إقبال – شاعر فرض نفسه على الدنيا والزمان
طه حسين
؟؟؟
؟؟؟؟
شاعران إسلاميان رفعا مجد الآداب الإسلامية إلى الذروة، وفرضا هذا المجد الأدبي الإسلامي على الزمان؛ أحدهما: إقبال شاعر الهند والباكستان، وثانيهما: أبو العلاء شاعر العرب.
شاعران يتقاربان كأشد ما يكون التقارب، ثم يتباعدان كأعظم ما يكون التباعد. كلاهما شاعر أولًا وكلاهما فيلسوف وكلاهما أخضع الفلسفة للشعر، وأخضع الشعر للفلسفة. وما أصعب التوفيق بين هذيْن الفنَّيْنِ الخطيريْن! وكلاهما تصوَّفَ حتى بلغ الغاية من التصوُّفِ، وكلاهما — بعد ذلك — خرج على التصوف التقليدي المعروف، واتخذ لنفسه سبيلًا خاصًّا في التصوف لا يكاد يشاركه فيه أحد غيره. وكلاهما أثبت شخصيته كأقوى ما يكون إثبات الشخصية، ودعا الإنسانَ إلى أن يعرف نفسه حقَّ معرفتها، وإلى أن يفرضَ نفسه على الدنيا، ويفرضها على الزمان، ولا يفنيها في أحد غيره مهما يكن. ولكنهما بعد ذلك يختلفان ويفترقان أشد الافتراق، أحدهما — وهو أبو العلاء — كان في أيامه ينظر إلى الهند ويطيل النظر إليها والأخذ عنها والتأثر بها، حتى التزم في حياته حياة المتنسكين من البراهمة.
والآخر — وهو إقبال — كان ينظر إلى العرب ويشيد بهم، ويُثني عليهم، ويتخذَهم المثل الأعلى للإنسانية الجديرة بالوجود والحياة والبقاء.
كلاهما آمن بشخصيته، ودعا الناس إلى أن يؤمنوا بأنفسهم. ولكن أحدهما — وهو أبو العلاء — آمن بشخصيته إيمانًا انتهى به إلى اليأس والسلب، وانتهى به إلى اعتزال الناس، وإن أحبهم كما لم يحبهم أحد قبله.
والآخر آمن بنفسه والتمس مَثَلَهُ عند العرب ولم يلتمسه قريبًا منه في الهند. ثم لم يعتزل وإنما كره العُزلة. ولم يرفض الحياة وطيِّباتها، وإنما أخذ منها بحظٍّ معقولٍ. ولم يلغِ غرائزه كما فعل أبو العلاء، وإنما دبَّر وسيطر وحكَّمَ عقله فيها.
وكذلك يتفق هذان الرجلان العظيمان أعظم الاتفاق وأقواه. ثم يختلفان أبعد الاختلاف وأنهاه.
كان أبو العلاء لا يزدري الناس كما ازدراهم إلا لفكرةٍ واحدةٍ. كان يزدريهم أشد الازدراء؛ لأنهم يفنون أنفسهم في السادة، ويفنون أنفسهم في الرؤساء، ويستعبدون أنفسهم للملوك والأمراء. وكان حريصًا أشد الحرص على أن يشعر الناس بأنهم يجب أن يكونوا أكرم على أنفسهم من هذا، ويجب أن يتوحدوا كما توحد ربهم:
توحَّدْ فإنَّ اللهَ ربَّكَ واحدٌولا ترغبْن في عِشْرَة الرُّؤساء
كان أبو العلاء إذن يريد أن يشعر الناس بأنفسهم، ويعرفوا حقهم، ويفرضوا شخصيَّتهم على الدنيا، وأن يرفعوا أنفسهم عن الخضوع والفناء. وكان يعيب الأمراء ويعيب الملوك ويراهم ظَلمةً مجرمين:
مُلَّ المُقامُ فكم أُعاشِرُ أُمَّةًأمرَتْ بغير صلاحها أُمراؤها!ظلموا الرعيَّة واستجازوا كيدهاوعدَوْا مصالحَها وهم أُجراؤها
ولكن هذا كله لم يهون على أبي العلاء أن يحيا مع الناس كما كانوا يحيون. رأى أن الحياة الاجتماعية في عصره لا تستقيم له إلا إذا أنكر نفسه وأصبح خادمًا كغيره من هؤلاء الخدم الكثيرين الذين كانوا يسودون ويذلون في الوقت نفسه للملوك والرؤساء، فنفى نفسه من الأرض ولزم داره وأقام فيها لا يخرج منها خمسين عامًا أو نحو خمسين عامًا.
أمَّا إقبال فإنه آمن بشخصيته أشد الإيمان كما آمن بها أبو العلاء، ولكنه لم يكتفِ بأن يؤمن بنفسه، ثم يكتفي بهذا الإيمان قانعًا بنفسه زاهدًا في إحياء هذه الشخصية في الناس جميعًا. وإنما كان إيجابيًّا؛ كان حريصًا أشد الحرص على أن يؤمن بنفسه، وأن يحمل الناس على أن يؤمنوا به. أن يؤمن بشخصيته ويحمل الناس، لا في الباكستان والهند وحدهما، ولا في العالم الإسلامي وحده؛ بل في العالم الإنساني كله. كان حريصًا على أن تكون حياة الإنسان قائمةً على إيمان الفرد بنفسه، وعلى أن يفرض الفرد نفسه على الحياة، لا أن يخضعَ لها، ويفنى في هذا المظهر أو ذاك من مظاهرها. وكان في الوقت نفسه منطقيًّا مع هذا الرأي الفلسفي الخطير. كان اجتماعيًّا كأشد ما يكون الإنسان إخلاصًا للجماعة، وإن أفنى حياته كلها مرشدًا مُعلمًا ناصحًا داعيًا للعالم الإسلامي وللإنسان إلى أن يكرم على نفسه ليكرم على الناس وليكرم على الحياة. ولكنه في الوقت نفسه كان يرى أن هذه الحياة التي يخلص الإنسان فيها للإنسان، وينصح الإنسان فيها للإنسان، ويعين الإنسان فيها الإنسان، لا تستقيم ولا تصلح ولا تُؤتي ثمرتها إلا إذا انفصل الإنسان عن الإنسان وآمن بأن له وجوده الفردي الخاص. وبأن هذا الخير الذي يذيعه في الناس والذي يريد أن يملأ به الأرض يجب أن يصدر عنه هو من حيث إنه فردٌ مستقلٌّ كائنٌ خاص ممتاز عن غيره، يريد الخير ويصدره عن نفسه مريدًا عامدًا لا كما يصدر الضوء عن السراج دون أن تكون للسراج فيه إرادة، بل كما يصدر الضوء والنور عن الله؛ لأن الله يريد أن يملأ الأرض وأن يملأ العالم ضوءًا ونورًا.
والذي كان يريده إقبالٌ للفرد كان يريد مثله للجماعات، حين يتاح لها أن تأتلف وأن توحد بينها هذه المقومات التي تكون منها أمة مشتركة المنافع مشتركة الآمال والغايات والآلام والحاجات.
وهو من أجلها لم يدعُ إلى شيء كما دعا إلى أن يكون المسلمون في هذه القارة التي نسميها قارة الهند، لم يكن يدعو إلى شيءٍ كما كان يدعو إلى أن يمتاز المسلمون ما دامت بينهم هذه الخصائص التي تجمع، ولهم هذه الآمال وهذه الآلام وهذه الغايات العليا التي يشتركون فيها جميعًا وتخالط قلوبهم وضمائرهم جميعًا. فيجب أن يمتازوا وأن يكون لهم وجودهم السياسي والاجتماعي الخاص وأن يصدروا فيما يكون بينهم وبين غيرهم من أهل الهند، وفيما يكون بينهم وبين غيرهم من الناس جميعًا، عن إرادة للخير وإرادة للنصح وإرادة للتعاون والتضامن في ترقية الحضارة ونفع الإنسان، والخروج به من هذه الحياة الشريرة المظلمة التي يحياها إلى حياةٍ أخرى خير منها.
كان إذن حريصًا على أن يتوحد الفرد في وجوده، وعلى أن تتوحد الأمة في وجودها. وعلى أن يكون هذا التوحيد وسيلةً إلى التضامن الذي يصدر عن الإرادة ولا يصدر عن الغريزة، يصدر عن القلب وعن العقل وعن التفكير، بحيث يكون الإنسان — كما قال أرسطاطاليس — حيوانًا اجتماعيًّا، ولكن حيوانًا اجتماعيًّا في إرادته، وعن رأيه وعقله، لا بغريزته كما تكون النحل أو كما تكون النمل. فالإنسان هو خير ما في هذه الأرض من الكائنات التي أتيحت لها الحياة، فيجب أن يمتاز في الأرض ويجب أن يمتاز أفراده، وأن تمتاز أممه، وأن يتحقق بين الناس هذا الامتياز الذي يتيح لكل فرد منها استقلاله، وهذا التضامن الذي يتيح لهم جميعًا أن يتعاونوا على البر والتقوى وألا يتعاونوا على الإثم والعدوان.
ومن أجل هذا، ومن أجل حرص إقبال على هذه الشخصية، وعلى أن يحرص الإنسان أشد الحرص على أن يتوحد كما توحد الله، وعلى أن يمتاز كما امتاز الله، وعلى أن يسود الأرض التي سخرها الله له، ويُخضع الطبيعة التي سخرها الله له؛ من أجل هذا كله ظن بعض الأوروبيين الذين قرءوا فلسفة إقبالٍ وشعره عندما ترجمه نيكلسون إلى الإنجليزية، ظنوا أنه متأثر بنتشه، ومتأثر بنتشه في مذهبه في الإنسان الممتاز أو «السوبر مان». ولكن إقبالًا نفسه رد على هؤلاء الناس فقال أنه عندما جهر بمذاهبه هذه لم يكن يعرف نتشه، ولم يكن يعرف أن في الأرض إنسانًا يُسمَّى بهذا الاسم، وأنه إنما عرف الغرب وفلاسفة الغرب بأخرة بعد أن أنشأ فلسفته وآدابه، وبعد أن تقدم بهذه الفلسفة وبهذا الأدب شوطًا بعيدًا.
ومهما يكن من شيء، فهذان الشاعران العظيمان لم يعرف الإسلام مثلهما قبل أبي العلاء، ونرجو أن يعرف الإسلام مثلهما بعد إقبال. ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن الإسلام لم يعرف مثل هذين الشاعرين لا قبل أبي العلاء ولا بين أبي العلاء وبين إقبال.
احتاج المسلمون إلى نحو عشرة قرونٍ ليوجد بينهم ثانٍ لأبي العلاء. ولكن إقبالًا كان أحسن حظًّا من صاحبه؛ فهو قد عاش في عصرٍ غير العصر الذي عاش فيه صاحبه. عاش أبو العلاء في عصرٍ كان المسلمون قد أخذوا يضعفون وينحطون فيه. وأخذ العنصر الأعجمي والعنصر التركي بنوعٍ خاص يتسلط فيه على المسلمين. وأخذت أوروبا تتحفز لغزو الشرق في غزواتها الصليبية المعروفة، فكان ساخطًا على الحياة مهيبًا بالمسلمين أن يغيروا من أمر أنفسهم ليُغيِّر اللهُ من أمرهم.
وعاش إقبالٌ في عصرٍ آخر، عصرٍ كان المسلمون فيه، كما نراهم الآن، متفرقين ومن حقهم أن يأتلفوا، ضعافًا ومن حقهم أن يقووا، وفي الوقت نفسه فيهم استعداد وتحفز للنهضة والقوة والحياة والتضامن. ولكنَّ لهم أعداء خطيرين يدبرون لهم الكيد ويضمرون لهم المكروه، وهم هؤلاء المستعمرون في الغرب. فالعصران يتشابهان من جهة ويختلفان أشد الاختلاف من جهةٍ أخرى. فلم يعرف أبو العلاء هذا العلم الكثير الذي أتيح لإقبالٍ أن يعرفه. ولم يعرف هذه الفلسفة الكثيرة التي أتيح لإقبالٍ أن يعرفها. ولم يعرف هذه الحضارة المادية الهائلة التي استطاع إقبالٌ أن يعرفها، وأن يقبل منها أقلها ويرفض أكثرها.
ودعوة الرجلين واحدة: كلاهما يدعو العالم الإسلامي أولًا والإنسان ثانيًا إلى أن يعرف نفسه وحقه ويفرضهما فرضًا. ولا يفنى في أحدٍ مهما يكن، ولا يفنى حتى في الله نفسه.
وأشد ما ينكره إقبالٌ، وأشد ما ينكره أبو العلاء على المتصوفة فكرة الفناء هذه. فأبو العلاء ناقش المتصوفة أشد المناقشة، ولم يكره من مذهبهم شيئًا كما كره منهم هذا الفناء في الذات الإلهية الذي يقولون به. كما كره منهم العبث بعقول الناس. وإقبالٌ متصوفٌ متقشفٌ مدركٌ للفلسفةِ العليا وللمثل العليا في أروع صورها وأجملها. ولكنه لا يريد مطلقًا أن يفنى في هذا النور الإلهي الخطير العظيم؛ بل إنما يجب أن يحتفظ بشخصيته وأن ينظر إلى هذا النور ويطالعه ويخاطب ربه خطاب العالِم به المريد أن يخاطبه وأن يسمع منه، لا لأن يفنى فيه وينكر وجوده وينكر نفسه ويصبح ضائعًا في هذه القوة الإلهية العليا. لا يريد أن يضيع، ولا يريد لأحدٍ من الناس أن يضيع، ولا يريد للإنسان أن يفنى في الإنسان، ولا أن يفنى في الله. إنما يريد للإنسان أن يعين الإنسان، وأن يتضامن معه على الخير، وأن يعبد الله عالمًا به مكبرًا له، ولكن معترفًا بنفسه ومؤمنًا بها. ذلك لأن الله عندما أمر الناس بعبادته لم يأمرهم بأن يفنوا أنفسهم فيه، وإنما أمرهم بأن يعيشوا أحرارًا مؤمنين بشخصيتهم مستقلين. ولولا هذا لما كلفهم هذه التكاليف التي فرضها عليهم؛ فإن الله لم يكن ليكلف نفسًا أن يصلي ويصوم ويؤدي الزكاة ويحج … إلى آخر هذه التكاليف التي فرضها على الإنسان. فنفس هذه التكاليف التي فُرضت على الإنسان إنما فُرضت عليه ليكون فردًا مستقلًّا، مستقلًّا ثابتًا أمام ربه، يعبده عن إرادة لهذه العبادة، ويذعن له عن إرادة لهذا الإذعان.
والغريب أن الرجلين اشتركا أيضًا في هذا التفكير المتصل بالملأ الأعلى. وكلاهما فكر في هذه المعجزة التي جاءت في القرآن، وهي معجزة الإسراء. فكر في هذا كلاهما، وحاول كلاهما أن يسري كما أسري بالنبي.
فأبو العلاء فكر في الجنة وفكر في النار وحرص على أن يسيح في الجنة والنار، وأن يكون متفرجًا، وأن يتحدث إلى الناس عن الجنة والنار، وعما يكون في الجنة والنار؛ فألَّف «رسالة الغفران».
وصاحبنا الذي نذكره اليوم مكبرين له مجلين له أبى هو أيضًا إلا أن يعرج في السماء كما عرج محمد ﷺ.
ولكن كلا الرجلين عرجا إلى السماء في خيالهما. وإقبال يزور السموات ويتخذ له من هذه الزيارة دليلًا من المتصوفة هو جلال الدين الرومي، فيزور القمر ويزور المريخ ويزور كواكب كثيرة. صاحبه هذا يدله كما كان «دانتي» في القرون الوسطى يطوف بالجنة والنار والأعراف ومعه الشاعر اللاتيني القديم «فرجيل» يهديه في هذا التطواف. كذلك فعل إقبال، وأكبر الظن أنه لم يعرف دانتي إلا في العصر الأخير من حياته.
مهما يكن من شيءٍ فقد طوف إقبال في السموات كما طوف فيها أبو العلاء. ولكن النتيجة لهاتين الزيارتيْن متناقضة عند الرجليْن أعظم التناقض. فأما أبو العلاء فعاد من زيارته للجنان والنار ساخرًا منكرًا يوشك أن يخرج على الدين. وأما إقبال فعاد من زيارته مؤمنًا متعظًا معتبرًا يريد أن يملأ الدنيا موعظةً وعبرةً بعد هذه الزيارة إلى هذه السموات.
أفنى الأستاذ الصديق عبد الوهاب عزام وقتًا كبيرًا وبذل جهدًا عظيمًا وقدم إلينا حياة إقبال وطائفة من شعر إقبالٍ. وهو ماضٍ في ترجمة ما بقي من شعره. فنحن مدينون له بكل ما نعرفه عن إقبالٍ باللغة العربية، وسيزداد هذا الديْنُ شيئًا فشيئًا كلما أضاف إلى تراجمه التي بين أيدينا ترجمةً أخرى. وأحب أن نكون أوفياء وأن نكون كرامًا على أنفسنا. وأول حقوق الكرامة هو أن نعرف الحق لأهله، وأن نذكر إقبال أداءً لما له علينا جميعًا من ديْنٍ. فهو الذي دعانا إلى الخير وأشاع فينا هذا الأمر بأن نعرف أنفسنا وحقوقنا ونجاهد في سبيل الحق والخير والجمال.
وإذا ذكرنا إقبالًا وأكبرناه وتمنينا أن تنفعَ كلماته هذه الخالدة، وأن يصبح المسلمون جميعًا متأثرين بهذه المذاهب العليا، إذا ذكرنا اليوم إقبالًا وأكبرناه، فأظن من أيسر الحق علينا أن نذكر ونشكر الأستاذ عبد الوهاب عزام؛ فهو الذي كان صلةً بيننا وبين إقبالٍ.
Tag: الشعر
-
إقبال – شاعر فرض نفسه على الدنيا والزمان | Iqbal: A Poet Who Imposed Himself on the World and Time
-
لا تظلموا الموتى! | Do Not Wrong the Dead!
لا تظلموا الموتى!
طه حسين
النداء
٢٠ أبريل ١٩٤٨
لم ينشط للعب النرد كما تعوَّد أن يفعل كلما لقي أنداده في ناديهم حين يرتفع الضحى من كل يوم؛ فقد كان سريعًا إلى الاستجابة كلما دعاه إلى هذا اللعب واحد من هؤلاء الأنداد. ربما سبق هو إلى الدعاء فتخيَّر من أصحابه هذا أو ذاك ودعاه في شيء من التحدي إلى عشرة من هذه العشرات التي يُضيِّع الفارغون فيها بعضَ ما يثقل عليهم من الوقت، وربما أصبح واترًا أو موتورًا فدعا خصمه إلى المبارزة أو دعاه خصمه إلى المبارزة ليصلحا ما كان من الهزيمة التي تفرقا عنها أمس حين أقبل الليل وصرفتهما عن اللعب شئون الجد أو شئون الفراغ.
ولكنه في ذلك الضحى لم ينشط للعب … لم يَدْعُ أحدًا ولم يستجب لأحد، وإنما آثر الإقبال على الحديث والاستماع في غير جهد يسير أو ثقيل، ولاحظ منه أصحابه هذا الفتور ولاحظوا أنه كان يصغي إلى أحاديثهم بإحدى أذنيه، فيسمع حينًا ولا يسمع أحيانًا، ويفهم قليلًا ولا يفهم كثيرًا، ولا يشارك فيما كانوا يخوضون فيها إلا مشاركة ضئيلة ذاهلة كأنما حضر مجلسهم بجسمه وأرسل نفسه أو انصرفت عنه نفسه إلى بعض ما يهم من الأمر يلتمسه في مكان مجهول من السماء أو في مكان بعيد من الأرض!
فلما طال منه ذلك على أصحابه؛ قال له أحدهم في صيحة متضاحكة: ما خطبك؟! إنك لمشغول بأمر ذي خطر منذ اليوم. قال، وقد ثابَتْ إليه نَفْسُه وجعل لسانه يدور في فمه دورانًا بطيئًا بما كان يقول: لم أُشْغَل بأمر يسير ولا خطير، وإنما أنا مُتْعَب مكدود؛ لأني أنفقتُ ليلة بيضاء أو كالبيضاء لم أذق فيها النوم إلا غرارًا، وكنت أنت مصدر ذلك الأرق الذي شقيتُ به أثناء الليل ومصدر هذا العناء الذي أشقى به منذ اليوم!
قال صاحبه متضاحكًا: أنا؟! وكيف كان ذلك؟! قال بعض القوم مُغْرِقًا في الضحك، وقد ذكر عهد المدرسة الثانوية: زعموا أن … ثم أقبلَتِ الجماعةُ على الباشا المُتعَب المكدود يريدون أن يعرفوا قصته ويتبينوا لماذا أرق في ليله وشقي في نهاره …
ولكن الباشا ظلَّ مشرد النفس معقود اللسان، قد ثبتت على ثغره ابتسامة شاحبة تريد أن تتكلف الابتهاج فلا تخرج من الاكتئاب، فلما ألح القوم عليه في المسألة قال لصاحبه في صوت فاتر: ألا تذكر ذلك البيت الذي أنشدته أمس حين كنا نتحدث عن بعض ما قرأنا في الصحف، قال صاحبه مبتسمًا:
لا تَظْلِموا الموتى وإنْ طالَ المدى إنِّي أخاف عليكمو أن تلتقوا
قال الباشا: هو ذاك، فاعلم إن كان هذا يسرك أني قد لقيتُ بعض الموتى من ليلتي هذه، هنالك أغرقَتِ الجماعةُ في ضحك متصل ضاق به الباشا أشد الضيق، وكاد يترك له مجلسه لولا أن ثاب إلى القوم بعضُ الهدوء، ولكن بعضهم مع ذلك جعل يقول لبعض: كيف لقي الموت من ليلته هذه؟! فإن الأحياء لا يلقون الموتى وهم أحياء، وإنما يمكن أن يلقوهم في الدار الآخرة بعد أن يفارقوا هذه الحياة، وما إلى غير هذا قصد أبو العلاء.
قال الباشا: لا أدري إلامَ قصد أبو العلاء، ولكني لقيتُ بعض الموتى من ليلتي هذه ولم ألقَهم مرة ولا مرتين وإنما لقيتهم مرات، وكان فيهم أبو العلاء، وقد ضِقْتُ بلقائهم أشد الضيق حتى وثبتُ من سريري وهجرتُ غرفة نومي وتكلفتُ من العمل ما يَحُول بيني وبين النوم إلى أن ينقضي الليل ويُقْبِل الصبح، وخرجتُ من داري ضيقًا بالنوم واليقظة جميعًا أَجِدُ من الجهد والإعياء ما يُحَبِّب إليَّ النوم، وأَجِدُ من القلق والخوف ما يُبَغِّض إليَّ النوم.
قال بعض القوم: أضغاث أحلام. وقال بعض القوم: فهلا استشرتَ الطبيب؟! وقال بعض القوم وهو يُخْرِج من جيبه علبة صغيرة: خُذْ واحدًا من هذه الأقراص؛ فإذا أويتَ إلى مضجعك بعد الغداء، فستُقْبِل على نوم هادئ مريح يضع عنك ثقل الأرق وثقل ما تَجِد الآن من الجهد.
قال مُنْشِد البيت: ولكن اقصص علينا رؤياك، فمن يدري لعلنا نجد لها تأويلًا، ولعل هذا التأويل أن يكون خيرًا من استشارة الطبيب واتخاذ الدواء.
قال الباشا: لقد سمعتُ هذا البيت، ولا أدري لماذا استقر في قلبي فلم ينصرف عني ولم أنصرف عنه إلى آخر السهرة، ولم ينصرف عني ولم أنصرف عنه منذ افترقنا إلى أن بلغتُ الدار وآويتُ إلى مضجعي، وإنما كان يدور في قلبي كما تدور النَّحْلة التي يلقيها الصبي، ولولا أني كنتُ أدفع نفسي أشد الدفاع لتردَّدَ على لساني تردُّدًا متصلًا، ولكني صبَّرْتُ نفسي عليه وعقدتُ لساني عن النطق به، وحاولتُ أن أنصرف عنه إلى غيره من الشعر أو إلى غيره من الخواطر فلم أستطع، وإنما وجدتني أدخل في النوم وقد نسيتُ أحد شطريه وجعل شطره الآخر يتردَّد في نفسي:
إني أخاف عليكمو أن تلتقوا … أن … أن … أن تلتقوا …
ثم أفقد نفسي، ثم أراني في مكان لا أذكر منه إلا أنه كان بعيد الأرجاء، مترامي الأطراف، يمتد البصر فيه إلى أبعد مدى دون أن يرى شيئًا يقفه أو يحده، وقد ترقرق في هذا المكان الواسع المنبسط ضوء ليس بالناصع ولا بالساطع، إنما هو شيء شاحب يكاد يبلغ القتمة، وهو على ذلك يشيع في النفس حزنًا وحسرة وأسى.
وأرى جماعات متفرقة هنا وهناك لا يتحدثون فيما بينهم إلا همسًا، أرى أنهم يتحدثون ولا أسمع مما يقولون شيئًا، ثم أرى صديقنا ذاك الذي أنشدتنا بيت أبي العلاء بعد أن قرأتَ علينا ما نشرتْ له الصحف، أراه مقبلًا يشتد كأنه الطفل يعدو هربًا من شر يجدُّ في أثره، حتى إذا كاد يبلغني أومأ إليَّ إيماءة فيها شيء من خوف كأنه يستفتيني، ولا أكاد أهم بتحيته وسؤاله حتى أراه قد وقف فجأة كأنما لصقت قدماه بالأرض، ثم أنظر فأرى شخصين أعرفهما وتعرفونهما قد أقبلا يسعيان في هدوء وعلى ثغرهما ابتسامة فيها قليل من غضب وكثير من سخرية، فأما أحدهما فسعى حتى بلغ صديقنا ذاك فقام عن يمينه وأخذ بأذنه اليمنى، وأما الآخر فقام عن شماله وأخذ بأذنه اليسرى، وجعلا يعركان أذنيه عركًا شديدًا وهو يتضور بينهما يريد أن يخلص منهما فلا يَجِد إلى ذلك سبيلًا. يقول له أحدهما: لقد أضفتَ إليَّ مِنَ القول ما لم أقُلْ. ويقول له الآخر: لقد أضفتَ إليَّ من العمل ما لم أعمل. ثم يقول له أحدهما: لقد تحدثتَ عن قلبي بما لا علم لك به. ويقول له الآخر: لقد أهدرت ما كان لي عليك من حق الوفاء.
وهو يتململ ويتضور يريد أن يستأخر أو يستقدم فلا يستطيع، يريد أن يتضاءل حتى يلتصق بالأرض لعله يخلص أذنيه من أيديهما فلا يستطيع أن يشكو أو يعتذر أو يخفف عن نفسه بالصياح بعض ما يجد من الألم فلا يستطيع، وإنما ترتسم على وجهه آيات منكرة تصور الروع والهول والألم الذي لا سبيل إلى وصفه، ورجل رزين رصين نعرفه كلنا قد قام غير بعيد ينظر ويبتسم في هدوء لا يقول شيئًا، وأهم أن أسعى إلى صديقنا لعلِّي أن أرُدَّ عنه شرًّا، ولكني أسمع صوتًا، فالتفتُّ وإذا شيخ ضرير قد جلس على الأرض وانعطف أعلاه على أسفله، وجعل يعبث بأصابعه في التراب وهو ينشد شعرًا لم أسمعه قط، ولكني أفقتُ من نومي مذعورًا وقد حفظتُه:
ومهما كان في دنياك أمر فما تخليك من قمر وشمسِ
وآخرها بأولها شبيه وتصبح في عجائبها وتمسي
قدوم أصاغر ورحيل شيب وهجرة منزل وحلول رمسِ
إذا قلتُ المحال رفعتُ صوتي وإن قلتُ اليقين أطلتُ همسي
ويهم بعض القوم أن يتكلم، ولكن الباشا يمضي في حديثه قائلًا: لقد هببتُ من نومي ضيقًا بهذا الحلم ولم أشُكَّ في أنه الكابوس، فأخرج من سريري، وأمشي في غرفتي ذاهبًا جائيًا، وأشغل نفسي ببعض القراءة، حتى إذا أحسستُ الحاجة إلى النوم أويتُ إلى مضجعي، وما أكاد أغفل حتى أرى هذا المنظر، فأثوب إلى اليقظة مروعًا وأعود إلى القراءة، ثم إلى النوم ثم إلى اليقظة … أفعل ذلك مرات أربعًا، ثم أستيئس من الراحة فأترك الغرفة وأفزع إلى مكتبي وأنفق فيه سائر الليل، ويسألني أهلي عن مكاني من هذا المكتب قبل إبان العمل فأخفي عليهم الأمر وأصرف عنهم القلق، وأزعم لهم أني سهرتُ لبعض العمل وأغرقتُ فيه حتى نسيتُ الليل والنوم.
ثم يتجه إلى منشد البيت قائلًا: ألا ترى أنت؟! أنت مصدر ما شقيتُ به من أرق وما أشقى به الآن من عناء. قال صاحبه وعلى ثغره ابتسامة ساخرة ماكرة: لن أنشدك منذ الآن شعرًا إذا أقبل الليل، ولكني أنصح لك بأن تستشير طبيب الأعصاب لعله يَرُدُّ عليك الهدوء، وبأن تقص رؤياك على صدقي باشا لعله يتجنب في مذكراته حديث الموتى:
لا تظلموا الموتى وإن طال المدى إني أخاف عليكمو أن تلتقوا -
الخيال الطارق | The Knocking Phantom
الخيال الطارق
للدكتور طه حسين
أقبل صاحبي وجه النهار مرتاعاً حائل اللون، شاحب الوجه، حائر الطرف، طائر اللب، كأنما ألمّ به طائف من الجن فروّعه ترويعاً، وأخرجه عن ذلك الطور الهادئ الرزين الذي كنت أعرفه منه إذا لقيته فتحدثت إليه، واستمعت لأحاديثه المطمئنة العذبة الخصبة.
أقبل مرتاعاً لا يكاد يبين إذا تحدث أو همّ بالحديث، بل لا يكاد يستقر في مجلس، بل لا يكاد يمسك جسمه من رعدة كانت تلمّ به من حين إلى حين فتهزه هزاً عنيفاً، وتذكّر بقول ذلك الشاعر القديم:
وإني لتعروني لذكراك هزة … كما انتفض العصفور بلله القطر
وأشهد لقد أنفقت كثيراً من الجهد، واصطنعت فنوناً من الحيلة، لأرده إلى ما ألفت فيه من دعة وأمن وهدوء، ولقد افتقدت في تلك الساعة بعض هؤلاء الشيوخ الذين يتلون العزائم والرقى، بعد أن أخفقت أو كدت أخفق فيما كنت أحاول من رده إلى الوقار والصواب. ولكن ظفرت آخر الأمر بما كنت أحاول، واستطعت أن أتحدث إلى صاحبي، وأن أسأله عن مصدر هذا الاضطراب العنيف الذي أصابه وما عرفته عرضة لاضطراب يصيب العقل أو يصيب الجسم.
قال وهو ذاهل أو كالذاهل:
"إثم هذا على أبي العلاء أيها الصديق، فلولا أنني نظرت في كتاب من كتبه آخر الليل لأذود به هذا الأرق الذي ألحّ عليّ إلحاحاً لما أصابني ما ترى، بل لما أصابني ما لم ترَ من تلك الأهوال التي ألمّت بي، واصطلحت عليّ حتى نفرتني من داري وأزعجتني عن أهلي، ودفعتني إليك في هذه الساعة التي لم أتعود أن أسعى فيها إليك. وثق بأني قد خرجت من داري معتزماً ألا أعود إليها، وقد أمرت أهلي أن يلتمسوا لنا داراً أخرى، وأزمعت الرحلة عن القاهرة أياماً، حتى إذا تم لهم ما أريد من التحول عن هذه الدار الموبوءة، عدت إليهم في دارنا الجديدة، لعلي أن أجد فيها ما أنا في حاجة إليه من الدعة وراحة البال".
قلت:
"ما أراك إلا مريضاً تحمل مرضك على أبي العلاء وتكلفه من ذلك ما لم يقترف، وتكلف أهلك من آثار هذا المرض شططاً. ومع أني لم أعرف بعد هذه الأهوال التي ألمّت بك فأزعجتك عن دارك ودفعتك إلى ما تحاول من فراق القاهرة، فلست أرى بأساً بهذا الرحيل؛ فقد طال مقامك في مدينتنا، وقد احتملت من الجهد والعناء في عملك ما يضني الأصحاء والأقوياء، فكيف برجل عليل ضئيل مثلك؟ فارحل مصاحباً، ولكن حدثني عما ألمّ بك من الهول؟".
قال:
"مصدره رسالة الغفران يا سيدي، فليت أبا العلاء لم يكتب رسالة الغفران".
قلت:
"لا تقل هذا ولا تكن أثراً، فإن لغيرك في رسالة الغفران لذة ومتاعاً، وإذا كانت قد سلطت عليك الهول الذي لم أعرفه بعد، فإنها قد أتاحت لقوم آخرين في الشرق والغرب من الشهرة وبعد الصوت ما لم يسلط عليهم هولاً من الأهوال، ولم يغربهم خطباً من الخطوب. ولكن هات حديثك".
قال:
"ما أشك في أن أبا العلاء كان مجنوناً حين كتب هذه الرسالة".
قلت:
"ربّ جنون خير من العقل، ولكن هات حديثك".
قال:
"أتذكر هذا السخف الذي أغرق فيه إغراقاً حين ذكر هذين البيتين القديمين من شعر النمر بن تولب:
ألمّ بصحبتي وهم هجوع … خيال طارق من أم حصن
لها ما تشتهي عسلاً مصفى … إذا شاءت وحواريّ بسمن
قلت:
"هذا من خير ما في الرسالة، وأي بأس عليه من أن يفترض أن الشاعر قد وضع مكان (حصن) في البيت الأول اسماً آخر كجزء أو حفص أو عمرو، ثم يلائم بين هذا الاسم وبين القافية في البيت الثاني؟ فهذا نوع من العبث المباح الذي لا يسوء أحداً، وهو مع ذلك يدرب الذاكرة ويظهر شيئاً من المقدرة اللغوية التي يحرص العلماء والأدباء على إظهارها".
قال:
"أنت الذي يزعم أن هذا العبث لا يسوء أحداً، وما رأيك في أنه قد ساءني وجشمني ما رأيت وما لم ترَ من الأهوال والخطوب! فقد أراد سوء الحظ أن أنظر في هذا الكتاب، وأن أقف عند هذا العبث، فأفكر في هذه الخيالات التي كانت تطرق المحبين والشعراء منهم بنوع خاص، والتي كانت إذا طرقت هؤلاء الشعراء أنطقتهم بما تعرف وما لا تعرف من رائع الشعر وبارع الكلام. وأغرقت في هذا التفكير وجعلت أستعين بالذاكرة على استحضار شيء من الشعر القديم الذي قاله الشعراء في الخيال الطارق والطيف الملمّ، ثم جعلت أسخر من أبي العلاء ومن جفاء طبعه وخشونة مزاجه، وجعلت أرثي لأم حصن هذه التي عبث الشاعر بها هذا العبث فلم يترك اسمها حيث وضعه النمر بن تولب، وإنما حذفه وأخذ يضع مكانه أسماء أخرى بعدد حروف المعجم؛ ولو أنه كان رقيق القلب دقيق الحس ممتاز الشعور رفيقاً بالغانيات لما أزعج أم حصن عن مكانها، ولما أقلقها عن موضعها، ولكنه رجل غليظ لا علم له بالحب، ولا حظ له من الرقة، ولا معرفة له بحسن معاشرة النساء.
وإني لفي ذلك وإذا أنا أحس كأن الأرض تدور تحت قدمي، وكأن كل شيء يضطرب من حولي، ولا أكاد ألتفت إلى ذلك وأفكر فيه حتى يهدأ من حولي كل شيء، وإذا شخص جميل قد قام مني غير بعيد، وهو ينظر إليّ نظرة عطف، وعلى وجهه غشاء من كآبة حلوة، وعلى ثغره ابتسامة كأنها ابتسامة الرضا، ولكني لا أعرف شيئاً أصدق منها تصويراً للحزن والأسى، وتمثيلاً للوعة والحسرة. ولست أدري كيف لم يرعني مقام هذا الشخص الجميل، فلم أظهر فزعاً ولا اضطراباً، وإنما أنست إليه وحققت النظر فيه فتبينت فتاة غضة الشباب رائعة الجمال، لولا أن شبابها يوشك أن يكون وهماً، ولولا أن جمالها يوشك أن يكون خيالاً؛ تبينت شخصاً حياً متحركاً نضيراً، ولكنه على ذلك لا يخلو من شيء يشبه الموت، ومن شيء يشبه السكون، ومن شيء يشبه الذبول. وهو على هذا كله يذكرني بشخص كنت آلفه ويألفني، وكنت أكبره ويكبرني، وقد فقدته منذ حين، فجزعت عليه جزعاً شديداً، وكثيراً ما سألت نفسي: أتراها قد ذكرتني قبل أن تلج باب الموت؟
وإني لأنظر إلى هذا الشخص الماثل، وإن هذه الخواطر لتمر أمام نفسي وادعة كأنها السحاب الرقيق، وإذا أنا أسمع صوتاً رقيقاً خافتاً حلواً يسعى إليّ سعياً خفياً من ناحية هذا الشخص الماثل غير بعيد. وإذا هذا الصوت يحمل إليّ تحية عذبة هي التي كنت أسمعها من صديقتي حين كنت ألقاها وجه النهار، وما أكثر ما كنت ألقاها وجه النهار: (أصبح بخير يا سيدي)، فأجيب: (أصبحي بخير يا سيدتي). فقالت: إنك تعرفني أو تكاد تعرفني، إنك تذكرني وتسأل نفسك الآن كما كنت تسألها من قبل، إذ ذكرتك حين فارقت الحياة وودعت الأحياء؛ نعم يا سيدي قد ذكرتك وألححت في ذكرك، وكلفت من يقرأ تحيتي عليك، ولولا الحياء لكلفت من يدعوك لزيارتي قبل أن أموت ولكن لم أفعل، ولم يعرض عليّ ذلك أحد من الذين كانوا يحيطون بسرير الموت. على أني لست آسفة فإني لم أخسر شيئاً، لأني لم أفارق أحداً ممن كنت أحب لقاءهم في تلك الحياة، إنما أنا أراهم وأسعى بينهم وأتحدث إلى نفوسهم وأسمع منها، وكل ما فقدته إنما هي هذه الأصوات التي كنت أسمعها، وهذه الأيدي التي كنت أصافحها. وثق بأنها لا تعدل شيئاً حين أقيسها إلى ما أسمع الآن من أحاديث الضمائر ونجوى النفوس.
وما كنت لأتراءى لك الآن لولا أنك أغرقت في ذكر الخيال واستحضار الخيالات، ولست أخفي عليك أني كنت أريد حين تراءيت لك أن أداعبك بعض الشيء، فلا تظن أن الدعابة مقصورة على الأحياء، فقد يأخذ الموتى من الدعابة بنصيب أيضاً. كنت أريد أن أتراءى لك على أني أم حصن صاحبة النمر بن تولب، وأن أشكر لك عطفك عليّ ورفقك بي ولومك لأبي العلاء، ولكني لم أستطع أن أخدعك لأني لم أتعود خداعك أثناء الحياة. ثم لأني إنما أقبلت إلى هذا المكان لألقي في روعك رسالة كنت أريد أن تبلغها عني، وكنت أريد أن ألقيها إليك كما تلقى الرسائل إلى الناس في الأحلام، ولكني رأيتك يقظان تنظر في هذا الكتاب فانتظرت لعل النوم أن يسعى إليك، ثم رأيتك تذكر الخيال وتستحضر الأطياف فتراءيت لك، وهل أنا إلا خيال أو طيف؟ لا تطل النظر إليّ ولا تقل شيئاً فإن نظر الأحياء يؤذيني، وإن أصوات الأحياء تثقل عليّ، ولكن اسمع مني ولتتحدث نفسك إليّ إذا لم يكن لك بد من حديث.
وإني لأعلم أنك تريد أن تسألني كيف أتحدث إليك بصوت يشبه صوت الأحياء وأشفق مع ذلك من سماع صوتك؟ فأنا لا أتحدث إليك بصوت يستطيع غيرك أن يسمعه، إنما أنت الذي يمنح هذا الصوت قوته وتشخيصه، ولو أن في هذه الغرفة قوماً غيرك لما رأوا من شخصي ما ترى، ولما سمعوا من صوتي ما تسمع؛ ولكن أصغِ إليّ فإني أحس مقدم النهار، وإني أكره هذا الضوء الذي يغمر الكون حين تشرق الشمس، والذي كنت أحبه أشد الحب أثناء الحياة، والذي لم أحزن على شيء حزني على فراقه قبل أن أموت، والذي لم أتسلّ عن شيء كما تسليت عنه الآن.
أصغِ إليّ فإني أريد أن ألقي إليك رسالتي، وأن أنصرف عنك قبل أن يهجم ضوء النهار فيبدد ظلمة الليل، وإني لحريصة على أن ألقاك، فإن كان لقائي يرضيك الآن كما كان يرضيك من قبل، فانتهز فرصة كهذه الفرصة، في ساعة كهذه الساعة، وانظر في هذا الكتاب وأطل التفكير فيه، فقد أستجيب لدعائك حينئذ".
ثم سكت هذا الصوت قليلاً، وإنما قتلني معه الحب أيضاً؛ فقد تذكّر أن زوجي فارقني قبل أن أموت بأشهر لأن مرضي المتصل قد ثقل عليه، وقد تذكّر أني كنت أظهر تجلداً وعزاء، وقد تعلم أني كنت أخفي في ذلك غير ما أضمر، وأنك كنت تشفق عليّ مما كنت أخفيه، وكنت تود لو استطعت أن تسليني عن بعض ما أجد؛ فاعلم الآن أني حين ثقلت عليّ العلة، وتورمت أطرافي، ورأى الطبيب أن ينزع ذلك الخاتم الذي كان آخر ما بقي لي من زوجي، لم أشك في أنه سينزع معه الحياة من هذا الجسم المريض، ولم أكره ذلك، وأي بأس من مفارقة العلة واليأس! فأبلغ زوجي أني فارقت الحياة وأنا أحبه، وأن مقامي في هذه الأرض بعد الموت لن يطول، وأنه خليق أن يعلم أني أراه وأرافقه، وأنه خليق أن يرعى ذلك وأن يذكرني في شيء من الخير والرفق والوفاء، حتى إذا آن لهذا الخيال أن يصعد في طبقات الجو وأن يمضي إلى ذلك العالم الذي تعيش فيه خيالات الموتى، وأن تنقطع الصلة بينه وبيني من الأسباب.
قالت ذلك ثم نظرت إليّ نظرة قوية حادة لم أستطع أن أثبت لها، وإنما أطرقت برأسي إلى الأرض خائفاً وجلاً، ثم رفعت رأسي بعد ذلك ونظرت فلم أرَ شيئاً، وتسمعت فلم ينتبه إليّ صوت، وإنما هي رسالة الغفران مبسوطة أمامي أرى فيها عبث أبي العلاء حول شعر النمر بن تولب. هنالك أخذني هلع ما أعرف أين أحسست مثله من قبل، وملكني روع كاد يدفعني إلى الصياح لولا بقية من عقل وفضل من حياء، ففارقت غرفتي وهبطت إلى الحديقة أهيم فيها أنتظر مطلع النهار، حتى إذا ارتفعت الشمس قليلاً أوصيت أهلي بما أوصيت وأسرعت إليك. أترى بعد ذلك أن سخف أبي العلاء لم يسؤ أحداً؟"
قال ذلك ثم أخذته رعدة غريبة أشفقت أن ترده إلى مثل ما كان عليه من الوجل والاضطراب، فما زلت به حتى رددت إليه الأمن والهدوء.
وقلت مداعباً:
"ويحك! ألم تقرأ كتاب أناطول فرانس ذلك الذي سماه (جريمة سلفستر بونار)؟ إن فيه قصة إن لم تكن تشبه قصتك هذه من كل وجه، فإنها قريبة منها إلى حد ما، وما أرى إلا أنك قد ذكرت صاحبتك هذه في ضوء النهار أو في ظلمة الليل، حتى إذا أخذت تنظر في كتابك أخذك هذا النوم الخفيف الذي تتراءى فيه الأشباح والخيالات".
قال مغضباً:
"أقسم لك ما كنت نائماً ولا قريباً من النائم، وإنما كنت يقظان أشد ما يكون الناس يقظة وانتباهاً، ولكن ما نفع الحديث معك في هذا وأنت لا تؤمن بعالم الخيال؟"
قلت:
"فإني أشفق عليك من إيمانك هذا؛ فقد تستطيع أن تتحول عن دارك، وأن تفارق القاهرة، وأن تنزل من الأرض أي منزل شئت، فسيتراءى لك هذا الخيال كلما خطر له أن يتحدث إليك، أو أن يحملك رسالة إلى الأحياء. وماذا تريد الآن أن تصنع برسالته هذه؟ أتحملها إلى من أنت مكلف أن تحملها إليه أم تكتمها؟ فإن تكن الأولى فماذا تصنع إن لقيك باللوم لأنك تعرضت لما لا ينبغي لك أن تدخل فيه، وإن تكن الثانية فماذا تصنع إن ألمّ بك الخيال وسألك عن تبليغ الرسالة وتأدية الأمانة والوفاء بالعهد؟"
هنالك نهض صاحبي مغاضباً وهو يقول:
"ما أشد بغضي للذين يمزحون في غير أوقات المزاح!".
ثم انصرف عني وأنا شديد الإشفاق عليه وعلى كثير من أمثاله الذين تطرقهم هذه الخيالات فتملأ قلوب بعضهم أمناً ورضاً، وتملأ قلوب بعضهم الآخر خوفاً وروعاً.
الرسالة ١٤\٥\١٩٣٤ -
في الجو | In the Air
في الجو…
للدكتور طه حسين
أما في العصور القديمة حين كان الإنسان رشيدًا حذرًا يطلق خياله إلى أبعد مدى ممكن، لأن إطلاق الخيال لا يضر ولا يخيف ولا يرسل عقله وجسمه إلا في أناة وبمقدار، لأن إرسال العقل والجسم بغير حساب قد يؤدي إلى ما لا يحب، أما في تلك العصور فقد كان الناس يطيرون في الخيال. يطيرون مجازًا لا حقيقة، وقد تتحدث أساطيرهم بأن منهم من حاول أن يطير حقًّا، فلما ارتفع في الجو دنا من الشمس فذابت أجنحته التي اتخذها من الشمع ولم يلبث هو أن هوى إلى الأرض فاندق عنقه، ولقي من الموت جزاء على هذه الجراءة التي سمت به إلى أرقى ما يجب أن يسمو إليه الناس. فقد خلق الناس ليمشوا على الأرض لا ليطيروا في الجو، فمن عدا منهم طوره أو تجاوز حده لقي هذا الجزاء الذي لقيه طائر الأساطير اليونانية حين أذابت أجنحته الشمس، أو ما لقيه طائر الأخبار العربية حين كان جسمه أثقل من خياله فلم يكد يسلم نفسه إلى الهواء حتى خانه الهواء وأسلمه إلى أمه الأرض فدقت عنقه أولًا. ثم حنت عليه بعد ذلك كما تحنو الأم الرؤوم على ابنها العزيز.
كان ذلك في العصر القديم حين كان خيال الإنسان أكبر من عقله. وأشد من اجتراء على الطبيعة وما يلبث فيها من المصاعب والعقاب، وكان أسلافنا من أدباء العرب وشعرائهم محبين للأناة، يطيرون ولكن دون أن يفارقوا أماكنهم، تطير نفوسهم وقلوبهم شوقًا إلى من يحبون، وتطير نفوسهم وقلوبهم فرقًا ممن يكرهون، وقد تطير أجسامهم إلى ساحة الحرب وميادين القتال حين يأتيهم الصريخ ويبلغهم فزع المستغيث. ولكن أجسامهم كانت تطير دون أن تفارق أقدامهم الأرض، كانوا يسرعون في العدو فيحسبون أنهم يطيرون، ولعل منهم من كان يطير في الجو، ولكن على ظهر ناقة أو جمل. فكان يباعد بين قدميه وبين الأرض، ولكنه كان يتخذ بينه وبين الأرض سببًا على كل حال. ومنهم من كان يسعده الحظ وتواتيه الثروة فيطير على ظهر فرس أو جواد، ويحسب مع ذلك أنه يطير حقًّا، وربما عبث به الوهم ولعب به الخيال فظن حينًا أنه يطير، وظن حينًا آخر أنه يسبح في الماء، أما الآن فلست أدري أضعف الخيال أم لم يضعف، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن العقل والجسم أخذا يسابقان الخيال فيسبقاه في كثير من الأحيان، فلم يبقَ الطيران في الجو حلمًا ولا وهمًا ولا نبأ من أنباء الأساطير، وإنما أصبح أداة يسيرة من أدوات الانتقال. وكان منذ أعوام أداة مقصورة على أصحاب الجرأة من الفنيين، ثم تجاوزهم إلى أصحاب الجرأة والسعة من المترفين وفارغي البال، ثم تجاوزهم إلى أصحاب الثروة الذين يحبون السرعة ويستطيعون الإنفاق، ثم أخذ منذ حين ينزل ويتدلى دون أن يفارق الجو، ولكنه ينزل ويتدلى على كل حال حتى بلغ أمثالك وأمثالي من أهل الطبقات الهينة اليسيرة المتواضعة التي يسمونها الطبقات الديمقراطية. وأصبح الطيران في هذه الأيام أداة من أدوات الانتقال قد يعجز العمال عن استخدامها، ولكن أهل الطبقات الوسطى لا يعجزون عن ذلك ولا يترددون فيه، والغريب أنه بعد أن تقدم أو تأخر في أوروبا وأمريكا إلى هذا الحد وصل إلى مصر واستقر فيها، إن صح أن الطيران يستطيع أن يستقر. وصل إلى مصر وأصبح أداة للانتقال يستخدمها المصريون الذين عرفهم الزمان ببغض السرعة وحب الأناة والحرص على الثبات والاستقرار. أليس آباؤهم قد بنوا الأهرام؟ ومع ذلك فقد أخذ المصريون يطيرون، ولم يقتصر الطيران على الرجال في مصر، بل تجاوزهم إلى النساء فهن يطرن أيضًا وهن يسابقن في الطيران، وهن يسبقن الطائرين، وقد كان مكتوبًا عليهن أن يلزمن الدور ويعكفن من وراء الخدور. ولكن ماذا نصنع وقد ارتقى العقل حتى سابق الخيال، وارتقى الجسم حتى استطاع أن يطير ويبلغ آمادًا وبيئات لم يكن يبلغها من قبل إلا الخيال والوهم. وأغرب من هذا وذاك أن الطيران قد هان ولان وسهل أمره وابتذلت قيمته حتى أصبح مباحًا لقوم ما كان ينبغي أن يباح لهم لولا أن الفساد قد دب إلى كل شيء وتسلط على كل شيء وأصبح الناس ينظرون فلا يعرفون أين يعيشون، ولا كيف يعيشون.
وهؤلاء القوم الذين سُخِّرَ لهم الطيران في آخر الزمان هم الأدباء. والأدباء المصريون، أرأيت إلى أديب عربي يطير؟ أين نحن من أيام طرفة بن العبد، وعلقمة بن عبدة، وزهير، وغيرهم من الشعراء الذين كانوا إذا حز بهم الأمر وألح عليهم الهم وعبث بهم شيطان الشعر يعمدون إلى نوقهم فيركبونها ثم يخرجون بها في الصحراء ليسلوا عن أنفسهم همها، وليتلقوا عن شياطينهم ما يريدون أن يوحوا إليهم من جد الكلام وهزله. ثم يعودون وقد فتنوا بهذه النوق وقالوا في وصفها ما لا نزال نتكلف في فهمه وتفسيره ضروب المشقة وألوان العناء. كذلك كان يفعل أسلافنا من شعراء الجاهلية والإسلام، أما الآن فصديقنا الأستاذ عبد العزيز البشري يطير لا بالخيال ولا بالعقل ولا على جناح الفلسفة، وإنما يطير حقًّا، يطير من هليوبوليس إلى الإسكندرية، ثم يتحدث عن طيارته كما كان يتحدث طرفة عن ناقته، أو كان يتحدث صاحب العرداة عن عرادته، أو كما يتحدث أبو نواس عن ناقته في تلك الأبيات التي يحسن الأستاذ عبد العزيز البشري خاصة إنشادها وتوقيعها، يتحدث عن هذه الطيارة حديثًا أي حديث، حديثًا ساحرًا حقًّا، باهرًا حقًّا، نشرته الأهرام في الصيف فأعجبت به حتى لم أنسه إلى الآن على كثرة ما قرأت منذ الصيف، حديثًا لا تكاد تمضي فيه حتى تحس كأن الأستاذ يعرف طيارته كما كان طرفة يعرف ناقته، ومع ذلك فما أظن أن للأستاذ علمًا مفصلًا بهذه الشياطين التي تطير بالناس في الجو منذ طغى العلم الحديث. ولكن للبيان سحرًا ينطق صاحبه بالأعاجيب، وما دام الأدباء وقد أخذوا يطيرون، وما دام الطيران قد أصبح أداة من أدوات الانتقال فلابد من أن تتغير لغة الناس بعض الشيء، ولابد من أن يلتمس المبالغون لأنفسهم ألفاظًا أخرى يعبرون بها عن السرعة حين يريدون أن يصفوا السرعة، فقد كانوا يطيرون شوقًا حين كان الطيران أمرًا مستحيلًا، أما الآن فيجب أن يجدوا للشوق أداة ينتقل بها غير الطيارة، وبيئة ينتقل فيها غير الجو.
وقد أخذ الأدباء الأوروبيون يسلكون الطريق الطبيعية إلى هذه الغاية، وأول ما كان ينبغي أن يفعلوه من ذلك إنما هو تسخير الطيارة للأدب بعد أن سُخِّرَتْ للعقل والجسم، ولعقول الأدباء وأجسامهم بنوع خاص، أخذوا يفهمونها ثم يصفونها ويعبرون عنها تعبيرًا أدبيًّا بعد أن كان وصفها والتعبير عنها مقصورين على العلماء الذين يخترعون، والعمال الذين ينفذون، والصناع الذين يعالجون أجزاء الطيارة في كل ساعة من ساعات النهار. ثم لم يكتفِ الأدباء بالفهم والوصف والتصوير فيما يكتبون من المقالات، وما ينظمون من القصائد وما يذيعون من الأحاديث، ولكنهم تجاوزوا ذلك فاستغلوا الطيارة في فنون الأدب كلها. فما الذي يمنع أن تكون الطيارة موضوعًا يلهم أصحاب القصص، ويلهم أصحاب التمثيل، وإذا كان من الحق أن الناس يأتلفون ويختلفون وتثور بينهم عواطف الحب والبغض فتؤثر في حياتهم أبلغ الأثر وأعمقه، وتلهم القصاص أن يصوروا من ذلك ما يريدون، فإذا بعضهم يصور من ذلك ما يقع في قطار، وبعضهم يصور من ذلك ما يقع في سيارة، وبعضهم يصور من ذلك ما يقع في عربة تجرها الخيل، أقول إذا كان من الحق أن كرسي البريد وعربة الخيل والسيارة والقطار والزورق والسفينة الشراعية والسفينة البخارية، كل ذلك قد ألهم الأدباء في الشعر والنثر والقصص والتمثيل، فما الذي يمنع الطيارة أن تلهم الأدباء في هذه الفنون جميعًا، ومن الذي يستطيع أن يزعم أن الطيارة أقل قدرة على الإلهام، وأقل حظًّا من الفصاحة وسحر البيان من هذه الأدوات التي ذكرناها آنفًا. ومن الذي يستطيع أن يزعم أن الأدباء الذين سخروا للأدب كل هذه الأدوات يعجزون عن أن يسخروا للأدب هذه الأداة الجديدة التي تطير بأجسام الناس بعد أن طارت صورتها بما كان لهم من عقل أو خيال.
الطيارة قادرة على الإلهام، والأدباء قادرون على أن ينطقوها رغم أنفها سواء أكان لها أنف أم لم يكن. وتستطيع أن تنظر في الآداب الأوروبية الحديثة فسترى أن الأدباء قد أغنوا فنون الأدب وأضافوا إلى ثروته الضخمة ثروة أخرى قيمة حين اتخذوا الطيارة أداة من أدوات القصص. وأنا زعيم بأنك إن بدأت القصة التي أنشأها الكاتب الفرنسي كيْسل منذ أعوام وسماها إكيباج فلن تستطيع أن تدعها حتى تتمها، ولن تتردد في أن تعترف بأنها من خير ما أنتجه القصص الحديث. وليس لهذه القصة موضوع إلا اختصام جنديين من جنود الطيران في الجيش الفرنسي أثناء الحرب حول امرأة كانت زوج أحدهما فأحبها الآخر وهو لا يعرف زوجها. ثم جمع الطيران بين الزوجين فأحب كل منهما صاحبه حبًّا عميقًا، ثم ظهر لهما أنهما يحبان امرأة واحدة. وصور أنت لنفسك كيف تنتهي القصة، ولكن يجب أن تعلم أن الطيارة هي الأداة التي بها تنتهي القصة والتي عليها تقوم القصة. وإذا استطاعت الطيارة أن تدخل فن القصص، فما الذي يمنعها أن تدخل في فن التمثيل وأن تلهم الممثلين أو كتاب التمثيل آيات بينات وقد فعلت. وقد بلغت من الإجادة في ذلك أمدًا بعيدًا حقًّا، تستطيع أن تقرأ إن لم تستطع أن تشهد هذه القصة التمثيلية الممتعة التي وضعها الكاتب الفرنسي المعروف فرنسيس دي كروا وسماها طيران العرس، فسترى إتقانًا في الأداء، وإتقانًا في العرض، وإتقانًا في تصوير الصراع بين هذه العواطف الجديدة التي استحدثها الطيران في نفوس الناس لا عهد للأدب بمثله من قبل، وسترى من هذه القصة التمثيلية ومن تلك القصة الأخرى أن الطيران لم يكد يوجد لنفسه بيئة خاصة من الذين يحبونه ويتخذونه صناعة أو لهوًا حتى أوجد لهذه البيئة أخلاقها الخاصة وعواطفها الخاصة ولغتها وأساليبها في الحسن والشعور ومذاهبها في التعبير والتصوير.
ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل تجاوزه إلى شيء عظيم الخطر حقًّا، لست أدري أنافع هو أم ضار، ولكن من الذي يستطيع أن يقيد العقل والخيال بما ينفع أو بما يضر. وإذا كان الرقي العلمي قد انتهى بالناس إلى حيث يتنافسون الآن في اختراع أدوات الموت والتدمير وما يمحو الحضارة محوًا ويرد الإنسان إلى شر ما عرف من أطوار الوحشية، فما الذي يمنع الرقي العلمي من أن يدفع بالطيران إلى ما يفسد العلم إفسادًا ويجعله أداة من أدوات الشعوذة والتضليل؟
لست أدري أعرفت أن كاتبًا فرنسيًّا شابًّا هو الأديب مالرو قد مر بمصر منذ أسابيع، فقد طار هذا الشاب من مصر إلى غرض لم يرد أن يعينه، ولأمر لم يرد أن يدل عليه، ثم أصبحنا اليوم وإذا الصحف تنشر رسائل برقية تنبئ بأن هذا الكاتب الشاب قد طار إلى بلاد العرب وتغلغل في أحشائها، ولكن من فوق، لأن أحشاء البلاد العربية خطرة تهضم الذين يقتحمونها هضمًا. قالت الرسائل البرقية إن هذا الكاتب الشاب قد استكشف شيئًا عجيبًا وطار فوق أخطار جسام، استكشف مدينة سبأ التي تحدثت عنها التوراة وتحدث عنها القرآن وامتلأت بأنبائها كتب التاريخ والأساطير، وليس من شك في أننا سنقرأ تفصيلًا واسعًا لهذا الاستكشاف، ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أننا سنقرأ كتابًا لهذا الأديب الشاب عن مدينة سبأ هذه. وسيكون هذا الكتاب من أقوم الكتب الأدبية، وسيكون على كل حال من أروجها وأكثرها انتشارًا، ولن يكون حظه من الرواج والانتشار أقل من حظ القصة التي وضعها الكاتب الفرنسي بيير بنوا وسماها الأطلنطيد والتي فتحت لصاحبها أبوابًا ثلاثة: باب الثروة وباب الشهرة وباب المجمع اللغوي. سمع بيير بنوا بأحاديث القارة الموهومة أتلانتيس وسمع باستكشافات الجغرافيين للصحراء الكبرى، فزعم أن صاحبه قد ذهب يستكشف فانتهى إلى بقية من هذه القارة، ولقي هناك الملكة أنتينيّا من سلالة نبتون إله البحر. ثم وصف شخصها وقصرها وبيئتها وصفًا رائعًا عجيبًا، وسمع الكاتب الشاب مالرو أحاديث سبأ وقصة بلقيس، وسمع أحاديث المستكشفين الذين يتجشمون الأهوال لاستكشاف البلاد العربية. ووجد الطيارة فطار مستكشفًا، والله يعلم هل عبر البحر إلى بلاد العرب، وهل وصل إلى طرف من أطراف الربع الخالي حقًّا. ولكن مما لا شك فيه أنه وجد مدينة سبأ، ومن يدري لعله رأى ملكتها، وتحدث إليها ولو بالإشارة من طيارته، ولعل الملكة أن تكون قد شغفت به، ولعله هو أن يكون قد فتن بما رأى من حسنها البارع. ولعله قد انصرف عنها بعد أن ألقى إليها بقلبه من أعلى الجو، فهو مضطر إلى أن يعود إليها ليلتمس قلبه هناك حيث ألقاه في ذلك القصر الممرد من قوارير، والذي يقوم في تلك المدينة العظيمة التي ترتفع أسوارها الشاهقة في طرف من أطراف الربع الخالي. وسيكون حظ هذه القصة المنتظرة كحظ تلك القصة التي فرضت بيير بنوا على الأدب الفرنسي فرضًا.
رأيت أن بيير بنوا قد استغل الاستكشاف العلمي للصحراء فدل الناس على بقية القارة المفقودة، وأن مالرو قد استغل الاستكشاف الجغرافي والطيارة، وسيدل الناس على ما بقي من ملك السبئيين.
أما بعد فإنا نبحث منذ قرون عن مدينة ضائعة في الصحراء يقال أنها تنتقل من مكان إلى مكان يحسبها بعضهم من الذهب والفضة، ويحسبها بعضهم من النحاس والحديد. وهي إرم ذات العماد. ويقول بعضهم أنها ليست إلا هرمًا من هذه الأهرام التي تقوم في الجيزة، والتي تستكشف من حولها المقابر والتماثيل والأدوات المختلفة. ولدينا طيارون، ولدينا طيارات. فهل نستطيع أن ننتظر من أديب من أدبائنا وليكن صديقنا عبد العزيز البشري أن يطير مع بعض شبابنا البارعين في هذا الفن لعله أن يعثر – إن أمكن أن يعثر الناس في الجو – بهذه المدينة القديمة العظيمة إرم ذات العماد؟ وليس عليه بأس إن لم يجدها أن يخترعها اختراعًا وأن يزعم لنا أنه وجدها كما فعل بيير بنوا وكما سيفعل مالرو. وليس ينبغي أن نخاف من صديقنا عوض وأصحابه الجغرافيين فإن الكاتبين الفرنسيين لم يحفلا بأعلام الجغرافيا في السوربون.
طه حسين
الرسالة العدد 36 – بتاريخ: 12-03-1934
النقد والطربوش وزجاج النافذة
للدكتور طه حسين
وتستطيع أن تضيف إلى هذه العنوانات عنوانات أخرى، فهناك أزقة ضيقة شديدة الضيق، ملتوية شديدة الالتواء، قد كثر على أرضها الوحل، حتى أن الذي يمشي فيها لينزلق، أو يمشي مشي المقيد في الوحل. وقد أمطرت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانًا من المطر، منها السائل ومنها اليابس، نستغفر الله، بل قد صبت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانًا من البلاء، منها مرق الفول النابت، وماء المخلل، وفيها أشياء أخرى جامدة كانت تهوي على الرؤوس، وربما مست العيون، وربما دخلت الأفواه ووصلت إلى الحلوق فانعصرت فيها انعصارًا، وأذكت فيها لهيبًا ونارًا، وقد كان في هذه الأزقة مارد من مردة الجن أو مردة الإنس، له صدر عريض قد انتفش فيه شعر طويل حادٌّ كأنه الأسنة، يصطدم به الرجل القصير فإذا هذا الشعر الطويل الحاد يداعبه ويلاعبه، فيبعث بوجهه، ويدخل في أنفه وفي فمه وفي عينيه. وقد كان في هذه الأزقة غلام شرير، لسانه عذب، ويده مرة، وقد كان في هذه الأزقة شاب ظهرت عليه الغباوة والبله، خفي المكر والغدر، شديد البأس والبطش، يخيف من ليس من شأنه أن يخاف، ويضطر أثبت الناس قلبًا وأشدهم استهزاء بالحياة إلى أن يعدو عدو الشنفري وتأبط شرًّا وابن براق، حتى يدفع إلى دار من الدور، ثم إلى بيت من بيوت هذه الدار، فلا يدخل هذا البيت من بابه كما أمر الله أن تؤتى البيوت، وإنما يدخله من إحدى نوافذه. وفي هذه الأزقة شيخ وقور، ظاهره يخيف، وباطنه فيه الرحمة واللين، وفيه الرفق والدعة، وفيه الأدب وحسن الذوق.
كل هذه الأشياء، وكل هؤلاء الأشخاص، يمكن أن تضاف ويمكن أن يضافوا إلى هذه العنوانات التي قدمتها بين يدي هذا الكلام، ولكني لم أضفها تحرجًا من الإطالة وإشفاقًا من الإطناب، وإيثارًا للإيجاز البليغ.
وأنا أستطيع بعد أن وضعت هذا العنوان وأتبعته بهذا الكلام، أن أتحول بك إلى ما شئت أنت أو ما شئت أنا من الموضوعات فأتحدث إليك فيه حديثًا طويلًا أو قصيرًا، وأعرض عليك فيه صورًا جميلة أو دميمة، وأثير في نفسك به عواطف هادئة أو جامحة، وأرسم على وجهك به ابتسامًا وضحكًا، أو عبوسًا وتقطيبًا، حتى إذا بلغت من هذا كله ما تريد أنت، أو ما أريد أنا، أو ما نريد جميعًا، ذكرت النقد والطربوش وزجاج النافذة. واعتقدت أنا أو خُيِّلَ إليك أني أعتقد، واعتقدت أنت أو خُيِّلَ إليك أنك اعتقدت، واعتقد صديقي الأستاذ المازني، أو خُيِّلَ إلى نفسه وإلينا أنه يعتقد، أني قد أمتعت الرسالة وقراء الرسالة بفصل قيم أو غير قيم، قوامه الحديث عن النقد والطربوش وزجاج النافذة!
وتسألني ما بال الأستاذ المازني يقحم هنا إقحامًا، وما خطبه مع النقد أو الطربوش وزجاج النافذة ومرق الفول النابت، وماء المخلل، وما يتبع هذا كله من الأشياء والأحياء؟ فأجيبك بأن هذا السؤال لا ينبغي أن يساق إليَّ، وإنما ينبغي أن يساق إلى الأستاذ المازني، فهو الذي تحدث عن هذا كله، وهو الذي أثارني إلى أن أتحدث عن هذا كله، وليس من شك في أن الأستاذ المازني سيقول في دعابته الحلوة الظريفة، وما أنت وجر الشكل، وما لك تدخل بيني وبين النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الملحقات؟ ولكن الأستاذ يوافقني أو لا يوافقني – فهذا سواء – على أنه صاحب فن، وعلى أن أصحاب الفن إن كتبوا لأنفسهم فهم ينشرون للناس، وعلى أن صاحب الفن لا يملك أثره الفني بعد أن يلقيه إلى الناس. وعلى أن من حق الناس إذا ألقي إليهم شيء أن يتناولوه كما يحبون، يعجبون به أو يسخطون عليه، يرغبون فيه أو ينصرفون عنه، يحمدونه أو يسلطون عليه اللوم.
وإذن فقد ألقى إلينا الأستاذ المازني فصله الممتع البديع الذي أثارني إلى أن أتحدث إليك عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، أو إلى أن أتحدث إليك عن الأستاذ المازني نفسه من وراء هذه الأشياء التي لا تحصى، والتي لا أكره تكرارها، وما أظنك تكره تكرارها، وهي النقد والطربوش وزجاج النافذة والأزقة وما يتراكم على أرضها من الوحل، وما تصبه سماؤها من السائل والجامد، ومن يمشي بين ذلك من الأشرار والأخيار.
وللأستاذ المازني مع هذه الأشياء كلها، ومع هؤلاء الناس كلهم، ومعك أنت، ومعي أنا، قصة طريفة ظريفة، خليقة أن تقص، وخليقة أن تثير الإعجاب. فهل تدري ماذا دفع الأستاذ المازني إلى أن يتحدث عن هذه الأشياء، وعن هؤلاء الأشخاص، فيثيرني إلى أن أتحدث عنه، وعنها، وعنهم؟ هو شيء يسير، يسير جدًّا، هو أنه أديب يقرأ في الكتب، ويكتب في الصحف، وينقد الكتاب والمؤلفين. وقد تتغير الأزمنة وتتبدل ظروف الحياة وترقى الأجيال بعد انحطاط، ولكن هناك شيئًا لا يتغير ولا يتبدل في حقيقة الأمر، وهو أن الأدب محنة يمتحن بها الأدباء، ونقمة يصيب الله بها هؤلاء الذين يمنحهم شيئًا من حسن الذوق والقدرة على فهم الأدب وتقريبه إلى الناس. وقد امتحن الله صديقنا المازني ووفر له من نقمة الأدب وبلائه حظًّا عظيمًا، فجعله شاعرًا مجيدًا وكاتبًا بارعًا، وناقدًا مسموع الكلمة، مهيب الجانب، مقدور الرأي، لا يصدر كتاب إلا أراد الناس أن يعرفوا رأيه فيه وحكمه عليه. وكان صاحب الكتاب نفسه أحرص الناس على ذلك وأشدهم طلبًا له وإلحاحًا فيه. والكتب تمطر على الأستاذ المازني، ويمطر معها طلب النقد وطلب التقريظ، والنقد والتقريظ يحتاجان إلى القراءة والدرس. وإذن فالمازني المسكين مصروف عن نفسه وعن فنه وعن كتبه، إلى هؤلاء الناس الذين يكتبون، وإلى هؤلاء الذين يقرأون. ومن هنا ومن جهات أخرى أيضًا كان المازني شقيًّا بالأدب، وإن كان الأدب سعيدًا بالمازني، وأي دليل على شقاء المازني بالأدب وسعادة الأدب بالمازني، أقوى من هذه القصة التي أحدثك عنها الآن؟
فقد أخرج كاتب من الكتاب كتابًا من الكتب، وأهداه إلى الأستاذ بالطبع. وعرف الناس أن هذا الكتاب قد أهدي إليه فأخذ الناس ينتظرون، وأخذ صاحب الكتاب بنوع خاص ينتظر، فلما طال الانتظار كان الطلب، ولما كان الطلب ولم يجد شيئًا كان الإلحاح. واضطر المازني إلى أن يذعن، وأُكْرِهَ المازني على أن يكتب، ولكنه كان قد أرسل الكتاب إلى من يجلده. فلما اشتد عليه الإلحاح ذهب في طلب الكتاب من المجلد. فدفع إلى رحلة غريبة، وإلى استكشاف أغرب. دفع من هذه الأحياء المتحضرة التي تتسع فيها الشوارع، وتجري فيها السيارات، وتنتشر فيها الشرطة، والتي لا تتغطى أرضها بالوحل، ولا تمطر سماؤها مرقًا ولا مخللًا، إلى أزقة ضيقة ملتوية فاسدة الهواء، تعيش فيها أجيال من المردة والشياطين، وفي هذه الأزقة عرف المازني الخوف والفرق، وعرف الهرب والغلو فيه، وعرف كيف يكون وقع الأحجار على الأجسام، وكيف يكون وقع الشتائم في النفوس. ثم عرف كيف يفقد الناس طرابيشهم، وكيف ينظرون إليها وهي تُهان وتُمرَّغ في الوحل تمريغًا، ثم عرف كيف يدفع الهاربون إلى اقتحام الدور والاستخفاء في البيوت وقد غاب عنها أهلها. ثم عرف قصة الرجل الذي ذهب يطلب كتابًا ففقد طربوشه وعاد صفر اليدين.
والغريب أن هذه الرحلة الهائلة وما امتلأت به من الأخطار كانت كلها في القاهرة، وفي ساعات قصيرة، ولست أدري فيم يحتاج الذين يحبون الأخطار إلى التماسها في الصحراء أو في الجبال أو على البحر المحيط، مادام الانتقال من حي من أحياء القاهرة إلى حي آخر، خليقًا أن يرينا من الهول والخطر مثل ما رأى صديقنا الكاتب الأديب. ومن هنا نستطيع أن نفهم ضيق المازني بالأدب والأدباء، وبالكتب والمؤلفين وتضرعهم المتصل إلى الله أن يعفيه من هذه الصناعة التي يشقى بها، ولكنها تسعد به وتسعد الناس أيضًا. ولكن الأستاذ المازني يتساءل في شيء من الحيرة أيجب أن يقرأ ما يريد هو أم يجب أن يقرأ ما يريد الناس؟ وإذا سمح لي بأن أجيبه فإني أرى أنه ملزم بأن يقرأ ما يريد، وبأن يقرأ ما يريد الناس، مادام قد أقبل على صناعته هذه راضيًا بها أو مكرهًا عليها، ولكن السؤال الذي أحب أنا أن أسأله هو: هل يظن الأستاذ المازني أنه أبرأ ذمته أمام القراء وأمام المؤلف بهذا الفصل البديع الذي كتبه منذ أيام، فحدثنا فيه عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، وعما تحمل الأرض من وحل، وما تمطر السماء من مرق؟ فإن كان يظن أنه قد أرضى قراءه وصاحبه بهذا الفصل فقد أصاب وأخطأ في وقت واحد: أصاب لأن الفصل بديع، وأخطأ لأنه لا يغني من النقد شيئًا، فلن يعفيه صاحب الكتاب من الإلحاح عليه، ولن يدعه حتى يقول إنه قد قرأ هذا الكتاب فرضى عنه أو سخط عليه.
وسؤال آخر، أحب ألا يغضب صديقي المازني حين أسوقه إليه. ما باله يطغى على نفسه ويسرف عليها في الطغيان، ويصورها هذا التصوير الذي لا يلائمها بحال من الأحوال، والذي لا نحبه لها؟ فهل من الحق أنه هَيَّاب إلى هذا الحد؟ كلا، ولكنه يحب أن يعبث بنفسه فيسرف في العبث، وأكبر الظن أننا إن حدثناه في ذلك ضاق بنا وضجر، وشكا من هؤلاء الطفيليين الذين يدخلون بين الناس وبين أنفسهم، وقال إذا لم يكن لي الحق في أن أعبث بنفسي فلمن يكون الحق في أن يعبث بها إذن؟ أما أنا فأجيب الأستاذ بأن هذا الحق ليس مباحًا لأحد، ولكن الناس يستبيحونه لأنفسهم، سواء أرضي الأستاذ أم لم يرضَ، وأنا أتحداه، وأطلب إليه، أن يريني كيف يستطيع أن يمنع الناس من أن يتناوله بما يحبون من ألوان النقد والعبث لا بما يحب هو، كيف يستطيع أن يمنع الناس من ذلك دون أن يخرج عن طور الكاتب الأديب؟ وإذن فما له يظلم نفسه هذا الظلم، ويلح عليها بهذا العبث الذي لا قصد فيه، أم هل ضاقت الدنيا بالأستاذ كما ضاقت بالحطيئة ذات يوم فيما يقال فهجا نفسه، لأنه لم يجد من يهجوه، أم هل كره الأستاذ الأخذ والرد، وضاق بالحوار والجدال، وكره أن يذكر الناس فيغريهم بذكره، فآثر أن يذكر نفسه هذه المسكينة التي لا تجد من يدافع عنها ويحميها من صاحبها الطاغية. فإن تكن هذه فقد أخطأ المازني، فهأنذا أدافع عن المازني برغم المازني. أخشى ألا يكون لشيء من هذا كله أصل ولا فرع كما يقولون، وأن يكون المازني قد أراد نقد الكتاب الذي طلب إليه نقده، فمضى به الخيال ومضت به الدعابة إلى هذه الأزقة الضيقة الملتوية، يبحث فيها عن الكتاب وصاحب الكتاب، فلم يفد إلا أن فقد طربوشه وأضاع على صاحبه الشيخ زجاج نافذته، ولم يجن لنفسه ولا لصديقه المؤلف شيئًا. وويل للكتاب وللمؤلفين من دعابة المازني ومجونه، وويل للكتاب والمؤلفين من ألغاز المازني ورموزه، بل ويل للمازني نفسه من طغيان خياله وجموحه، فإن في هذا الجسم النحيل الضئيل جسم هذا الرجل الهادئ الوديع ماردًا كالمردة وشيطانًا لا كالشياطين.
أما بعد، فلنذكر النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الأشياء والأشخاص، لنختم المقال كما بدأناه، وليعلم المازني أنا لم نتحدث عنه، ولم نشر إليه، ولم نفكر فيه، وإنما تحدثنا عن كتاب نقد، وطربوش فُقِدَ، وزجاج حطمه فتى من الفتيان تحطيمًا.
طه حسين
«مجلة الرسالة» العدد 38 – 26-03-1934 -
ربع مية | A Quarter Century
ربع مية
للدكتور طه حسين
يَا دَارَ مَيَّةَ بِالعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ … أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الأَمَدِ
وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيلاً لا أُسَائِلُهَا … عَيَّتْ جَوَاباً وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ
ولم يكن ربع مية بالعلياء فالسند، وإنما كان في صحن الأزهر، وعند القبلتين القديمة والجديدة؛ حيث كانت الحركة المتصلة في الليل والنهار، وحيث كان ذلك الدوي الغريب الذي لم يكن ينقطع إلا في أوقات الصلاة العامة. والذي كثيراً ما فكرت فيه وسألت نفسي عن هذه الأجزاء التي لا تُحصى، والذرات التي لا تُعد، والتي كانت تؤلف جوهره وتكون مزاجه، وتجعل منه وحدة لا يظهر فيها الاختلاف، ولا يُحس فيها التباين؛ فإذا حللتها رأيت اختلافاً لا حد له، وتبايناً ليس له آخر: رأيت أصوات قوم يتحدثون في متاع الدنيا ولهوها، وأصوات قوم آخرين يتحدثون في جد الحياة وآلامها، وقوماً يذكرون الله، وقوماً يدرسون العلم، وقوماً يتلون القرآن، وقوماً يقرأون ما يخطر لهم وما لا يخطر لك على بال، وقوماً يخوضون فيما تظن وما لا تظن من فنون الحديث. ومن هذه الأصوات كلها ينعقد صوت واحد قوي ضخم عميق عنيف متحدٍ يملأ فضاء الأزهر منذ تدخله إلى حين تخرج منه، ويملأ فضاء الأزهر من أي باب ولجته، إلى أي باب تجاوزته، ويملأ فضاء الأزهر في جميع أرجائه وأنحائه على كثرة ما فيها من الانحناء والالتواء والانعطاف.
نعم، في هذا الربع الذي لم يكن يخلو في نهار ولا في ليل، ولم يكن يهدأ في شتاء ولا في صيف، ولم يكن يشعر بالحاجة إلى الحياة؛ لأنه كان حياة كله. وكان حياة كأشد ما تكون الحياة قوة وحركة وإنتاجاً. في هذا الربع وقفت كما وقف النابغة في ربع مية، ولكني لم أقف أصيلاً وإنما وقفت بعد صلاة العتمة، ففهمت هذا النحو من شعر القدماء، أو قل أحسست هذا النحو من شعر القدماء؛ فما أكثر ما نفهم الشعر القديم والحديث دون أن نحسه كما يحسه قائلوه، ودون أن نتأثر به كما يتأثر به الشعراء.
وكان الأزهر كربع مية، خلا بعد عمران، وسكن بعد حركة، وأعيا عن جواب السؤال حين وُجه إليه السؤال؛ وكان الأزهر كربع مية قد طال عليه الأمد وبعد به العهد. طال عليه الأمد أكثر مما طال على ربع مية؛ فما أظن أن ذلك الأمد الذي ذكره النابغة والذي طال على ربع مية كان طويلاً مسرفاً في الطول يكاد يبلغ ألف سنة كهذا الأمد الذي أذكره حين أتحدث عن الأزهر، والذي ذكرته حين تحدثت إلى الأزهر منذ أسبوعين. وكان الأمد بين الأزهر وبيني قد طال؛ فما أذكر أني دخلته منذ بضع عشرة سنة، وما أذكر أني طوفت فيه منذ أكثر من عشرين عاماً، ولكني حملت في نفسي دائماً للأزهر صورة حية قوية شديدة الحركة عظيمة النشاط رائعة الدوي عسيرة التحليل.
وكنت أسعى إلى الأزهر منذ أسبوعين وإن قلبي ليخفق سعادة واغتباطاً وحنيناً إلى هذه الصورة التي صحبتني ربع قرن وطوفت معي في أقطار الأرض واستقبلت معي ألوان الخطوب لم تضعف ولم تفتر ولم تتضاءل، والتي كنت أسعى بها إلى أصلها الأصيل في صحن الأزهر وعند القبلتين لتستمد قوة إلى قوتها وحياة إلى حياتها؛ فلما بلغت الربع – وليتني لم أبلغه – نظرت فإذا الصورة أقوى من الأصل، وإذا الأزهر الذي أحمله في قلبي أشد حركة وأعظم نشاطاً وأقوى حياة من الأزهر القائم هناك في حي القاهرة.
قال أصحابي – وكلهم مثلي أبناء الأزهر الذين بعد عهدهم به وطال فراقهم له -:
“وما يمنعنا أن نختم رمضان بزيارة قصيرة للأزهر نحيي بها العهد القديم ونذكر بها أيام الشباب؟”
قلت:
“وإني في ذلك لراغب، وإني إلى ذلك لمشوق”.
ومضينا إلى الأزهر ونحن نقدر أن سنجد فيه تلك الصورة التي ألفناها، وأن سنسمع فيه ذلك الدوي الذي عرفناه، وأن سنختلط به اختلاطاً، ونمتزج به امتزاجاً، ونقف فيه كما كنا نفعل أيام الشباب وقفات فيها الجد الخصب، وفيها هزل يشوبه الحب والعطف. نتنقل بين هذه الحلقات المنبثة في أرجائه، نسمع لهذا الشيخ وهو يقرأ الحديث أو التفسير أو يقص قصص الوعاظ فيعجبنا صوته وإلقاؤه وفهمه وإفهامه فنعجب به ونبسم له، ونتجاوزه إلى ذلك الشيخ فيضحكنا صوته أو إلقاؤه أو لازمة من لوازمه أو بعض ما يدفع إليه من الخطأ في الفهم أو السخف في الإفهام، فننصرف عنه ضاحكين متفكهين، حتى إذا قضينا من هذا كله إرباً خرجنا وقد ذكرنا أنفسنا وسعدنا بلقاء تلك الأيام العذاب.
كنا نقدر هذا كله، فلما دخلنا الأزهر لم نلقَ إلا وحشة ولم نحسّ إلا صمتاً، لم نعرف شيئاً ولا أحداً، ولم يعرفنا شيء ولا أحد. وإنما كنا أشبه شيء بالأشباح أو الأطياف تمضي في مكان خالٍ موحش لا حياة فيه ولا عمران؛ وأشهد لقد لقينا خدم الأزهر باسمين لنا محتفين بنا، يسعون بين أيدينا ومن حولنا، كأنما نحن جماعة من السائحين الذين لا علم لهم بالأزهر ولا معرفة لهم بخفاياه، فهم يهدوننا ويدلوننا ويرفقون بنا في الحديث.
ويحكم! فأنا أعلم منكم بالأزهر وأعرف بمعالمه، وإنا لم نأتِ لنلقى منكم هذا الرفق، وإنا لنفضل أن تلقونا بما كان يلقانا به أسلافكم من ذلك العنف الذي كانت تحبه نفوسنا وإن أظهرنا منه النفور. أين الجبلاوي وأعوان الجبلاوي؟ أين تلك العصي التي كانوا يهزونها فتسمع لها أصوات خفيفة ولكنها مخيفة؟ أين الغراب وأيام الغراب؟ وأين رضوان وجنود رضوان؟ أين الجندي وأعوان الجندي؟ أين هؤلاء جميعاً وما كان يحيط بهؤلاء جميعاً من جلال كنا نزدريه وكنا نضيق به، وها نحن أولاء نذكره الآن فتذهب نفوسنا في أثره حسرات!
ولست أدري مَن هذا الذي عرفنا فأسرع بأسمائنا إلى رجل كريم من أصحاب الفضيلة المفتشين. وإني لأطوف مع صاحبي في الأزهر يتحدث إليّ وأتحدث إليه بهذا الصوت الهادئ الخافت الذي نصطنعه إذا خلا أحدنا إلى صاحبه، كأنما نحن في دار من الدور أو في بيعة من البيع التي يحسن فيها الهمس، لا في الأزهر الذي لم يكن يحب إلا الجهر ورفع الصوت. وما راعنا إلا صاحب الفضيلة وقد أقبل علينا طلق الوجه باسم الثغر مبسوط الأسارير يحيينا تحية الرجل الكريم، ويدعونا إلى ضيافته ويلحّ علينا في أن نصعد معه إلى حيث يتلى القرآن ويشرب الشاي.
وكنا نود لو استطعنا أن نخلو إلى هذه العمد القائمة لنجدد عهدنا بها، ولنبثها ذكرى تلك الأيام، ولنسألها عما ألمّ بها من الحوادث واختلف عليها من الخطوب منذ فارقناها، ونظفر منها بهذا الصمت الذي هو أفصح من الكلام وأبلغ منه أثراً في النفوس، ولكن الشيخ دعا فلم يكن بد من أن نستجيب؛ فمضينا مع الشيخ إلى حيث أراد، وصعدنا معه إلى غرفة من تلك الغرفات التي كنا نذكرها أيام الصبا فتمتلئ قلوبنا لذكرها مهابة وإجلالاً ورهبة وإكباراً. في تلك الغرف كان يستقر شيخ الأزهر ومفتي الديار، وفي تلك الغرف كانت تُدبّر أمور الأزهر وتُصرّف شؤون العلماء والطلاب، وحول تلك الغرف كانت تتطاير طائفة من الأحاديث والأساطير عن حياة الشيوخ وأقوالهم وأعمالهم. وكانت هذه الأحاديث تصل إلينا فنعجب بها ونبسم لها ونلتمس فيها العبرة والعظة والفكاهة، وكنا نتنقل بهذه الأحاديث إلى بلادنا في الريف فنقصها على آبائنا وإخواننا فيعجبون بها ويكبرون أصحابها ويتخذونها ذخراً لما يعقدون من مجالسهم إذا أشرق الصبح أو أقبل المساء.
صعدنا مع الشيخ إلى تلك الغرفات ونحن نسأله عن الأزهر ما خطبه؟ وعن هذا الصمت ما مصدره؟ والشيخ صامت كالأزهر لا يستطيع رجع الجواب. ثم انتهينا مع الشيخ إلى طائفة من أصحابه كرام مثله لقونا لقاءً حسناً، وحيونا تحية حسنة، كما لقينا الشيخ وكما حيانا، ونسألهم عن الأزهر ما خطبه؟ وعن هذا الصمت ما مصدره؟ فإذا هم صامتون كالأزهر، وإذا هم صامتون كالشيخ، وإذا هم لا يستطيعون رجع الجواب.
ثم تدور علينا أكواب الشاي، ثم تُتلى علينا آيات الله في صوت عذب ولهجة حلوة وقراءة صحيحة مستقيمة نقية تصل إلى أعماق القلوب. ولكن من القارئ؟ من أين جاء؟ ما شكله؟ وما زيه؟ إنه رجل مطربش قد اتخذ زياً غير زي الأزهر؛ لأنه ليس من أهل الأزهر وإنما هو من عمال العنابر. تبارك الله! رجل من غير الأزهريين يتلو القرآن بين الأزهريين! هذا خير، هذا خير كثير ولكنه غريب لم نكن نقدر أن نلقاه في أيامنا تلك.
وكنا نحب أن نلقاه الآن والأزهر معمور يموج بالناس وترتفع فيه أصوات الشيوخ بقراءة القرآن، ولكن الأزهر ساكن صامت، وهذه الطائفة الكريمة من العلماء الواعظين قد استمعوا وأنصتوا لتلاوة القرآن الكريم تخرج من رأس عليه طربوش. هذا خير ما في ذلك شك، ولكن هذه الصورة ما زالت غريبة في أنفسنا، وما زال موقعها من قلوبنا شاذاً قلقاً، ومع ذلك فقد يقال إن الشيوخ محافظون، وإننا نحن من أصحاب التجديد.
ثم انصرفنا محزونين مستيئسين، جئنا نزور الأزهر فلم نرَ الأزهر، وإنما رأينا أطلاله ولم نستطع أن نطيل عندها الوقوف.
قلت لأصحابي:
“ولكن ما هذا الصمت وكيف انتهى الأزهر إليه؟ وأيكم كان يظن أن ذلك الصوت العظيم يُقضى عليه في يوم من الأيام أو في ليلة من الليالي بهذا الخفوت المنكر المخيف؟”
قال أصحابي:
“فإنك تنسى أن الأزهر قد كان جامعاً فأصبح جامعة، وإنك تنسى أن الجامعة إن استيقظت في النهار فهي تنام في الليل، وإنك تنسى أن للجامعة نظاماً يحدد حظها من الحركة وحظها من النشاط؛ فاذكر هذا كله واذكر أنك تخطئ أشد الخطأ إن ظننت أن التجديد مقصور على الجامعة وأصحاب الجامعة، فالتجديد أقوى وأنشط وأوسع سلطاناً مما تظن. انظر إليه كيف وصل إلى الأزهر فعلمه كيف يكون الكلام في النهار والصمت في الليل، وقد كان الأزهر متصل الكلام في الليل والنهار”.
قلت لأصحابي:
“يا بؤسي للتجديد إذا انتهى بالأزهر إلى هذه الحال! كم كنت أوثر أن يظل الأزهر جامعاً وألا يُمسخ جامعة”.
الرسالة ٢٩ – ١ – ١٩٣٤ -
حول قصيدة | On a Poem
حول قصيدة
للدكتور طه حسين
في مساء يوم من أيام سنة ١٩٢٠ دخل الأديب الفرنسي جاك ريفير على صديقه الشاعر العظيم بول فاليري، فرأى أمامه صوراً مختلفة لقصيدة أنشأها، أو قل لقصيدة كان ينشئها. فاختلس صورة من هذه الصور، ثم خرج فنشر هذه الصورة في مجلة من المجلات الفرنسية الكبرى.
وهذه القصيدة هي (المقبرة البحرية)؛ ويجب أن تعلم أن بول فاليري لا يتم أثراً من آثاره الفنية وإنما يتركه. وهو يفسر لنا هذا حين يتحدث إلينا في بعض ما كتب من الفصول بأن الشعراء وأصحاب الفن في العصور القديمة لم يكونوا يتمون أثراً من آثارهم، وإنما كانوا يعملون فيه ينقحونه، ويهذبونه، ينقصون منه، ويضيفون إليه، ويلائمون بين أجزائه، يبتغون الكمال ما وجدوا إلى ابتغائه سبيلاً. حتى إذا أُكرهوا على تركه أسلموه إلى النار أو أسلموه إلى الجمهور. فالنار والجمهور عند بول فاليري وعند أصحاب الفن الأقربين سواء؛ كلاهما يميت الأثر الفني بالقياس إلى مبدعه؛ لأنه يختص نفسه بهذا الأثر فيحرقه تحريقاً ويقطع الصلة بينه وبين صاحبه، ويجعله ملكاً لنفسه، يتمثله كما يشاء أو كما يستطيع، ويذوقه ويفهمه كما يريد، أو كما تمكنه ملكاته الخاصة من الفهم والذوق.
وبول فاليري حريص على هذه السنة الفنية القديمة، فهو لا يتم – كما قلت – قصيدة من الشعر، ولا فصلاً من النثر، وإنما يمضي فيه مصلحاً مهذباً، ساعياً إلى هذه الغاية القريبة التي لا تُدرك وهي الكمال. حتى تضطره الظروف إلى أن يدع قصيدته أو فصله أو كتابه لصديق مختلس كجاك ريفير، أو لناشر ملحّ، أو لأي ظرف من الظروف التي تذيع آثار الشعراء والكتاب وتخرجها من أيديهم إلى أيدي القراء. وكذلك فُرضت هذه القصيدة في صورتها المعروفة على صاحبها فرضاً، ولعله لو خُيّر لاختار صورة أخرى من هذه الصور التي كانت بين يديه، ولكنه نظر ذات يوم فإذا المجلة الفرنسية الجديدة تنشر له قصيدة (المقبرة البحرية) فلم يكن له بد من التسليم والإذعان.
على أن من العسير جداً أن تظفر في التاريخ الأدبي الفرنسي بقصيدة كثر حولها الحوار واشتد فيها الجدال، وتشعبت فيها الخصومة، كهذه القصيدة التي لا تزيد على أربعة وأربعين ومائة بيت. فقد أنفق النقاد الفرنسيون أعواماً يدرسونها، ويحللونها، ويلتمسون معانيها وأغراضها ومظاهر الحسن ودخائله فيها، ثم لا يتفقون على ذلك، بل لا يتفقون على شيء من ذلك، بل يبلغ بهم الاختلاف أقصاه. فإذا بعضهم يرفع القصيدة إلى أرقى منازل الآيات الشعرية الخالدة، وإذا بعضهم ينزل بها إلى حضيض السخف الذي لا ينبغي الوقوف عنده ولا الالتفات إليه.
وإذا الأمر يتجاوز المجلات والصحف الأدبية إلى الصحف اليومية الكبرى، ثم يشتد الخلاف وتنظم الخصومة حتى يضطر ناقد من كبار النقاد إلى أن يبدأ بحثاً دقيقاً وتحقيقاً بعيد الأمد، فيختار قطعتين من هذه القصيدة ويعرضهما على الأدباء والنقاد المعروفين يسألهم عما يفهمونه منهما، وما يرونه فيهما من الرأي. ويدعوه ذلك إلى أن يسألهم عن أصل من أصول الفن الشعري، ظهر أنهم لم يكونوا يتفقون عليه بحال من الأحوال، وهو الوضوح؛ أهو ضرورة من ضرورات الشعر الجيد، أم هو شيء يمكن أن يستغني عنه هذا الشعر؟ وإذا شئت الدقة والجلاء فقل: أيجب أن يكون الشعر الجيد واضحاً جلياً يفهمه من قريب من سمعه أو قرأه، أم يستطيع الشعر أن يكون جيداً وإن حال الغموض بينه وبين فهم القارئين والسامعين؟ ولا يكاد يبدأ هذا التحقيق حتى يعود الخلاف حول القصيدة وصاحبها كما كان حاداً عنيفاً متشعباً. وكان بول فاليري في أثناء ذلك قد انتُخب عضواً في المجمع اللغوي الفرنسي، فيثير انتخابه حقد الحاقدين وحنق المحنقين، ويزيد الخلاف حدة وعنفاً. وتستطيع أن تقول غير مبالغ ولا مسرف أن المثقفين الفرنسيين جميعاً قد شُغلوا بهذه القصيدة وصاحبها أعوام ١٩٢٧ و٢٨ و٢٩.
وانتهى أمر هذه القصيدة إلى السوربون – وما أقل ما تُعنى السوربون بشعر المعاصرين – وإذا أستاذ من أساتذة الأدب فيها هو مسيو جوستاف كوهين يتخذها موضوعاً لدرسه في تفسير النصوص الأدبية، وإذا هو يتخذها موضوعاً لكتاب سماه (محاولة لتفسير المقبرة البحرية). كل هذه الحركة العنيفة والشاعر صامت لا يقول شيئاً، ساكن لا يأتي شيئاً، أو هو لا يقول ولا يأتي شيئاً يمس هذا الخلاف العنيف. حتى اضطر صاحب التحقيق الذي أشرت إليه آنفاً أن يكتب إليه ينبئه بأن كثرة الذين أجابوا إلى ما أُلقي إليهم من الأسئلة يعترفون بأن لقصيدته معنى ولكنهم لا يتفقون على هذا المعنى، وإنما يختلفون اختلافاً شديداً في تحصيله، ويسأله أن يبين ما أراد ليقطع الشك ويزيل الخلاف. فلا يجيب الشاعر، ويضطر كاتب آخر إلى أن يطالبه في صحيفة من الصحف الكبرى بأن يبين للناس ما أراد أن يقول في هذه القصيدة، ليظهر من أخطأ من النقاد ومن أصاب، ويصفه بالكبرياء والحرص على أن يغيظ النقاد، ولكنه على ذلك كله لا يجيب.
حتى إذا ظهر كتاب أستاذ السوربون، نظر الناس فإذا الشاعر قد قدم بين يدي هذا الكتاب بمقدمة بديعة ممتعة، يصفها بعضهم بأنها مثيرة للدوار، لكثرة ما تشتمل عليه من المعاني والآراء في وضوح لا يكشف الحجاب عنها كل الكشف، وفي غموض لا يريح القراء من التأمل وإطالة البحث والتفكير. فإذا قرأ المقدمة البديعة الممتعة المثيرة للدوار، لم يتبين فيها القارئ جواباً لهذه الأسئلة الملحة التي ألقاها النقاد على الشاعر يتمنون عليه فيها أن يبين لهم ما أراد، وإنما يجد القارئ في هذه المقدمة آراء موئسة من الوصول إلى تحصيل المعاني التي أراد إليها الشاعر حين نظم قصيدته. فهو يقول مثلاً: إن الناس يسألونني ماذا أردت أن أقول؟ فأنا لم أرد أن أقول شيئاً وإنما أعمل شيئاً، ورغبتي في هذا العمل هي التي قالت ما يقرأون. وهو يقول مثلاً إن الأثر الفني الذي يصدره الشاعر أو الكاتب أو غيرهما من أصحاب الفن لا يكاد يخرج من يد منشئه حتى يصبح أداة من الأدوات العامة يصرفها الناس كما يريدون أو كما يستطيعون. ومعنى ذلك أن القصيدة إذا أُذيعت بين الناس، فلكل واحد منهم أن يفهم منها ما أراد أو ما استطاع. فأما ما أراد الشاعر فأمر مقصور عليه حين نظم، ولعله قد نسيه أو انصرف عنه إلى غيره من المعاني فلا ينبغي أن يُسأل عنه ولا أن يُطالب بتبيينه للناس.
وأظرف وأطرف أن الشاعر يثني على الكتاب الذي يفسر قصيدته فيقول: إنه قرّب هذه القصيدة إلى الشبان من تلاميذه، وأحاط بخصائصها التي تتصل بما فيها من الموسيقى والانسجام. ولكنه يقول: أوفق الأستاذ الشارح إلى تحقيق المعاني التي قصد إليها الشاعر أم أخطأه هذا التوفيق؟
كل هذه الآراء وآراء أخرى للشاعر العظيم في هذه المقدمة الممتعة، إن لم تبين المعاني التي أودعها قصيدته فهي تبين شيئاً آخر أظنه أقوم وأجلّ خطراً من هذه المعاني، وهو مذهب الشاعر في فن الشعر، وما ينبغي له من الارتفاع عن هذا الوضوح الذي يفسد الفن إفساداً، ويقربه من الابتذال. فهو يرى مثلاً أن جمال الشعر يأتي من أنك تحدد اللذة الفنية في نفسك كلما حددت قراءته، ومن أنك تستكشف في القراءة الثانية من فنون الجمال ما لم تستكشفه في القراءة الأولى، بل تجد في كل قراءة فنوناً جديدة من الجمال لم تجدها في القراءات التي سبقتها. وأنت لا تجد هذه اللذة المتصلة المتنوعة إلا لأنك خليق أن تستكشف في كل قراءة معنى جديداً يثير في نفسك شعوراً جديداً بالجمال. وهو يرى مثلاً أن للشعر صفات تعصمه من الموت أو تعصمه من الموت القريب، وهذه الصفات تتصل بوزنه وقوافيه وبهذه الصور الخاصة التي لا تجدها في النثر. وموت الأثر الفني عنده يأتي من فهم الناس له، فأنت إذا قرأت كتاباً وفهمته فقد قتلته وقضيت عليه. فهناك إذن جهاد عنيف بين القارئ والمقروء، فإذا فهم القارئ فقد غلب. وإنما الأثر الفني الخليق بهذا الاسم هو الذي يغلب قارئه ويعجزه، ولكن دون أن يضطره إلى اليأس والقنوط. ومن هنا يرى شاعرنا العظيم أن النثر بطبيعة تكوينه أقرب إلى الموت وأدنى إلى الفناء؛ لأنه أقرب إلى الفهم وأدنى إلى الهضم، لا تعصمه هذه الدروع المتقنة التي نسميها الوزن والقافية، والموسيقى والصور.
فإذا أضفت إلى هذه المقدمة ما كتبه شاعرنا العظيم في مواضع مختلفة، وظروف مختلفة حول الشعر والنثر والأدب عامة، استطعت أن تلخص مذهبه في الشعر الخالص أو في الشعر العالي كما يقولون. فالشعر عنده كلام، ولكنه كلام ممتاز، وامتيازه لا يجب أن يأتيه من معناه وحده، بل يجب أن يأتيه من صيغته قبل كل شيء. فحقيقة الشعر إنما تُلمس في صيغته وشكله؛ تُلمس في وزنه الذي يجب أن يبهر السمع ويؤثر فيه، وتُلمس في انسجامه الذي يجب أن يثير في النفس لذة الموسيقى، أو لذة أرقى من لذة الموسيقى لأنها تمس العقل والشعور والسمع جميعاً؛ ثم تُلمس في صوره التي تروع الخيال وتروع معه الحس أيضاً، ثم تُلمس قبل كل شيء وبعد كل شيء في هذه الصفة التي لا أدري كيف أسميها أو أحددها، والتي تضطرك إلى البحث والتفكير وإلى جهاد ما تقرأ في غير ملل ولا يأس.
وطبيعي بعد أن ثار هذا الخلاف العنيف الطويل حول هذه القصيدة أن تتجاوز حدود فرنسا، ويُعنى بها النقاد الأجانب كما عني بها الفرنسيون، كما يعنون بكل ما يصدر عن هذا الشاعر من الآثار. فقد تُرجمت هذه القصيدة أربع مرات في اللغة الإسبانية، وثلاثاً في اللغة الإنجليزية، وثلاثاً في اللغة الألمانية، ولكن الغريب أنها تُرجمت في اللغة الفرنسية نفسها شعراً. ترجمها الكولونيل جودشو وأرسلها إلى الشاعر، فكتب إليه الشاعر يقول:
"أشكر لك خالص الشكر ما أرسلتَ إليّ من ترجمة (المقبرة البحرية) إلى لغة أقرب إلى الوضوح. وسأضيف هذه الترجمة إلى التراجم الإسبانية الأربع، وإلى التراجم الإنجليزية الثلاث، وإلى التراجم الألمانية الثلاث، وإلى تراجم أخرى لهذه القصيدة قد وقعت إليّ. وقد أعجبني جداً ما بذلتَ من الجهد لما ظهر فيه من الحرص على أن تحتفظ ما استطعت ببعض الأصل، وإذا كنتَ قد استطعت أن تترجم هذه القصيدة فليست هي إذن من الغموض بحيث يقال. فإن قصيدة مظلمة حقاً تحتاج إلى تغيير أعمق من هذا التغيير الذي أحدثته لتصبح ترجمتها أمراً ميسوراً. فأنا مدين لك بهذا الدليل الواضح على أن المقبرة البحرية شيء يمكن فهمه إذا عني القارئ بعض العناية بقراءتها، ورغب بعض الرغبة في فهمها".
وأظن أن السخرية في هذا الكتاب أوضح من أن تحتاج إلى أن أدل عليها. ولعلك تسألني أن أترجم لك هذه القصيدة كلها أو بعضها، ولكني معتذر من ذلك لأمرين:
الأول: أني أجد في قراءة القصيدة لذة راقية قوية حقاً، ولكني لا أستطيع أن أقول أني أفهمها على وجهها، وليس عليّ من ذلك بأس ما دام النقاد والأدباء الفرنسيون – وهم أعلم مني طبعاً بلغتهم وأدبهم – يختلفون في فهمها إلى هذا الحد.
والثاني: أن بول فاليري نفسه يرى أن ترجمة الشعر إلى النثر قتل لهذا الشعر، وتمثيل به ومحو لآيات الجمال فيه، وأعوذ بالله أن أقترف هذه الجناية أو أتورط في هذا الإثم.
ولكن في مصر شعراء – أو أنا أرجو أن يكون في مصر شعراء – يحسنون الفرنسية، فهل لهم أن يستبقوا في ترجمة هذه القصيدة شعراً عربياً؟ وهل لأصدقائنا أصحاب (الرسالة) أن يجعلوا للفائز في هذه المسابقة من الشعراء جزاء يلائم ما سيبذله من الجهد الذي سيكون عنيفاً حقاً، ولكنه سيضع أمام قراء اللغة العربية نموذجاً من أرقى وأروع نماذج الشعر الحديث.
الرسالة في ١٥ – ١٠ – ١٩٣٣ -
قصة فيلسوف عاشق | The Tale of a Philosopher in Love
قصة فيلسوف عاشق
في الأدب الغربي
للدكتور طه حسين
واتصلت زيارة أوغست كونت لأسرة كلوتيلد، واشتدت الصلة بينه وبينها متانة وقوة. وأخذت تزول من هذه الصلة بقايا هذه التكاليف الاجتماعية التي تواضع الناس عليها في حياتهم المألوفة، والتي لا يزيلها ولا يمحوها إلا المودة الخالصة إذا بلغت أقصاها، أو الحب الصحيح إذا انتهى إلى غايته. وألحت الأسرة في التعريض بهذه الزيارات المتصلة، وبهذه الصلات التي كانت تتخلص شيئًا فشيئًا من التكلف والاحتشام. ونزعت الفتاة نفسها وقتًا طويلًا في أن تتحدث إلى الفيلسوف بهذه الريبة التي أخذت تثور حولهما في نفوس الأسرة؛ ولكنها انتهت إلى أن أنبأته بما عندها من ذلك فاستمع لها، ولم يحتج إلى تفكير وتقدير ليمتلئ قلبه سرورًا وغبطة، وليأخذه شيء من الكبرياء غريب في ظاهر الأمر، ولكنه مألوف عند العشاق والمحبين. وما له لا يسر ولا يغتبط والحجب ترفع كل يوم بينه وبين من يهوى. وما له لا يأخذه الكبر ولا يملأه التيه وهو يثير الريبة في نفوس الأسرة، ويضطرهم إلى أن يشعروا بحبه للفتاة وبأن الفتاة لا تزدريه ولا تفرط في ذاته، ولا تنظر إليه في غير عناية ولا اكتراث. لعلها لا تحبه كما يحبها ولكن في قلبها عاطفة ما، تعطفها عليه وتدفعها إليه. ومن يدري؟ لعل هذه العاطفة أن تنمو وتقوى وتخضع لما يخضع له الإنسان بملكاته وعواطفه من التطور، فتستحيل من المودة الخالصة إلى الحب العنيف. وإذا فما له لا يستأنف سعيه وإلحاحه؟ وما له لا يدور حول قلب الفتاة لعله يجد سبيلًا لبلوغه والوصول إليه. وقد فعل. فهذا الحنان الذي كان قد كظمه في نفسه أو أسبغ عليه لونًا من الجد يجعله إلى الود أقرب منه إلى الحب، قد أخذ يتجرد من ثوبه المتكلف ويظهر على حقيقته وفي صورته الصحيحة، وقوته التي لا تبقي على شيء. وهذا التحفظ الذي كان اصطنعه في الحديث يزول شيئًا فشيئًا. وإذا هو صريح، وإذا هو يجدد إعلان الحب، ويكرر هذا الإعلان ويحيط الفتاة بشباك من الطلب والأمل والتضرع والاستعطاف والإغراء الذي يتجه إلى العقل حينًا وإلى الشعور حينًا آخر. وكيف تريد أن تفلت الفتاة من هذه الشباك جميعًا وهي لا تكاد تخلص من واحدة حتى تتعثر في أخرى. هي مضطرة إذًا إلى أن تسالم بعض الشيء وتصانع إلى حد ما، وتنهزم عن خط الدفاع الأول كما يقولون.
وهل كانت هي في نفسها منصرفة عن الفيلسوف حقًا راغبة عن حبه كل الرغبة؟ لست أدري، ولكنها على كل حال عجزت عن المقاومة فكتبت إلى أوغست كونت تنبئه بهذا العجز وتظهره على ذاتَ نفسها وتبين له رأيها في التخلص من هذا الموقف الدقيق ورأيها أنها لم تكن تقدر أن أحدًا يكلف بها ويتهالك عليها، وأنها هي لا تكلف بأحد ولا تتهالك على أحد، ولكن أملها إن صح أن يكون لها أمل في الحياة، إنما هو طفل تقف عليه حبها وحنانها وقوتها ونشاطها. وهي إذا شاركت رجلًا في الحياة فإنما قوام هذه الشركة الوصول إلى تحقيق هذا الأمل. وهي حريصة كل الحرص على أن يكون شريكها إن ظفرت به رجلًا ممتازًا مرتفعَ النفس كبيرَ القلب خليقًا بالإكبار. وهي تجد هذه الخصال كلها في الفيلسوف ولا تكره أن تتخذه شريكًا في تحقيق هذا الأمل وخلق هذا الطفل. ولكنها لا تريد أن تخدعه ولا أن تغره فهي لا تحبه بالمعنى المألوف لهذه الكلمة وحياتها ليست بالشيء النفيس الذي يحرص الناس على الاشتراك فيه. فهي بائسة تحتاج إلى من يعزيها وهي فقيرة تحتاج إلى من يعولها. وهي لا تحمل لشريكها إلا مودة صادقة وإخلاصًا لا حد له.
ويقرأ الفيلسوف هذا الكتاب فيجن جنونه وتدور به الأرض، ثم تهدأ نفسه، وتشرق في وجهه الدنيا وتبتسم له الأيام. وهل كان يطمع في أن تقبل كلوتيلد منه مثل هذا وترضى أن تكون خليلة وتقاسمه الحياة وتشاركه في خلق إنسان؟ وهو قابل إذًا وهو راض وهو سعيد وهو واثق بأن هذه خطوة ستتبعها خطوات وهو يكتب إليها ويمضي كتابه على هذا النحو: زوجك المخلص أوغست كونت.
وتزوره ذات يوم زيارة المستسلمة المستعدة للوفاء بالوعد وإنفاذ هذه الشركة، فيلقاها فرحًا مبتهجًا ثم يجلسها ويجثو بين يديها ويقدم إليها صلاة فلسفية حارة. ولكنه عالم لا حظ له من براعة الأدباء ولا من براعة الرجال الذين تعودوا عشرة النساء والتلطف لقلوبهن، فصلاته فلسفية، وحديثه بعد ذلك عملي كله وحركاته حين يضطرب في غرفته منظمة قد قدرت تقديرًا. فهو لا يرفع شيئًا إلا بحساب، ولا يضع شيئًا إلا على نظام، ولا يأتي حركة إلا إذا كانت لها علة ظاهرة وتأويل معقول وهو يتحدث عن دخله، وعما سيحتاجان إليه من نفقة، وعن ترتيب البيت، وعن النظام المادي للحياة. وهو على هذا كله دميم لا جمال في شكله ولا روعة، قصير متقدم البطن مضطرب الوجه. فأين يقع هذا المنظر؟ وأين يقع هذا الحديث؟ وأين تقع هذه الحركات المنظمة من قلب امرأة لم تتجاوز الثلاثين بعد؟ ما أسرع ما ضاقت بهذه الشركة ورغبت عنها، وما أسرع ما ضحكت من نفسها في نفسها، وما أسرع ما استيقنت أنها كانت تحاول أمرًا لا قبل لها به ولا قدرة لها عليه، وما أسرع ما نهضت وهي تقول: لقد تقدم الوقت دعني أكتب إليك. وما أسرع ما خرجت من الباب وهبطت السلم وبلغت الشارع ومضت، والفيلسوف ينظر إليها من النافذة. فإذا هي تسرع أمامها، لا تلتفت ولا تلوي على شيء، وتكتب إلى الفيلسوف بعد ذلك معتذرةً متعللةً قائلةً إنها قد تعجلت الوعد وتبيّن لها أنها في حاجة إلى التفكير الطويل وأن الخير في أن تمهل نفسها لترى. فلا يكاد الكتاب يصل إلى الفيلسوف حتى يحس أنه قد آذاها بحديثه فيكتب إليها متلطفًا مُلحًا. وتمضي هي في إبائها. ويشتد هو في إلحاحه حتى إذا أثقل عليها أجابته في شيء من الشدة والصرامة أنها لا تستطيع أن تبيع نفسها ولا أن تساوم فيها فإن كان يقنعك ما أعرضه عليك من المودة الخالصة الطاهرة فذاك ولك أن تلقاني في بيت أسرتي كدأبك من قبل ولا بد لي من ستة أشهر أفكر فيها وأروي وإلا فإني عائدة إلى ما كنت فيه من وحدة وعزلة. هنا يفيق الفيلسوف من ذلك السكر الذي كان قد غمره وملأ عليه قلبه وعقله. ويعود إلى حاله الأولى ليس شديد الرجاء ولكنه ليس يائسًا بل هو بعيد كل البعد من اليأس واثق بأن العاقبة له وبأن الفوز لن يخطئه مهما يكن من شيء، سيصبر إذًا وسيستأنف حياته الأولى فيلقى الفتاة في بيت أسرتها مرتين في الأسبوع.
وكلاهما سيئ الحال ضيق ذات اليد. أما هي فتبحث عن عمل لتعيش منه أو لترفه به بعض الشيء حياتها الضيقة الخشنة. وهي لا تتردد في أن تشغل مكان السكرتير في مكتب من المكاتب أو عند رجل ذي مال إن ظفرت به. ولكنها لا تظفر بشيء ولا بأحد إلا فيلسوفها الذي قد وثقت به واطمأنت إليه. فهي لا تخفي عليه من أمرها شيئًا وهو يعدها بالمعونة ويعرض عليها أن يقرضها ما تحتاج إليه، بل يؤكد لها أن كل ما يملك من المال ملك خالص لها تستطيع أن تأمر فيه بما تشاء. نعم ولكنه هو لا يملك شيئًا أو لا يكاد يملك شيئًا، أعماله شاقة ونفقاته ثقال والمستقبل أمامه مظلم. هو يلقي دروسًا رياضية في بعض المدارس الحرة ولكن صاحب المدرسة يريد أن يلغي هذه الدروس رغبة في الاقتصاد، وهو يكسب شيئًا من مدرسة الهندسة ولكنه في حاجة إلى أضعاف هذا الذي يكسبه. وهو يلح على تلاميذه في إنجلترا أن يرتبوا له رزقًا معلومًا، ولكن التلاميذ لا يؤمنون لأستاذهم بهذا الحق وهو مضطر إلى أن يرزق امرأته ثلاثة آلاف فرنك في كل عام، ولا بد له من أن ينقص هذا الرزق وأن يختزل منه ثلثه. وهو على هذا كله يعمل، وهو على هذا كله يحب وهو حريص على ألا يقصر في ذات فلسفته ولا في ذات عشيقته. وعشيقته أيضًا تعمل لخدمة الأدب إن أعجزها أن تعمل لكسب المال. لقد نجحت قصتها الأولى بعض الشيء فما لها لا تكتب قصة أخرى وقد بدأت كتابة هذه القصة واتخذت نفسها لها موضوعًا مع شيء من الرمز والإيماء وأخذت كلما كتبت شيئًا أرسلته إلى الفيلسوف، فيقرأ ويعجب ويهيم. ويقرظ فيسرف في التقريظ.
ويستأنف زياراته للأسرة محتملًا ما يرى من الأعراض يقابله بمثله في كثير من الأحيان. حتى إذا كتب أخو الفتاة رسالة في الرياضة وعرضها على أستاذه ونظر الأستاذ فيها وأطال النظر فلم تعجبه. فيضطر إلى أن يعلن رأيه إلى تلميذ في غير تردد وإلى أن يتحدث إلى الفتاة بأن حبه لها وحرصه على مودة أخيها لن يمنعاه من أن يعلن رأيه في هذا الكتاب الذي لا خطر له. هنالك يزداد سخط التلميذ على أستاذه وهذا هو الذي يدور حول أخته ويشرب القهوة في البيت مرتين في كل أسبوع، ثم لا يشجع تلاميذه ولا يعترف لهم بما يوفقون إليه من فضل.
ويشتد إنكار الأسرة على الفتاة وتثبت هي لإنكارهم، فتجادلهم في أستاذها وتذودهم عنه، وتخرج من عندهم مكدودة متعبة وتؤوي إلى بيتها وقد فقدت أو كادت تفقد الشجاعة والنشاط. فتفكر في الفيلسوف، وفي أنه الرجل الوحيد الذي يؤثرها بالحب، ويصفيها المودة والعطف، فتنازعها نفسها إليه. ولكن نفورًا قويًا يمسكها أن تندفع في هذا الحب. فتكتفي بالشكوى، وتقبل من الفيلسوف عطفه وحنانه، ومعونته المالية أيضًا. وكانت أعراض الضعف قد ظهرت عليها، فأخذت تحس فتورًا وانحلالًا. وأخذت تقاوم سعالًا متكررًا مضنيًا ولم تقدر إلا أن ما تحسه عرض من أعراض هذا الجهد الذي تلقاه. فصبرت واحتملت وجدّت في كتابة قصتها، وجدّت أيضًا في الأنس إلى الأستاذ وأذنت له أن يزورها في بيتها الخاص، فأحيت أمله، وبالغت في إحياء هذا الأمل حين أهدت إلى الأستاذ باقة من الزهر الصناعي صنعتها بيدها، وأرسلت معه أبياتًا من الشعر لا قيمة لها، ولكن الفيلسوف رآها آية من آيات البيان.
وزارها الفيلسوف ذات يوم فإذا هي متعبة تلقى من الآلام جهدًا شديدًا فتحدث إليها وأطال الحديث واطمأنت هي إليه اطمئنانًا شديدًا، فلما نهض لينصرفَ اختلس قبلة من فمها، ولكنه لم يكد يبلغ بيته حتى كتب إليها كتابًا مشهورًا يعتذر فيه من هذه القبلة، لأنه لم يكن يثق حين اختلسها بأن نفسه كان نقيًا طيبَ النشر. وردت عليه في هذه السذاجة البديعة: (لا بأس عليك فأنا التي منحتك قبلة صديقة مخلصة).
ويشتد المرض والفقر بالفتاة. ويشتد الهيام والبؤس بالفيلسوف، وتزول بينهما الكلفة، وتكثر الزيارة عندها وعنده، ويعرض عليها خادمته لتعينها على الحياة. فتأبى، وتقضي الشتاء وحيدة عاملة لا يسليها عما تجد إلا زيارات الفيلسوف لها وعطفه عليها، وقد عرضها على الطبيب فقدر لها مرضًا أخذ يعالجه وهو بعيد كل البعد عما كانت تجد. واشترك الفيلسوف في الأوبرا على فقره ليسلي صاحبته بالموسيقى من حين إلى حين. ولكنه لم ينسَ الحب ولم يفكر في الإعراض عنه فهو ما زال يلح على الفتاة ويتقاضاها هذه الصلة المادية التي تتوج ما بينهما من ائتلاف العقل والقلب وهي تأبى حتى إذا أثقل عليها فأسرف. كتبت إليه تذعن لما يريد. وهي تقول: إنك تطالب بأجر ما تبذل لي من ودٍ ومعونةٍ، فلن أماطل في تأدية هذا الأجر. هنالك استحى الفيلسوف واستكبر فرفض هذا التسليم وأبى إلا صلةً مصدرها الحب والرغبة.
وزارته ذات يومٍ وهي مكدودة قد أجهدها المرض، واشتدت بها الحمى فلما انتهت إلى البيت استلقت على وسادة ونظر إليها هو، وأنّ في عينه لحبًّا لا حد له، وشهوةً لا حد لها. وإذا هو يرى عينيها الزائغتين من الألم وخديها اللذين توردهما الحمى فلا يرى إلا جمالًا مغريًا وحسنًا فتّانًا. وهي مستلقية أمامه لا حول لها ولا طول، وهو قادر عليها؛ ولكنه ليس قادرًا على نفسه. فهو يشتهي إلى حد الهيام ولكن عقله ووقاره يأبيان عليه هذا الغصب. فتنحل هذه الشهوة الحادة العنيفة إلى حب وقور، فيه شيء كثير من جلال الدين. والمرض والبؤس يلحان على الفتاة، والحب والفقر يلحان على الفيلسوف وإذا هي قد لزمت غرفتها، ولزمتها خادمة الفيلسوف. وجاء الطبيب فلم يشك في أنها مسلولة مشرفة على الموت. وكثر تردد أمها عليها وكثر تردد الفيلسوف أيضًا. وكانت بين الأم والفيلسوف حول هذا الجسم الناحل وهذه النفس التي تتأهب لمفارقة الحياة، خصومات مؤلمة ولكنها لا تخلو من فكاهة. فأما الأم فكانت أسيرةَ الأوضاع الاجتماعية، أسيرةَ هذا الحب الذي يعطف المرأة على ابنتها. وأما الفيلسوف فكان أسير هذا الحب الفلسفي، ولم يكن يتردد في أن يعلن أنه وحده صاحب الأمر في هذا البيت لأنه الزوج الخالد للفتاة. ولم لا؟ لقد كان ينهض بكل ما تحتاج إليه، ويعرف من تمريضها ما ظهر وما خفي. لقد كتبت إليه مرة تقول: ما أشد حاجتك إلى الرحمة أيها العاشق التعس! فلم تظفر من خليلتك إلا بشرّ ما يظفر به الأزواج. وكان مؤلمًا جدًا، وباعثًا للابتسام أحيانًا أن يرى الفيلسوف جاثيًا أمام السرير وهو يصلي إلى الفتاة فيدعوها أخته وزوجه وابنته. ويؤكد لها ويقسم ليعصمنها من الموت، ولئن عبثت الطبيعة بجسمها فليضمنن هو لنفسها الخلود. ولم لا؟ ألست أرقى امرأة عرفتها الإنسانية. لقد لقيت أرقى عقل عرفته الإنسانية، فلن يكون للفناء عليك ولا عليَّ سلطانٌ.
وساءت حالة الفتاة ودعي القسيس ليهيئها لاستقبال الموت فلم تمانع هي ولم يمانع هو. وأقبل القسيس فأدّى عمله والفيلسوف يراه ويسمع له ساخطًا حتى إذا انصرف أقبل فأنكر هذه العادة الدينية التي تنتزع المريض انتزاعًا من الحياة لتدفعه بين ذراعي الموت.
أقبل عذب الصوت رضيَّ النفس حنون القلب فجثا إلى السرير وحنى على الفتاة وأخذ يحدثها أحاديثَ عذبةً كلها أمل وكلها رحمة. ثم انصرف وعاد فإذا الأسرة كلها مجتمعة وإذا هم يأبون عليه أن يصل إلى المريضة. فتثور ثائرته ويخرج عن طوره ويأبى أن ينصرف ويهم بإخراجهم جميعًا لأن المريضة زوجه وخليلته وهي له وحده دونهم، بذلك اعترفت له وعلى ذلك أقسمت له فيجب أن يُخلى بينه وبينها. فأما الأم فتنكر وتبكي وتستخذي. وأما الأخ فيقبل على أستاذه مُنذرًا. وأما الأب الشيخ فيقبل هادئًا وقورًا يطلب إلى الفيلسوف أن يدع المريضة لأهلها.
فانظر إلى الفيلسوف وقد جثا أمام الشيخ ضارعًا مستعطفًا حتى رق له الشيخ، فقال: أنصرفُ الآن ولك علينا أن ندعوك إذا استيأسنا منها. خرج الفيلسوف فلزم داره فلما كان من غد جاءه الرسول فأقبل مسرعًا حتى انتهى إلى البيت. فلما رأته الأسرة انفرجت له وخلت بينه وبين غرفة الفتاة. فدخل وأغلق الباب من دونه وأرتجَه فأحكمَ إرتاجَه. وأقام ساعات طوال لا يخرج ولا يدخل عليه أحد. ويستطيع الخيال أن يذهب كل مذهب في تصور ما قال الفيلسوف للفتاة المحتضرة أو ما عمل أمام هذا الحب العظيم الذي كان الموت يغلبه عليه قليلًا قليلًا. فلما تقدم النهار ودنا المساء فتح الباب وخرج صامتًا لا يلوي على شيء. فأقام في داره ولم يشهد الجنازة ولم يشيعها إلى القبر. وماذا يعنيه من الجنازة؟ لقد حاول أن يصل إلى هذا الجسم فلم يجد إليه سبيلًا وحاول أن يصل إلى هذه النفس فلم تقاومه ولم تمتنع عليه، وإنما أسرعت إليه فأقامت في عقله وقلبه. لم تمت كلوتيلد وإنما أودعته خير ما فيها، فهي إذًا في قلبه، هي إذًا تقاسمه حياته الزائلة حتى إذا انقضت هذه الحياة الموقوتة امتزجت بنفسه فكانت منها نفس واحدة خالدة. عكف الفيلسوف في داره على هذه الصورة يعبدها ويهيم بها وما هي إلا أن استحال حبه لكلوتيلد دينًا وضعت له التقاليد وألوان الصلوات والعبادات. وأغرب من هذا كله أن الحياة الظاهرة للفيلسوف لم تتغير. فدروسه كانت تُلقى في نظام ومجلاته كانت تُقرأ في نظام ورسائله كانت تُقرأ ويرد عليها في نظام أيضًا.
ما أعجب أمر الإنسان تراه ساذجًا يسيرًا وأنّ شخصه لَشديد التعقيد.