وعود …
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٤ مارس ١٩٤٦
يظهر أن الشعب المصري مقبل على حياة راضية، سيأخذها الرغد من جميع أقطارها، وسيملؤها الخير والبر والمعروف حتى لا تبقى من ذلك زيادة لمستزيد كما يقال، وستصبح مصر جنة الله في أرضه كما أنها كنانة الله في أرضه، وستنظر الشعوب الشرقية كلها إلى مصر نظرة فيها كثير من الغبطة، وفي بعضها شيء من الحسد؛ لأن مصر ستعيش عيشة ناعمة لا يعرف أهلها فيها جوعًا ولا بؤسًا ولا مرضًا ولا احتياجًا لشيء من الأشياء. وما ينبغي أن يظن القارئ أني أعبث أو أقصد إلى الدعابة، أو أريد إلى السخرية، فما ينبغي أن تتخذ حياة الشعوب وآمالها وحاجاتها موضوعًا للعبث أو الدعابة أو السخرية، وإنما يجب أن تكون موضوعًا للجد كل الجد، والعناية كل العناية.
وأنا أعتقد أن المصريين سيستقبلون حياة راضية ناعمة يأخذها الرغد من جميع أقطارها؛ حتى لا يجد أحد منهم حاجة إلى الشكوى في السر ولا في الجهر. وتعليل ذلك يسير؛ فقد أعلن وزير الخارجية البريطانية — منذ استطاع أن يتكلم بعد أن تولت الحكم وزارة العمال — أنه حريصٌ كل الحرص على أن يُعنى عناية خاصة برفع مستوى المعيشة في الشرق الأدنى، وبإصلاح الاقتصاد في هذا الشرق حتى يستطيع الناس أن يأمنوا آفات البؤس والمرض والجوع.
ثم أعلن وزير الخارجية البريطانية مرة أخرى أن بريطانيا العظمى لا تريد سيطرة على مصر، وإنما تريد أن تنشئ معها شركة قوامها المساواة بين الند والند، وغايتها إصلاح الاقتصاد، ورفع مستوى المعيشة، وتأمين الناس من آفات المرض والجهل والفقر.
وكان المصريون في أيام النقراشي باشا يسمعون هذا الكلام فيضيقون به أشد الضيق، ويرون أنه محاولة سخيفة للتدخل في شئونهم، وكانوا يرون أن من الحق عليهم لأنفسهم أن يصلحوا أمورهم بأيديهم، وأن يؤمِّنوا أنفسهم من آفات البؤس وغوائل الشقاء. وكانوا يفضلون البؤس الذي يأتيهم من فساد النظم الاجتماعية في ظل الاستقلال، على السعادة التي تأتيهم من صلاح النظم الاجتماعية في ظل هذه الشركة التي تتوق إليها نفس وزير الخارجية البريطانية. كما أنهم يفضلون الظلم الذي يأتيهم من فساد النظم السياسية في ظل الاستقلال، على العدل الذي يأتيهم من صلاح هذه النظم السياسية في ظل هذه الشركة التي يريد المستر بيفن أن ينشئها، وإن أقامها على أساس من المساواة بين الند والند.
وكانوا يرون أن إصلاح الاقتصاد، ورفع مستوى المعيشة، وتحقيق العدل الاجتماعي، كل هذه أشياء لازمة ما في ذلك من شك، ولكنها يجب أن تأتي من أعماق الشعب المصري، وتُفرض على الحكومات المصرية بإرادة الشعب. ولا ينبغي أن تأتي من وراء البحار، وتُفرض على الحكومات المصرية من طريق الشركة بيننا وبين الإنجليز.
وكانوا يرون أن حلفاءنا الإنجليز قد يحبوننا أشد الحب، ويكلفون بنا أشد الكلف، ويعطفون علينا أحسن العطف، ولكن هذا كله لم يبلغ بهم في يوم من الأيام أن يحاولوا إصلاح الاقتصاد، وتحقيق العدل الاجتماعي، وتوفير الرخاء، بحيث يرتفع مستوى المعيشة، وبحيث نأمن غائلة الفقر والمرض والجهل. فعنايتهم بهذه الأشياء في هذه الأيام لا يمكن أن تكون خالصة لوجه الله، وإنما يمكن أن تكون خالصة لوجه الإمبراطورية البريطانية! وكانوا من أجل ذلك يزهدون في هذا العدل الذي يأتيهم من لندرة، ويتوقون إلى عدل آخر يأتيهم من أعماق مصر، وتنبت أشجاره على ضفاف النيل لتؤتي ثمرها في وقت قريب أو بعيد.
وكان النقراشي باشا نفسه وحكومته — فيما أظن — لا يحفلان بهذه الدعوة إلى العدل التي تأتي من وراء البحار، ولا بهذا الطموح إلى الإصلاح الذي يدعو إليه المستر بيفن، وإنما يفكران في الاستئثار بالأمر من جهة، وفي الانقياد المتباطئ إلى ما يريد الشعب من المطالبة بالاستقلال من جهة أخرى.
ثم تبيَّن في بعض الأوقات — ومنذ الصيف الماضي بنوع خاص — أن حلفاءنا البريطانيين يفكرون تفكيرًا متصلًا في إقامة العدل الاجتماعي في مصر، وفي التقرُّب من الشعب على حساب هذا، ويتحدثون حديثًا متصلًا بأن الأمور في مصر قد بلغت من الفساد حدًّا لا يطاق، وبأن الأغنياء من المصريين يستأثرون بكل شيء على حين لا تملك الكثرة من المصريين شيئًا، وبأن تحقيق العدل الاجتماعي أعظم خطرًا من تحقيق الاستقلال السياسي، وبأن المصريين الذين يطالبون بالجلاء ووحدة وادي النيل يجب عليهم قبل ذلك أن يعصموا الشعب من الفقر والمرض والجهل.
وقد نقلت هذه الأحاديث من بريطانيا العظمى إلى مصر في أواخر الصيف وأوائل الخريف، فلم يحفل بها المصريون ولم يقف عندها النقراشي باشا وحكومته، ثم تتابعت الحوادث وتوالت الخطوب واستقالت وزارة النقراشي باشا، ووثب إلى الحكم رئيس وزرائنا القائم صدقي باشا. وذكاء صدقي باشا معروف لا ينكره المصريون ولا الإنجليز، ولباقة صدقي باشا واضحة لا يشك فيها مصري ولا أجنبي، وقدرة صدقي باشا على انتهاز الفرص أشهر وأظهر من أن تحتاج إلى بيان.
ومن أجل هذا كله امتلأ الجو في مصر وفي بريطانيا العظمى، بأن ساعة العدل الاجتماعي قد أصبحت أقرب من لمح البصر، وبأن حكومتنا الجديدة قد جرَّدت بيدها القوية سيفًا مصلتًا ستطيح به رءوس الفقر والمرض والجهل، وبأن المصريين سيصبحون بمأمن من كل هذه الآفات. لن تدخر حكومته في سبيل ذلك جهدًا إلا بذلته. وهي من أجل ذلك ستعقد قرضًا قوامه خمسون مليونًا من الجنيهات، وستُجرِّد حملة هائلة تطرد بها هذه الآفات من مصر طردًا نهائيًّا عنيفًا؛ فلن توجد مدينة في مصر إلا وفيها مراكز مختلفة لمقاومة الفقر والمرض والجهل، ولن يوجد فرد من الأفراد المصريين إلا وهو مؤمَّن من الفقر والمرض والجهل.
ثم لم تكتفِ حكومتنا القائمة بإذاعة هذه الأنباء في مصر وحدها، ولكنها أخذت تُذيعها في الخارج، وأخذت تذيعها في بريطانيا العظمى بنوع خاص، تريد من ذلك شيئين طبيعيين؛ أحدهما: إحياء الأمل في نفوس المصريين، والآخر إقرار الاطمئنان في نفوس الإنجليز.
فيجب أن يأمل المصريون وأن ينتظروا حياة رغدًا خيرًا من حياتهم هذه البائسة، ويجب أن يلوح لهم صدقي باشا بهذه الآمال لينصرفوا إليها، ويطمعوا فيها، ويشغلوا بها عمالًا ينبغي أن يعنيهم من أمور السياسة والحكم، ومن أمور المفاوضات والاستقلال أيضًا.
ويجب من جهة أخرى أن يرتاح المستر بيفن والزعماء الاشتراكيون في بريطانيا العظمى إلى أن الحكومة القائمة في مصر — الحكومة التي ستفاوضهم في الجلاء ووحدة وادي النيل — لا تريد الاستئثار ولا الامتياز، وإنما هي حكومة مؤثرة عطوف ترحم الشعب، وترفق به، وتريد أن تبذل جهودًا هائلة لتُقرِّبه من العدل، وتعطيه حقَّه من الإنصاف.
وكذلك تستقيم الأمور لصدقي باشا، يطمع الشعب في العدل فيشغل به عن السياسة، وتثق بريطانيا العظمى برغبة الحكومة المصرية في العدل، فتطمئن إليها، وتقبل على مفاوضتها غير مُتكرِّهة ولا مُتحرجة.
فأي ذكاء أبرع من هذا الذكاء؟ وأي فطنة أنفذ من هذه الفطنة؟ ولكن الشعب المصري ينظر فلا يرى عدلًا اجتماعيًّا، ولا سعيًا إلى تحقيق هذا العدل الاجتماعي. ما زال الجائعون يشكون ألم الجوع، وما زال المرضى يشكون ألم المرض، وما زال الجاهلون ينعمون بلذة الجهل. لم تتخذ الحكومة إلى الآن خطوة قصيرة أو طويلة في سبيل الإصلاح، بل لم تمهد لاتخاذ خطوة طويلة أو قصيرة، وإنما نشرت الدعوة وأسرفت في نشرها. ولعلها لا تتجاوز نشر الدعوة، بل لعلها أن تكون قد أخذت تتسلك طرقًا مضادة لتحقيق العدل الاجتماعي، وإنقاذ الشعب من آفات البؤس والشقاء.
فعنايتها بالأغنياء — إلى الآن — أظهر من عنايتها بالفقراء، واهتمامها بالمنتجين أكثر من اهتمامها بالمستهلكين، وإشفاقها على البورصة أشد من إشفاقها على العمال والفلاحين، ولكن المهم هو أن تقول الحكومة لا أن تعمل. وما دامت هناك أبواق تملأ الجو ضجيجًا وعجيجًا، وما دامت هناك صحف تكتب المقالات الطوال والقصار، وما دامت هناك شركات برقية تذيع في الخارج ألوان الإعلان وفنون الدعوة، وما دام هناك رسل يتحدثون في الخارج بما تحب الحكومة أن يتحدثوا به، ما دام هذا كله قائمًا؛ فما من شك في أن صدقي باشا — الذكي اللبق الذي يحسن انتهاز الفرصة — قد أدى واجبه على أحسن الوجوه، فواجب صدقي باشا هو أن يشغل الشعب بالآمال والأماني، وهو أن يُخيِّل إلى الإنجليز أنه صاحب مذهب في الإصلاح، وخطط في تحقيق العدل الاجتماعي.
كل هذا حسن، ولكن أحسن منه وأجدى أن يثوب صدقي باشا إلى نفسه، وأن يعلم أن نفس الشعب قد تغيَّرت، وأن الذين كانوا يُخدعون بالأماني والآمال في وزارته الأولى قد أصبحوا لا يقنعون إلا بالحقائق والأعمال في وزارته الثانية، وأن نفس الشعب إذا تغيرت وجب أن تتغير معها سياسة الحكومة؛ فلينظر صدقي باشا إلى أن في مصر شعبًا جائعًا بائسًا جاهلًا مريضًا، وإلى أن هذا الشعب لا يكفيه أن يوعد بالسعادة والشبع والعلم، وإنما هو في حاجة إلى أن يمسَّ هذا بيده، وإلى أن يظفر معه بحقِّه واقعًا ملموسًا، لا أملًا بعيدًا، ولا خيالًا يضطرب في السماء.
وصدقي باشا أذكى من أن يحاول خداع البريطانيين عن نفسه وعن حكومته؛ فالبريطانيون يعرفون كل شيء، ويرون كل شيء، وهم بعد هذا كله لا يعنيهم أن يتحقق في مصر، وإنما يعنيهم أن يتخذوا العدل الاجتماعي وسيلة للتدخل في شئون مصر، والتلكؤ في النزول لها عن حقها الطبيعي في الاستقلال.
ليس يكفي أن يكون رئيس وزرائنا ذكيًّا لبقًا منتهزًا للفرص، وإنما يجب مع ذلك أن يكون مخلصًا في حبِّه للعدل، مخلصًا في حرصه على تحقيق هذا العدل، مخلصًا في شعوره بآلام الشعب ورغبته في إزالة هذه الآلام، مخلصًا في اعترافه بحق الشعب في أن يستمتع بعدل اجتماعي صحيح غير مزيف ولا قائم على الخداع.
فإن استطاع صدقي باشا أن يُغيِّر طبيعته، وأن ينقلب من رأسمالي إلى محبٍّ للعدل، مؤثر للحق، منصف للشعب؛ فليفعل، وإلا فليرح نفسه من الوعود التي لا تغني، والآمال التي لا تجدي، والكلام الذي لا يفيد، وليصارح الشعب في وزارته الثانية — كما صارحه في وزارته الأولى — بأنه قد جاء ليحكم سواء رضي الشعب أو لم يرض.
ونؤكد لصدقي باشا أن هذه الصراحة أجدى عليه وأنفع له من كل هذا التكلف الذي يحمله ويُحمِّل أنصاره عناءً ثقيلًا.
يجب أن يذكر صدقي باشا أن الناس يعلمون حق العلم أن بعض الملائكة قد استحالوا إلى شياطين، ولكنهم لم يعلموا قط أن بعض الشياطين قد استحالوا إلى ملائكة.
Tag: السيادة
-
وعود …
-
تهالك
تهالك
طه حسين
جريدة البلاغ
٢١ مارس ١٩٤٦
أشارت بعض الصحف منذ أيام إلى أن حليفتنا العزيزة ليست متعجلة في اختيار المندوبين الذين يمثلونها في مفاوضات صدقي باشا. وكان رئيس وزرائنا العظيم في الإسكندرية يستريح من عناء الأعمال، أو يستزيد من عناء الأعمال، أو يجمع بين العمل والراحة كما تعود أن يجمع بين المتناقضات؛ لأنه جمُّ النشاط على رغم الأحداث والخطوب.
كان في الإسكندرية يعمل أو يستريح، أو كان في الإسكندرية يعمل ويستريح، حين قرأ هذه الإشارة العابرة في بعض الصحف، فلم تكن هذه الإشارة عابرة بالقياس إليه، وإنما كانت إشارة مستقرة ملحة في الاستقرار قامت أمامه لا تزول، لا تنحرف إلى يمين ولا إلى شمال، وإنما تثبت في مكانها كأنما شدَّت إليه بأمراس الكتان. ويريد رئيس الوزراء أن يحول بصره عنها فلا يستطيع، وإذا هي تثير في نفسه قلقًا، وإذا القلق يستحيل إلى خوف، وإذا الخوف يستحيل إلى فزع، وإذا رئيس الوزراء يتصل بلندرة فيما يقول. والأسباب للاتصال بلندرة كثيرة، منها التليفون ومنها البرق، ومنها الموجات النفسية التي تخترق حجب الغيب دون أن تخترق أجواء السماء، ومنها الخيال الذي يطوف بأقطار الأرض، بل يطوف بأجواء الكواكب الأخرى وصاحبه مقيم في مكانه لا يريم.
اتصل رئيس الوزراء بلندرة في الحال على أجنحة الحق أو على أجنحة الخيال، ثم عاد من لندرة. وكان ذهابه إليها وعودته منها أقصر من لمح البصر، والشاعر العربي يقول:
ما بين طرفة عين وانفتاحتها يغير الله من حال إلى حال
ذهبت نفس رئيس الوزراء إلى لندرة كئيبة ساخطة، وعادت منها مجبورة راضية، فلم تستقر في الإسكندرية إلَّا ريثما اتصلت بالقاهرة، واتصلت بالقاهرة من طريق التليفون فأملت على صحف كثيرة لا على صحيفة واحدة ما يزيل هذا القلق الذي ألم بالنفوس، وهذا الخوف الذي روع القلوب، وهذا الفزع الذي أزعج الضمائر عن مواضعها.
أملتْ على كثير من الصحف أنباء هذه الرحلة القصيرة السريعة الخصبة بين الإسكندرية ولندرة. هذه الرحلة التي عادت بالنبأ اليقين إلى صدقي باشا قبل أن يرتد إليه طرفه؛ فملأت قلبه أمنًا وثقةً واطمئنانًا، لأنها نفذت إلى أعماق وزارة الخارجية البريطانية، بل إلى أعماق نفوس المسئولين في وزارة الخارجية البريطانية، ثم عادت تقول كذب المنجمون ولو صدقوا، وكذبت شركات البرق وإن لم تقل إلا حقًّا، وكذبت تنبؤات الصحف وإن قرأت في أسرار الغيب. وعادت تقول: إن الحكومة البريطانية ليست متمهلة ولا مستأنية ولا محبة للإبطاء في اختيار المفوضين، ولكنها ستعينهم فورًا في التو والساعة قبل أن يرتد إلى صدقي باشا طرفه مرة ثانية، قبل أن ينقطع حديث التليفون، قبل أن تقف أقلام الكتاب عن الحركة، قبل أن تصدر الصحف، وقبل أن يقرأها القراء. فما ينبغي أن تعين مصر ممثليها في المفاوضات وتتأخر بريطانيا العظمى في تعيين هؤلاء الممثلين.
وليست رغبة بريطانيا العظمى في المفاوضات بأقل من رغبة مصر، وليست حاجتها إلى المفاوضات بأقل من حاجة مصر. وقد دل كل شيء وما زال كل شيء يدل على أن بريطانيا العظمى تحب التعجيل كل الحب، وتبغض التأجيل كل البغض. وآية ذلك أنها عذبت النقراشي باشا عذابًا شديدًا لكثرة ما ألحت عليه في طلب المفاوضات، فكان النقراشي باشا بين نارين، بل بين نيران؛ نار المستر بيفن الذي يدعوه إلى المفاوضات، ونار صدقي باشا الذي يدفعه إلى المفاوضات، ونار مكرم باشا الذي يحثه على المفاوضات، ونار الشعب المصري الذي يطالبه بالمفاوضات. فلما ترك النقراشي باشا منصب الحكم ووثب إليه صدقي باشا؛ اشتدت رغبة بريطانيا العظمى في المفاوضات اشتدادًا أشمت فيها العدو، وأخاف عليها الصديق، وملأ قلب صدقي باشا رحمة وحنانًا، فتعجل الإجراءات للدخول في المفاوضات، وما هي إلَّا أيام قليلة أو كثيرة حتى اختار المفوضين واستصدر المرسوم بتعيينهم.
وفي أثناء ذلك تنشر الصحف أن بريطانيا متمهلة لا متعجلة! كلام فارغ ما في ذلك شك؛ فبريطانيا متعجلة كل العجلة، مسرعة كل الإسراع، متهالكة أشد التهالك. بذلك جاءت الأنباء إلى صدقي باشا يوم الجمعة الماضي في الإسكندرية حين كان فيها يعمل أو يستريح أو حين كان فيها يعمل ويستريح. وبذلك حدثتنا الصحف صباح السبت؛ فاطمأنت مصر إلى أن حليفتها العزيزة لا بأس بها ولا خوف عليها من تأخر المفاوضات. وقضى الناس يوم السبت يعتقدون أن أمور الحليفتين الحبيبتين؛ حكومة صدقي باشا في القاهرة وحكومة المستر إتلي في لندن تجري على خير ما تحبان، والله عز وجل يؤلف بين القلوب وإن كانت متنافرة، ويلائم بين النفوس وإن كانت متباعدة، وينشئ الحب بين حكومة رأس المال في مصر وحكومة الاشتراكية في لندرة، ويعطف الضد على الضد والنقيض على النقيض. ولذلك لم يشتق حبيب قط إلى حبيب كما اشتاقت حكومة رأس المال في مصر إلى حكومة الاشتراكية في لندرة، ولم يكلف عاشق قط بعاشق كما كلفت حكومة الاشتراكية في لندرة بحكومة رأس المال في القاهرة.
ومن أجل هذا اطمأن الناس في مصر وفي بريطانيا العظمى يوم السبت الماضي إلى أن الحبيبين يتعجلان اللقاء بعد أن طال الفراق، وإلى أن العاشقين يتعجلان الوصال بعد أن اشتد الهجران. وتغرب الشمس ثم تشرق، وإذا العواذل قد أفسدوا كل شيء، وإذا الوشاة قد أجَّلوا ما كان حقه التعجيل، وإذا الرقباء قد نزغوا بين الحبيبين كما ينزغ الشيطان بين المرء ونفسه. فظلت بريطانيا العظمى متمهلة لا تختار المفوضين ولا تسميهم ولا تعينهم ولا ترسلهم، وإنما ترسل السفير. على حين تتعجل مصر وتسرف في التعجل وتسرع مصر وتغلو في الإسراع، فتحرق السفن من ورائها وتلغي الشعب المصري إلغاءً، وتختار المفوضين من القلة القليلة بعد أن عجزت عن اختيارهم من الكثرة الكثيرة. وما أسرع ما تغيرت الحال، وأصبح لسانها ينشد في كثير من الحزن والاكتئاب قول عمر بن أبي ربيعة:
وقربنا أسباب المنى لمتيم تقيس ذراعًا كلما قسنا أصبعا
وهذا المتيم بالطبع هو صدقي باشا الذي قربت بريطانيا العظمى له ولأصحابه أسباب المنى، فجعل يقيس ذراعًا كلَّما قاس المستر إتلي أو المستر بيفن أصبعًا. ويكفي أن تنظر فترى مصر قد خطت خطوات واسعة بعيدة كأنها خطوات المردة في سبيل المفاوضات. فكم قطع سفيرنا أجواء الفضاء بين لندرة والقاهرة وبين السفارة والوزارة في لندرة! ثم كم تحمل صدقي باشا من جهد وكم حمَّل الأمة نفسها من جهد ليهيئ للمفاوضات ويخلق لها الجو الملائم! ثم كم ذاد صدقي باشا النوم عن عينيه وعن أعين الناس ليؤلف وفد المفاوضات! فهو لم يقس ذراعًا وإنما قاس أذرعًا. على حين ظلت بريطانيا العظمى هادئة نائمة — أو كالنائمة — لم تختر المفوضين، وإنما اختارت السفير. ولم تكد تختار السفير حتى مرض، ولعله مرض قبل أن تختاره. وجعل الشفاء يبطئ في سعيه إلى السفير، وجعل الأطباء يتعللون على المريض؛ منهم من يأذن له بالإبلال، ومنهم من يلح عليه في الانتظار.
وفي أثناء ذلك كانت مصر تقيس ذراعًا وذراعًا وذراعًا حتى تعبت من القياس، ثم أذن الله لبريطانيا العظمى فقاست أصبعًا واحدة لم تزد عليه شيئًا وأرسلت إلينا السفير.
وكذلك أصبح الناس يوم الأحد الماضي وإذا الشركات البرقية تناقض صدقي باشا أشد المناقضة، وتلح في أن بريطانيا العظمى لم تختر المفاوضين، وليست متعجلة في اختيارهم، ولعلها لا تحتاج إلى اختيارهم، فالسفير فيه الكفاية. ومن الناس من يعد بالعشرات والمئات والألوف أحيانًا، فقد يكون السفير رجلًا من هؤلاء الناس الذين يعد الواحد منهم بالعشرات أو بالمئات. والمهم أن الصحف وشركات البرق قد ناقضت يوم الأحد ما أكده صدقي باشا يوم السبت.
وكانت الأهرام ماكرة ماهرة، فهي قد احتجبت يوم السبت كدأبها في كل أسبوع، فلما ظهرت يوم الأحد اختصرت الطريق لقرَّائها، وعرضت عليهم تصريح صدقي باشا وتصريح روتر، ولم تعلق بشيء لأنها حريصة دائمًا في الحياد.
وقد انقضى الأسبوع أو كاد ينقضي، وكل شيء يعلن أن بريطانيا العظمى لم تختر المفاوضين إلى الآن. والرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل. وقد عرف صدقي باشا كيف يستفيد من حكمة الحكماء، وكيف ينتفع بشعر الشعراء، فقرر منذ يومين أو أيام أنه سيسلك مع الصحفيين مسلك عَبْدَةَ صاحبة بشار في البيت المشهور:
وإذا قلت لها جودي لنا خرجت بالصمت من لا ونعم
ولذلك أعلن للصحفيين أنه لن يتحدث إليهم من أمر المفاوضات بشيء، حتى تنتهي إمَّا إلى جنة وإمَّا إلى النار.
هذا كله والمفاوضات لم تبدأ بعد، وإنما هي سر من أسرار الغيب، وما زالت مصر — أستغفر الله — ما زالت حكومة مصر مقيمة هائمة تقيس ذراعًا كلما قاست بريطانيا العظمى أصبعًا، وهي قد قاست أمس أذرعًا كثيرة على حين لم تقس بريطانيا العظمى أصبعًا ولا بعض أصبع. فقد وصل السفير البريطاني أمس إلى بورسعيد ثم إلى القاهرة، والقرَّاء قد رأوا في الصحف بالطبع كيف استُقبل السفير في بورسعيد وفي القاهرة. فالقرَّاء يعلمون أن الوزراء المفوضين يأتون إلى مصر في كل يوم يمثلون دولًا مختلفة، فلا يستقبلون مثل هذا الاستقبال ولا قريبًا منه، ولا يلقون مثل هذا الاحتفاء. فما الذي يميز السفير البريطاني الذي لم يقدم أوراق اعتماده بعد من سائر الوزراء والسفراء بالقياس إلى بلد مستقل يريد أن يستكمل استقلاله، وألَّا يعترف بمركز ممتاز لدولة من الدول.
ألا يرى القارئ أن صدقي باشا ما زال يقيس ذراعًا كلما قاست بريطانيا العظمى أصبعًا؟ ألا يوافقني صدقي باشا على أن السفير البريطاني الجديد قد جاء كما يجيء غيره من ممثلي الدول، فكان يجب أن يُستقبل كما يُستقبل غيره من ممثلي الدول لا أكثر ولا أقل؟ ذلك أجدر أن يُشعر بريطانيا العظمى بأننا نؤمن بالاستقلال على أنه حقيقة لا مظهر، وذلك أجدر بأن يشعر السفير البريطاني بأننا نُقبل على المفاوضات أحرارًا لا نتقيد بشيء. نُقبل عليها كما يقبل الند لمفاوضة الند، لا كما يقبل الصغير على مفاوضة الكبير. ستذكر المجاملات! فليست بريطانيا العظمى أحق بأن تمتاز من غيرها من الدول بمجاملات خاصة، ولا سيما في هذه الأيام. ولكن صدقي باشا أو لسان الحال التي تتحدث عن صدقي باشا لا تستطيع أن تنسى قول ابن أبي ربيعة:
وقربنا أسباب المنى لمتيم تقيس ذراعًا كلما قسنا أصبعا
متى يتاح لمصر أن تقيس أصبعًا كلما قاست بريطانيا أصبعًا، وأن تعرف أن الاعتدال في المجاملة هو خيرُ ما يمتاز به الوطن الكريم؟ -
أزمتان
أزمتان
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٠ مارس ١٩٤٦
ليس من اليسير في هذا الطور الحديث من أطوار العالم أن تُحدَّد مواضع العلل التي تصيب السياسة الدولية، فأي أزمة تُثار في أي مكان، ولأي سبب من الأسباب تُحْدِث أثرها فورًا في الحياة السياسية لهذا العالم الجديد الذي أُلْغِي فيه الزمان والمكان، وأصبح على رغمه كائنًا واحدًا يتأثر كله بما يصيب أي جزء من أجزائه من العلل والآفات.
وليس من شك في أن إحدى الأزمتين اللتين أُرِيدُ أن أتحدث عنهما الآن قد نشأت في الشرق الآسيوي، وليس من شك كذلك في أن الأزمة الثانية قد نشأت في الغرب الأوروبي، ولكن من المحقق أن العالم كله متأثر بهاتين الأزمتين في هذه الأيام تأثرًا شديدًا، وأن مراكز هذا التأثر تقع في موسكو، ولندرة، وواشنطون، وباريس، وغيرها من العواصم التي يمكن أن يكون لها شأن في السياسة العالمية من قريب أو من بعيد.
أما الأزمة الأولى، فهي هذه التي أُثِيرَتْ في إيران منذ ظهرت الحركة الاستقلالية في أذربيجان، وقد كان من الطبيعي ألا تتجاوز الأزمة حدودها المعقولة، فهناك قسم من أقسام إيران يريد أن يحقق استقلاله الداخلي؛ لأنه ليس راضيًا عن النظام السياسي والاجتماعي في وطنه الخاص، وفي الوطن الإيراني كله، وقد همت الحكومة المركزية في طهران أن ترد هذا الإقليم إلى الطاعة، وطبيعة السيادة الإيرانية تقتضي أن يُترَك مثل هذا الأمر للإيرانيين يدبرونه كما يشاءون، أو كما يستطيعون … فإما أن تكون الحكومة المركزية عظيمة القوة شديدة البأس، فترد الأمر إلى نصابه وتُكْرِه الثائرين على الإذعان، وإما أن تكون هذه الحكومة ضعيفة متراخية فيظفر الثائرون بما يريدون.
هذه طبيعة الأشياء، ولكن إيران لم تكن خالصة لنفسها حين ثار الساخطون من أهل أذربيجان، وإنما كان الروسيون يحتلونها في الشمال، وكان البريطانيون والأمريكيون يحتلونها في الجنوب.
وكان هذا الاحتلال أثرًا من آثار الحرب قد نظمته معاهدة بين الحلفاء والإمبراطورية الإيرانية، وقد نُصَّ في هذه المعاهدة على أن هذا الاحتلال لا يمس السيادة الوطنية، كما نُصَّ فيها أيضًا على أن هذا الاحتلال ينتهي بعد أن تضع الحرب العالمية أوزارها بستة أشهر، فلما همَّتْ حكومة طهران أن ترسل قواتها لترد أهل الشمال إلى الطاعة أَبَتْ عليها روسيا هذا التصرف الذي هو من أخص مظاهر السيادة الوطنية، ثم تجاوزت الإباء إلى المنع المادي، فوقفت للقوات الإيرانية تريد أن تردها عن أذربيجان، واضطرت هذه القوات إلى أن تعود، كما اضطرت القوات المرابطة في أذربيجان إلى أن تستسلم، وكذلك خُولِفَتِ المعاهدة بأن أصبح الاحتلال الروسي مناقضًا للسياسة الوطنية، مانعًا لها من أن تظهر في أيسر مظاهرها، وهو إقرار النظام في أرض الوطن.
وقد اشتد الجدال في هذه المشكلة بين إيران وروسيا من جهة، وبين الحلفاء أنفسهم من جهة أخرى.
ولكن هذا الجدال لم يُغْنِ شيئًا، فقد استمسكت روسيا بموقفها مُحتجَّة بأن تدخُّل الحكومة المركزية قد ينشأ عنه إخلال بالأمن وسفك للدماء، وأنها تريد أن تمنع ذلك في الجزء الذي تحتله من إيران. وقد كانت أمريكا أسرع الدول المتحالفة إلى إيثار العافية، فنفضت يدها من احتلال إيران، واستردَّتْ قُوَّتَها قبل حلول الموعد المضروب لذلك، وأصبحت بذلك قادرة على أن تتكلم غير مهتمة ولا متعرضة للريب والشكوك.
أما بريطانيا العظمى فقد أيدت إيران في موقفها، واحتفظت بقُوَّتِها المحتلة في الجنوب، وظهر للناس في وضوح وجلاء أن في الأمر تنافسًا خطيرًا بين البريطانيين والروسيين، وأن أولئك لا يريدون أن يجلوا إلا إذا جلا هؤلاء.
وأسباب هذا التنافس أوضح من أن تحتاج إلى بيان، فالتنافس بين الدولتين قديم لمكان إيران بالقياس إلى الهند من جهة، وبالقياس إلى الشرق العربي من جهة أخرى، وبالقياس إلى تركيا وروسيا من جهة ثالثة، ولمكان منابع البترول في إيران أيضًا، ولأن الإنجليز والأمريكيين قد استأثروا بخط من البترول الإيراني، فمن الطبيعي أن يطمع الروس في أن يستأثروا منه بنصيب أيضًا.
وكذلك ظهر التنافس عنيفًا بين الدولتين الحليفتين في وقت كان يُظَنُّ فيه أن مثل هذا التنافس قد انقضى عهده، وجعل البريطانيون من جهة يتهمون الروسيين بالتوسع والجشع، كما جعل الروسيون يتهمون البريطانيين بالتسلط والقهر وتأييد النظم الرجعية في إيران وغير إيران.
ثم انعقدت جماعة الأمم المتحدة في لندرة، وانْتُخِب مجلس الأمن، فأثار الإيرانيون مشكلتهم في الهيئتين، وظن الروسيون أن الإنجليز هم الذين دفعوا إلى هذه الإثارة، فكالوا حلفاءهم صاعًا بصاع، وأثاروا بأنفسهم مشكلة اليونان ومشكلة إندونسيا.
والقراء يعلمون ما كان من الجدل حول هذه المشكلات، ويعلمون أن التجربة دلت على أن هاتين الهيئتين الدوليتين لم تبلغا سن الرشد بعد، ولم تستطيعا التغلب على ما يُثار أمامهما من المصاعب. وهما من أجل ذلك لم يقضيا في المشكلة الإيرانية، وإنما طلبا إلى الطرفين المختصمين أن يتفاوضا، وأن يظهرا مجلس الأمن على تطور المفاوضات.
وقد استقالت وزارة في إيران وقامت مقامها وزارة أخرى، وذهب رئيس الوزارة الجديدة إلى موسكو وأخذ في المفاوضات، ولكن الزمن لا يستقر ولا يحب الوقوف، وإنما هو ماضٍ في طريقه دائمًا يسبق الحوادث ولا تسبقه الحوادث، أو يسبق إرادة الناس ولا تسبقه إرادة الناس؛ ولذلك جاء اليوم الثاني من شهر مارس قبل أن تتم المفاوضات أو تنتهي إلى غايتها، وأصبح محتومًا على الحلفاء أن يوفوا بالعهد ويجلوا جنودهم عن إيران، فأما البريطانيون فقد جلوا بالفعل، وأما الروسيون فقد أظهروا استعدادهم للجلاء ثم قرروا البقاء.
وكذلك ظهر أن إحدى الحليفتين قد احترمت المعاهدة، وهي بريطانيا العظمى، وأن الأخرى لم تحترمها، وهي روسيا. ونشأ عن ذلك ما يسميه البريطانيون أخطر أزمة أُثِيرَتْ بعد الحرب، وهذا واضح؛ فقد كان الناس يعتقدون أن المنتصرين لن يُقْدِموا على نقض المعاهدات، ولا نكث العهود المبرمة؛ فإقدام روسيا على ما أقدمت عليه يلغي كل ثقة لا في الوعود المبذولة، فقد ضاعت الثقة في الوعود منذ زمن بعيد، بل في المعاهدات المبرمة، وإذا ضاعت الثقة في المعاهدات فقد أصبح النظام الدولي كله عبثًا.
ولذلك طلب البريطانيون والأمريكيون إلى موسكو أن توضح لهم حقيقة الموقف الروسي ومداه، وما زالت وزارة الخارجية البريطانية والأمريكية تنتظران هذا التوضيح، فلننتظر معهما، فقد يكون لروسيا ما تقوله، وقد يكون من سبق الحوادث أن نقضي في الأمر بغير علم.
ولكن هذه القصة الإيرانية وغيرها من القصص قد أظهرت في وضوح أن الأمور لا تجري سلسة هينة بين الحلفاء الثلاثة، وليس أدل على هذا من ذلك التهديد الذي صرح به وزير الخارجية الأمريكية منذ أيام حين أعلن أن أمريكا لن تقر العدوان ولن تسمح به، ومن هذا التهديد الذي صرح به المسيو تشرشل حين خطب في أمريكا يوم الثلاثاء، فطلب تحالفًا سياسيًّا وعسكريًّا بين الإمبراطورية البريطانية والولايات المتحدة الأمريكية لصيانة العالم المسيحي من خطر الشيوعية الدولية.
وخطاب المستر تشرشل خطير حقًّا، وهو في الوقت نفسه متهافت حقًّا … خطير؛ لأن هذا التحالف موجه ضد روسيا، ما في ذلك شك، ومتهافت ضعيف؛ لأن مستر تشرشل يريد أن تقوى جماعة الأمم المتحدة، وأن يكون لها جيش مشترك يكفل الأمن العالمي، ويريد في الوقت نفسه أن يطوي عن جماعة الأمم المتحدة أسرار القنبلة الذرية، فكأنه يريد أن تصبح هذه الجماعة أداة في أيدي السكسونيين يسيطرون بها على العالم.
وواضح أن روسيا لن تقر شيئًا كهذا، وأن أوروبا قد تكون لها كلمتها وإن كانت ضعيفة، وأن الأمم الأخرى غير الأوروبية مضطرة إلى أن تقف موقف الارتياب من هذا كله، ومن جماعة الأمم المتحدة نفسها التي تذكرنا بالعصور القديمة حين كانت الشعوب المتأخرة تصنع آلهتها بأيديها. فجماعة الأمم المتحدة لا قيمة لها إذا لم تستمد قوتها من إخلاص القلوب في حب الحق، والعدل، والمساواة …
هذه إحدى الأزمتين، أما الأزمة الثانية فتقع كما قلت في غرب أوروبا، حيث يقوم النظام الفاشي في إسبانيا، والناس جميعًا يعلمون أن الثورة الفاشية في إسبانيا هي التي دفعت أوروبا إلى الحرب الثانية. وقد انتهت الحرب، وكان من الطبيعي أن ينهار النظام الفاشي في إسبانيا كما انهار في كل مكان. ولكن الجنرال فرانكو ما زال مسيطرًا على أمر الشعب الإسباني العظيم، وصفوة هذا الشعب مفرقة في أقطار الأرض … يريد أكثرها العودة إلى النظام الديمقراطي الجمهوري، ويريد أقلها العودة إلى النظام الديمقراطي الملكي.
وقد حاول الحلفاء أن يُغيِّروا هذا النظام بالحسنى فلم ينجحوا، وهمت فرنسا الآن أن تصطنع شيئًا من الحزم، وأن تَحْمِل بريطانيا العظمى وأمريكا على مشاركتها في ذلك، ولكنها لم تظفر منها إلا بأيسر المشاركة في الرأي. فأما روسيا فبغضها لفرانكو معروف، وليس بينها وبينه صلات سياسية، وكل ما وصلت إليه الديمقراطية في غرب أوروبا وفي أمريكا هو أنها أنذرت الشعب الإسباني بأنها لا تقر نظامه القائم، وطلبت إليه أن ينشئ لنفسه حكومة ديمقراطية، وإلى هذا الحد يقف التدخل البريطاني الأمريكي.
أما فرنسا، فحكومتها متأثرة بالرأي العام، وهي من أجل ذاك أغلقت الحدود بينها وبين إسبانيا، وأكبر الظن أنها ستنتهي إلى قطع العلاقات السياسية.
أما هذا التردد البريطاني الأمريكي فتعليله بسيط جدًّا، يرجع إلى المنافع المادية من جهة، وإلى الإشفاق من إسراع الديمقراطية الإسبانية نحو الشمال، ومن تكوُّن كتلة شيوعية خطيرة في غرب أوروبا.
وكذلك نلاحظ أن حب المنتصرين للديمقراطية مهما يكن قويًّا شديد الحرارة، فإن المنافع الاقتصادية وخوف التطرف من جهة أخرى يعرفان كيف يُلطِّفان هذه الحرارة، ويَرُدَّانها إلى القصد والاعتدال. -
هنا وهناك
هنا وهناك
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٧ فبراير ١٩٤٦
ولنبدأ بما يجري هناك قبل أن نتحدث عمَّا يجري هنا؛ فموضوع هذه الأحاديث متصل دائمًا بشئون السياسة العالمية، وأظن أن شئون السياسة العالمية تُدرَّس هناك لا هنا، وتُجرى في لندرة لا في القاهرة، بل أكاد أعتقد أن علم الحكومة المصرية بما يحدث هناك محدود، لعله لا يتجاوز علم أي فرد من الأفراد الذين يقرءون الصحف ويسمعون الراديو.
وليس أدل على ذلك من ذلك الموقف المؤلم الذي وقفه رئيس الوزراء في مجلس الشيوخ يوم الثلاثاء، حين سُئِل عمَّا تحدث به ممدوح بك رياض إلى مجلس الأمن؛ أملائم هو للحق والعدل والكرامة أم مخالف هو لهذا كله؟ فتبيَّن أن رئيس الوزراء لم يكن يعلم من حديث ممدوح بك رياض في مجلس الأمن إلا ما كنَّا نعلمه نحن.
وكان خصوم الحكومة يحتجون بما نشرته «الأهرام»، فرد عليهم رئيس الوزراء بما نشرته البروجريه، وتبيَّن للناس جميعًا أن جمهور القرَّاء ورئيس الوزراء سواء في العلم والجهل بما يجري من الحوادث من مجلس الأمن، وفي جامعة الأمم المتحدة!
وما دامت هذه الأحاديث متصلة بشئون السياسة العالمية، تريد أن تبصِّر القرَّاء بحقائق هذه الشئون، فمن الطبيعي أن نتحدث عمَّا يجري هناك قبل أن نتحدث عمَّا يجري هنا مما يتصل بهذه الشئون.
وأهم ما يجري هناك من الأحداث والخطوب ما يتصل بمجلس الأمن؛ فقد أُثيرت في مجلس الأمن قضايا ثلاث؛ أولاها: قضية إيران. أثارتها الحكومة الإيرانية المستقيلة متأثرة بالبريطانيين فيما ظن الروس، أو غير متأثرة بهم فيما قال البريطانيون أنفسهم. وقد نوقشت هذه القضية في مجلس الأمن مناقشة لا يمكن أن يُقال إنها كانت طويلة أو عميقة، وإنما يمكن أن يُقال إنها انتهت إلى نتيجتين ظاهرتين؛ إحداهما: التخلية بين إيران وروسيا؛ لتحلا بالمفاوضات الخاصة ما يكون بينهما من المشكلات، على أن يطَّلع مجلس الأمن بين حين وحين على ما تتكشف المفاوضات عنه من اتفاق أو اختلاف.
ومعنى ذلك أن روسيا ظفرت في هذه القضية، فروسيا هي صاحبة القوة والبأس، والمفاوضات بين الأقوياء والضعفاء معروفة النتائج. وليس من المحقق أن روسيا تريد أن تعتدي اعتداءً عنيفًا مكشوفًا على إيران. وأكبر الظن أن روسيا تريد أن تحتاط لمصالحها السياسية والاقتصادية، وأن تمسك إيران في هذا البدع القديم الجديد الذي يُسمَّى مناطق النفوذ.
النتيجة الثانية: أن هذه القضية الإيرانية أتاحت لروسيا أن تحاسب حليفتها الغربية بريطانيا العظمى حسابًا لا يخلو من عسر، وأن تعرض المشكلات الخطيرة التي تواجه بريطانيا العظمى على الرأي العالمي العام عرضًا لا يخلو من عنف؛ فقد أثارت روسيا القضية الثانية؛ وهي قضية اليونان. وقد يظن بعض الناس أن روسيا أخفقت في هذه القضية؛ فقد اشتد الجدل حولها، وتحرجت الأمور، ووقف الحليفان موقفًا يوشك أن يكون عدائيًّا، ثم نزلت روسيا آخر الأمر عن اقتراحها، وانتهى المشكل عند هذا الحد في ظاهر الأمر.
ولكن المحقق أن العالم قد وقف على ما بين الحليفين من اختلاف أولًا، وأن المياسرين من الشعب اليوناني قد تشددوا في موقفهم وقرروا مقاطعة الانتخابات، إلا إذا أُجيبوا إلى ما فرضوا من الشروط؛ فالمسألة اليونانية لم تنتهِ بعدُ، وليس أمرها خفيًّا على الناس ولا على الشعب اليوناني نفسه.
ثم أتاحت القضية الإيرانية لأوكرانيا أن تثير في مجلس الأمن قضية إندونيسيا، وقد طالت المناقشة في هذه القضية وتعقدت واشتد تشعبها، وانتهت أمس برفض ما طلبت أوكرانيا، ولكن روسيا قد انتهت من ذلك إلى ما كانت تريد؛ فهي أظهرت ما بين الحليفين العظيمين من اختلاف، وأظهرت أسباب هذا الاختلاف، ووقفت نفسها موقف المدافع عن الشعوب الضعيفة، المطالب لها بالحرية والاستقلال. وقد يكون هذا صحيحًا وقد لا يكون، ولكن الشيء الذي لا شك فيه أن الشعوب لا تُحقق ولا تُدقق ولا تَستقصي، وهي إذا احتاجت إلى المعونة التمستها حيث تجدها، وهي ترى أن روسيا تُظهر عطفًا وتأييدًا لها؛ ولهذا كله نتائجه البعيدة.
وأكبر الظن أن روسيا إنما ترمي إلى هذه النتائج البعيدة أكثر مما ترمي إلى أي شيء آخر، فلم تكن روسيا من السذاجة بحيث تظن أن البريطانيين سيسحبون جنودهم من اليونان أو من إندونيسيا، وإنما هي سياسة وخز الإبر من ناحية، والتحبب إلى الشعوب الضعيفة من ناحية أخرى.
وهناك قضية رابعة عُرضت على مجلس الأمن، وهي قضية سوريا ولبنان، وواضح أن روسيا ستقف فيها موقف التأييد لإخواننا السوريين واللبنانيين، إلا إذا حلت هذه القضية بالمفاوضة، ولم يحتج المجلس إلى أن ينظر فيها؛ فالشيء الذي ليس فيه شك هو أن مجلس الأمن — الذي أُنشئ ليكفل السلم، ويضمن للشعوب حقها في الحرية والعدل المساواة — أظهر إلى الآن أنه قادر على شيئين اثنين؛ الأول: تمكين الدول الكبيرة من أن ينافس بعضها بعضًا، ويهتك بعضها ستر بعض، والثاني: تمكين هذه الدول الكبيرة من أن تستمسك بما في يدها من البأس والسلطان، وأن تحتفظ بجنودها حيث تشاء.
وستكون القضية السورية اللبنانية اختبارًا نهائيًّا لمجلس الأمن، أو لنيَّات الدول الكبرى، فإن صدقت هذه النيَّات جلا البريطانيون والفرنسيون فورًا عن هذين القطرين، وإن لم تصدق، وكان مجلس الأمن جادًّا منتجًا، أكْرَه البريطانيين والفرنسيين على هذا الجلاء، فإن لم يفعل زال كل شك في النفوس، واستيقنت الشعوب الضعيفة أن كل ما يجري في لندرة ليس إلا لعبًا.
هذا بعض ما يجري هناك، فأما ما يجري هنا فطريف لا يخلو من فكاهة، وإن كانت فكاهة مرة مؤذية؛ فلمصر وفد في جماعة الأمم المتحدة، وهذا الوفد يمثلها كذلك في مجلس الأمن، بعد أن انتخبت عضوًا فيه، ولكن مصر — حكومةً وبرلمانًا وشعبًا — لا تكاد تعرف من سياسة هذا الوفد في لندرة شيئًا، وإنما هي تتلقى المفاجآت تأتيها بها الأخبار ذات صباح أو ذات مساء، فتضطرب ويختلط عليها الأمر، وتمتلئ الصحف ضجيجًا وعجيجًا، ويمتلئ البرلمان إنكارًا واحتجاجًا، ويستقيل بعض الوزراء، ثم تهدأ العاصفة وتستقر الأمور كأن لم يكن شيء.
وقع هذا حين صرَّح وزير الخارجية بما صرَّح به، حتى ظن الناس أن كل شيء قد زال من موضعه، ثم استقرت الأمور وانتُخب وزير الخارجية قاضيًا في محكمة العدل، فأرسل إليه رئيس الوزراء تهنئته وتهنئة زملائه، وتقديره وتقدير زملائه، ومنهم الذين كانوا مستقيلين.
ووقع هذا حين تحدث ممدوح بك رياض في مجلس الأمن؛ فاضطربت الصحف، وضجَّ البرلمان، واحتج قوم بما نشرت «الأهرام»، واحتج رئيس الوزراء بما نشرت «البروجريه»، وقالت «الأهرام»: إن ما نشرته هو الصحيح، وعزته إلى مصدره المسئول، ولم تقل «البروجريه» شيئًا إلى الآن.
والمهم هو أن سمعة مصر السياسية قد تعرضت لشر عظيم. قال وزير الخارجية إن مجلس الأمن غير مختص بشئون البلاد العربية، فقررت سوريا ولبنان عرض قضيتهما وقضية فلسطين على مجلس الأمن. ومعنى ذلك أنهما رفضا رأي وزير الخارجية المصرية، ويقال: إن بعض الحكومات العربية قد احتجت على هذا الرأي، ومعنى ذلك أيضًا أن وحدة الجامعة العربية قد تعرضت لشيء من الشر، فقال راديو موسكو: إن عاصمتها انتقلت من القاهرة إلى بغداد، وقالت جريدة الموند — وهي كبرى الصحف الفرنسية: إن ممثل مصر في مجلس الأمن قد لا يستطيع أن يؤيد سوريا ولبنان؛ لأنه قد يُسأل عن موقف البريطانيين في مصر.
ثم تحدث ممدوح بك رياض، فلم يزد على أن أظهر مصر مؤيدة للإنجليز والهولنديين تأييدًا ملتويًا، ولكنه تأييد على كل حال. وكان الحق على مصر أن تكون أسرع إلى تأييد إندونيسيا من أوكرانيا، وكان الحق على ممدوح بك رياض أن يكون أسرع إلى تأييد الشعب الإندونيسي من الرفيقين مالولوسكي وفيشنسكي، وكان الحق على الحكومة المصرية أن ترسم الخطة دقيقة مفصلة لممثليها، وأن تكون على علم دقيق مفصل بما يقول هؤلاء الممثلون وما يعملون.
ولكننا حين نريد أن نعتذر عن الحكومة المصرية ونحسن الظن بأعضائها وممثليها — لأنهم مصريون آخر الأمر — نضطر مع الأسف الشديد إلى أن نعتذر منهم بما لا يسرنا ولا يرضيهم؛ وهو أنهم حديثو عهد بالسياسة الدولية لم يَمرَسوا بها، ولم يُمرَّنوا عليها؛ فهم يتورطون في الخطأ المؤلم بين حين وحين.
ليتنا لم نُنْتخَب في مجلس الأمن هذا العام! -
تمهيد
تمهيد
طه حسين
جريدة البلاغ
٣١ يناير ١٩٤٦
وأخيرًا قرأ المصريون مذكرة الحكومة المصرية إلى الحكومة البريطانية بطلب المفاوضات، ورد الحكومة البريطانية عن هذه المذكرة.
قرءوا هاتين الوثيقتين بعد أن ألحوا أشد الإلحاح في أن تتخذ حكومتها خطوة حاسمة، فتكتب مذكرتها لتتلقى عليها رد البريطانيين، وليعرف المصريون أين هم وماذا يراد بهم.
ويجب أن نسجل — في كثير من الحزن والمرارة — أن المصريين قد بذلوا جهودًا عنيفة حقًّا ليحملوا حكومتهم على أن تخطو هذه الخطوة. فلم تكد الحرب تضع أوزارها حتى طالب الوفد بحقوق مصر كاملة في مذكرة صريحة لا عوج فيها ولا التواء، واضحةً لا لبس فيها ولا غموض، قويةً لا ضعف فيها ولا وهن. ثم جعل الشعب يلح على الحكومة في أن تطلب من الطريق الرسمية تحقيق المطالب الوطنية. فوضع الوزراء أصابعهم في آذانهم وقتًا حتى إذا أحرجوا ولم يروا بدًّا من القول والعمل؛ آثروا القول وأرجئوا العمل، فصرَّح رئيس وزرائنا في البرلمان في أواخر أغسطس بأنه لن يهمل أي فرصة تسنح ليدخل مع الحليفة في مفاوضات لتحقيق المطالب الوطنية. ونام الوزراء والبرلمان على هذا التصريح شهرًا كاملًا، فلم يقولوا شيئًا ولم يعملوا شيئًا، وظلَّ الشعب يقول ويقول ويطالب ويلح في المطالبة، والوزراء مغرقون في النوم لا تبلغهم أصوات الشعب، حتى أيقظهم صوت واحد يخافونه أكثر ما يخافون الشعب كله، وهو صوت صدقي باشا الذي أنكر عليهم سياسة كسب الوقت لأمر يعلمه الله ويعلمه صدقي باشا ويعلمه الوزراء، ويكاد المصريون يعرفونه.
هنالك اجتمعت الهيئة السياسية ذات الصوت البعيد والشهرة العريضة الواسعة، فقررت أن الوقت الحاضر في سبتمبر كان أشد الأوقات ملاءمة للأخذ في المفاوضات، ووافقها مجلس الوزراء على هذا القرار. ثم نام الوزراء ونامت الهيئة السياسية، ومضى البرلمان في النوم، وظل الشعب يقول ويقول، ويطالب ويلح في المطالبة، والسادة القادة والساسة المحنكون مغرقون في نوم عميق لا تبلغهم أصوات الشعب. والصحف البريطانية راضية عن نومهم، مثنيةٌ على إيثارهم للعافية وحرصهم على الراحة، ساخرةٌ من يقظة الشعب ومطالبته بالجلاء ووحدة وادي النيل. حتى أيقظ القوم صوت يخافونه أكثر مما يخافون صوت الشعب وأكثر مما يخافون صوت صدقي باشا، وهو صوت المستر بيفن الذي صرح ذات يوم في البرلمان البريطاني بأنه لم يتلقَّ من مصر طلبًا رسميًّا للدخول في المفاوضات. وكان صدقي باشا أسرع القوم إلى الاستيقاظ؛ لأنه فيما يظهر أكبر القوم سنًّا وأخفهم نومًا وأدقهم حسًّا وأكثرهم درايةً بمهاب الرياح. فقد صال صدقي باشا وجال وأنذر ثم استقال. ومضت الأمور بين نوم واستئناف لليقظة، حتى هبَّ المجاهدون الكبار والمجاهدون الصغار، فأثاروا أزمة أي أزمة، واستقالوا أو أنذروا بالاستقالة، وأقرتهم الهيئة السياسية على ما أرادوا، وتلكأ مجلس الوزراء ثم أذعن وأقر ما أراد المجاهدون الكبار والصغار، وما أرادته الهيئة السياسية، وكتب المذكرة وأرسلها إلى الإنجليز، فذهبت إليهم متلكئة في سفرها مبطئة في سيرها كما تلكأ أصحابها في تصورها، وكما أبطئوا في كتابتها، وكما ترددوا في إرسالها. وقد ظلت الحكومة المصرية تتردد في أمر هذه المذكرة من آخر شهر أغسطس إلى العشرين من شهر ديسمبر. في ذلك اليوم وصلت المذكرة المصرية بارعة الحسن رائعة الجمال، تصد بخدٍّ وتجلو عن خد كما يقول بشار، إلى وزارة الخارجية البريطانية، فتلقاها البريطانيون لقاءً فاترًا واستقبلوها استقبالًا هادئًا، وأخذوا ينامون كما نام المصريون. ولكن جو بريطانيا العظمى لا يغري بالنوم كما يغري به جو مصر، فلم ينم البريطانيون إلَّا شهرًا على حين نام المصريون شهرًا وشهرًا وشهرًا. وأخيرًا استيقظ البريطانيون متثاقلين من نومهم هذا القصير، فردُّوا على المذكرة المصرية. والغريب أنهم استيقظوا في الوقت الذي أثار فيه وزير الخارجية المصرية من ناحية، وكبار المجاهدين وصغارهم من ناحية أخرى أزمتهم تلك حول مجلس الأمن واختصاصه بالنظر في المسألة المصرية. ولكن استيقاظهم في هذا الوقت كان مصادفةً لا أكثر ولا أقل، فقد كان الضجيج شديدًا وكان الضجيج مقلقًا. كان الإيرانيون يعرضون قصتهم على مجلس الأمن، وكان السوريون واللبنانيون ينذرون بعرض قصتهم على مجلس الأمن، وكان الروسيون يعرضون قصة اليونان وقصة إندونسيا على مجلس الأمن، وكان وزير الخارجية المصرية يعلن أن مصر لن تعرض قصتها على مجلس الأمن. وكانت هذه الأصوات كلها تحدث ضجيجًا وعجيجًا وهرجًا ومرجًا، وكان صوت وزير الخارجية المصرية وحده هو الصوت العذب الرقيق الرفيق الرشيق. والناس يختلفون فيما أيقظ الإنجليز: أهي خشونة تلك الأصوات المنكرة التي كانت تعرض القصص على مجلس الأمن أو تنذر بعرضها عليه؟ أم هي عذوبة هذا الصوت المصري الذي أعلن أنه لن يعرض على مجلس الأمن شيئًا؟ وعلى كل حال فقد استيقظ الإنجليز — في الوقت المناسب — من نومهم القصير.
وكان استيقاظهم في هذا الوقت بعينه مصادفة لا أكثر ولا أقل، ولكنهم استيقظوا على كل حال، وأرسلوا ردَّهم إلى مصر في أشد الأوقات ملاءمةً لإرساله. في نفس الوقت الذي استقال فيه جماعة من الوزراء احتجاجًا على وزير الخارجية وعلى صوته العذب الرقيق، وكان صوت هذا الرد في وقت هذه الأزمة وفي أشد الأوقات ملاءمة لوصوله مصادفة لا أكثر ولا أقل. ولم يكن الرد البريطاني أقل دلالًا ولا استحياءً ولا إيثارًا للفتنة والتمنع من المذكرة المصرية.
فقد وصل الرد البريطاني ولم يصل، وبلغ رئيس الوزراء ولم يبلغه. اضطربت بعض ألفاظه في الطريق، فلم يكن بد من السؤال والاستفسار والتصحيح. والمهم أن الرد قد وصل — في الوقت المناسب — فانحلت الأزمة وانجلت الغمرة، وعاد الوزراء المستقيلون إلى مناصبهم. وقرأ المصريون صباح اليوم مذكرة الحكومة المصرية، ورد الحكومة البريطانية، فماذا قرءوا؟ لم يقرءوا شيئًا؛ لأن المذكرة المصرية فاترة أشد الفتور، يدلُّ كل شيءٍ فيها على أنها كلام قومٍ نائمين، كتبوها قبل أن يستيقظوا استيقاظًا تامًّا. كتبوها ولما يغادر النعاس أجفانهم، فلم تتح لهم قوة وهم الأقوياء، ولم يتح لهم حزم ولا عزم وهم أصحاب الحزم والعزم. رأوا فيما يرى النائم أنهم يكتبون مذكرة يطالبون فيها بالحقوق الوطنية، فلما فاقوا وجدوا المذكرة مكتوبة فأرسلوها. فهم يطلبون في كثيرٍ جدًّا من الفتور وفي كثيرٍ جدًّا من اللين والنعومة أن تفكر الحكومة البريطانية في أن الوقت قد أصبح ملائمًا لإعادة النظر في المعاهدة؛ لأن هذه المعاهدة قد وقِّعت متأثرة بظروف وأحداث اقتضت تقييد الاستقلال المصري، وقبل المصريون هذه القيود متأثرين بتلك الظروف والأحداث، معتقدين أنها موقوتة تزول بزوال الظروف والأحداث. وقد زالت الظروف والأحداث بانتصار الحلفاء وبإنشاء جامعة الأمم المتحدة، واستنفدت الحرب نصوص المعاهدة وأصبح من الطبيعي أن يُعاد النظر في هذه النصوص.
وقد نوهت المذكرة بمعونة مصر للحلفاء تنويهًا عامًّا غامضًا بريئًا من كل وضوح أو تحديد. ومهما يكن رأيي في هذه المذكرة فلن أستطيع أن أهمل شيئين أظن أن المصريين جميعًا سيقفون عندهما وقوفًا طويلًا.
الأول: ما جاء في المذكرة من أن مصر تعرف واجبها في الدفاع عن أرضها، وهي لن تتردد في بذل تضحية مهما تكن لتقوية جيشها، بحيث يستطيع أن يثبت للمغير حتى تبلغه نجدات الحلفاء ونجدات الأمم المتحدة.
في هذا المعنى شيءٌ ظريفٌ حقًّا، هو أن مصر تسجل في طلبها للمفاوضات عجزها عن الدفاع عن أرضها مستقلة بهذا الدفاع. فكل ما تقدر عليه من التضحيات الهائلة التي ستبذلها هو أن تثبت للمغير حتى تأتيها النجدة من حلفائها، ثم من الأمم المتحدة. فمصر تقرر قبل الدخول في أي مفاوضة أنها ستظل محتاجة إلى نجدة الحلفاء. وماذا يطلب الإنجليز أكثر من هذا، وفيما المفاوضة ما دامت مصر معترفة بأنها ستحتاج دائمًا إلى نجدة حلفائها البريطانيين. وإذا كانت هذه الحاجة مقررة معترفًا بها، فقد يستطيع الإنجليز أن يقولوا: لِمَ لا تكون النجدة التي تحتاجون إليها باعترافكم مستقرة في أقرب مكان ممكن بحيث تبلغكم دون أن يطول انتظاركم لها؟ والخير أن تستقر في أرضكم فإن لم يكن بد من أن تستقر خارج أرضكم، فالخير في أن تهيأ لها القواعد التي تستطيع أن تنجدكم منها متى وصلت إليكم. فقد يجب أن تكون في أرضكم قواعد للطائرات، وفي ثغوركم قواعد للسفن، وفي أرضكم أيضًا قواعد يأوي إليها الجيش المنجد. وقد ينبغي أن نكون قادرين على الانتفاع بهذه القواعد في أسرع وقت ممكن، فالحرب لا تحب البطء ولا تعرف الانتظار.
وكذلك يمهد المفاوض المصري لخصمه البريطاني وسائل الاستمساك بالاحتلال أو بما يشبه الاحتلال. ولو كان الذين كتبوا هذه المذكرة أيقاظًا حين كتبوها؛ لأتاح لهم أيسر الفطنة أن يخلصوا من هذه الجملة التي أريد أن أعتقد أنها كتبت عن خطأ لا عن عمد.
أمَّا الشيء الثاني، فهو هذه الجملة التي أضيفت إلى المذكرة وكأنها لم تكن منها، وإنما أضيفت إليها على سبيل الاحتياط، وأضيفت إلى آخرها في غير تحفظ، كأنما نسي الذين كتبوا المذكرة شيئًا ثم ذكروه فسُقط في أيديهم وأضافوه على عجل. وهذه الجملة المبهمة الغامضة المقحمة التي وصلت بالمذكرة وصلًا في آخر لحظة هي التي تتعلق بالسودان.
أمَّا المذكرة البريطانية فائقة في الدهاء السياسي وفي الصراحة التي لا تصرح عن شيء. فهي تنبئ الحكومة المصرية بأنها تلقت مذكرتها، وتعتذر عن الإبطاء في الرد بالظروف الدولية، وبحاجتها إلى الدرس، وهي تسلم بوجهة النظر المصرية فلا تكره أن تبدأ المفاوضات قبل أوانها الذي حددته المعاهدة.
وكانت الحكومة المصرية قد طلبت أن يشخص وفد مصري إلى لندرة للأخذ في هذه المفاوضات، فأجابتها الحكومة البريطانية بأنها سترسل في وقت قريب تعليمات إلى سفيرها في القاهرة للبدء في محادثات تمهيدية. وإذن، فلن يشخص الوفد إلى لندرة إلَّا بعد أن تمضي المحادثات التمهيدية مع السفير شوطًا بعيدًا؛ ليتبين الفريقان مكان الفائدة من شخوص الوفد إلى لندرة.
وهذا أول الشرِّ، وإن شئت فقل: هذا أول الرفض. فقد يظهر أن الحكومة البريطانية ترى أن سفر الوفد إلى لندرة ليس من السهولة واليسر، بحيث تظن الحكومة المصرية. فلنتحدث في مصر فإن رأينا الحديث مجديًا أمكن الاستمرار فيه من وراء البحار وإلَّا وقفنا حيث نحن، ولم يتكلف الوفد المصري جهدًا ولا عناءً. وفيمَ نتحدث في القاهرة؟! لقد رسم الرد البريطاني موضوع هذه المحادثات المقبلة، فالحكومة البريطانية ترى قبل كل شيء أن مبادئ المعاهدة الأساسية ما زالت سليمة في جوهرها، على حين يرى المصريون أن هذه المبادئ لم يبقَ لها معنًى بعد انتهاء الحرب وإنشاء جامعة الأمم المتحدة. ومن هذه المبادئ الأساسية مشاركة الإنجليز المصريين في حماية القناة، فالمصريون يرون أن هذا المبدأ لا معنى له بعد انتهاء الحرب، والإنجليز يرون أنه ما زال سليمًا في جوهره. والإنجليز والمصريون جميعًا متفقون على وجوب التعاون بين الدولتين، ولكن الإنجليز يقيمون هذا التعاون على المشاركة بين الندين لحماية مصالحهما. وحكومة العمال تحب المشاركة وتحب الشركة، وتحب كل ما يتصل بالاشتراكية؛ لأنها حكومة اشتراكية فيما يظهر. والعبث بالألفاظ فن من فنون البيان، ولكن المصريين فيما يظهر لا يحبون شركة ولا مشاركة ولا تشاركًا، ولهم في الاشتراكية رأيٌ آخر. ثم ينتهي الرد البريطاني بأن الحكومة البريطانية قد أخذت علمًا بأن مصر ترغب في أن تكون مسألة السودان موضوعًا للمفاوضات.
وكذلك يقرأ المصريون هاتين المذكرتين فلا يخرجون من قراءتهما بشيءٍ إلَّا الخوف والشك وسوء الظن. ومهما يكن من شيء فقد ينبغي أن يعرف البريطانيون، وأن يعرف المصريون الذين يؤيدون هذا العهد الحاضر أن المحادثات التي ستبتدئ في القاهرة، سيقوم بها عن المصريين قوم، مهما تكن أقدارهم ومهما تكن مكانتهم الرسمية وغير الرسمية، فهم لا يمثلون الشعب ولا ينطقون بلسانه، ولا يعتمدون على تأييده ولا يملكون تقييده بشيء، فهم يستطيعون أن يأخذوا، ولا يستطيعون أن يعطوا. ومن الحق لكل مصري ومن الحق على كل مصري، أن يأخذ لوطنه ما استطاع من المنافع، ولكن ليس لمصري مهما يكن أن يقيد وطنه أو يُعطي من منافعه إلَّا بإذن من هذا الوطن ممثلًا في برلمان صريح يُنتخب انتخابًا حرًّا صريحًا. -
في مجلس الأمن
في مجلس الأمن
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢٠ يناير ١٩٤٦
ما زال التمثيل مستمرًّا في لندرة: خُطَبٌ تُلقى، وأيدٍ تصفِّق، وأفواهٌ تندفع بالهتاف، وآمالٌ تُعقد هنا وهناك، ويأسٌ يشيع هنا وهناك أيضًا، ولجانٌ تُنتخب في سهولة ويسر مرة، وفي مشقة وعنف مرة أخرى، وتنافس حول عضوية هذه اللجان، وشعوبٌ من وراء هذا كله تقرأ وتسمع، فيجدُّ بعضها، ويمزحُ بعضها الآخر، وتمضي سياسة العالم بين هذا كله متعثرة متجشمة ألوان المصاعب والخطوب.
وقد انتُخب مجلس الأمن فيما انتخب من المجالس واللجان، وأُتيح لمصر أن تُنتخب في هذا المجلس، فابتهج قومٌ منا عن ثقة وأمل، وسخر قومٌ منا عن قنوط ويأس، وتردد قومٌ منا بين السخط والرضا، وبين اليأس والرجاء. فقد يسرُّ المصريين أن تظفر مصر بثقة جماعة ضخمة من الدول، وأن يجلس ممثلوها في مجلس الأمن حين ينعقد لأول مرة، وأن يتخذ هؤلاء الممثلون مجالسهم بين الذين يمثلون الدول الكبرى الثلاث، وبين الذين يمثلون الدول الكبرى الخمس، وهي في ذلك الوقت قد ظفرت بما لم تظفر به دول أخرى لها من الاستقلال والبأس والمهابة ما ليس لمصر. فمما يتملق الشعور الوطني، ويداعب العزة القومية، أن تُختار مصر لمجلس الأمن في أول انتخاب لهذا المجلس، وأن تحل مصر بين الدول هذا المحل الرفيع.
كل هذا حق، ولكن أكلُّ هذا خير؟! هذه هي المسألة التي يجب أن تُلقى، والتي يجب أن يُجاب عليها. وبمقدار ما يكون الجواب عليها ملائمًا للحق الواقع العملي، لا لهذا الحق المتخيل النظري، يصح أن يبتهج المصريون وأن يبتئسوا، وأن يرضوا أو أن يسخطوا.
وما أظن القارئ ينتظر مني أن أكون بين الراضين المبتهجين، فهو يعرف رأيي في جماعة الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن، وهو يعرف رأيي في إقبال مصر على المشاركة في الجماعة وفي مجلسها. فالترفُ شيءٌ مرغوب فيه، ولكن بعد أن تتحقق الأشياء التي لا بدَّ منها ولا استغناء عنها. وجماعة الأمم ترف ما في ذلك شك، ومجلس الأمن ترف ما في ذلك شك أيضًا. جماعة الأمم ترف بالقياس إلينا وإلى أمثالنا؛ لأن أمرها في المسائل الخطيرة جدًّا إلى الدول المنتصرة الثلاث، ولأن أمرها في المسائل ذات الخطر المعتدل أو القليل إلى الدول الخمس الكبرى. فأمَّا نحن وأمثالنا فأعضاء في هذه الجماعة لنتم العدد، ولنؤيد هذا المنتصر أو ذاك.
ومجلس الأمن ترفٌ من غير شك؛ لأن أمره إلى المنتصرين الثلاثة أو إلى المنتصرين الخمسة، ونحن وأمثالنا أعضاءٌ فيه لنتم العدد، ولنؤيد هذا المنتصر أو ذاك.
وربما كان مركزنا في مجلس الأمن أدنى إلى الترف من مركزنا في جماعة الأمم المتحدة؛ فنحن لن نصنع في مجلس الأمن شيئًا ذا خطر، ولن نستطيع أن نصنع فيه شيئًا ذا خطر؛ لأن قرارات مجلس الأمن في المسائل الخطيرة حقًّا لا تنفذ إلَّا بما أجمعت عليه الدول الخمس الكبرى، فقد ننضم — وينضم غيرنا معنا — إلى أربع من هذه الدول الخمس، ويظل قرار الدول العشر معطلًا؛ لأن الدولة الحادية عشرة قالت: لا!
وإذا استطاعت دولة عظيمة أن تعطل ما اتفقت عليه الدول الأربع الكبرى، فكيف بنا حين نتفق مع هذه الدول أو حين نختلف، إنما نحن وأمثالنا تكملة للعدد لا أكثر ولا أقل … نستغفر اللَّه، بل قد نكون نحن وأمثالنا أقل من تكملة العدد، فاشتراكنا في مجلس الأمن كاشتراكنا في جماعة الأمم المتحدة، يفرض علينا من الواجبات أكثر مما يعطينا من الحقوق.
سيشهد ممثلنا مجلس الأمن، وقد يقرر مجلس الأمن شيئًا لا يلائم مصالحنا، وقد ينكر ممثلنا هذا القرار، وقد يحتجُّ عليه، ولكننا سنلتزمه، ونذعن له؛ لأننا مشتركون في مجلس الأمن، وفي جماعة الأمم المتحدة، وأيسر ما يقتضيه هذا الاشتراك أن نذعن لما تصدره الهيئات من قرارات.
وقد يُقال: إن ابتعادنا عن هاتين الهيئتين لا يعفينا من الإذعان لقراراتهما. ولكنْ فرقٌ كبيرٌ بين أن تذعن عن رضًا واختيار، وأن تذعن لأنك لا تجد من الإذعان بدًّا.
لا ينبغي أن ينتظر القارئ مني إذن أن أكون من المبتهجين بانتخابنا في مجلس الأمن، فقد كنت خليقًا أن أبتهج باشتراكنا في جماعة الأمم المتحدة وانتخابنا في مجلس الأمن لو أننا حققنا استقلالنا كاملًا موفورًا قبل ذلك. فاشتراكنا في الهيئتين على أننا أمة مستقلة كاملة الاستقلال، ليس بينها وبين هذا المنتصر أو ذاك ما بيننا وبين أصدقائنا الإنجليز من الاختلاف.
إذن، كان من الطبيعي أن نبتهج باشتراكنا في هذه الجماعة؛ لأن العزلة في الحياة السياسية شيءٌ بغيض، وكان من الطبيعي أن نبتهج بانتخابنا في مجلس الأمن؛ لأن الذين يظفرون بحاجاتهم الضرورية يستطيعون أن يطلبوا شيئًا من الترف، وأن ينعموا به إن أُتيح لهم، فأمَّا ألَّا نكون أحرارًا في بلادنا كما نحب أن نكون أحرارًا، وأن نشارك في تقرير الحرية لغيرنا من الأمم فأمرٌ لا يخلو من فكاهة، وقد جاء في الأثر: ابدأ بنفسك ثم بمن تعول.
وأمَّا أن تكون أرض وطننا محتلة قد استقر فيها الأجنبي، وأن نؤيد بعد ذلك — أو مع ذلك — الدول التي تطالب بجلاء الأجنبي عن أرضها، فأمرٌ لا يخلو من فكاهة مرة، فقد ينبغي أن نجلي أصدقائنا الإنجليز عن أرض مصر أولًا، وأن نؤيد بعد ذلك الدول الأخرى حين تطالب بجلاء الإنجليز أو غير الإنجليز عن أوطانها. ومن الحق أن مركز الممثل المصري في مجلس الأمن سيكون مؤلمًا إلَّا إذا كانت نفسه تحسن الانخداع بالظواهر والإغضاء عن الحقائق.
سيجتمع مجلس الأمن اليوم — الخميس — ويقال: إن المشكلة الإيرانية قد تُعرض عليه، وربما عرضت عليه أيضًا مشكلة سوريا ولبنان. والمشكلة الإيرانية تطالب بجلاء الروسيين عن شمال إيران، وقد يقتضي ذلك جلاء البريطانيين عن جنوب إيران، وستجرى المناقشات في هذا الجلاء الروسي، وقد يتكلم ممثل مصر مؤيدًا إيران فيما تطالب من الجلاء، وقد لا يتكلم، فإن آثر السكوت خذل إيران، ومن الحق عليه أن ينصرها، وإن تكلم كان لممثل روسيا أن يسأله: وما شأن الاحتلال البريطاني للوطن المصري؟! أو ما رأيك فيه؟! وما لك لا تتعجل الجلاء عن مصر، كما تتعجل الجلاء عن إيران؟ قد يقول الممثل المصري: فإني أتعجل الجلاء البريطاني عن مصر، وقد أرسلت حكومتي في ذلك مذكرة إلى وزارة الخارجية البريطانية. وحينئذٍ يجيبه الرفيق الروسي باسمًا: فإن إيران أيضًا قد تعجلت جلاءنا عن أرضها وأرسلت إلينا مذكرة، فليكن مصير المذكرتين واحدًا أو متشابهًا، ولنجلو عن إيران حين يجلو حلفاؤكم عن أرض مصر.
وسيكون موقف الممثل المصري من المشكلة السورية اللبنانية — إن عرضت على مجلس الأمن — كموقفه من المشكلة الإيرانية: لن يستطيع أن يسكت، فالإخاء بيننا وبين سوريا ولبنان يفرض عليه أن يتكلم، وإذا تكلم فسيجيبه وزير الخارجية الفرنسية بمثل ما يجيبه به وكيل الخارجية الروسية. الأمر سواء؛ لأن المحتل ينبغي أن يظفر بالجلاء عن وطنه أولًا، وأن يعين بعد ذلك على الجلاء عن وطن حلفائه وأصدقائه.
وسواء تكلم الممثل المصري أم لم يتكلم في هذه المشكلة أو تلك، فالنتيجة واحدة؛ وهي أن كلامه لن يقدم ولن يؤخر، وإنما الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقدم أو يؤخر هو اتفاق الدول الخمس الكبرى أو اختلافها. فإن اتفقت هذه الدول على جلاء الجيوش الأجنبية عن إيران، فسيجلوا الروس عن الشمال والبريطانيون عن الجنوب. وإن لم تتفق هذه الدول بقي الروس حيث هم، وأقام البريطانيون حيث يقيمون، إلَّا أن تُثار الحرب لإجلاء أولئك أو هؤلاء أو لإجلاء أولئك وهؤلاء جميعًا.
ومجلس الأمن قد أنشئ — فيما يُقال — ليمنع الحرب أولًا، وليمنع الظلم ثانيًا، ولن يستطيع أن يمنع الظلم ما دام حق الاعتراض قائمًا، ولن يستطيع أن يمنع الحرب ما دام عاجزًا عن منع الظلم. وإذن، فمجلس الأمن شيءٌ عجيبٌ حقًّا، وفيه كثير من النفع، ولكن للأمم الكبرى لا للأمم الصغيرة.
تستطيع الأمم الصغيرة أن تلجأ إليه، ويستطيع ممثلوها أن يرفهوا على أنفسهم ويفرجوا ما يلم بهم من المكروه، ثم يقف الأمر عند هذا الحد، ويمضي أمر الدول الكبرى كما يريد الكبار لا كما يريد الصغار.
ومثل هذا يُقال بالقياس إلى جماعة الأمم المتحدة حين تعرض لشئون السياسة؛ ولذلك قرأت وسأقرأ ما يُقال من عرض هذه المشكلة أو تلك على هذه الهيئة أو تلك، دون أن أنتظر لهذه المشكلات حلًّا إلَّا أن يتفق الكبار الثلاثة أو الكبار الخمسة. فأمَّا ما دون ذلك فلن يقدم ولن يؤخر إلَّا في نشر الدعوة وفي الإعلان. ومن يدري؟ لعل نشر الدعوة والإعلان أن يكون من الأغراض الخطيرة التي تشترك من أجلها الدول في جماعة الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن.
وهناك سؤالٌ يخطر لي، ولا أكاد أعلنه إلَّا في كثيرٍ جدًّا من التردد، وهو: أليس بيننا وبين أصدقائنا البريطانيين خلاف؟ فإن كان الجواب بلى، فلمَ لا يعرض هذا الخلاف على هيئة الأمم المتحدة، وعلى مجلس الأمن كما تعرض المشكلة الإيرانية والمشكلة السورية واللبنانية؟ وإذا لم يكن هناك خلافٌ بيننا وبين حلفائنا البريطانيين، فلمَ نرهق حكومتنا بذكر الحقوق الوطنية، ولم ترسل حكومتنا مذكرة إلى وزارة الخارجية البريطانية؟!
صدِّقني أيها القارئ! إن الحوادث لم تكذِّب بعد أبا الطيب حين قال:
وكم ذا بمصر من المضحكات
وصدِّقني أيضًا إن من الخير أن نضحك نحن من أنفسنا قبل أن يضحك منَّا الناس. -
بعد الاتفاق …
بعد الاتفاق …
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٣٠ ديسمبر ١٩٤٥
يقال: إن المنتصرين قد استطاعوا — بعد الجهد — أن يتفقوا أو أن يقاربوا الاتفاق، ولم يكن من ذلك بد. فالذين تعاونوا على كسب الحرب، وجنوا ثمرات هذا التعاون، يجب أن يتعاونوا — ولو إلى حين — على تنظيم السلم. ضرورة لا منصرف عنها، فقد سئمت الشعوب الحرب، وأصبحت في حاجة إلى أن تستريح، وإلى أن تعوض ما خسرت وتصلح من أمرها ما أفسدت هذه الأعوام الثقال الطوال.
والحكومات لم تنشأ لتدفع الشعوب إلى الجهاد المتصل، والصراع الذي لا ينقضي. ولو قد أخفقت حكومات المنتصرين، ولم توفق إلى شيء من تقريب وجهات النظر؛ لخذلتها شعوبها، ولأقامت مكانها حكومات أخرى أكثر منها مرونة، وأقدر منها على التسامح وتيسير العسير من الأمر. وقد قدرت الحكومات هذا كله فأحسنت تقديره. تشددت حتى وصلت من التشدد إلى غايته، فلما استيقنت أن الحبل مقطوع إذا لم ترخِ منه شيئًا؛ لانت وآثرتِ العافية. وقد لاحظت في بعض هذه الأحاديث أن الرحلة إلى موسكو كانت في نفسها تمهيدًا لهذا الاتفاق، وفوزًا محققًا لروسيا. فالذين يتبعون شئون السياسة العالمية، يذكرون أن مؤتمر وزراء الخارجية إنما أخفق؛ لأن روسيا أبت إلَّا أن تستمسك بالقواعد التي وضعت في القرم وفي بوتسدام، وقوامها أن يستأثر المنتصرون العظام بالأمر كله، وأن يشركوا من الدول الأخرى من يشاءون فيما يشاءون من الأمر، وألَّا يقيدوا أنفسهم بما قد ينشأ عن اشتراك الدول الأخرى معهم من القيود.
فليس من الضروري مثلًا أن تشترك فرنسا والصين في معاهدات الصلح التي يراد فرضها على بلغاريا والمجر، وليس من الضروري أن تشترك الصين في معاهدة الصلح التي يراد فرضها على إيطاليا. وإنما يستأثر المنتصرون العظام بفرض ما يريدون من السلم على دول البلقان، ويشركون معهم فرنسا في فرض السلم على إيطاليا، ويشركون معهم الصين في فرض السلم على اليابان. وكان الإنجليز والأمريكيون يودُّون لو نهض الخمسة بكل هذه الأمور، فلما تشدد الرفيق مولوتوف؛ تفرق الخمسة ولم يصنعوا شيئًا. ثم امتلأت الأرض وعيدًا وتهديدًا، فكان حديث القنبلة الذرية، واستئثار السكسونيين بأسرارها، وكان التلويح بإلغاء حق الاعتراض، وكان التفكير في تكوين الكتلة الغربية. كان هذا كله من ناحية، وكان من الناحية الأخرى تنويه بأن لدى الروسيين ما يعدل القنبلة الذرية، ويزيد عليها وكان التشدد في تكوين كتلة الشرق، وكانت إثارة المشكلات في إيران وحول تركيا. وظنَّ الناس — أمام هذا كله — أن العالم مقدم على الحرب الثالثة، قبل أن يستريح من الحرب الثانية، ولكن العالم لم يقدم على الحرب؛ لأنه لا يستطيع الإقدام عليها، ولما يفرغ منها بعد.
وإذا كانت الرحلة إلى موسكو انتصارًا للسياسة الروسية، فقد يظهر أن الاتفاق في موسكو إنما هو انتصار آخر للسياسة الروسية أيضًا. فقد ظفر الرفيق مولوتوف بحقيقة ما أراد، وظفر السكسونيون بصورة ما كانوا يريدون. فأقصيت فرنسا عن وضع معاهدات البلقان، وأُقصيت الصين عن وضع معاهدة إيطاليا، واستأثر الثلاثة العظام بالأمر كله، على أن يعرضوا ما يضعون من المعاهدات على بعض الدول — دون بعض — في مؤتمر يعقد لإقرار الصلح.
وكذلك أخذ الرفيق مولوتوف كثيرًا، ولم يعطِ إلَّا قليلًا. والمهم هو أن المنتصرين قد اتفقوا — أو دنوا من الاتفاق — إن صحَّت الأخبار. فسيستقبل العالم أول العام الجديد في شيء من الهدوء والاطمئنان — وإن كان من المحقق أنه سيستقبل غدًا أو بعد غدٍ — خصومات أخرى تستأنف حول هذا الموضوع أو ذاك. فلا بدَّ للساسة من أن يعيشوا ومن أن يمارسوا مهنتهم، فيكون الاختصام اليوم والاتفاق غدًا، والحوار حول الخصام والوفاق، فهذه هي مادة السياسة العالمية بل هي المادة الطبيعية لكل سياسة.
على أن الاتفاق الذي تم في موسكو ليس من هوان الشأن وضآلة الخطر بحيث نستطيع أن نتحدث عنه كما نتحدث عن الأحداث الهينة، فقد يظهر أن عواقب هذا الاتفاق ستكون بعيدة الأثرة في حياة كثير من الشعوب؛ في حياة الشعوب الضعيفة أو المستضعفة. فما عسى أن يكون اتجاه السياسة في إيران، هل اتفق عليه المنتصرون، أم هل لا يزالون يختلفون فيه؟ وما عسى أن يكون اتجاه السياسة في المشكلات التي أُثيرت حول تركيا؟ ثم ما عسى أن يكون اتجاه السياسة في مشكلات الشرق الأقصى وفي مشكلات الشرق الأدنى؟ لقد حملت إلينا الأنباء فروضًا لا ترضي، ولا تشيع الاطمئنان في القلوب، ولعلها أن تكون مزعجة مخيفة. فقد يقال: إن الاتفاق قد تم على أن يقسم العالم إلى مناطق تستأثر بالنفوذ فيها هذه الدولة أو تلك من الدول الثلاث الكبرى. فلروسيا شرق أوروبا، ولبريطانيا غربها، ولأمريكا الشرق الأقصى، ولبريطانيا الشرق الأدنى. والمهم أن تنظم الأمور على نحو يرضي الأشكال والصور، أكثر مما يرضي الحقائق والجوهر. فلن تفقد الدول المستقلة استقلالها؛ لأن العالم يمضي إلى أمام لا إلى وراء، ولكنها ستتلقى المعونة على حماية هذا الاستقلال، وقد تتلقى المعونة على الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، وقد تتلقى المعونة على الإصلاح السياسي نفسه. وستبذل هذه المعونة من مجلس الأمن الذي تنتخبه الأمم المتحدة كلها، وستكلف كل دولة من الدول الكبرى المنتصرة بذل هذه المعونة لهذه المنطقة أو تلك نيابةً عن مجلس الأمن. وكذلك يلقى في رُوع الناس أن العالم كله مستقل يدبر أمره بنفسه، ما دام مجلس الأمن الذي انتخبه العالم كله هو الذي سيدبر هذا الأمر بواسطة المندوبين الذين يَكِلُ إليهم هذا التدبير.
وما من شك في أن هذا نوع طريف من التفكير السياسي، لم يكن العالم يعرفه قبل الحرب الثانية الكبرى. إنما كان العالم يعرف الاستعمار والحماية والانتداب. كان يعرف الاستعمار السافر، والاستعمار المقنَّع. وكان قناع الاستعمار يسمى حماية حينًا، وانتدابًا حينًا آخر، وربما سُمي محالفة في بعض الأحيان. أمَّا الآن فسيعرف العالم استعمارًا سافرًا؛ لأن المنتصرين لن ينزلوا عن مستعمراتهم، ولن يهدوا إليها استقلالها. وسيعرف استعمارًا مقنَّعًا، ولكن اسم القناع قد يتغير، ويسمى وصاية بعد أن كان يسمى انتدابًا. وقد تتغير طبيعة الوصاية، فلا يعهد بها إلى دولة واحدة، كما كان يعهد بالانتداب إلى دولة واحدة، وإنما يعهد بها إلى غير دولة؛ ليتعاون المنتصرون على الرفق بالإنسان، وعلى ترقية الشعوب والسعي بها في طريق الاستقلال؛ لعلها تبلغه بعد وقت يقصر أو يطول. على أن هناك استعمارًا مقنعًا من نوع جديد حقًّا، فسيسمى قناعه تعاونًا دوليًّا. سيكون هذا الاستعمار المقنع، هذا الاستعمار التعاوني، أو هذا التعاون الاستعماري، سيكون هذا الاستعمار الجديد في المناطق التي تعيش فيها أمم مستقلة، ولكنها ضعيفة تحتاج إلى من يحميها، أو فقيرة تحتاج إلى من يغنيها، أو منحطة تحتاج إلى من يرقيها. ولم تستطع الدول المنتصرة — أو لم ترد — أن تلغي استقلالها، أو أن تتقسمها فيما بينها. تتفق هذه الدول المنتصرة على أن تبذل لهذه الأمم الضعيفة الفقيرة المتأخرة ما تحتاج إليه من قوة ومال ورقي. سيكون هذا بواسطة مجلس الأمن، وما ينشئه هذا المجلس من لجان، ستراعي كرامة هذه الأمم وعزتها الوطنية كل المراعاة، فلن تنفرد لجان مجلس الأمن بتنظيم المعونة التي تقدم إليها. ولكنَّ هذه الأمم ستشارك في تنظيم هذه المعونة، وستشارك في تنظيمها على قدم المساواة كما يقال، أو مشاركة الند للند كما يقال أيضًا. وأي غرابة في هذا من هذه الأمم أعضاء في جامعة الأمم المتحدة! فهي من هذه الناحية تجلس مع المنتصرين في مجلس واحد، وتستمتع بحظٍّ من المساواة. وهذه الأمم تشارك في انتخاب مجلس الأمن، أو في انتخاب بعض الأعضاء في مجلس الأمن، فليس عليها غضاضة إذا أعانها مجلس الأمن. ثم إن اللجان التي سيؤلفها مجلس الأمن لن تعمل وحدها، بل سيضم إليها أعضاء تختارهم هذه الأمم نفسها، فأي ديمقراطية خير من هذه الديمقراطية، وأي عدل أشمل من هذا العدل؟! وقد ضربت الأخبار مثلًا لهذا النوع الجديد من التعاون الدولي، وذكرت الشرق الأدنى، وصوَّرت لنا مجلس المعونة الذي قد يدبر أمره في مستقبل الأيام. فبلاد الشرق الأدنى مستقلة كلها إلَّا فلسطين، ولا يمكن إذن أن يتعرض استقلال هذه البلاد لخطر ما. ولكن الشرق الأدنى لا يستطيع أن يحمي نفسه؛ لأنه لا يملك القنبلة الذرية التي يملكها السكسونيون، ولا يملك القنبلة الأخرى التي يملكها الروسيون، فهو إذن لا يستطيع أن ينفرد بحماية نفسه. ومن حيث إن طرق المواصلات العالمية تمر به، فحمايته شيء أساسي لا بدَّ منه. ومن أجل ذلك سيقدم إليه مجلس الأمن ما يحتاج إليه من القوة؛ ليحمي نفسه أولًا، وليحمي الطرق العالمية ثانيًا. ولن يكون في هذا خطر على الاستقلال؛ لأن الخطر إنما يتحقق حين تنفرد دولة واحدة بالسيطرة، فأمَّا إذا وزعت هذه السيطرة أو ألغيت، وقام مجلس الأمن مقام الدولة الواحدة، فالاستقلال بمأمن من كل سوء.
كان العيب كل العيب في أن تستأثر بريطانيا العظمى وحدها بحماية جزء من الشرق الأدنى، وتستأثر فرنسا بحماية جزء آخر. فأمَّا الآن فلن يكون للشرق حامٍ واحد، أو حاميان اثنان، بل سيكون له حماة كثيرون، وسيكون هو نفسه بعض هؤلاء الحماة.
وفي بلاد الشرق الأدنى فقر يجب أن يُزال، وقد عجز الشرق الأدنى عن أن يزيل الفقر من بلاده، فيجب أن يعينه مجلس الأمن على إزالة الفقر. وليس عليه من ذلك بأس؛ لأنه سيكون ممثلًا في اللجان التي ستحارب الفقر فيه.
وفي الشرق الأدنى جهل يجب أن يطرده العلم، وقد عجز الشرق الأدنى إلى الآن عن تحرير نفسه من الجهل، فسيعان على هذا التحرير، وسيشارك فيه. وهو إذن سيحتفظ باستقلاله كاملًا موفورًا، وسيهدى إليه مع هذا الاستقلال ما يحتاج إليه من المعونة العسكرية والاقتصادية والثقافية؛ ليمضي في طريقه إلى الرقي. فإذا لم يرضه ذلك فهو مسرف على نفسه في الطمع والطموح.
سيؤلف إذن مجلس لهذه المنطقة من مناطق الأرض التي تسمى الشرق الأدنى، وسيشترك في هذا المجلس أعضاء يمثلون البلاد الشرقية، وأعضاء آخرون يمثلون مجلس الأمن، وفي ظل هذا المجلس الموقر الخطير ستستمتع البلاد الشرقية باستقلالها فتمارس البرلمانات سلطتها التشريعية، وتمارس الحكومات سلطتها التنفيذية، وتنعم الشعوب بهذا النظام الديمقراطي البديع.
وليس في هذا النظام عيب إلَّا أن الشعوب نفسها لم تستشر فيه، ولعلها لا تحبه ولا ترضاه، ولكنها ستستمتع به على رغمها؛ لأن المنتصرين يريدون أن يمتعوها به. ومن الذي يستطيع أن يقول لا إذا تكلم المنتصرون؟! والمنتصرون بعد ذلك لا يريدون بهذه البلاد إلَّا خيرًا، ولا يهدون إليها إلَّا كرامة، ولا يأبى الكرامة إلَّا اللئيم!
على أن الأمر يحتاج إلى شيء من الوضوح، فقد ينبغي أن نسأل: إذا كانت الأمور ستجري على هذا النحو في الشرق الأدنى مثلًا، فما فائدة الاتفاق الذي عقد بين بريطانيا العظمى وفرنسا على شئون هذا الشرق الأدنى؟ أيمكن أن يكون هذا الاتفاق قد عقد احتياطًا للمستقبل؟ فالآن وقد اجتمعت كلمة المنتصرين العظام، فسيلغى هذا الاتفاق. أم ترى هذا الاتفاق قد عقد ليعمل به مؤقتًا، حتى إذا تم تنظيم العالم الجديد، وأنشئ مجلس الأمن، وألَّف هذا المجلس لجانه ألغى هذا الاتفاق لانتفاء الحاجة إليه؟ أم يمكن أن يكون هذا الاتفاق قد عقد ليبقى العمل به في ظل مجلس الأمن، وفي ظل لجنته المنتظرة؟ كل شيء ممكن. ولكنَّ هناك شيئًا محققًا، وهو أن شعوب الشرق الأدنى ستضيع بين هذه النظم المعقدة أشنع تعقيد، المشتبكة أشد اشتباك. فستخضع هذه الشعوب لنظمها الداخلية التي عقدتها الديمقراطية بما أنشأت فيها من برلمانات ووزارات وتشكيلات لا تحصى. وستخضع لجامعة الأمم العربية فيما تباشر من سلطة، وستخضع للجنة مجلس الأمن، وما ستنشئ هذه اللجنة من فروع عسكرية واقتصادية واجتماعية. وستتأثر هذه الشعوب بعد هذا كله بما يكون من نتائج الاتفاق الودِّي الجديد بين الإنجليز والفرنسيين. ألست ترى أن الحياة الجديدة ستكون عناءً طويلًا، وهمًّا ثقيلًا، واضطرابًا في هذه النظم التي تشبه قصور التيه؟ وما ينبغي أن نشكو من هذا، فالتعقيد دليل الرقي، والبساطة دليل الانحطاط. والدليل على ذلك أن الأمم كانت منحطة حقًّا، حين كانت حكومتها بسيطة، ينهض بها فرد مستبد، ويعاونه على ذلك جماعة من الموظفين. فأمَّا الآن فقد ارتقت الأمم، وتعقدت حياتها بحكم هذا الرقي، وتعقدت مع ذلك نظمها السياسية.
وليس من شك في أن العالم الجديد — الذي ينشأ الآن — سيكون أرقى من العالم القديم الذي هدمته الحرب. وهو من أجل ذلك يزداد صعوبة وتعقيدًا. فتضاف فيه مجالس إلى مجالس، وهيئات إلى هيئات ولجان إلى لجان.
فمن كان يعجبه الرقي فلينشرح صدره لهذا الفوز العظيم، ومن كان يؤثر البساطة فليحزن على العصور القديمة التي كان العالم ينعم فيها بالراحة في ظل الاستبداد. ومن كان يريد الجِد فليستيقن بأن حياة الناس واحدة، مهما تختلف العصور: قويٌّ يقهر الضعيف، وغنيٌّ يقهر الفقير، ومتعلمٌ يسيطر على الجاهل. وما دام المنتصرون هم أصحاب القوة والثروة والعلم فإليهم أمور العالم، سواء أراد العالم أم لم يرد. فإن اتفقوا خضع العالم لسلم قوية مسيطرة، وإن اختلفوا مُزِّق العالم شرَّ ممزق لما يثور بينهم من حرب. سنَّة اللَّه ولن تجد لسنَّة اللَّه تبديلًا. -
في الشرق
في الشرق
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢٥ نوفمبر ١٩٤٥
ليست خطوب الغرب يسيرة ولا هينة، فللغرب مشكلاته المعقدة التي تزداد عسرًا من يوم إلى يوم،
ولكن الغرب قد ألف المشكلات، وعرف كيف يخرج منها بالصبر والأناة مرة، وبالتعجل والخصومة مرة
أخرى، وبالحرب التي لا تبقي ولا تذر حين لا يكون بدٌّ من الحرب، فلندع الغرب ومشكلاته التي لا
تنقضي، ولننظر إلى الشرق ومشكلاته التي تريد أن تكون كمشكلة الغرب شائكة معقدة شديدة
الاختلاط.
ومشكلات الشرق لا تأتيه من نفسه الآن على أقل تقدير، وإنما تأتيه من الغرب، فما نعلم أن دولة
شرقية تريد أن تعتدي على دولة شرقية أخرى، ولا أن شعبًا شرقيًّا يريد أن يستذل شعبًا شرقيًّا
آخر. ولو تركت أمور الشرق للشرق، لكان من المرجح أن يمضي في طريقه إلى الرقي، وأن يسير في هذه
الطريق سيرًا هادئًا مطردًا، حتى يبلغ منه ما يشاء الله له أن يبلغ في غير اضطراب ولا اختلاط،
ولكن شئون الشرق لا تترك للشرق، وإنما يتدخل فيها الغرب تدخلًا متصلًا، فيعقِّدها تعقيدًا
متصلًا، ويستنفد جهود الشرق في غير مصلحته، وفي غير مصلحة الغرب أيضًا، في هذا الجهاد العنيف
الذي يفني القوة، ويشيع في النفوس أملًا قليلًا، ويأسًا كثيرًا، وحزنًا دائمًا على كل
حال.
وليس في الشرق الآن مكان يمكن أن يُقال: إن القلوب فيه مطمئنة، وإن النفوس فيه راضية، وإن
الأمور تجري فيه على ما يحب الشرقيون، أو على ما يحب الغربيون، أو على ما ينبغي أن تجري عليه
الأمور لترقية الحضارة، وتحقيق منافع الناس جميعًا، وإقامتها على أساس صحيح من العدل والمساواة
والإنصاف.
فالشرق الأقصى مضطرب أشد الاضطراب وأعنفه وأبغضه، وليس لهذا الاضطراب سبب إلَّا أن الأوروبيين
الذين سفكوا دماءهم ودماء غيرهم لمحق الظلم، وإقامة العدل، لم يستطيعوا أن يتسلَّوا بعدُ عن هذا
الظلم الذي ألفوه، وأقاموا عليه. وكان من المنتظر — بعد أن تضع الحرب أوزارها، وبعد أن تنهزم
اليابان هذه الهزيمة المطلقة — أن تخلص أمور الصين للصين وحدها، ولا سيما بعد أن قيل ألف مرة
ومرة: إن الصين دولة من الدول الخمس العظمى التي تشارك في إقامة العالم الجديد. ومن الواضح كل
الوضوح أن شئون الصين ليست خالصة للصين وحدها، وإنما هي مشتركة بين الدول الكبرى الأوروبية
والأمريكية، وهي موضوع نزاع أقله ظاهر، وأكثره خفي بين الروسيين والأمريكيين.
ومن الخطأ أن يُقال أو أن يُظن أن الإنجليز ينظرون إلى شئون الصين نظرة مبرَّأة من الطمع
والاستعمار؛ فالمصالح الأوروبية الأمريكية معقدة في الصين أشد التعقيد، ولم تبلغ الصين بعدُ من
الرقي في الحضارة المادية الخالصة ما يتيح لها الاستغناء عن أولئك أو هؤلاء؛ فللدول الأوروبية
الكبرى فيها الامتيازات والمستعمرات ومناطق النفوذ السياسي والاقتصادي، ولا بد لهذه الدول من أن
تحافظ على امتيازاتها؛ فإن نزلت عن شيء منها فلن تنزل عنه إلَّا بثمن مدفوع.
وقد انتشرت الشيوعية في بعض أجزاء الصين، وقامت لها قائمة ذات خطر، فانقسم أهل الصين على
أنفسهم، وكان الطبيعي أن يُخلَّى بين الصينيين وبين شئونهم، ينظمونها كما يشاءون، ولكن للشيوعية
نصيرًا عظيمًا، ولخصوم الشيوعية أنصارًا عظماء، وفي الصين قوًى أمريكية هائلة. وبين روسيا
والصين جوار ومصالح مشتبكة، فالخصومة بين الشيوعية ورأس المال في الصين هي الخصومة بين الشيوعية
ورأس المال في أقطار الأرض كلها، ولكنها مسلحة في الصين بالأسلحة الأمريكية والروسية.
فليس من الغلو أن ننظر إلى ما يجري الصين الآن كما كنَّا ننظر إلى ما كان يجري في إسبانيا قبل
الحرب العالمية الثانية. وإذن فاختلاط أمر الصين كان خليقًا أن يصلح وينتهي إلى كلمة سواء، لو
لم يتعقد بتعارض المصالح الأمريكية والروسية في تلك الأقطار.
وللأوروبيين مستعمرات كانوا يستغلونها قبل الحرب منذ أزمان طويلة أو قصيرة، غلبتهم عليها
اليابان أعوامًا قليلة، ثم هُزمت اليابان، فهمَّ الأوروبيون أن يستردوا مستعمراتهم، ولكن هذه
المستعمرات خطر لها أنها تستطيع أن تسترد حريتها بعد أن انتصر الحق والعدل في أعقاب هذه الحرب
التي شبَّت لتحق الحق، وتنشر العدل. فما أسرع ما تبينت هذه المستعمرات أنها تمنَّت، وأن التمني
شيء والظفر بالأماني شيء آخر، وأن الحرب لم تشبَّ لإحقاق الحق، ونشر العدل، وإنما شبَّت ليزداد
القوي قوة، وذو البأس بأسًا، وليمنع الطامعون من المنافسة، وإثارة المشكلات.
فلم يكن المهم أن ينتصر الحق، وينتشر العدل، بمقدار ما كان المهم أن تردع ألمانيا وإيطاليا
واليابان عن الطمع والمنافسة في الاستعمار، وأن تظل الأرض خالصة للذين كانوا يستأثرون بها من
دون الناس!
وكذلك نشهد الآن هذه الآثام التي تقترف في الشرق الأقصى، فأهل إندونيسيا يريدون أن يستقلوا
بشئونهم تنفيذًا لما بذل المنتصرون للناس من المواثيق، فيُقال لهم: بل يجب أن تخضعوا لهولندا،
فقد كنتم خاضعين لها من قبل، ولم يحدث في العالم شيء جديد يدعو إلى أن يتغير النظام القديم.
فإذا أبى أهل إندونيسيا أن يذعنوا؛ صُبَّ عليهم الموت، وسُلطت عليهم ألوان الهول، ووضع
المنتصرون أصابعهم في آذانهم حتى لا تبلغهم أصوات الذين يطالبون بالحق والعدل والإنصاف. وليس من
المهم أن يستمتع تسعون مليونًا من الإندونيسيين بحقهم في الحرية والاستقلال، وإنما المهم أن
يستمتع ثمانية ملايين من الهولنديين بما كانوا يستمتعون به قبل الحرب من الاستعمار
والاستغلال.
أولئك شرقيون يجب أن يخضعوا، وهؤلاء غربيون يجب أن يسودوا، وقد ضحَّت هولندا في سبيل حلفائها
الإنجليز، فيجب أن تُضحِّي بريطانيا العظمى في سبيل حلفائها الهولنديين. والنتيجة أن الحرب قد
وضعت أوزارها، ولكن الدماء ما زالت تسفك في الشرق الأقصى؛ لأن أوروبا لم تتسل عن الاستعمار، ولم
تؤمن قط إيمانًا صادقًا خالصًا بردِّ الحقوق إلى أهلها، وإنما آمنت ببذل الوعود ليس غير.
والذي يحدث في إندونيسيا يحدث مثله في الهند الصينية، فما ينبغي أن تسترد هولندا مستعمراتها،
وتقصر فرنسا في استرداد ما كان لها من المستعمرات. ولم تكن فرنسا أقل تضحية في سبيل الحلفاء من
هولندا، وهي التي تلقت الصدمة الأولى، وتفوقت في المقاومة، وشاركت في قهر ألمانيا. ومع ذلك
فالبريطانيون لا يساعدون فرنسا على استرداد مستعمراتها في الشرق الأقصى إلَّا مساعدة فاترة توشك
أن تكون سلبية، ولو استطاعوا لردُّوها عن هذه المستعمرات؛ لأن المنافسة خطرة بين فرنسا
وبريطانيا العظمى، وليست خطرة بين هولندا وبريطانيا العظمى.
وقد حدثتنا الأنباء بأن أهل بورما أيضًا يطالبون بالاستقلال، ويجاهدون في سبيله، ولكن بورما
كانت مستعمرة بريطانية، فيجب أن تظل مستعمرة بريطانية، وفي جيوش الإمبراطورية البريطانية من
القوة ما يكفي لإقناعها بالخضوع لسلطان الاستعمار. وقصة الهند أظهر من أن تحتاج إلى أن يتحدث
عنها المتحدثون؛ فقد تطلب الهند الاستقلال كما تشاء، وقد تقول الهند أنها شاركت في الحرب،
وشاركت في النصر، ومن حقِّها أن تشارك في ثمرات هذا النصر. وقد تستطيع الهند أن تقول أن أبناءها
ما زالوا يعملون ويسفكون دماءهم في خدمة الإمبراطورية، وفي معونة حلفاء الإمبراطورية؛ فجنود
الهند يصبُّون الموت على أهل إندونيسيا معونةً للهولنديين. تستطيع الهند أن تقول هذا، وأن تقول
أكثر من هذا، ولكن أهلها مختلفون، ويجب أن يظلوا مختلفين؛ لأن في هذا الاختلاف تثبيتًا
للاستعمار البريطاني.
أمَّا الشرق الأوسط، فأمره عجب أي عجب، كانت إيران هادئة مطمئنة، ماضية في حياتها لا تؤذي
أحدًا، ولا يؤذيها أحد، فلما شبَّت الحرب ظهر أن احتلالها ضروري لمصلحة الحلفاء فاحتلوها،
وغيَّروا نظام الحكم فيها، وقطعوا على أنفسهم العهد مع ذلك؛ لأنهم لن يعرضوا استقلالها للخطر،
ولن يطيلوا الإقامة في أرضها بعد انقضاء الحرب، وقد انقضت الحرب، وما زال الاحتلال للأرض
الإيرانية باقيًا، يقيم الروسيون في جزء من هذه الأرض، ويقيم البريطانيون في جزء آخر، وينظر كل
فريق منهما إلى صاحبه نظرة الشك والاضطراب، ويشيع كل فريق منهما عن صاحبه ما يريد من
الإشاعات.
وتطلب إيران إلى أولئك وهؤلاء أن يفوا بالعهد، فتظفر منهم بالأجوبة الحلوة المعسولة، وتذكر
قول الشاعر القديم:
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ
الثعلب
وتشبُّ الثورة في إيران، تشبُّ نفسها أو يشبُّها الأجنبي، فإذا أرادت إيران أن تقر النظام في
نصابه مُنعت من ذلك منعًا. ويغضب الإنجليز لأن الروس يمنعون إيران من إقرار النظام في المنطقة
الشمالية، ولو شبَّت الثورة في المنطقة البريطانية لجاز أن تمنع إيران من ردِّ النظام إلى
نصابه، ولغضب الروس من تدخل الإنجليز في شئون إيران. أولئك وهؤلاء يفكرون في أنفسهم وفي مصالحهم
أكثر مما يفكرون في إيران ومصالح الإيرانيين.
وفي الثورة الإيرانية خطرٌ على تركيا، وخطر على العراق، فالبريطانيون قلقون لهذا الخطر، لا
لأنه قد يؤذي تركيا أو قد يؤذي العراق، بل لأنه قد يضيِّع بعض المصالح الكبرى للإمبراطورية؛
فينبغي أن يستقر النظام والهدوء في تركيا والعراق لتسلم مصالح الإمبراطورية البريطانية في الشرق
الأدنى، والشرق الأدنى — كما تعلم — هو نقطة الاتصال بين الإمبراطورية ومستعمراتها.
ومن أجل هذا كان هدوء الشرق الأدنى شيئًا خطيرًا جدًّا بالقياس إلى حلفائنا وأصدقائنا
البريطانيين، فيجب ألَّا يتعرض هذا الهدوء لخطر مهما يكن مصدره، ويجب أن يسهر البريطانيون حتى
لا يصل الشر من إيران إلى تركيا أو إلى العراق، ويجب أن يسهر البريطانيون حتى لا تضطرب الأمور
في شرق البحر الأبيض المتوسط بحال من الأحوال، فإذا أخطأ الفرنسيون فنكثوا بوعودهم، واضطرب
السوريون واللبنانيون؛ فإن بريطانيا العظمى قادرة على أن ترد الفرنسيين إلى الصواب، وتضطرهم إلى
البرِّ بالوعد، والوفاء بالعهد، والجلاء عن سوريا ولبنان، فإذا قالت سوريا ولبنان: هذا حسن،
ولكننا نريد الجلاء الكامل، جلاء الأجانب جميعًا؛ قال البريطانيون: سيتم هذا الجلاء، ولكن بعد
أن نتفق على أن الشرَّ يمكن أن يأتي إلى الشرق الأدنى من إيران، كما يمكن أن يأتي من الشرق
الأدنى، من موقف الفرنسيين في سوريا ولبنان، ولكنه يمكن أن يأتي إلى الشرق الأدنى من فلسطين؛
حيث يقوم الانتداب البريطاني، وحيث يعجز هذا الانتداب عن حفظ النظام؛ لأنه لا يريد — أو لا
يستطيع — أن ينصف العرب ويرد الحق إلى أهله.
وهذه هي المشكلة المعقدة حقًّا؛ فليس الروس هم الذين يُعقِّدون الأمر في فلسطين، وليس
الفرنسيون هم الذين يعقِّدون الأمر في فلسطين، وإنما الذين يعقِّدون الأمر هم الإنجليز أنفسهم
وحلفاؤهم الأمريكيون. هم خلقوا مشكلة فلسطين من لا شيء، وهم تبرعوا بما لا يملكون، وهم وعدوا
بما لا يستطيعون تنفيذه، وهم أعطوا وعودًا متناقضة للعرب واليهود جميعًا، وصدَّقهم أولئك
وهؤلاء. فلما حان وقت الوفاء سقط في أيديهم، ووقفوا موقف الحيرة الذي يقفونه، والذي يجر على
الشرق الأدنى وعليهم شرًّا كثيرًا.
وقد يأتي الشر إلى الشرق الأدنى من مصر، فلمصر حقوق تطالب بها، وتعتقد أن قد آن الوقت لترد
إليها هذه الحقوق، وهي تعتقد أنها تملك هذه الحقوق من طبيعة الأشياء؛ لأن الله قد خلقها حرة،
فما ينبغي أن يستعبدها أحد، وهي تملك هذه الحقوق؛ لأنها ضحت في سبيلها بالكثير أثناء الحرب، بل
أثناء الحربين، فإذا لم تُرد إليها هذه الحقوق فقد تغضب، وقد يكون غضبها مصدر شر عظيم، يعرِّض
مصالح الإمبراطورية البريطانية للخطر.
وقد يأتي الشر من أفريقيا الشمالية، فهي أيضًا تريد أن تكون حرة؛ لأن الله قد خلقها حرة،
ولأنها بعيدة العهد جدًّا بالحرية والاستقلال. فالشر — كما ترى — يمكن أن يأتي من كل مكان في
الشرق، ولا بد من الاحتياط له، ولكن كيف يكون هذا الاحتياط …! يكون بإحدى ثلاث ليس لهن رابعة،
الأولى: أن تظل أوروبا في حرب متصلة، فتحشد قوة هائلة في كل جزءٍ من أجزاء الشرق؛ لتمنع أهله من
أن يثوروا. وليس إلى هذه الخصلة سبيل، فأهل أوروبا متعبون، يحتاجون إلى شيءٍ من الراحة،
وإكراههم على الحرب المتصلة لا سبيل إليه. الثانية: أن يذعن الغرب لما يطلبه الشرق، فيرد إليه
حقوقه كاملة، واستقلاله موفورًا، وليس إلى هذه الخصلة من سبيل إلَّا أن تمس الأوروبيين عصًا
ساحرة، فيصبحوا بين لحظة وأخرى ملائكةً أبرارًا. الثالثة: هي أن يلجأ الغرب إلى المداورة
والمناورة، فيصطنع الترغيب حينًا، والترهيب حينًا آخر، والتخويف مرة، والإطماع مرة أخرى.
وهذه هي الخصلة التي سيصطنعها الغرب غدًا؛ لأنه يصطنعها اليوم، ولأنه اصطنعها أمس، ولأنها
بلَّغته إلى الآن كل ما أراد. وليست المسألة المهمة هي ما عسى أن يصطنع الغرب ليواجه طموح الشرق
إلى الحرية، فجواب هذه المسألة معروف، وإنما المسألة هي: ما عسى أن يَصنع الشرق ليجعل طموحه إلى
الحرية حقيقةً واقعةً؟ -
شركة
شركة
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٥ نوفمبر ١٩٤٥
لن تتدخل بريطانيا العظمى في شئون الشرق الأوسط، ولكنها ستنشئ له مكتبًا خاصًّا يُعنى بأمره؛ ليتحقق التعاون بين أجزاء هذا الشرق من جهة، وبينه وبين بريطانيا العظمى من جهة أخرى. وسيكون هذا التعاوُن شاملًا كاملًا مرنًا يتناول بنوع خاص شئون الاقتصاد التي تحقق الرخاء للشرق، وتصلح حياة الرجل العادي وترفع مستوى هذه الحياة إلى الدرجة التي تلائم كرامة الإنسان.
وبريطانيا العظمى لا تريد سيطرةً ولا استعلاءً، وهي من أجل ذلك لن تتدخل في شئون هذا الشرق، ولن تُقحِم نفسها في مشكلاته، ولن تعرض لشئون الحكم فيه؛ لأن هذه الشئون مقصورة على الشعوب نفسها لا ينبغي للأجنبي أن يعرض لها أو يدخل فيها. إنما تريد بريطانيا العظمى أن يقوم الأمر بينها وبين الشرق الأوسط على أساس من المشاركة التي تعتمد على المساواة لا على التفوُّق، وبهذا كله يتحقق الإنصاف الكامل الشامل وينعم الشرق بالحياة الكريمة القائمة على الحرية والاستقلال.
بهذا كله تحدَّث مستر بيفن إلى مجلس العموم حين نوقشت السياسة الخارجية البريطانية في هذا المجلس أول أمس. وهذا كلام كله مرن لا يشبهه في المرونة إلَّا الاستقلال الذي يُراد أن يُعترف به للشرق الأوسط. ومن قبل ذلك تحدث مستر بيفن عن هذه الشركة التي لا تقوم على السيطرة والاستعلاء، وإنما تقوم على العدل والمساواة، وعلى توفير الرخاء وإصلاح الاقتصاد ورفع مستوى الحياة بالقياس إلى الأفراد. تحدث بهذا كله في غير خُطبة من خُطَبِهِ التي ألقاها هنا وهناك، ولا أكاد أعرف أحدًا منَّا وقف عند هذا الحديث إلَّا الأستاذ محمود عزمي الذي تساءَل ذات يوم عن هذه الشركة: أتشمل شئون مصر وحدها أم تشمل معها شئون بريطانيا العظمى؟
فأمَّا غير الأستاذ محمود عزمي من الكُتَّاب فأهملوا شأن هذه الشركة إهمالًا، ولم يُعنَوْا إلَّا بما قاله مستر بيفن من أن بريطانيا العظمى لا تريد أن تتدخل في شئون الشرق ولا أن تعرض لأمور الحكم فيه، ومع ذلك فلهذا الحديث خطر أي خطر؛ لأنه صريح على مرونته واضح على ما يحاول فيه مستر بيفن من الالتواء، وهو يلقي ويكرِّر حتى يوشك أن يجري مجرى الأمثال السائرة والكلمات الشائعة.
وهو يلقي ويكرر في نفس الوقت الذي يتحدث فيه المصريون عن استكمال الاستقلال، والذي يطمح فيه الشرقيون جميعًا إلى تحقيق هذا الاستقلال. فهذا الحديث رسم للسياسة البريطانية بإزاء هذا الاستقلال في المستقبل من الأيام، رسم للسياسة البريطانية التي لا يريد مستر بيفن أن يخرج عنها مهما تكُن الظروف ومهما يكُن من إلحاح المفاوضين المصريين والشرقيين على السواء.
فوزير الخارجية البريطانية إنما يقول بهذا الحديث للمصريين وغيرهم من أهل الشرق: قد نفاوضكم إذا أردتم المفاوضة، وقد نُتِمُّ لكم الاستقلال إذا أردتم أن نتمه لكم، ولكن هذا كله سيكون في هذه الحدود التي ترونها، لن نتدخل في شئونكم، ولكنا لن نخلي بينكم وبين أموركم تقضون فيها كما تشاءون، ولكنا سنقيم الأمر بيننا وبينكم شركة حرة قوامها العدل والمساواة. فإذا سألنا عن هذه الشركة ما موضوعها، فموضوعها واضح جدًّا: الاقتصاد والمال من جهة والدفاع العسكري من جهة أخرى، الاقتصاد والمال لأن بريطانيا العظمى رفيقة جدًّا بأهل الشرق، لا تريد أن يجوعوا ولا أن يظمَئوا ولا أن يَعْرَوْا، وإنما هي كوزارتنا القائمة تريد أن تكفل لهم الغذاء والكساء وتجنبهم الفقر والضُّر، وإن لم تكفل لهم شيئًا وتجنبهم شيئًا، وهي من أجل ذلك لا تريد أن تترك لنا شئون المال والاقتصاد نستقل بها كما نشاء، ونصرفها كما نحب؛ لأن ذلك قد يعرضنا للبؤس والشقاء، ونحن أحب إليها وآثر عندها من أن تتركنا نتعرض للبؤس والشقاء. وهي في الوقت نفسه حريصة على أن تروج تجارتها ويستقر سلطانها المالي والاقتصادي، ولا بد لها من أن تنتفع كما ننتفع نحن أيضًا. فرواج تجارتها واستقرار سلطانها المالي ينفعها من غير شك، وينفعنا من غير شك أيضًا، وكذلك تتحقق الشركة التي تقوم على العدل والمساواة لا على السيطرة والاستعلاء. فإن خطر لنا أن نذهب في التجارة والاقتصاد مذهبًا غير مذهبها، أو أن نلجأ في التصدير والاستيراد إلى غير أسواقها ومصانعها، فنحن ظالمون معتدون، وليس ينبغي لها أن تقرنا على هذا الظلم أو أن تقبل منَّا هذا الاعتداء. وكذلك تتحقق الشركة التي يريدها مستر بيفن بيننا وبين حلفائنا البريطانيين على أساس من العدل والمساواة لا من السيطرة والاستعلاء، ليس لنا أن نتَّجر مع أمريكا مثلًا إلَّا بالمقدار الذي تسمح لنا به شريكتنا وحليفتنا العظمى، ولها هي أن تتَّجِر مع أمريكا وغير أمريكا كما تشاء بالطبع؛ لأنها شريكة لنا في شئوننا نحن لا في شئونها هي. وقد يسمي الناس هذا النوع من الشركة تحكمًا واحتكارًا، ولكنها هي تسميه عدلًا ومساواةً واستقلالًا، وهذا يكفي. ثم هي بالطبع ستُشرِف على ما يكون من تعاوُن اقتصادي ومالي بيننا وبين جيراننا الشرقيين لتنسقه تنسيقًا عادلًا؛ فهي كريمةٌ جدًّا لا تُعنَى برضائنا وحدنا بل تُعنَى برضاء الشرقيين جميعًا. وهي إذن ستُمسِك بيدها ميزان العدل بيننا وبين جيراننا وإخواننا الشرقيين، وستكون هي الحكم إن شجر بيننا خلاف قليل أو كثير، وكذلك يتحقق الاستقلال الجديد في شئون المال والاقتصاد.
وواضح جدًّا أن هذا الاستقلال يجب أن يُحمى، ويجب أن يُصان، ويُردَّ عنه العدوان. فنحن سنظفر بشيءٍ كثيرٍ من الرخاء، وقد يطمع الطامعون في هذا الرخاء ليشاركونا فيه أو ليزاحموا حليفتنا عليه، ولا ينبغي أن يُتاح للطامعين من تحقيق المآرب وإرضاء المنافع؛ لأن ذلك يؤذي الشريكين أحدهما أو كليهما، وكما أننا سنشترك في هذا الرجاء فسنشترك في الدفاع عنه أيضًا، فإذا أضفت إلى ذلك أننا لحسن الحظ نقع في طريق الإمبراطورية ونكوِّن جزءًا خطيرًا من طرق المواصلات بين حليفتنا ومستعمراتها؛ أصبح واضحًا كل الوضوح أن الشركة العسكرية بيننا وبين الحليفة العظيمة ليست أقل لزومًا من الشركة في شئون المال والاقتصاد.
هذا هو كل ما تريده بريطانيا العظمى من مصر ومن الشرق، لا تريد أن تتدخل ولا أن تسيطر، وإنما تريد أن تشارك في ترقية الحياة المادية اليومية، وفي حماية هذه الحياة من عدوان المعتدين. فأمَّا السياسة وشئون الحكم فهي زاهدة فيها كل الزهد، مُعرِضَة عنها كل الإعراض. وما أعرف جوابًا معقولًا لهذا الذي يعرضه علينا وزير الخارجية البريطانية إلَّا أن يغرق الشعب المصري في ضحكٍ عريض لا يكاد ينقضي، فأقل ما يوصف به هذا الكلام هو أنه ساذج لا يقنع أحدًا ولا يخدع أحدًا إلَّا من يريد أن يتعمد الغفلة ويتكلف الاقتناع والانخداع؛ فهذه الشركة التي يريدها مستر بيفن قد نريدها نحن وقد لا نريدها، فإذا رفضناها فما عسى أن يكون رأي مستر بيفن في هذا الرفض، أيرضاه أم يأباه، وإذا قبلناها فقد يكون لنا رأي في تنفيذها تنفيذًا شاملًا أو تنفيذًا منقوصًا، وقد يكون لنا رأي في توقيتها بأجل طويل أو قصير، وقد يكون لنا رأي في موضوعها، فقد نحب أن نشارك البريطانيين في بعض الأمر والأمريكيين أو غيرهم مثلًا في بعضه الآخر. فما عسى أن يكون رأي مستر بيفن في هذا كله، أيرضاه أم يأباه؟ وحماية هذه الشركة أنستقل بها نحن فلا يكون لحلفائنا أي تدخل عسكري في هذه الحماية من قُرب أو من بُعد أن نشترك في هذه الحماية؟ وإذن فأي فرق بين ما سنصل إليه في المستقبل وما نحن مضطرون إليه الآن؟ أيبقى في مصر أو في الشرق جيش بريطاني قليل أو كثير لحماية هذه الشركة أو للمعونة على هذه الحماية؟ وإذن فأين الجلاء؟
وبعد، فهل من الحق أن هذه الشركة إن وجدت تكفل الاستقلال السياسي وتمنع من التدخل في شئون الحكم؟ وكيف السبيل إلى الاستقلال السياسي إذا شارك حلفاؤنا في الحياة الاقتصادية وفي حماية هذه الحياة؟ أليس هذا كله كلامًا إن دل على شيء فإنما يدل على أن وزير الخارجية البريطانية ما زال ينظر إلى الشرقيين على أنهم أطفال يمكن أن يُخدعوا بهذه الألفاظ الحُلوة التي لا تغني شيئًا. فهل يريد الشرقيون وهل يريد المصريون خاصةً أن يكونوا أطفالًا، وأن يُخدعوا بهذه الألفاظ؟ أم هل يريدون أن يكونوا رجالًا وأن يقولوا لوزير الخارجية البريطانية إنهم لا يحبون شيئًا كما يحبون التعاوُن الذي يقوم على الاستقلال الصحيح في شئون المال والاقتصاد وفي شئون السياسة والحرب، وإنهم لا يبغضون شيئًا كما يبغضون هذه الشركات التي يعرفون كيف تبتدئ ولا يعرفون كيف تنتهي. -
تنظيم القوة
تنظيم القوة
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٤ نوفمبر ١٩٤٥
كان اجتماع الرؤساء الثلاثة للدول الكبرى في القرم — أثناء شهر فبراير الماضي — هو الخطوة الأولى الحازمة الحاسمة لمحاولة تنظيم القوة والتسلط بين المنتصرين. ففي ذلك الوقت كان الرؤساء الثلاثة قد استيقنوا بأن بلادهم قد كسبت الحرب كسبًا نهائيًّا، وبأن التسجيل الرسمي لكسب الحرب قد يتم في أيام، أو في أسابيع، ولكنه سيتم من غير شك. وكانوا من أجل ذلك قد قرروا أن يستعدوا لإنشاء العالم الجديد على أساس من تسلط المنتصرين. وكان العالم يظن مخطئًا — فيما يظهر — أن النصر لم يكن مقصورًا على الدول الثلاث الكبرى، وإنما كان شائعًا بين جميع الذين عملوا له وشاركوا فيه، سواءٌ منهم من امتُحن في أول الحرب وألقى السلاح بعد أن جاهد ما وجد إلى الجهاد سبيلًا — كفرنسا وبلجيكا وهولندا — ومن لم يشارك في الحرب مشاركة فعلية تصورها كثرة الجند ووفرة السلاح، ولكنه أعان الحلفاء ما استطاع أن يعينهم بما كان يملك من قوة وجهد؛ فأتاح لهم الثبات حينًا، وعصمهم من الهزيمة المنكرة حينًا آخر.
وكان العالم يعتقد مخطئًا في أكبر الظن أن هذا النصر الذي كسبه الحلفاء جميعًا سيؤتي ثمره للحلفاء جميعًا، فلا يكون بينهم متسلط ولا مقهور. وإنما يشهد العالم في المرة الأولى للتاريخ عدلًا شاملًا، وإنصافًا كاملًا، وتساويًا في الحقوق بين جميع الذين شاركوا في قهر العدو واضطراره إلى التسليم. كان العالم يظن هذا — بل كان يؤمن به — ولكنه لم يكد يرى النتائج التي انتهى إليها مؤتمر يالتا حتى أحسَّ شيئًا منكرًا من خيبة الأمل، وعرف أن الضعفاء لم يزيدوا على أن خدموا سادتهم من الأقوياء، وأن هذا النصر العظيم لن يكون شركة عادلة بين المنتصرين جميعًا، ولن يزيد على أن يكون شركة بين المتفوقين في القوة والممتازين في عدد الجند وكثرة السلاح.
ويجب أن نسجِّل الحق، فنقرر أن فرنسا كانت أول من أنكر هذا الاستئثار، وسخطت على هذا الاستبداد بثمرات كان ينبغي أن تقسم بين المنتصرين جميعًا.
فقد أنكرت فرنسا ما ذهب إليه الرؤساء الثلاثة من استئثار بالتسلط على العالم، وانفراد بتصريف الأمر فيه. ورفضت أن تكون داعية لمؤتمر سان فرنسيسكو، وآثرت أن تنحاز إلى نفسها على أن تعترف بهذا التفوق الذي انتزع من المنتصرين انتزاعًا.
وعلى رغم هذا كله، ذهب الرؤساء الثلاثة مذهبًا غريبًا، أقل ما يوصف به أنه كان يقوم على الخداع والتضليل أكثر مما يقوم على أي شيءٍ آخر؛ فهم قد جعلوا مؤتمر سان فرنسيسكو مطمعًا عزيز المنال، وقرروا ألَّا يشترك في هذا المؤتمر إلَّا الذين يعلنون الحرب الرسمية على ألمانيا واليابان. وخيَّلوا بذلك لبعض الأمم المحايدة — ولبعض الأمم غير المحاربة — أن إعلان الحرب على المحور سيكون وسيلة خطيرة إلى غاية خطيرة هي الاشتراك في تنظيم العالم، ووضع الأسس للحياة الإنسانية الجديدة، على أن يكون العدل والمساواة قوامًا لهذه الأسس، وملاكًا لهذا العالم الجديد.
وقد انخدع العالم بهذه الحيلة، فاستبقت أمم كثيرة إلى هذه الخطوة المضحكة، وأعلنت الحرب على ألمانيا واليابان، بعد أن تحققت هزيمة ألمانيا واليابان. وكانت مصر بين هذه البلاد المخدوعة التي ظنَّت أنها ستفيد من إعلان الحرب على المحور فوائد لا تكاد تحصى ولا تستقصى. وقد جعلت هذه البلاد تتهالك على الحرب المنقضية كما يتهالك الفراش على النار. وإذا هي تعلن الحرب في غير طائل، وتتَّخذ في سبيل هذا الإعلان إجراءات لم تكن في حاجة إلى اتخاذها، وتندفع في ذلك غير محتاطة ولا متحفظة … قد وثقت بالوعود وانخدعت بالآمال، وخيِّل إليها أن الدول الكبرى لا تهزل في مواطن الجِدِّ، ولا تتخذ الخداع الصريح وسيلة من وسائل السياسة.
ثم ينعقد مؤتمر سان فرنسسكو، فتتكشَّف الحوادث عن هذه المأساة المضحكة — أو الملهاة المحزنة — وهي أن الدول الكبرى الثلاث، أو الأربع أو الخمس، لم تتخذ هذا المؤتمر إلَّا وسيلة إلى التكاثر والتنافس والتفوق بكثرة ما تحرز من الأصوات حين يجدُّ الجد، وحين يشجر بينها الخلاف.
فأمَّا الولايات المتحدة فاعتزَّت بالدول الأمريكية الجنوبية، وأمَّا الروسيا فاخترعت لنفسها من نفسها دولًا تؤازرها وتناصرها، وأمَّا بريطانيا العظمى فاعتزَّت بإمبراطوريتها وبمستعمراتها المستقلة، وبالدول التي تخضع لنفوذها خضوعًا ظاهرًا ومستترًا.
وكذلك اختصمت الدول الثلاث الكبرى، واشتدَّ بينها الخصام، ثم اتفقت وحسن بينها الاتفاق. وكانت نتيجة المؤتمر أن قرر الأقوياء والضعفاء جميعًا تسليم الأمر إلى الدول الكبرى وحدها. وكانت النتيجة أيضًا أن الملايين التي ضحَّت بحياتها في سبيل الحق والعدل والمساواة قد ذهبت هباءً، وأن الحرب التي أنيرت في سبيل الديمقراطية ومحو الدكتاتورية في بعض البلاد قد انتهت إلى إقرار دكتاتورية عالمية، يسيطر فيها المنتصرون المتفوقون على المنتصرين والمنهزمين جميعًا.
وفي أثناء ذلك انتهت الحرب في أوروبا؛ فانتهت دكتاتورية هتلر لتقوم مقامها في الأرض دكتاتورية مثلثة أو مربعة أو مخمسة، قُلْ فيها ما تشاء …! ولكنها دكتاتورية على كل حال، لا تعبث بالأفراد ولا بالشعوب في جزء بعينه من الأرض، وإنما تعبث بالأفراد والشعوب جميعًا في جميع أقطار الأرض.
وكان رائعًا حقًّا هذا المؤتمر الذي عقده الرؤساء الثلاثة في بوتسدام، ولم يدع سان فرنسيسكو. كان كل ذلك خليقًا أن يجعل أمر القنبلة الذرية هينًا يسيرًا، وأن يضعها تحت تصرف العالم المتحضر، يمنع بها الظلم، ويرد بها المعتدي إلى الصواب. ولكن الأمريكيين لا يثقون بالعالم المتحضر، وهم من أجل ذلك لا يبيحون سرَّ هذه القنبلة الذرية لأحد من الناس، لا يُبِيحُونه للإنجليز والكنديين الذين شاركوهم في البحث والإنفاق، وأحرى ألَّا يبيحوه للروس الذين لم يشاركوهم في البحث والإنفاق. وإذن فيجب أن يسعى الإنجليز والكنديون إلى الاتفاق مع الأمريكيين على أمر هذه القنبلة: أتكون لهم جميعًا أم تكون للأمريكيين من دون الحلفاء والشركاء؟
وفي سبيل هذا السعي يسافر رئيس الوزارة البريطانية إلى واشنطون، ويغير رئيس الوزارة الكندية منهاج زيارته لأوروبا، فيعود إلى أمريكا ليشترك في هذا البحث. أمَّا الروس فيائسون من الأمريكيين ويثقون بأنفسهم … لقد وجد الأمريكيون قنبلة ذرية، فيجب أن يجد الروسيون قنبلة ذرية أخرى، ويقال إنهم وجدوها بالفعل. وأمَّا فرنسا فقد كانت هي المبكِّرة للبحث عن القنبلة الذرية، وهي التي سبقت إلى الاستكشافات الأولى، ولو أمهلتها الحرب لانتهت بالبحث إلى غايته، ولكن الحرب لم تمهلها، فأهدت ما ظفرت به إلى الإنجليز والأمريكيين.
وهي الآن قد استردت حريتها، ولكنها مضعضعة مزعزعة، مضطربة السياسة والاقتصاد. ومع ذلك فيجب أن تجد قنبلتها الذرية أيضًا، ولا ينبغي أن تتخلف بعد أن كانت سابقة. وإذن فهي تنشئ معهدًا خاصًّا للبحث عن القنبلة الذرية، وتقتطع لهذا المعهد من ميزانيتها المزعزعة المضعضعة مبلغًا ضخمًا ستتبعه مبالغ ضخمة. وإذن فلن تكون في العالم قنبلة ذرية واحدة، بل ستكون فيه على أقل تقدير قنابل ذرية ثلاث: إحداها عند الإنجليز السكسونيين — إن تم الاتفاق بين البريطانيين والأمريكيين — والثانية عند الروس، والثالثة عند الفرنسيين. وستصبح القنبلة الذرية سلاحًا كغيره من الأسلحة يكثر ويشيع، حتى يلغي بعضه بعضًا، وحتى يصبح خطره قليلًا ضئيلًا.
وليس العلم مقصورًا على هذه الأمم الثلاث، ولكن أممًا أوروبية أخرى قد تكون صغيرة، ولكن فيها علماء يستطيعون أن يبحثوا، ومعامل يمكن أن تجرى فيها التجارب. وإذن فاعتداد الولايات المتحدة الأمريكية بالقنبلة الذرية إن كان خطيرًا اليوم فلن يكون خطيرًا غدًا، وسينظر العالم — أو سينظر سادة العالم — فإذا هم مضطرون إلى أن يختاروا بين اثنتين لا ثالثة لهما، فإما أن يستبقوا في الاختراع والاستكشاف، ثم ينتهوا بالاختراع والاستكشاف إلى غايتهما، فتكون الحرب المدمرة التي لا تُبْقِي على شيء، ويخلو العالم من هذا الإنسان المتمرِّد المغرور الذي لا يُرِيح ولا يستريح. وإمَّا أن يتفقوا على خطة سواء تنظِّم القوة تنظيمًا عادلًا، وتُخْضِعها للحق بعد أن خضع الحق لها دهرًا طويلًا، فتمضي الحضارة في سبيلها إلى الرقي، ويستطيع الإنسان أن يسيطر على الطبيعة حقًّا، وأن يستغلَّ مصادر هذه الطبيعة لما ينبغي أن تستغل له من إصلاح الحياة وترقيتها، وإباحة السعادة لهذا الإنسان الذي منح العقل ليكون سعيدًا، فلم يَعُدْ عليه العقل إلَّا بالبؤس والشقاء.
هذه هي الحال بين السادة المتفوقين الذين استغلوا العالم حتى انتصروا، والذين يريدون أن يستعبدوا العالم في السلم كما استعبدوه في الحرب، وهي حال تقوم — كما ترى — على الشك والخوف وسوء الظن. فأمَّا الضعفاء الذين أخلصوا في الحرب وضَحَّوْا بأنفسهم وأموالهم ولذاتهم ومرافقهم ليُعْلُوا كلمة الحق ولتمتلئ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا؛ فهم ينظرون فيرون أن العدل ينأى عنهم وقد كانوا يظنونه قريبًا، وأن الجور يسيطر عليهم وقد كانوا يحسبونه بعيدًا. وهم لا يزالون إلى الآن دهشين، يظنون أنهم لا يحلمون، وقد يطول دهشهم أو يقصر. ولكنه سيتخلى عنهم في يوم من الأيام، وستثوب إليهم عقولهم، أو سيثوبون هم إلى عقولهم، وسترى الأرض يومئذ أن عليها شعوبًا تؤثر أن تفنى على أن تستعبد إلى غير حد، وتستذل إلى غير مدى. ومن يدري؟ لعل الشعوب أن توفق في يوم من الأيام إلى إخضاع سادتها وساستها لشيء من القصد والاعتدال …!