمرين أحلاهما مُر وأيسرهما عسير: استعمار لا سبيل إليه ولا أمل فيه، وجلاء يشق على النفوس ويُضحَّى معه بكثير من المنافع المادية، وبكثير من الغرور الذي لا تطيب به النفوس إلا في مشقة وعناء.
وكذلك تشقى فرنسا بالصلة بينها وبين هذا الجزء من العالم الإسلامي، ويشقى هذا الجزء من العالم الإسلامي بالصلة بينه وبين فرنسا، ولا سبيل إلى أن تخلُص فرنسا من هذا الشقاء الذي تنشره في وطنها وتنشره خارج وطنها، إلا بشيء من حمل النفس على ما تكره والتضحية عن رِضًى بما لا سبيل إلى الاحتفاظ به وإقامة الأمر بينها وبين هذا الجزء من العالم الإسلامي، بل بينها وبين العالم الإسلامي كله، على المودة والصداقة والتعاون، لا على البُغض والعداء والخصام الذي لا يُغني عنها شيئًا، والذي هو مُنْتَهٍ من غير شك إلى أن يضيِّع كل شيء. -
اليوم الموعود
اليوم الموعود
طه حسين
جريدة الجمهورية
٦ أغسطس ١٩٥٤
هو ذلك اليوم القريب البعيد الذي تتعلق به النفوس وتتصل به الآمال، والذي تصبو إليه القلوب وتسمو إليه الأماني، والذي يجلو فيه آخر فوج من الجنود البريطانيين عن أرض الوطن بعد عشرين شهرًا.
هو قريب لأن عشرين شهرًا ليست شيئًا ذا خطر في حياة الشعوب، وهو بعيد لأن آمالًا كثيرة وآجالًا كثيرة تتقاصر من دونه، ولا يعرف أصحابها أيدركونه فيما قُدر لهم أن يدركوا من الأيام، أم يفوتهم فيما قدر أن يفوتهم من الأيام. في ذلك اليوم الموعود يستدير الزمن كهيئته منذ ستة وعشرين قرنًا، حين كانت مصر حرة بأوسع معاني الحرية، كريمة بأدق معاني الكرامة وأصدقها، مستقلة بأصح معاني الاستقلال وأعمقها، أمرها إليها وسلطانها خالص لأبنائها، لا يشاركهم فيه أجنبي مشاركة قريبة أو بعيدة، حين كانت مصر تقضي وحدها في كل أمورها، لا ترجع إلى عاصمة بعيدة في أعماق بلاد الفرس أو في أعماق بلاد اليونان والرومان، أو في أعماق بلاد العرب أو في دمشق أو بغداد.
ويقضي أبناء مصر وحدهم في أمورها لا يشاركهم فيها ملوك وخلفاء، قد استقروا في أرضها، وألصقوا أنفسهم بها أو ألصقتهم هي بنفسها. نعم في ذلك اليوم الموعود بعد عشرين شهرًا تشرق الشمس على مصر، فتراها كما عرفتها منذ ستة وعشرين قرنًا، حرة كريمة خالصة لأبنائها، لا ترجع في أمرها إلى سلطان أجنبي بعيد مسيطر عليها، ولا إلى سلطان أجنبي قريب مستقر فيها، وإنما يدبر أمورها أبناؤها الذين خرجوا من أعماقها وتأثروا بطبيعتها الخالصة من كل شائبة، البريئة من كل زيف. في ذلك اليوم تعرف مصر نفسها، بعد أن أنكرتها وجدَّت في طلبها، واحتملت في سبيل هذا الطلب خطوبًا في إثر خطوب، وكوارث في إثر كوارث. فقد ينبغي أن يذكر المصريون أن وطنهم لم ينسَ نفسه في يوم من الأيام، ولم يقبل الضيم من أي مصدر من مصادر الضيم، وإنما جاهد في سبيل استقلاله منذ فقدَ هذا الاستقلال، وأرهق الغزاة والغاصبين والمحتلين من أمرهم عسرًا.
يجب أن يذكر المصريون حين يظلهم ذلك اليوم الموعود أن وطنهم لم يسترح ولم يرح قط، منذ فقدَ الاستقلال في القرن السادس قبل المسيح، إلى أن استرده في القرن العشرين بعد المسيح. وإنما أنفق هذه القرون الطوال صابرًا مصابرًا ومجاهدًا معاندًا وثائرًا يشقى ويشقى مستذليه ومستغليه، حتى أتيح له أن يبلغ الغاية التي جدَّ في سبيلها، واحتمل ألوان العناء، وحمل غيره ألوان العناء ليبلغها وفي الاستقلال الحر الكريم.
إن في تاريخ مصر أثناء هذه القرون الطوال لعبرًا لمن يريد أن يعتبر، وعظات لمن يريد أن يتعظ، وعلمًا لمن يريد أن يتعلم، وحكمة لمن يريد أن يبلغ أعماق الحكمة. مصر هي الوطن الوحيد في أقطار الأرض كلها، الوطن الوحيد الذي جاهد هذه القرون الطوال، شاعرًا بالجهاد أحيانًا وغافلًا عن الجهاد أحيانًا. ولكنه مجاهد دائمًا، محتفظ بشخصيته دائمًا، مشارك في تنمية الحضارة دائمًا، مؤدٍّ حق الإنسانية عليه دائمًا، مناهض للمستذلين والمستغلين، حتى أُتيح له أن يجني ثمر جهاده الطويل الثقيل الذي ملأ التاريخ علمًا وحكمة، وملأ الأرض حضارة وثقافة.
وما أحب أن يظن القارئ أني أتمدح أو أتكثر أو أستجيب لهذه العاطفة الكريمة؛ عاطفة الحب للوطن، وإنما أنا أحقق ما أقوله كل التحقيق. وأيسر النظر إلى تاريخ مصر الطويل أثناء هذه القرون الستة والعشرين يثبت في غير شك، ولا لبس أن مصر لم تخضع قط لمستعمر إلا كارهة ثائرة حين استطاعت أن تثور، مناوئة حين لم تتح لها وسائل الثورة، وهي في أثناء ذلك مشاركة في تنمية الحضارة، ناهضة بأعظم حظ في حفظ الثقافة ونشرها وإذاعتها، منتهزة كل فرصة لتؤدي واجبها للإنسانية المتحضرة كاملًا غير منقوص.
من حق المصريين أن يحبوا وطنهم أكثر مما يحبون أنفسهم، وأن يفاخروا بتاريخه حين كان حرًّا مستقلًّا، وبتاريخه حين كان خاضعًا مستذلًّا؛ لأنه كان في هذين الطورين نافعًا للإنسانية دائمًا، ناهضًا بعبئه في غير كلل ولا ملل، وفي غير يأس ولا قنوط.
وكأن مصر قد أبت أن تبلغ الغاية التي رسمتها لنفسها، إلا على أيدي أبنائها الخالصين من كل شائبة الخارجين من أعماقها، فقد أُتيح لمصر أن تجاهد وتقارب الفوز بما كانت تريد من هذا الاستقلال الكامل الموفور، ولكنها كانت تخفق حين تقارب الغاية، كأنها كانت تشعر بأن أوان الفوز لم يؤن بعد؛ لأن أمرها لم يكن إلى أبنائها.
ما أكثر ما جاهَدَتِ الترك وقهرتهم أو كادت، وما أكثر ما جاهدت الإنجليز واستخلصت، وأرهقتهم من أمرهم عسرًا، ولكنها كانت دائمًا تقف قبل أن تبلغ الغاية، حتى إذا أزالت الملك الأجنبي عن وطنها، وثلت عرش محمد علي وبنيه، واستخلصت سلطانها لأبنائها، وردت هذا السلطان إلى الشعب كله، وعرفت أنها إن تدرك النجح يكن خالصًا لها من دون الأجنبي القريب أو البعيد؛ سعت إلى غايتها متمهلة وأدركتها مترفقة، وأصبح أبناؤها ذات يوم فإذا هم قد ظفروا في أقصر وقت ممكن بما لم تظفر به الأجيال الكثيرة في القرون الطوال.
منذ عامين شبت الثورة فأنزلت عن عرش مصر آخر ملك أجنبي، ومنذ عام واحد أعلنت الثورة أن مصر ليست في حاجة إلى العرش؛ لأنه يغري بها الطامعين ويعلق بها آمال المغامرين، وإن الخير كل الخير في أن ترد أمر الشعب إلى الشعب، فألغت النظام الملكي وأعلنت النظام الجمهوري. وفي هذا العام بلغت الثورة الناشئة التي لم يتجاوز عمرها عامين اثنين ما أرادته مصر منذ أطول الأزمان من هذا الاستقلال الخالص الكريم، وحررت أرض مصر من الاحتلال الأجنبي الذي طالما تمنينا أن يزول وطالما جاهدنا في إزالته، فلم نبلغ مما تمنينا شيئًا، حتى ظن المستيئسون أن الذل قد سُجل على مصر تسجيلًا، وحتى زعم الزاعمون أن خصال الخير والشر قد قُسمت بين أقطار الأرض، على أن تختار كل خصلة من خصال الخير القطر الذي يلائمها، فتسعى إليه وتتبعها خصلة من خصال الشر، فاختار الغنى مصر وأعلن الذل أنه سيتبعه.
فكيف بهؤلاء الزاعمين وأولئك المستيئسين لو رأوا مصر وقد احتفظت بالغنى وجددت السعي في إنمائه وإذكائه، ورفضت الذل وأقامت مكانه الإباء الأبي والعز العزيز.
في عامين اثنين حققت ثورة الجيش في مصر أمورًا جسامًا، وأحدثت أحداثًا عظامًا؛ نفت عن نفسها النظام الملكي الذي خضعت له عشرات القرون، والذي جرَّ عليها كثيرًا من الضيم وفرض على أهلها الذل والهوان في عصور مختلفة من تاريخها في القرون الوسطى. وما بالك بأمة كانت تشتري ملوكها بالمال، ثم تُجلسهم على عرشها بعد أن تُهيئهم لذلك، وتعلمهم كيف يملكون وكيف يظلمون وكيف يُرهقون سادتهم من أمرهم عسرًا، وكيف يجزونهم من الخير شرًّا ومن العرف نكرًا ومن الإحسان إساءة وبغيًا وطغيانًا.
نفت مصر عن نفسها هذا النظام في العام الأول من عامي هذه الثورة، فاستخلصت سلطانها الداخلي لأبنائها لا يشاركهم فيه أحد، ثم فرغت لمشكلاتها الخارجية فحلتها في يُسر ورفق قلَّما يعرف التاريخ لهما نظيرًا.
حلَّت أول ما حلت مشكلة السودان، فلم تستأثر به لنفسها؛ لأنها لم تُرد ذلك في يوم من الأيام، ولم تتركه للطامعين فيه يستغلونه ويستذلون أبناءه، وإنما حرصت أشد الحرص على أن تظفر له بحريته قبل أن تظفر لنفسها بحريتها، ونجحت في تحقيق ما حرصت عليه. فأنشأت في شهور قليلة حكومة وطنية في السودان؛ قوامها أبناء السودان أنفسهم يدبرون أمورهم ويقررون مصيرهم، كما يحبون هم لا كما يحب غيرهم من الطامعين والمستعمرين. ثم التفتت إلى المشكلة الخاصة بينها وبين الإنجليز، فاشتدت حين كانت الشدة واجبة، ورفقت حين كان الرفق نافعًا، ورفضت كل ما لا يلائم الكرامة ولا يحقق العزة، وأبت إباء المستيئس، وقبلت قبول الآمل، وانتهت آخر الأمر إلى النهج الكريم في هذه الأيام الأخيرة، فضمنت الجلاء في غير مغامرة، ولا مقامرة بالمستقبل ولا إنكار للماضي ولا جحود لسنتها التاريخية المجيدة في الاتصال الأكيد بحضارة البحر الأبيض المتوسط؛ تلك الحضارة التي أنشأتها ثم أذاعتها ثم شاركت في تنميتها وتذكيتها، حتى أصبحت حضارة الإنسان كله في هذا العصر الحديث.
وفي أثناء هذا كله عنيت بالإصلاح الاجتماعي، فجدَّت فيه غير وانية ولا متلكئة، فشرعت الإصلاح الزراعي لتلغي الفروق بين الطبقات، وتقر في نفوس المواطنين جميعًا أنهم إخوة ليس فيهم سيد ولا مسود، وأن ثروة مصر لم تُخلق ليستأثر بها فريق دون فريق، وإنما خُلقت لينعم بها المواطنون جميعًا كلٌّ على قدر بلائه وكفايته وجدِّه في العمل دون أن يكون في ذلك بغي أو سرف أو طغيان.
في عامين اثنين حلت ثورة الجيش ما أحاط مصر من المشكلات الخارجية المستعصية؛ فاستخلصت السودان لأهل السودان، واستخلصت مصر لأهل مصر، ووضعت أسس الإصلاح الاجتماعي الداخلي.
حققت هذا كله في أقصر وقت ممكن، بعد أن عجزت عن تحقيقه أجيال كثيرة في أزمنة متطاولة، وحققت هذا كله في رفق أي رفق وفي يسر أي يسر. لم تسفك في سبيله دمًا، ولم تزهق في سبيله نفسًا، ولم تعرِّض في سبيله مصلحة عامة أو خاصة لخطر قريب أو بعيد. فكان هذا كله مثلًا رائعًا سينتفع به العالم المعاصر من غير شك.
ولقد قلت حين شبت ثورتنا هذه إنها لن تنفع مصر وحدها، ولكنها ستنفع أقطارًا كثيرة من حولها. وإني لسعيد الآن حين ألاحظ أني لم أكن مخطئًا ولا مغاليًا؛ فقد نفعت ثورتنا السودان فردته إلى أهله بعد أن كان طعمة سائغة للمستعمر، ولم تكد تمضي اتفاق الإنجليز منذ أيام حتى اضطرت فرنسا إلى أن ترد إلى تونس جزءًا عظيمًا من حقها، فردت إليها الاستقلال الداخلي، وسترد إليها الاستقلال الكامل في يوم قريب ما في ذلك شك.
ولست أنا الذي يخترع هذه المقاربة بين ما حدث في مصر وما حدث في تونس، فقد اعترفت به الصحف الفرنسية نفسها، وكتبت جريدة الموند في تعليقها على الاتفاق الإنجليزي المصري تقول: إن هذا الاتفاق سيؤثر في المشكلة التونسية من غير شك، ثم لم نلبث إلا يومين اثنين وإذا رئيس وزراء فرنسا يطير إلى تونس ليعلن إليها أن فرنسا ترد إليها استقلالها الداخلي في صراحة لا تَحفُّظ فيها.
وسجلت الصحف الإيطالية ذلك اليوم في تعليقها على القرار الفرنسي، فقالت الكويري دلاسيرا: إن من الملاحظ أن هذا القرار جاء في إثر الاتفاق المصري البريطاني.
وأنا واثق كل الثقة بأن أثر هذا الاتفاق سيتجاوز تونس إلى مراكش، وعسى أن يكون ذلك قبل أن تنشر الجمهورية هذا الحديث.
فمصر قلب العالم العربي ما في ذلك شك، وحرية مصر أساس لحرية العالم العربي كله ما في ذلك شك أيضًا، وأنا مطمئن بعد هذا كله إلى أن حرية مصر الكاملة لن تنفع المصريين والعرب وحدهم، ولكنها ستنفع الإنسانية المتحضرة كلها.
فمركز مصر بين الشرق والغرب جدير بأن يجعلها مصدر خير كثير للشرق والغرب حين تطمئن وترضى، ومصدر شر كثير في الشرق والغرب حين تضطرب وتسخط، بشرط أن يُحسن المصريون تدبير أمورهم في حزم وعزم ورفق ومضاء. وأشهد لقد دبرت الثورة أمور مصر في حزم ورفق ومضاء، فلننتظر هذا اليوم الموعود فرحين مستبشرين ليسعد به الذين يدركونه وليرضى عنه الذين لا يُتاح لهم إدراكه، ويعلموا أن قد أتيح لهم أن يعيشوا حتى يروا وطنهم قد بلغ ما أراد وأصبح وطنًا عزيزًا كريمًا. -
بيان
بيان
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٣ يناير ١٩٤٧
هو البيان الذي ألقاه رئيس الوزراء مساء الثلاثاء في مجلس النواب عن قضية السودان؛ فأثار عاصفة من الهتاف وعاصفة أخرى من التصفيق، وأسال بعض الدموع على بعض الخدود. ثم لم يقف أمره عند هذا الحد، وإنما نشرته الصحف من الغد في كثير من الإعجاب والتقريظ، وأذاعه الراديو لا مرة ولا مرتين، بل مرات، حتى أذكرني قول الشاعر القديم:
ألهى بني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثومِ
يفاخرون بها مذ كان أولهم يا للرجال لشعر غير مسئومِ
وعزيز عليَّ أن أُغضب رئيس الوزراء، وأن أُغضب مؤيديه ومعارضيه، وأن أُغضب الصحف التي اندفعت في الثناء والإطراء إلى غير حد، ولكن الحق يجب أن يقال، وإن أغضب هؤلاء السادة جميعًا. والحق أن رئيس الوزراء لم يقل شيئًا ذا خطر. وأشدُّ من هذا إمعانًا في الحق أن رئيس الوزراء لم يصنع شيئًا إلى الآن يمكن أن نرضى به أو أن نطمئن إليه، ويمكن أن يقال إنه تقدم بمسألة السودان، لا أقول قدر خطوة ولا أقول قدر أصبع، بل أقول قدر إيمانه.
وما ينبغي أن نخدع أنفسنا بهذه الحماسة التي تثار في غير موضع للحماسة. فللجماعات حين تحيط بها بعض الظروف وتلم بها بعض الأحداث قوانينها التي تدفعها إلى الانفعال السريع، وتمعن بها في الحماسة التي لا تُغْنِي شيئًا.
وليس من شك في أن الشعب المصري تُحِيط به في هذه الأيام ظروف خاصة فيها كثير من الحرج، تجعله شديد الاستعداد لسرعة التأثر وثوران العاطفة. فما زال النقراشي باشا وصدقي باشا والإنجليز بصبر هذا الشعب حتى نفد، وما زال النقراشي باشا وصدقي باشا والإنجليز على هذا الشعب حتى استخف، وما زال النقراشي باشا وصدقي باشا والإنجليز يُطمِّعون هذا الشعب حتى يظن أنه قد بلغ المنى وحقق الآمال، ويوئسون هذا الشعب حتى يظن أن مناه قد أصبحت أبعد منالًا من الثريا، وأن كرامته قد أصبحت أهون شأنًا من الثَّرَى.
وما زال النقراشي باشا وصدقي باشا والإنجليز بهذا الشعب يطاولونه ويماطلونه ويداورونه ويناورونه حتى ضاق بكل شيء، وحتى أصبح ثائره أيسر وأسرع من كل شيء.
وكان النوَّاب حين اجتمعوا في مجلسهم يوم الثلاثاء كغيرهم من أفراد الشعب قد ضاقت صدورهم بهذا كله، ونفد صبرهم على هذا كله. وكانوا يقدِّرون — في كثير الظن — أن النقراشي باشا سيقول لهم كما تعوَّد أن يقول كلامًا غامضًا مبهمًا لا يدل على شيء إلَّا على الخوف والضعف والتهالك، فلما قال لهم كلامًا واضحًا لا غموض فيه، صريحًا لا إبهام فيه، أنكروا أنفسهم وأنكروا صاحبهم، وملك الدهش عليهم أمرهم. فاندفعت الأكفُّ بالتصفيق، وارتفعت الأصوات بالهتاف، وما هي إلَّا أن أمست الجلسة رائعة بارعة، وقيل إنها ستسجَّل في التاريخ. ونحن الذين لم يحضروا الجلسة ولم يسمعوا صوت النقراشي باشا وهو يلقي بيانه الخطير، ولم يشهدوا تأثُّر النواب وتحمسهم ثم ارتفاع أصواتهم بالهتاف واندفاع أيديهم إلى التصفيق، وإنما قرأنا البيان في هدوء ومهل، وفي تأمل وتفكير، ثم قرأنا ما يثر حوله من القول، وما كتب حوله من الفصول؛ نستطيع أن ننشد باسمين قول أبي العلاء:
تثاءب عمرو إذ تثاءب خالد بعدوى فما أعدتني الثؤباء
ذلك أن رئيس الوزراء لم يقل في بيانه شيئًا يدعو إلى التحمُّس أو يرد إلى القلوب قليلًا أو كثيرًا من الاطمئنان، وإنما أعلن إلى النوَّاب وغيرهم من المصريين أنه يشك — كما يشك غيره من أبناء الشعب منذ زمن طويل — في حسن نية الإنجليز بالقياس إلى السودان، وأنه يرى الإنجليز — كما يراهم غيره من أبناء الشعب منذ زمن طويل — طامعين في السودان، حراصًا على استعماره والاستئثار به، مجتهدين في أن يفصلوه عن مصر، ويشجعوا بعض أهله على الرغبة في الانفصال والمطالبة به والإلحاح فيه.
هذه هي الخلاصة الخالصة لبيان رئيس الوزراء. وكان يقال في قديم الزمان إن الحكم الصحيح إنما هو تعرف المستقبل والاحتياط له قبل وقوعه. وكان من الطبيعي فيما أعتقد أن يكون النقراشي باشا وأشباهه من الذين ينهضون بأمور الحكم في هذه الأيام أذكى وأفطن وأنفذ بصيرة من أن تفجأهم الحوادث، وتدهمهم الخطوب، وتأخذهم الملمات وهم لا يشعرون.
وليصدقني القرَّاء إن قلت لهم إني لا أقضي العجب من سذاجة رئيس وزرائنا إن كانت صادقة أو متكلفة؛ فكل مصري يعرف أن الإنجليز يطمعون في السودان، ويريدون أن يستأثروا به، ولم يلتقِ مصريان إلَّا تحدث أحدهما إلى صاحبه بسوء نية الإنجليز وسوء تدبيرهم في كل ما يتصل بقضية وادي النيل، سواء منها ما يمس الجنوب أو ما يمسُّ الشمال، فإذا استكشف رئيس وزرائنا آخر الأمر ما يعرفه المصريون جميعًا منذ كانت معاهدة سنة ١٨٩٩؛ فقد يحقُّ لنا أن نهنئه بهذه البراعة النادرة، وبهذه السذاجة التي إن دلَّت على شيءٍ فإنما تدل على أنه أقل الناس صلاحًا للنهوض بأعباء الحكم، فضلًا عن النهوض باستخلاص حقوق مصر من الإنجليز.
أم نرى النواب قد تحمسوا وهتفوا وصفَّقوا لأن رئيس الوزراء تحدَّث إلى السفير البريطاني بما يخامر نفسه الطيبة وقلبه السليم من الشك في حسن نية الإنجليز وبراءة سياستهم من الميل إلى فصل السودان، وإغراء السودانيين بطلب الانفصال؟! فليعذرني النواب إن قلت إنهم يسيئون الظن بالنقراشي باشا إلى أبعد ما يكون سوء الظن من الحدود.
فقد تولى النقراشي باشا وزارته هذه الثانية ليحلَّ الأزمة التي أثارها صدقي باشا حول قضية السودان، وكان من الطبيعي أن يتحدث في هذه الأزمة إلى السفير البريطاني، وإلى من هو أعلى مقامًا من السفير البريطاني، وفيمَ يمكن أن يكون الحديث إلَّا في أن سياسة البريطانيين في السودان — ولا سيما منذ ذهب صدقي باشا إلى لندرة — تدلُّ على أنهم غير مخلصين ولا ناصحين ولا صادقين؟
وإذن؛ فما الذي صنع النقراشي باشا إلى الآن؟! أو ما الذي قال النقراشي باشا إلى الآن؟! رجل تولى الحكم ليحل أزمة معقدة بيننا وبين الإنجليز، فتكلم في هذه الأزمة مع السفير البريطاني، وقال للنوَّاب بعض حديثه مع السفير؛ أي غرابة في هذا؟! وأي شيء في هذا يدعو إلى التحمس وإلى الهتاف وإلى التصفيق؟! ثم ماذا قال النقراشي باشا للسفير البريطاني آخر الأمر؟ قال له إنه ليشك في السياسة البريطانية نحو السودان؛ لأن سيرة الحاكم وتصريحاته تدل على أن الإنجليز يمكرون بمصر والسودان جميعًا. وهذا شيء تكتبه الصحف كلَّ يوم مصبحة وممسية، وطلب إليه أن تصرِّح بريطانيا العظمى بأنها لا تريد فصل السودان، ولا تعمل على تشجيع المطالبين بهذا الفصل. وهذا شيءٌ تطلبه الصحف في كل يوم مصبحة وممسية، ولا ينتظر من رئيس وزارة أن يطلب أقلَّ منه. وربما كان أهم من هذا كله أن نعرف ماذا قال السفير البريطاني للنقراشي باشا بعد أن سمع منه هذا الكلام، لم يقل له شيئًا؛ لأن النقراشي باشا أنبأنا وأنبأ النواب بأنه ما زال ينتظر ردَّ السفير. أليس من حقِّنا أن نسأل عن هذه الحماسة ما مصدرها وما معناها وما غايتها؟ أليس من حقِّنا أن نخاف أشدَّ الخوف من أن يظن بنا الإنجليز أننا أصحاب سذاجة تخدعنا الألفاظ، ويُرضينا زخرف القول، ويمكن أن نقنع بالقليل من الصيغ التي لا تقدِّم ولا تؤخِّر ولا تُغْنِي شيئًا؟!
لقد كدت أنسى أمرًا خطيرًا جدًّا، خطيرًا إلى أبعد غايات الخطورة؛ وهو هذا الحل الرائع الذي تبرَّع به النقراشي باشا من عند نفسه لمشكلة قاضي القضاة في السودان. ألم يعرض النقراشي باشا على السفير أن يُبقي قاضي القضاة في منصبه على أن تدفع مصر مرتبه؛ لتستطيع حكومة السودان أن تعيِّن بهذا المرتب موظفًا قضائيًّا كبيرًا من السودانيين؟ أرأيت أبرع من هذا الحل؟ أرأيت أمهر من هذه المهارة؟ أرأيت أفطن من هذه الفطنة؟ رئيس وزرائنا يبتدئ فيسلم للحاكم العام بما يريد، ويعرض عليه حلًّا من عنده، وهو أن تدفع مصر مرتب القاضي إن كان في دفع هذا المرتب ما يعين على حل المشكلة.
أيصدر هذا العرض عن سياسي محنك مؤمن بحقه مصمم على الاستمساك بهذا الحق، أم يصدر عن خائف واجف يريد أن يرقع الفتق قبل أن يتَّسِع، وقبل أن يظهر عليه الناس فيظنُّوا به الظنون؟
كلَّا أيها السادة، دعونا من الحماسة الثائرة والعواطف الفائرة والهتاف والتصفيق، وردُّوا نفوسكم إلى أحلامها، واذكروا قبل كل شيء أن حاكم السودان ثائر على صاحب العرش المصري الذي عيَّنه، فيجب أن يُبعد عن منصبه إبعادًا لا إمهال فيه، وأن المطالبين بالانفصال من أهل السودان ثائرون على صاحب العرش المصري الذي له في أعناقهم جميعًا — كما له في أعناق المصريين والسودانيين جميعًا — عهدٌ يجب أن يُرعى، ويجب أن يُعاقب الناكثون له والخارجون عليه.
بهذا يجب أن يطالب النقراشي باشا، وفي هذا يجب أن يُلِحَّ، وعلى هذا يجب أن يصر، ولا ينبغي له أن يرضى حتى يصل إليه، ولا ينبغي للمصريين أن يرضوا عن رئيس وزارتهم حتى يصل إليه.
وهذا كله شيء، وقصة المفاوضات بيننا وبين الإنجليز شيءٌ آخر؛ فنحن الآن أمام مشكلة طارئة هي مشكلة هذا الحاكم العام الذي يثور ويشجع على الثورة. فإذا حُلَّت هذه المشكلة وأُبعِد هذا الحاكم العام، ورُدَّ الثائرون إلى الطاعة والصواب؛ رجعنا إلى مواقفنا من المفاوضات. والنقراشي باشا يعلم حق العلم — كما يعلم الإنجليز حق العلم — ماذا يقبل المصريون وماذا يرفضون. -
هفوة …
هفوة …
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٣٠ أكتوبر ١٩٤٦
لم يكن ليتورط فيها صدقي باشا لولا أنه رجل قد تقدَّمت به السن، وألحَّت عليه العلة، وأثقلته الهموم، وطال انتظاره لهذا اليوم العظيم الذي يُحدِث فيه حدثًا خطيرًا في السياسة المصرية، ويلعب فيه دورًا ذا بال كما يقول أصحاب التمثيل. فصدقي باشا يداعب الأمل منذ أكثر من ربع قرن بأن يكون له في السياسة المصرية موقف يشبه موقف جماعة من أصدقائه وأترابه ومعاصريه.
وهو يبذل في سبيل هذا جهودًا لا تعرف كللًا ولا مللًا ولا فتورًا، ويتجشم في سبيل هذا أهوالًا ثقالًا عرَّضته لكثير من المحن.
والمصريون جميعًا يذكرون مواقفه في باريس حين كان الوفد المصري يحاول الاتصال بمؤتمر الصلح، ومواقفه في لندرا حين كان عدلي باشا يفاوض في لندرا، ومواقفه في القاهرة حين كان ثروت باشا يعمل لتصريح ٢٨ فبراير.
والمصريون يذكرون هذه المحاولات اليائسة التي حاولها حين كان رئيسًا للوزارة؛ ليتصل بوزير الخارجية البريطانية، فلما لم يستطع أن يلقاه في لندرا احتال حتى لقيه في جنيف، ثم لم يظفر منه بشيء.
هي إذن شهوة في نفسه وشهوة طبيعية، فما ينبغي أن يكون حظه أقلَّ من حظ المصريين الذين فاوضوا في القاهرة، أو في غير القاهرة من مدن الأرض.
وربما كانت هذه الشهوة الحادة الملحة هي التي دفعت صدقي باشا إلى أن يسرع إلى الحكم، حتى إذا تراءى له الحكم لم يتردد رعاية لصحته، ولم يتردد رعاية لتاريخه القديم، ولم يتردد رعاية لرأي الناس فيه، ولم يتردد لإشفاق الناس منه، وشكهم في كل ما يعمل أو يقول، لم يتردد لشيء من هذا كله؛ لأن الفرصة التي انتظرها وسعى إليها — بل جد في السعي إليها أكثر من ربع قرن — قد سنحت، فقال لنفسه: ما ينبغي أن تفلت الفرصة، فقد أُتيح لصدقي باشا كما أُتيح لعدلي، وثروت، وسعد، ومحمد، ومحمود، والنحاس أن يكون رئيسًا لهيئة تفاوض الإنجليز.
وكان صدقي باشا خليقًا أن يكتفي من الفوز الشخصي بهذا القدر، وأن يفاوض الإنجليز في القاهرة والإسكندرية، كما فاوضهم غيره من المصريين. فإن أُتيح له أن يكسب للمصريين حقوقهم، فقد أُتيح له الفوز كله، وإن حيل بينه وبين هذه الحقوق قطع المفاوضات، واكتفى بأنه لم يتخلَّف عن غيره من السياسيين المعاصرين.
وكان صدقي باشا خليقًا أن يقول لنفسه: إن أقطع المفاوضات فقد قطعها من هو خير مني، قطعها عدلي وسعد وثروت، وإن أنجح في المفاوضات فقد نجح فيها من هو خير مني، نجح فيها النحاس بعد أن قطعها مرة، ثم استأنفها مرة أخرى فأُتيح له النجاح.
ولكن صدقي باشا لا يعرف القصد ولا يحب القناعة، ولا يستطيع أن يضبط نفسه، ولا أن يرد إرادته إلى شيء من المهل والأناة، وإنما هو جامح مندفع يستجيب لشهوته، ويركب رأسه في كل ما يحاول من الأمر؛ يعنف ويسمي العنف حزمًا، ويندفع ويسمي الاندفاع شجاعة، ويمكر ويسمِّي المكر مهارة ودهاءً.
وهو من أجل ذلك لم يكد يرأس هيئة المفاوضات، حتى خُيِّل إليه أن كل شيء قد يُسِّر له، وأن الفوز قد كُتب له. وإذا هو يصبح المفاوض الأول (ولنلاحظ مسرعين أن أحدًا من الذين سبقوه إلى رئاسة المفاوضات لم يخلع على نفسه هذا الوصف)، ثم إذا هو يستأثر من دون أصحابه بهذه المفاوضات؛ حتى أحرج صدورهم وأرهقهم من أمرهم عسرًا. ثم إذا هو يشكو بأصحابه المصريين بمفاوضة الإنجليز؛ حتى يضطر فريقًا من المفاوضين إلى أن يشكُّوا فيه كل الشك، ويرتابوا به كل الريب، ويضطره إلى مواقف يملؤها الحرج، ويخرجوا بالمفاوضات من السر إلى الجهر، ومن الخفاء إلى الإعلان، يستعينون عليه بالرأي العام بعد أن أعيتهم فيه الحيل، وبعد أن حجزوا عن مسايرته في طرقه الملتوية التي كان يؤثر أن يسير فيها.
وإذا مفاوضوه الإنجليز أنفسهم يعلنون هذا الشك وهذه الريبة في البيان الذي أصدروه قبل أن يعودوا إلى وطنهم، فيقول قائلهم: إننا علمنا من أمر المفاوضات ومن آراء المفاوضين شيئًا أو أشياء غير ما سجلته لنا المذكرات المكتوبة التي قدمت إلينا. ومعنى هذا باللفظ الصريح — وهو المعنى الذي ردده مكرم باشا وغير مكرم باشا — أن صدقي باشا كان يقول للمصريين من زملائه شيئًا وللإنجليز من مفاوضيه شيئًا آخر. كان يصطنع ما يسميه مهارة ودهاءً فيمكر بأولئك وهؤلاء.
ثم لم يكتفِ بهذا كله، وإنما أبى إلا أن يبلغ بالبطولة أقصى غاياتها وأبعد آمادها، ويُبيِّن للمصريين أن زملاءه هؤلاء المفاوضين هم الذين قد حالوا بينه وبين التوفيق لكثرة ما كانوا يجادلون ويمارون، وأن المفاوضين الإنجليز أنفسهم هم الذين حالوا بين المفاوضات وبين النجاح؛ لأنهم لم يكونوا يملكون السلطان الكافي، وأنه هو صدقي باشا يستطيع أن يطير إلى لندرا، وأن يلقى المستر بيفن، وما هي إلا أن يقضي معه ساعة أو ساعات حتى يطويه طيًّا، ويلويه ليًّا، ويضعه في جيبه في غير جهد ولا مشقة، ثم يحتفظ به سجينًا في جيبه لا يخلي بينه وبين الهواء الطلق إلا أن يسلم له بكل ما تريد مصر. هنالك وهنالك ليس غير يرد إليه حريته، ويخلِّي بينه وبين الذهاب إلى نيويورك.
ولم يحفل صدقي باشا بالنذير ولا بالتحذير، ولم يسمع صدقي باشا للنصح ولا للإرشاد، وإنما طار إلى لندرا ولقي المستر بيفن، وعاد إلى مصر متحديًا خصومه، مُبشِّرًا أصدقائه بأنه قد أنجز الوعد، ووفَّى بالعهد، وأتى بالسودان حلالًا سائغًا، لا أقول لمصر كما قال، وإنما أقول لأهل وادي النيل كما ينبغي أن يقول المصريون والسودانيون جميعًا.
ولعل القارئ يذكر أني قلت منذ يومين اثنين إني أراهن من شاء بما شاء على أن صدقي باشا لم يأتِ من لندرا بشيء ذي غَنَاء. ولم يراهني أحد؛ لأن المصريين جميعًا فيما يظهر يعرفون من صدقي باشا مثل ما أعرف، وينتظرون منه مثل ما كنت أنتظر، ويصدقونه بمقدار ما أصدق. قال لهم إنه جاء بالسودان حلالًا سائغًا، فلم يؤمن له أحد؛ لأنهم تعوَّدوا منذ أعوام وأعوام ألا يؤمنوا له إذا قال.
وما هو إلا أن ينقضي يوم الأحد، ويأتي يوم الاثنين حتى يقف رئيس الوزارة البريطانية في مجلس العموم البريطاني يهدئ من روع الإنجليز الذين خافوا فيما يظهر أن يكون صدقي باشا قد قال الحق، وأن يكون السودان قد أفلت منهم، ويهدئ المصريين الذين ظن بهم السذاجة والغفلة، وخُيِّل إلى نفسه أنهم قد اطمأنوا إلى تصريح صدقي باشا، فأراد أن يجنِّبهم خيبة الأمل، وأن يحول بينهم وبين النكسة التي تعقب الثقة حين يظهر أنها كانت ثقة غير ذات موضوع كما يقول أستاذنا الجليل لطفي باشا السيد.
وقف رئيس الوزارة البريطانية، فكذَّب ما أذاع صدقي باشا من تصريح، ورد إلى الإنجليز أمنهم، وثبَّت في قلوب المصريين خوفهم، وعرف أولئك وهؤلاء أن صدقي باشا قد طار وطار وعاد صفر اليدين. لم يكسب شيئًا لوطنه، وإنما عرَّض صحته لشر عظيم، نرجو أن يكشف الله عنه غمرته؛ ليعود صدقي باشا قويًّا نشيطًا معافًى قادرًا على أن يداعب بمهارته ودهائه المصريين والإنجليز جميعًا.
كل هذه أشياء قد أَلِفَها المصريون من صدقي باشا. فهم لا ينكرون منها شيئًا، ولعلهم أن ينكروا ما يناقضها إن استطاع صدقي باشا أن يأتي بما يناقضها.
ولكن الشيء الذي يخجل له المصريون حقًّا هو أن صدقي باشا في هذه المرة قد أسرف على نفسه وعلى مواطنيه حين أسرع إلى إذاعة تصريحه قبل أن يحين الوقت لإذاعة هذا التصريح. فليس من شك في أن الإنجليز قد قالوا له: سنقبل أن تذكر سيادة التاج المصري على السودان. ولكنهم قد قالوا له من غير شك أشياء أخرى، فكان صدقي باشا خليقًا أن يضبط نفسه ويحزم أمره، ويستعين على قضاء حاجته بالكتمان، ويلتزم الصمت حتى يواجه زملاءه المفاوضين بما حمل إليهم من بلاد الإنجليز، فإن أقرُّوه أعلنه إلى الناس، وإن رفضوه رأى رأيه فقطع المفاوضات أو ألغى هذه الهيئة المشاكسة، وفرضها دكتاتورية تُمْضِي الأمر كما يريد هو لا كما يريد المفاوضون.
كان الحق على صدقي باشا أن يسلك هذه الطريق إيثارًا للعافية أولًا، ورعاية لكرامة زملائه المفاوضين ثانيًا، واحتفاظًا بالتقاليد السياسية بعد كل شيء. ولكن شهوة الفوز ملكت على الرجل أمره، فلم يحفل بزملائه الوزراء، ولم يحفل بزملائه من المفاوضين المصريين، ولم يحفل بالتقاليد السياسية، بل لم يحفل بالحق نفسه، وإنما قال شيئًا وطوى أشياء، وكان أمره كأمر الذي يتلو: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ ) … ثم يقف ولا يمضي بالآية الكريمة إلى آخرها، فيوهم الناس أن الله ينهاهم عن الصلاة، فقد قال الإنجليز لصدقي باشا فيما يظهر أنهم لم يروا بأسًا بأن تذكر سيادة التاج المصري على السودان، ولكن بشرط أن تبقى أمور السودان كلها كما هي الآن، لا ينالها تغيير قليل أو كثير، وأن يسجل المصريون على أنفسهم الاعتراف بحق السودانيين في أن يعلنوا استقلالهم متى أرادوا.
وواضح جدًّا أن صدقي باشا لم يكن يستطيع أن يذيع هذا كله؛ لأن هذا كله لا يسجل فوزًا، وإنما يسجل إخفاقًا، وإخفاقًا بشعًا شنيعًا.
وشر ما في هذا كله هو أن صدقي باشا لم يَسِرْ سيرة الرجل السياسي حين يفاوض دولة أجنبية، وحين يتَّفِق مع هذه الدولة على الاحتفاظ بسرية المفاوضات. ولذلك اضطر رئيس الوزارة البريطانية إلى أن يكذِّبه من جهة، ويلومه من جهة أخرى في مجلس العموم البريطاني، فعرَّض نفسه لهذه الإهانة القاسية، وعرَّض حكومته لنفس هذه الإهانة، ولم يُعرِّض مصر لشيء؛ لأن مصر ليست منه في شيء، ولأن الإنجليز يعلمون حقَّ العلم أنه لم يتحدث إليهم بلسان مصر، ولم يفاوضهم باسم مصر، وأن مصر تبرأ إليهم وإلى العالم كله من كل ما قال لهم ومن كل ما سمع منهم.
فهذه الهفوة التي تورَّط فيها صدقي باشا تثير في نفوسنا الاستحياء لصدقي باشا نفسه، كما تثير في قلوبنا الإشفاق على صدقي باشا. فصدقي باشا أبرع وأشد لباقة من أن يتورط في هذه الهفوة لولا أنه كما قلت في أول هذا الحديث رجل قد تقدمت به السن، وألحَّت عليه العلة، وأثقلته الهموم، واستأثرت به شهوة الفوز.
ولكن ما عسى أن يكون الموقف بعد أن انتهت الظروف بصدقي باشا إلى هذا الحرج. أمن الممكن، أمن المعقول، أمن المباح أن نلقي أعنَّة الحكم لمن لا يستطيع أن يملك أعنَّة نفسه؟ وأن تسند مصائر مصر إلى رجل قد تقدمت به السن، وألحت عليه العلة، وأثقلته الهموم؟
وإذا كان صدقي باشا لا يشفق على نفسه من تجشم الهول واحتمال الألم والتعرض للخطر، وإذا كان صدقي باشا لا يشفق على وطنه من سياسة العجز هذه التي تدفعه إليها سنه وعلته وهمومه الثقال، فقد يجب أن نشفق نحن على مصالحنا، وأن نتوسَّل إلى حضرة صاحب الجلالة أن يولِّي أمور الحكم في مصر رجلًا لم تتقدَّم به السن ولم تلحَّ عليه العلة ولم تثقله الهموم، وأن نتوسَّل إلى حضرة صاحب الجلالة الملك في أن يُعفِيَ صدقي باشا من الحكم رحمةً له، وإشفاقًا عليه، وضنًّا به على الخطر.
وقد يكون من الحق علينا أن نطلب إلى زملاء صدقي باشا من المفاوضين المصريين أن يُجنِّبوا مصر سياسة العجز والهفوات، وأن يريحوا صدقي باشا من هذا العناء الثقيل الخطر، وسبيلهم إلى ذلك واضحة ميسرة، فسيجمعهم صدقي باشا يوم السبت في بعض الروايات، ويوم الخميس في بعضها الآخر، وسيعرض عليهم ما حمله من بلاد الإنجليز، وهذا الذي حمله من بلاد الإنجليز مخالف للحد الأدنى الذي قررت كثرتهم أنها تستطيع قبوله، وهو مخالف أشدَّ المخالفة لما تستطيع مصر أن تقبله.
وإذن فالنصح للوطن، والنصح لصدقي باشا يقضي برفض ما جاء به صدقي باشا من بلاد الإنجليز، هنالك تقطع المفاوضات، وهنالك تستأنف مصر جهادها، ويفرغ صدقي باشا لصحته، ويُجنَّب المصريون هذا العناء العظيم البغيض.
وما أشك في أن المفاوضين المصريين سيستمعون لهذا الدعاء، فينقذون وطنهم من هذا الخطر، وينقذون صدقي باشا من نفسه أيضًا … -
إجماع …
إجماع …
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٢١ أغسطس ١٩٤٦
يقال: إن السادة المفاوضين قد ائتلفوا بعد اختلاف، واتفقوا بعد افتراق، وأصدروا قرارًا إجماعيًّا سيبلغ إلى الإنجليز ثم يذاع في المصريين. وقد وُصف هذا الإجماع بأنه وطني عظيم، وبأنه مطابق لأماني مصر. وقد خُيِّل إلينا حين سمعنا هذا الكلام أن السادة المفاوضين عادوا إلى الصواب بعد أن أمعنوا في الخطأ، وثابوا إلى الحق بعد أن لجُّوا في الباطل إلجاجًا. وقرروا بإجماع الآراء ألا مفاوضة مع الإنجليز حتى يقبلوا الجلاء معجلًا لا مؤجلًا، وحتى يعترفوا بوحدة وادي النيل في ظل عرش واحد هو عرش مصر وتاج واحد هو تاج مصر، وحتى يعدلوا عن هذه الشركة البغيضة وعن هذا المجلس البغيض الذي ينظم الدفاع عن مصر؛ فيلغي استقلالها إلغاءً، ويضع الأصبع الإنجليزية — بل اليد الإنجليزية كلها — في المرافق المصرية مهما تختلف ومهما تتنوع.
وفهمنا كذلك أن السادة المفاوضين قد قرروا بالإجماع ألا يقحموا مصر في مشكلات الإمبراطورية البريطانية، قريبةً كانت هذه المشكلات من مصر أو بعيدة عنها، وألا يخوضوا ببلادهم غمرات الحرب إلا حين تكون مصر المعروفة بحدودها الجغرافية معرضة للخطر المباشر القريب.
فهمنا هذا كله فرضينا وابتهجنا، ولكن رضانا وابتهاجنا لم يتصلا إلَّا دقائق معدودات. فقد فسَّر لنا المفسِّرون أن السادة المفاوضين لم يجمعوا على شيء من هذا ولا على شيء قريب من هذا، وإنما أجمعوا على الاستمساك بذلك الاقتراح الذي قدموه إلى الإنجليز، وزعموا أنه آخر ما يستطيعون أن يقدموه. وقبلوا فيه مجلس الدفاع وقبلوا فيه تأجيل المفاوضات المفصلة في شئون السودان، وحددوا فيه أمد الجلاء بعام واحد فيما يقال. وعرَّضوا فيه مصر لخوض غمارات الحرب حين تثار الحرب في البلاد المتاخمة دون البلاد المجاورة … إلى آخر هذا الكلام الفارغ الذي يقطع الشعرة أرباعًا، ويبحث عن الظُّهر في الساعة الرابعة عشرة كما يقال! لم يجمع السادة المفاوضون على خير إذن، وإنما أجمعوا على شر عظيم؛ أجمعوا على الكارثة التي تخذي مصر وتغض من قدرها وتضيِّع حقَّها وتجعلها ضحكة للعالم الغربي البعيد وللعالم العربي القريب. والناس قد يجمعون على الخير؛ فيرضون عن أنفسهم ويرضى عنهم الناس. ولكنهم قد يجمعون على الشر؛ فلا يرضى عنهم أحد. ثم يختلفون بعد ذلك: فمنهم من يرضى عن نفسه؛ لأنه لا يحفل بخير ولا بشر، ولا يحفل بأحد غير نفسه، ولا يعنيه أن يرضى الناس عنه أو يسخطوا عليه. ومنهم من ينكر نفسه أشد الإنكار، ويضيق بها أشد الضيق؛ لأن له ضميرًا يعرف الحياء ويعرف الندم، ويعرف أن النفس أمَّارة بالسوء، ويعرف أنها ضعيفة أمام بعض الظروف، فهو يذعن في النهار ويندم في الليل، وهو يأثم اليوم ويبكي غدًا، ثم يتوب حين لا تغني التوبة عن أصحابها شيئًا. وليس المهم أن يرضى السادة المفاوضون عن أنفسهم أو أن يسخطوا عليها، وأن يكون منهم الراضي ومنهم الساخط، وإنما المهم ألا يخدع المصريون عن حقِّهم، وألَّا تغرهم الأماني والآمال والدعاوى العراض تذاع في شمال الوادي وجنوبه.
فالمصريون يعرفون حقَّهم كما يعرفون أنفسهم، والمصريون يعرفون الكيد الذي يُكاد والأمر الذي يُراد. وهم يعرفون الضمائر المرنة كما يعرفون الضمائر الصلبة. وهم يفرِّقون بين الجِدِّ والهزل كما يفرِّقون بين الذين يقدمون على الجد والذين يتخذون أمور الحياة لعبًا وهزءًا. المصريون يعرفون أنهم لا يريدون مشاركةً مع الإنجليز لا في الدفاع عن مصر ولا في غير الدفاع عن شئون مصر. ويعرفون أن وحدة وادي النيل حق لوادي النيل وحق لعرش وادي النيل. فالتفريط فيها تفريط في حق الأمة وفي حق العرش جميعًا. والمصريون يعرفون أنهم لا يريدون أن يكونوا جنودًا للبريطانيين، يسفكون دماءهم للدفاع عن مصالح الإمبراطورية البريطانية في البلاد المتاخمة أو المجاورة أو البعيدة. المصريون يعرفون هذا كله كما يعرفون أنفسهم، ولا يرضون من السادة المفاوضين إلا أن يجمعوا على هذا كله لا يختلفون منه في قليل أو كثير. فأمَّا أن يجمع المفاوضون على الاقتراح الذي قدموه أو يختلفوا في هذا الاقتراح، وأمَّا أن يجمع المفاوضون على المقترحات البريطانية أو يختلفوا فيها، فسخف لا يعني المصريين في قليل ولا كثير؛ لأن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، والمصريون يعرفون ما يريدون، ولا يعنيهم أن يتورط السادة المفاوضون فيما يتورطون فيه من شبهات.
ومع ذلك فمن الإجماع ما يحزن، ومن الإجماع ما يضحك. وإجماع السادة المفاوضين على ما أجمعوا عليه أمس من هذا النوع الثاني. فهم كانوا مختلفين منذ عاد سفيرنا من لندرة، وكان اختلافهم شديدًا وكان خطيرًا إن صحت الأنباء.
فقد قيل: إن رئيس الوزراء كان يرى قبول المقترحات البريطانية التي حملها إليه السفير، وأنه بذل جهدًا غير قليل ليقنع بذلك زملاءه المفاوضين؛ فاستجاب له بعضهم وامتنع عليه بعضهم الآخر. فلما استيأس من الممتنعين وأعياه إقناع المفاوضين جميعًا؛ حاول إقناع الوزراء، فأتيح له من ذلك ما أراد، وأجابه مجلس الوزراء إلى إجماع كامل شامل يناقض بالضبط إجماع المفاوضين أمس.
وكذلك وقف مجلس الوزراء في ظل إجماع رائع، ووقف السادة المفاوضون في ظل إجماع آخر ليس أقل منه روعة. المجلس يقبل المقترحات البريطانية بالإجماع، وهيئة المفاوضين ترفضها بالإجماع، ورئيس الوزراء متفق مع المجلس في إجماعه؛ لأن إجماع المجلس لا يتم إلا باتفاقه، وهو متفق مع هيئة المفاوضات في إجماعها؛ لأن إجماعها لا يتم إلا باتفاقه.
وإذن، فهو يقبل المقترحات البريطانية ويرفضها، واجتماع الضدين مستحيل فيما يقول أرسطوطاليس، ولكن أرسطوطاليس يقول أيضًا: إن الضدين لا يجتمعان إذا اختلف المكان، فرئيس الوزراء يقبل المقترحات في مجلس الوزراء، ورئيس الوزراء يرفض المقترحات في هيئة المفاوضات. وإذا اختلف المكان أو اختلف الزمان لم يجتمع الضدان، والمكان مختلف كما ترى، وليس الزمان أقل من المكان اختلافًا. فرئيس الوزراء كان يقبل المقترحات البريطانية إلى الساعة الحادية عشرة من صباح أمس، ثم أصبح يرفض هذه المقترحات حين انتصفت الساعة الأولى بعد ظهر أمس، المكان مختلف والزمان مختلف؛ فلم يجتمع الضدان ولم يتورط رئيس الوزراء ولا وزير الخارجية في هذا المجال الذي يأتي من اجتماع الضدين. ومجلس الوزراء قابل للمقترحات البريطانية منذ جلسته الأخيرة، ولكنه سيرفضها — بإذن اللَّه — في جلسته المقبلة. سيتحقق التضامن الوزاري من جهة، وليتحقق التضامن بين المجلس وبين هيئة المفاوضات من جهة أخرى.
وإذا اختلفت العلة اختلفت النتيجة بطبيعة الحال. فقد كان مجلس الوزراء قابلًا للمقترحات؛ لأن رئيس الوزراء كان لها قابلًا، وسيصبح مجلس الوزراء رافضًا للمقترحات؛ لأن رئيس الوزراء أصبح لها رافضًا. والشيء المحقق هو أن هناك إجماعين كلاهما يَسرُّ القلوب ويُسري عن النفوس. والمصريون في حاجة إلى ما يَسرُّ قلوبهم ويُسري عن نفوسهم في هذه الأيام الشداد، التي ينذرهم فيها الفيضان بشر مستطير. فليبتهج المصريون بإجماع أمس كما ابتهجوا بإجماع مجلس الوزراء منذ أيام، وكما سيبتهجون بإجماع مجلس الوزراء غدًا أو بعد غدٍ.
صنع اللَّه لمصر! متى يأخذ الساسة أمورها على أنها جدٌّ لا لعب؟ ومتى يريحها اللَّه من هذه المغامرات؟ ومتى تجتمع كلمة الكثرة والقلة على الشيء الطبيعي الوحيد الذي لا ينبغي أن يكون فيه خلاف، وهو أن الشرط الأساسي لإمكان المفاوضات الحرة المنتجة إنما هو جلاء الإنجليز قبل كل شيء عن وادي النيل؟
هنالك — وهنالك ليس غير — نستطيع أن نفاوض الإنجليز لنحالفهم أحرارًا، فنقبل الحلف أو نرفضه. فأمَّا أن يجثم العدو على صدرك، ويضع السكين على عنقك، ويدعوك إلى مفاوضة حرة؛ فهذا هو الذي لا يكون إلَّا في مصر، ولا يعرضه إلا الإنجليز! -
ذلة
ذلة
طه حسين
جريدة صوت الأمة
١٠ أغسطس ١٩٤٦
…
هذه هي التي يعرضها علينا السادة البريطانيون، ويقال إن من المصريين من يريد أن يقبلها؛ لأنه يرى فيها العزة كلَّ العزة والإباء كل الإباء. فسيصبح من حق البريطانيين — إن أُمضيت المعاهدة المرتقبة — أن يسفكوا دماء المصريين في غير مشاورة ولا مراجعة، إن تعرض بلد من البلاد المتاخمة لمصر لخطر ما.
والأخطار كثيرةٌ جدًّا، مختلفةٌ جدًّا، متباينةٌ فيما بينها أشدَّ التباين، قد تأتي من منافسة بين الإنجليز وبين حلفائهم المنتصرين معهم الآن حول المستعمرات الإيطالية السابقة، فيكون الحق على المصريين أن يسفكوا دماءهم ويضحوا بالجهود والأموال والمرافق ليؤبِّدوا تسلط الإنجليز على برقة، وبقاءهم جاثمين على حدود مصر الغربية. وقد تأتي من إصرار البريطانيين على سياسة منكرة في فلسطين لا يرضاها العرب؛ لأنها لا تلائم حقوقهم ولا منافعهم. وقد يكون بين أمم الأرض وشعوبها من تدفعهم المروءة والنجدة إلى معونة هؤلاء العرب البائسين.
وليس من الضروري أن تكون هذه الأمة هي روسيا التي لا يذكر اسمها إلَّا مقرونًا بالشك مثيرًا للخوف؛ ففي الأرض أمم أخرى قد تعطف على العرب وقد تفكر في معونتهم إن أصرَّ الإنجليز على سياسة اللعب بالحقوق والدماء والعقول في فلسطين، وقد تكون هذه الأمم عربية لا أوروبية؛ هنالك تتعرض فلسطين للخطر في رأي البريطانيين، وهنالك يجب على المصريين أن يسفكوا دماءهم ويضحُّوا بما يملكون من جهد وقوة ليؤيدوا حلفاءهم البريطانيين، وليدافعوا عن سياستهم المناقضة لآمال العرب الهادمة لحقوقهم.
كل شيء يمكن في السياسة الدولية؛ فممكن أن تتعرض القوة البريطانية لخطر في برقة، وممكن أن تتعرض لخطر في فلسطين على النحو الذي أشرت إليه أو على غيره من الأنحاء. وواجب يومئذ أن تتحرك الجيوش المصرية المظفرة لتدافع عن مصالح الإمبراطورية البريطانية هنا وهناك، لا لشيء إلَّا لأن جماعة من المصريين يريدون فيما يقال أن يُمْضُوا هذه المحالفة الرائعة البارعة مع الإنجليز. وليس المصريون خيرًا من الهنود، وليست الدماء المصرية أذكى من الدماء الهندية، وقد سفك الهنود دماءهم دفاعًا عن الإمبراطورية البريطانية في جميع أقطار الأرض في الحربين العالميتين. فما الذي يمنع المصريين من أن يسفكوا دماءهم دفاعًا عن الإمبراطورية البريطانية في ليبيا وفي فلسطين؟ أليس من الحق على المصريين أن ينظموا الكواكب عقود مدح لحلفائهم الإنجليز؛ لأنهم لا يريدون منا أن نسفك دماءنا دفاعًا عن مصالحهم إن اعتُدِيَ عليها في بلد بعيد عن مصر؟! إنهم يؤثروننا على الهند، ويمنحوننا مزايا لم يمنحوها للهند. فهم يعلمون أننا لا نحب الغربة ولا نحب الموت في أرض الغربة، وهم من أجل ذلك يقبلون أن يموت أبناؤنا دفاعًا عنهم قريبًا من أرض الوطن. ألست توافقني على أنهم يمنحوننا من الفضل ما يستحقون من أجله أن نُمْضِي المعاهدة شاكرين؟
أمَّا المعاهدة التي أمضيناها منذ عشر سنين، فقد بعد بها العهد حقًّا، وأصبحت غير ملائمة للظروف لا بالقياس إلى مصر، فظروف مصر لا تعني البريطانيين من حيث إن مصر مركز من مراكز الدفاع الإمبراطوري ومورد من موارد هذا الدفاع.
فأمَّا حب المصريين للجلاء وطموحهم إلى الاستقلال بشئون أنفسهم، فآمال حلوة وأماني خلابة للمصريين أن يحلموا بها نيامًا وأيقاظًا، وأن يتحدثوا بها حين يسبغ الله عليهم الصحة فرحين لمحنتهم بالمرض، فللصحيح أن يهذي كما يهذي المحموم.
المعاهدة القديمة إذن لا تلائم ظروف الإنجليز؛ فقد أثبتت التجربة أن الإنجليز لم يرسلوا جنودًا مصريين لطرد الإيطاليين والألمان من ليبيا ومن أفريقيا الشمالية؛ فيجب أن تُتِيح لهم المعاهدة الجديدة هذه المزية، وأن يستبقوا مزايا المعاهدة القديمة للانتفاع بها حين تتعرض مصالحهم للخطر في بلد آخر من بلاد الشرق الأوسط أو القريب، إذا تعرضت مصالحهم للخطر في تركيا أو في إيران مثلًا؛ وجب على مصر أن تضع مرافقها كلها تحت أمرهم المطاع، وشيء خير من لا شيء.
والاستعمار البريطاني يجب أن يسعى في هذه الأيام سعيًا هادئًا، وأن يخطو خطوات معتدلة. ظفر من مصر في المعاهدة القديمة بالمعونة التي لا تستتبع إعلان الحرب حين تعلن بريطانيا العظمى الحرب أو حين تُعْلَن عليها الحرب، وسيظفر من مصر في المعاهدة الجديدة — إذا أراد صدقي باشا — بإكراه مصر على الاشتراك فورًا في الحرب في بعض الظروف، وعلى المعونة المسالمة أو المحاربة في بعضها الآخر.
ثم يقال بعد ذلك إن السياسة البريطانية فقدت ما كانت تمتاز به من اللباقة والدهاء. كلا لم تفقد السياسة البريطانية شيئًا من لباقتها ودهائها، وإنما الذي أخشاه كل الخشية أن تكون الوطنية المصرية قد فقدت شيئًا من استئثارها بكل القلوب، ومن ثقتها بالحق الكامل في الاستقلال الكامل، ومن إيمانها بالقدرة على اكتساب هذا الحق. وليس أدلَّ على ذلك من أن بعض المصريين — فيما يقال — يريد أن يُمْضِي هذه المعاهدة، وأن يتيح للإنجليز هذا الفوز، ويسجِّل على المصريين هذا الذلَّ، ويحتِّم عليهم بحكم المعاهدة أن يَنْفِرُوا إلى الحرب خفافًا وثقالًا حين يريدهم الإنجليز على أن ينفروا إليها خفافًا وثقالًا.
وكان المصريون يؤمنون بأن السيادة على السودان كالسيادة على مصر لأهل وادي النيل ممثلة في العرش المصري الذي هو عرش وادي النيل. وكان الإنجليز أنفسهم يزعمون أنهم شركاؤنا في الإدارة لا في السيادة! فقد تغيرت الحال وتقدَّم الإنجليز خطوة أخرى، وقبلها منهم بعض المصريين فيما يقال، فهم لا يقرون السيادة الواحدة في الوادي الواحد تحت التاج الواحد، وإنما يريدون أن يقسِّموها سيادتين: إحداهما لمصر ينتقصونها هم بمشاركتهم في الدفاع، والأخرى تظل أمانة لا أدري في أيديهم وحدهم أم في أيديهم وأيدي قوم غيرهم من الناس أو من الشياطين.
والمهم هو أنهم ينكرون على وادي النيل وحدة السيادة على نفسه، ويأبون إلَّا أن يجزِّئُوها ويشاركوا فيها مشاركة استئثار في السودان ومشاركة النِّدِّ للنِّدِّ في مصر. ويوجد بين المصريين من يقبل منهم هذا، ويريد أن يسجِّله لهم تسجيلًا، وأن يوقعه لهم بخطه الكريم. والغريب أن الإنجليز يحتملون الهول كلَّ الهول للدفاع عن سيادة الإمبراطورية المصطنعة، ويأبون كلَّ الإباء أن يدافع وادي النيل عن سيادته الطبعية في أرضه وعلى شاطئ نهره الذي كان كريمًا على نفسه وعلى الناس، فَهَانَ أمره الآن على نفسه وعلى الناس.
أمَّا قصة الدفاع المشترك فعجب من العجب، وما ينبغي لنا أن نعجب من شيء ما دام بيننا من يستطيع أن يقبل المعاهدة، وأن يمضيها، وأن يسجل علينا الذل والهوان أعوامًا طوالًا. والناس يقرءون في كل يوم من غير شك أن روسيا تطلب إلى تركيا تنظيم دفاع مشترك بينهما عن المضايق، فيأبى الترك كلَّ الإباء أن يذعنوا لهذا الطلب، أو يناقشوا فيه، ويؤيدهم الإنجليز في هذا الموقف الكريم، ويُظْهِرون استعدادهم لإعلان الحرب تأييدًا للاستقلال التركي وحماية له من هذا الدفاع المشترك البغيض.
وليست قناة السويس بأقلَّ خطرًا من المضايق، وليست مصالح الإنجليز فيما وراء القناة بأعظم قدسية من مصالح الروس فيما وراء المضايق. ولكن الدفاع المشترك إثم وإجرام وانتهاك للحرمات إذا طلبته روسيا من تركيا، وهو حق وعدل وتثبيت للاستقلال إذا طلبته بريطانيا العظمى من مصر. وليس في ذلك شيء من الغرابة؛ فروسيا تحتل تركيا وبريطانيا تحتل مصر. وليس في تركيا وزراء ولا مفاوضون يحبون إجابة روسيا إلى ما تريد، وفي مصر وزراء ومفاوضون قليلون أو كثيرون — لا أدري — يحرصون على إجابة بريطانيا العظمى إلى ما تحب.
وفي تركيا شعب يستأثر بالسيادة في أرضه لا يشاركه فيها أحد ولا يغلبه عليها أحد، وفي مصر شعب قد وضعت كثرته على الرفِّ واستأثرت بالأمر من دونه قلة ضئيلة يبلغها الإحصاء في غير عناء. فهي تأمر وتنهى وهي تُبْرِم وتَنْقُض، وهي تفاوض البريطانيين في مصير الشعب، بعد أن حرمت هذا الشعب حقه الطبيعي اليسير في أن يكون حرًّا يُعْرِب عما يريد وعما لا يريد.
فأي غرابة إذن في أن يكون الدفاع المشترك جريمة إن طلبه الروس وحقًّا وخيرًا وعدلًا إن طلبه الإنجليز؟!
كذلك أراد الله، وإذا أراد الله شيئًا فلا مردَّ له؛ فليس على المصريين إلَّا أن يبتهلوا إلى الله في مساجدهم وكنائسهم ومعابدهم أن يرفع عنهم هذا الذل الذي تُنذِرهم به المفاوضات، كما يبتهلون إلى الله في مساجدهم وكنائسهم ومعابدهم أن يرفع عنهم هذا الدمار الذي ينذرهم به طغيان النيل. والغريب أن المصريين لا يملكون حتى هذا الابتهال إلى الله؛ فوزراؤهم متضامنون مع رئيس الوزراء في قبول المعاهدة، ولن يؤذن للمصريين بأن يبتهلوا إلى الله في المساجد والكنائس والمعابد لشيء يكرهه رئيس الوزراء.
وإذن فليبتهل المصريون إلى الله فيما بينهم وبينه في دخائل نفوسهم وأعماق ضمائرهم، وليسرعوا، فمن يدري؟ لعل رئيس الوزراء أن يبتكر وسيلة يتسلَّط بها على أعماق الضمائر ودخائل النفوس. -
في السودان
في السودان
طه حسين
جريدة البلاغ
١٨ أبريل ١٩٤٦
من حق المفاوضين المصريين والإنجليز الذين سيبدءون مفاوضتهم بعد أيام، والذين سيُمهِّدون لها منذ اليوم حين يلتقون على مائدة العشاء في السفارة البريطانية، من حق هؤلاء المفاوضين أن يبتهجوا كل الابتهاج؛ لأن الحاكم العام للسودان قد حطَّ عنهم عبئًا ثقيلًا، وأراحهم من مشكلة خطيرة، وضمن لهم أن مفاوضاتهم ستكون يسيرة قصيرة، لا تحتاج إلى أخذٍ وردٍّ، ولا إلى جدالٍ ومراءٍ؛ فقد حلَّ حاكم السودان مشكلة السودان قبل أن تبدأ المفاوضات، وكفى الله المصريين والإنجليز عناء البحث والدرس، ومشقة التنقيب والتمحيص.
وقد قرأ المصريون والسودانيون خطبة الحاكم العام في المجلس الاستشاري، وقرأها الإنجليز كذلك، وعرفوا جميعًا أن الحاكم العام قد قرر أن أمر السودان لن يُقطع فيه برأي حتى يُستفتَى إخواننا السودانيون بالطرق الدستورية. وقرر كذلك أن عشرين سنة على الأكثر لن تمضي حتى يكون السودان دولة مستقلة يختار مصيره الذي يريده، وينهض بتدبير شئونه كلها، مستعينًا على ذلك ببعض الخبراء من غير السودانيين. ومعنى ذلك أن السودان لن يكون موضوعًا لمفاوضات مجدية في هذه المرة، إلَّا إذا كان الغرض من هذه المفاوضات إقناع الهيئة المصرية بهذا الرأي البريطاني الذي يحتم الاستفتاء من جهة، ويحدد أجلًا للاستقلال السوداني التام من جهة أخرى.
ويجب أن ننصف الحاكم العام للسودان، فهو لا يقول هذا الكلام الذي قاله من عند نفسه، وأنه يعتمد من جهة على تصريحات المستر بيفن، وزير الخارجية البريطانية، ويعتمد من جهة أخرى على المذكرة المصرية التي أرسلها النقراشي باشا، إلى الحكومة البريطانية، وسجَّل فيها رأي الحكومة المصرية في أن تستوحي أماني السودانيين في تقرير مصير السودان.
فالحاكم العام يعبر إذن عن رأي الحكومتين اللتين يمثلهما في منصبه، ولكن المهم هو أن نعلم إلى أي حد يعبر رأي الحكومتين عن ميول المصريين والسودانيين، وعما يؤمنون به فيما بينهم وبين أنفسهم. وقد أنكر المصريون جميعًا على حكومة النقراشي باشا ضعف مذكرتها جملةً وتفصيلًا، وعابوا عليها طريقة عرضها لمسألة السودان في مذكرتها، وطلب الوفد المصري حسب هذه المذكرة التي اعتبرتها كارثة وطنية كبرى.
وليس من شك في أن المصريين قد أقروا وفدهم على ما طلب، ولكن النقراشي باشا لم يحفل بمعارضة الأمة المصرية، ولا باحتجاج الوفد الرسمي؛ لأنه كان يعتقد أن العناية الإلهية قد ألقت عليه أعباء الحكم، ووكلت إليه مصر والسودان، فكانت مذكرته إذن وحيًا من هذه العناية الإلهية لا يصح أن تنقد، ولا ينبغي أن تكون موضوعًا للاعتراض، ومن ذا الذي يستطيع أن يعترض على ما تلقيه العناية الإلهية في روع بطلها المختار حضرة صاحب الدولة، محمود فهمي النقراشي باشا.
مهما يكن من شيء، فقد سجل النقراشي باشا على حكومته هذه النظرية السخيفة، نظرية الاستفتاء، وهو لم يسجلها عفوًا، وإنما مهَّد لها تمهيدًا متصلًا طويلًا؛ فقد أرسل رسولًا إلى لندن كما كان الرئيس روزفلت يرسل رسلًا إلى عواصم الدول الكبرى، وأذاع رسوله ذاك في لندن أحاديث لم ينسها الناس بعدُ، ولم ينسوا ما أثارت من سخط، وكان مما أذاع في هذه الأحاديث الدعوة إلى هذه البدعة السخيفة؛ بدعة الاستفتاء.
ومع أن المصريين — على اختلافهم — قد نبهوا إلى خطر هذه البدعة وحذروا الحكومة من شرها؛ فإن النقراشي باشا لم يُرِد أن يتنبه ولا أن يحذر، وإنما أصرَّ على هذه البدعة إصرارًا؛ لأنها كما قلت قد كانت وحيًا ألقته العناية الإلهية في قلبه الكبير.
وليس الغريب أن النقراشي باشا قد سجَّل هذه البدعة في مذكرته، وإنما الغريب أن الإنجليز حين ردُّوا على مذكرة النقراشي باشا لم يحفلوا بتسجيله لهذه البدعة، ولم يريدوا أن يعيدوا تسجيلها في مذكرتهم، وإنما أخذوا علمًا — كما يقولون — بأن الحكومة المصرية تريد أن تتحدث في أمر السودان. ومعنى هذا أن النقراشي باشا قد أرضى الإنجليز قبل المفاوضات وأعطاهم من أمر السودان ما كانوا يريدون أن يأخذوا، وما كانوا يقدرون أنهم لن يأخذوا إذا حزم المصريون أمرهم، ووكلوا أمور سياستهم مع الإنجليز إلى الذين يحسنون الثبات للإنجليز، ويعرفون كيف يستخلصون منهم الحقوق. أعطاهم النقراشي باشا ما أرادوا أن يأخذوا من أمر السودان، فمهَّد لقصة الاستفتاء، ثم سجَّل هذه القصة في مذكرته، وأخذ الإنجليز علمًا بهذا التسجيل، وبلغوا ذلك للنقراشي باشا، فقبله واطمأن إليه.
وكان المعقول بعد أن استقالت وزارة النقراشي باشا ونهض صدقي باشا — شفاه الله — بأعباء الحكم أن تسترد الحكومة الجديدة مذكرة الحكومة السابقة، وأن تغير أساس المفاوضات، ولا سيما وقد كان صدقي باشا منكرًا لهذه المذكرة، ومنكرًا للرد عليها. صرَّح بذلك في أحاديثه، وسجَّل ذلك في مقالاته التي نشرتها الصحف، ولكنه لم يسترد المذكرة ولم يُغيِّر أساس المفاوضات، وصرَّح كما صرَّح النقراشي باشا من قبله بأنه سيدخل المفاوضات حرًّا من كل قيد.
وقد حذَّره المُحذِّرون من أن هذه التصريحات لا تغني شيئًا مع الإنجليز ما دامت هناك مذكرات مكتوبة تقيد حرية المفاوضات، ولكنه لم يحفل بذلك ولم يلتفت إليه. ولما طلب إلى الوفد المصري أن يشارك في المفاوضات أبى الوفد المصري هذه المشاركة إلَّا إذا كتبت الحكومة المصرية إلى بريطانيا العظمى مذكرة تحرر نفسها فيها من مذكرة النقراشي باشا والرد عليها. فلم يقبل صدقي باشا هذا الطلب، ولم يرد أن يناقشه، وإنما اكتفى بما صرح به هو، وبما صرح به النقراشي باشا من قبله للمصريين بأن المفاوضات ستكون حرة من كل قيد.
وقد أُلِّف الوفد الرسمي للمفاوضات، وصرَّح بعد ذلك وزير الخارجية البريطانية برأيه في السودان، وهو يطابق رأي الحاكم العام، فثارت الصحف وأنكرت واحتجت، ولكن صدقي باشا لم يقل شيئًا، لم يثر، ولم ينكر، ولم يحتج، وإنما آثر الصمت وأغرق فيه. وقد سأل الصحفيون أستاذنا وزير الخارجية عن رأيه في هذا التصريح فأجاب بأنه يدرسه، ولم تعرف نتيجة درسه إلى الآن.
وقد قرأ المصريون أن السفير البريطاني قد سافر إلى وادي حلفا، ولقي هناك الحاكم العام للسودان، ثم عاد إلى القاهرة. وها نحن أولاء نقرأ اليوم خطبة الحاكم العام التي ألقاها في المجلس الاستشاري، ورأيه في مصير السودان، وأكبر الظن أنه قد أظهر السفير البريطاني على هذا الرأي قبل أن يذيعه، وأكبر الظن أن السفير البريطاني قد أذن له في إذاعته، والسفير البريطاني لا يمثل حكومته في مصر فحسب، ولكنه عضو في الوفد البريطاني للمفاوضات.
وما أظنني في حاجة إلى أن أتعمق هذا الموضوع، وإنما يكفي أن أقول: إني كنت أودُّ كما كان المصريون جميعًا يودُّون لو لم يلق الحاكم العام خطبته هذه بعد مقابلة السفير.
على أن هناك سؤالًا يجب أن يلقيه المصريون على صدقي باشا أولًا، وعلى أنفسهم ثانيًا، فهل استشار الحاكم العام رئيس وزارتنا المصرية في خطبته هذه قبل إلقائها، فالحاكم العام لا يمثل البريطانيين وحدهم، وإنما يمثل المصريين أيضًا، وهو موظف مصري يعين بمرسوم ملكي مصري، ويجب أن يصدر في أعماله كلها عن إرادة الحكومتين ورأيهما، لا عن إرادة حكومة واحدة أو رأيها. فإحدى اثنتين: إمَّا أن يكون الحاكم العام قد صدر عن رأي الحكومة المصرية حين قال ما قال، وإذن فقد عرف رأي الحكومة المصرية في مسألة السودان، وهو مخالف كل المخالفة لوحدة وادي النيل التي أجمع عليها المصريون والسودانيون، وأنا واثق بأن الحكومة المصرية لم تعلن رأيها بعدُ، ولم تخرج على إجماع المصريين. وإذن فهي الثانية، وهي أن الحاكم العام لم يستشر الحكومة المصرية ولم يصدر عن رأيها، وإنما استشار الحكومة البريطانية، واعتمد على مذكرة النقراشي باشا بعد أن فهمها كما أراد أن يفهمها، وبعد أن فسرها التفسير الذي يلائم هواه.
وإذن فما جزاء الموظف الكبير الذي يخالف عن أمر الذين وظفوه، ويخلق لهم المصاعب، ويثير أمامهم المشكلات، جزاؤه بسيط جدًّا: هو أن يستقيل أو يُقال. ولكن الحاكم العام للسودان لن يستقيل ولن يُقال؛ لأنه لا يمثل صدقي باشا وحده، وإنما يمثل المستر بيفن أيضًا. والمستر بيفن وزير الخارجية البريطانية، ولبريطانيا العظمى جيوش ضخمة في مصر والسودان ما تزال ترابط في القاهرة والإسكندرية والخرطوم وغيرها من المدن.
فصدقي باشا ضعيف بالقياس إلى المستر بيفن، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يقيل الحاكم العام، ولا أن يحمله على الاستقالة. والغريب مع ذلك أننا سنبدأ مفاوضات حرة من كل قيد تقوم على أساس المساواة بين الندَّين.
ألا يرى المصريون أن في هذا كله فكاهة مرة تملأ القلوب حزنًا وألمًا، وترسم على الثغور ابتسامًا خير منه العبوس؟!
ألا يرى المصريون أن حكومات القلة أضعف وأعجز من أن تغني عنهم شيئًا؟! حكومة النقراشي باشا تبتدع نظرية الاستفتاء، وحكومة صدقي باشا لا تستطيع أن تلغي هذه النظرية السخيفة، والشعب المصري يقول ويقول ويلح في القول كل الإلحاح، فلا يسمع له صدقي باشا كما لم يسمع له النقراشي. ثم يأتي الحاكم العام للسودان فيعلن أن مصير السودان لن يتقرر إلَّا بعد الاستفتاء من جهة، وأن استقلال السودان التام سيتحقق بعد عشرين سنة.
كما يحب المصريون أن يعرفوا موقع هذا التصريح في نفس رئيس وزرائنا، وفي نفوس أعضاء الوفد الرسمي للمفاوضات. أمَّا موقعه في نفوس المصريين فما نظنه يحتاج إلى بيان، ولكن من ذا الذي يحفل بالمصريين؟ إن عليهم أن يسمعوا ويطيعوا، وإن عليهم ألَّا يخلقوا المصاعب ولا يثيروا المشكلات أمام صدقي باشا حتى لا تتعرض المفاوضات للإخفاق.
ليت صدقي باشا يقول مثل هذا الكلام للبريطانيين، فإن المفاوضات تجري بين طرفين، فليس من العدل أن يفرض على أحد هذين الطرفين ما لا يفرض على الطرف الآخر، ليت صدقي باشا يطالب الإنجليز في إباء يصور الكرامة المصرية بأن يشاركوه لوم الحاكم العام، وفي إقالته إذا أبى أن يستقيل. -
مجلس الخوف …
مجلس الخوف …
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٧ أبريل ١٩٤٦
كلمة قالها أحد الأصدقاء حين عرضنا للحديث عن هذا المجلس الذي ينعقد الآن في نيويورك، والذي أزعج نفسه وأزعج العالم وقتًا غير قصير حين كان يدرس قضية إيران.
وليس أدل من هذه الكلمة وانطلاق الألسنة بها عفوًا دون تهيُّؤٍ لها أو تفكير فيها على الشعور العام الذي تثيره المشكلات الدولية في هذه الأيام. وقد تكون هناك كلمة أخرى تنطلق بها الألسنة كذلك عفوًا دون تهيُّؤ لها أو تفكير فيها، وتدل على نوع آخر من الشعور العام الذي تثيره المشكلات الدولية في هذه الأيام، وهي «مجلس التمثيل»، فالواقع من الأمر أن الناس ينظرون إلى مجلس الأمن نظرتين مختلفتين: نظرة فيها كثير من الجد، ونظرة فيها كثير من العبث، وعن هاتين النظرتين المختلفتين ينشأ نوعان من الشعور كلاهما يثير القلق، ولكن أحدهما عابس، والآخر باسم تشيع فيه السخرية وعدم الاكتراث.
فقد انتظر الناس من مجلس الأمن أكثر مما يستطيع أن يعطيهم، فلما تعرض للتجربة وثارت أمامه المشكلات خابت آمال الناس فيه، وكان لخيبة الأمل هذه صدًى يختلف باختلاف الأمزجة والميول، فقوم يتشاءمون فيملكهم الخوف؛ لأن مزاجهم يدعوهم إلى التشاؤم، وقوم يتفاءلون فتطمئن قلوبهم إلى الثقة وانتظار المستقبل، وقوم يسخرون من كل شيء، ويكتفون بالساعة التي هم فيها فيضحكون من الأنباء التي تزعج غيرهم من الناس.
وقد يحب الرجل الذي يؤثر الرَّويَّة والتفكير، ويفضل الريث والأناة، أن يتبين الموقف الدقيق الصحيح لمجلس الأمن، وأخشى أن يكون تفكيره مخيبًا للآمال حقًّا.
فهذه القصة الإيرانية مأساة مؤذية للنفوس بالقياس إلى إيران، ولكنها ملهاة مسلية بالقياس إلى الذين ينظرون في شيء من الفلسفة في السياسة العالمية الحاضرة.
كان الحلفاء محتاجين إلى إيران فاحتلوها، وأعطوا إلى أنفسهم عهودًا ومواثيق أن يجلوا عنها إذا انتهت الحرب، فلما انتهت الحرب تبين أن حاجتهم إليها لم تنقض، وأنهم سيظلون محتاجين إليها وقتًا طويلًا؛ لأنها تملك منابع غزيرة للبترول، ولأن فيها للأقوياء منافع أخرى لا تكاد تُحصَى. وكان بعض الحلفاء قد احتاطوا لأنفسهم قبل الحرب، وضمنوا منافعهم، فاستولوا على منابع البترول هنا وهناك، ونظموا الصلات السياسية والاقتصادية والعسكرية أيضًا مع إيران؛ لأنهم كانوا منتصرين بعد الحرب العالمية الأولى، ولأنهم لم يتعرضوا للثورات التي تشغلهم بأنفسهم، فلما انقضت الحرب العالمية الثانية كان جلاؤهم عن إيران، ووفاؤهم بالعهود سهلًا يسيرًا، فجلوا ولم يتلكئوا في الجلاء، وكذلك لم يأت اليوم الثاني من شهر مارس حتى كان البريطانيون قد جلوا عن إيران، وكان الأمريكيون قد سبقوهم إلى الجلاء؛ لأن أولئك وهؤلاء ضمنوا مصالحهم، واستوثقوا لمنافعهم منذ وقت طويل.
فأما الحلفاء الآخرون فقد شغلتهم الثورة بين الحربين، فلم يتجاوزوا حدودهم، ولم يبسطوا أيديهم إلى ما وراء هذه الحدود، ثم انتصروا في الحرب العالمية الثانية، كما انتصر البريطانيون والأمريكيون، فطمعوا في أن يتجاوزوا حدودهم بعض الشيء، وفي أن يبسطوا أيديهم إلى ما وراء هذه الحدود، فتكون لهم منابع بترول في إيران كحلفائهم البريطانيين والأمريكيين.
ولكنهم انتصروا بعد أن تقرر العدل، واستقر الإنصاف في الأرض، وضمن العالم للأمم الصغيرة سيادتها واستقلالها، فطالبوا بالمنافع بعد أن فات الأوان، وقصدوا إلى التوسع بعد أن انقضى عهد التوسع، وكان الظلم جائزًا قبل الحرب العالمية الثانية، فأصبح محرمًا بعد هذه الحرب، وكان استغلال النفوذ الدولي مباحًا إلى سنة ١٩٤٥، فلما تقدمت هذه السنة أصبح استغلال النفوذ السياسي الدولي شيئًا بغيضًا، وأمرًا محظورًا؛ ولذلك لم يعترض أحد على تحقيق المصالح البريطانية والأمريكية في منافع البترول الإيرانية؛ لأن هذا كله قد كان قبل أن يطلع فجر العدل، ويغمر الأرض نوره الساطع الجميل، والناس كلهم يعترضون على محاولات روسيا؛ لأن روسيا تبذل هذه المحاولات بعد أن أشرق نور العدل، وطُرد الظلم من الأرض طردًا شنيعًا.
والغريب أن الروسيين، وهم قوم أذكياء يعيبون على بريطانيا احتلال مصر وفلسطين وشرق الأردن، وينسون أن بريطانيا العظمى لم تحتل هذه البلاد بعد أن أُنشئ ميثاق سان فرانسيسكو، وإنما احتلتها واحتلت غيرها من أقطار الأرض قبل أن ينشأ هذا الميثاق بأوقات تختلف قصرًا وطولًا، فاحتلالها إذن لا غبار عليه، ولا مطعن فيه؛ لأنه وقع في عصر الجاهلية حين كان الظلم جائزًا والعدوان مباحًا.
وكان أصحاب السذاجة والقلوب السليمة البريئة يظنون أن نور العدل سيمحو ظلمة الجور، سواء أكانت هذه الظلمة قديمة أو جديدة، وكانوا يعتقدون أن نور العدل هذا سيمنع الظلم من أن يقع، وسيمحو الظلم الذي وقع، فيرد إلى الأمم المظلومة حقها في الحرية والسيادة والاستقلال، ويمنع الأمم الكبيرة من أن تسوم الأمم الصغيرة ظلمًا جديدًا.
ولكن تبين أن هذا كله وهم من الوهم، وأن ما فات قد فات، والمهم هو ألا يحدث ظلم جديد، فأما بقاء الظلم القديم فشيء طبيعي لا غبار عليه. هذا بالضبط هو موضع الخلاف بين الروسيين وحلفائهم البريطانيين والأمريكيين، وقد كان هذا بالضبط موضع الخلاف بين الألمانيين والإيطاليين من جهة، وأعدائهم الديمقراطيين من جهة أخرى.
سبقت الدول الديمقراطية إلى الاستعمار، وجاءت ألمانيا وإيطاليا متأخرتين، فحاولتا أن تأخذا بحظهما من هذا النهب المقسم الذي يُسمى الأمم الصغيرة، فكانت الحرب العالمية الأولى، وكانت الحرب العالمية الثانية، وضاعت بين الحربين عصبة الأمم، وسبق البريطانيون والأمريكيون إلى تحقيق المصالح، وضمان المنافع، بينما كانت روسيا مشغولة بثورتها، فلما همَّت روسيا أن تلحق بحليفتيها قال لها مجلس الأمن حجرًا محجورًا.
وليس من شك في أن روسيا همَّت بظلم إيران، وأكبر الظن أنها لا تتحرج من أن تظلم دولًا أخرى ضعيفة كإيران، وليس من شك في أن مجلس الأمن يحسن كل الإحسان إن استطاع أن يمنع روسيا من ظلم هذه الدولة أو تلك، ولكن ليس من شك أيضًا في أن مجلس الأمن يحسن كل الإحسان إن استطاع أن يرد الدول الكبرى المستعمرة عن الاستعمار، ويكفل للأمم الصغيرة حقها الكامل في السيادة والاستقلال.
وقد عني مجلس الأمن بمسألة إيران حين كان مجتمعًا في لندرة، فلم يستطع أن يصنع شيئًا، واضطر إلى أن يكل الأمر إلى الدولتين المختصمتين أن تحلاه بالمفاوضات، وهنا ظهرت مشكلة شديدة التعقيد، ولكن تعقيدها مضحك حقًّا.
فهل انتهت المفاوضات إلى الاتفاق بين روسيا وإيران؟ قالت روسيا: نعم، وقالت إيران: لا. والغريب أن هذا كله قيل لمجلس الأمن، ووقف مجلس الأمن حائرًا لا يدري؛ أيصدق الظالم أم يصدق المظلوم! ووقف العالم نفسه حائرًا أيضًا لا يدري؛ أيصدق الظالم أم يصدق المظلوم! وفي أثناء ذلك غضبت روسيا، وامتنعت عن شهود مجلس الأمن، وفي أثناء ذلك رضيت إيران، وحضر ممثلها مجلس الأمن.
وفي أثناء ذلك، صدر النذير من هنا وهناك، فخاف من خاف، وقلق من قلق، وسخر من سخر، ثم أمسى الناس يوم الأربعاء الثالث من شهر أبريل، وإذا الأمور قد انتهت إلى حل غريب مريب. كانت روسيا تطالب بالتأجيل إلى العاشر من شهر أبريل، وكانت بريطانيا وأمريكا تمانعان في التأجيل أشد الممانعة، فلما كان يوم الأربعاء أُجِّلت القضية إلى السادس من شهر مايو، فكسبت روسيا وقتًا أطول من الوقت الذي كانت تريده، وإيران نفسها هي التي حددت هذا اليوم السادس من شهر مايو. ومن الحق أن روسيا صرَّحت بأنها ستجلو عن إيران بلا شرط ولا قيد، ولكن من الحق أيضًا أنها صرَّحت بذلك في لندرة، كما صرَّحت بما يناقضه بين اجتماعي مجلس الأمن.
والشيء الذي لا شك فيه هو أن مجلس الأمن قد انتصر، ولكن على نفسه لا على روسيا، ضبط نفسه، وحزم أمره، واتقى الوصول إلى نقطة حرجة لا مخرج منها، وسعى المُوفِّقون بين المختصمين، فقالت روسيا ما قالت، وطلبت إيران ما طلبت، وأُجِّلت القضية شهرًا بعد أن كانت روسيا تريد تأجيلها أيامًا، وكذلك خاف الخائفون في غير طائل، وسخر الساخرون في غير طائل أيضًا، وجرت الأمور في مجلس الأمن كما كان يُنتظر أن تجري، وكما قال شاعرنا القديم:
ربما تكره النفوس من الأمـ ـر له فرجة كحل العقال
وأصبح المهم الآن بعد أن انتصر مجلس الأمن على نفسه، وعاد شيء من الصفاء إلى الحلفاء الكبار، أن نعرف ما الذي سيتم في القضية الإيرانية في الشهر المقبل بين اليوم الخامس من أبريل، واليوم السادس من شهر مايو: سيتم الاتفاق بين روسيا وإيران في أكبر الظن، فتجلو الجيوش الروسية عن الأرض الإيرانية، وتظفر روسيا بما تريد من الامتيازات في هذه الأرض، ويبلغ مجلس الأمن من الدولتين أن المشكلة قد حُلَّت بينهما بالتراضي، كما حُلَّت بالتراضي مشكلة أخرى بين بريطانيا العظمى وشرق الأردن، وكما تُحل بالتراضي مشكلة أخرى بين هولندا وإندونيسيا، وكما تُحل بالتراضي كذلك مشكلة ثالثة بين بريطانيا العظمى والشعب اليوناني. وإذا تراضى الحلفاء الأقوياء فيما بينهم، فكل شيء سهل، وكل شيء ميسر، وليس أهون إذا اتفق الكبار فيما بينهم من أن يتم الاتفاق بينهم وبين الصغار.
وكذلك تجري أمور العالم سمحة حينًا، وعسيرة حينًا آخر، يظلها دائمًا سور من العدل المتكلف، ظاهره فيه الرحمة، وباطنه من قبله العذاب.