Tag: القانون

  • صراع

    صراع

    بين الحياة والرأي صراع خطير في هذه الأيام تشهده مصر، فيثير في نفسها ألماً لاذعاً، ويقر في قلبها حزناً عميقاً. وغريب جداً أن يقال إن بين الحياة والرأي صراعاً، ولكن هذا على غرابته هو الحق الذي لا شك فيه. فالمصريون جميعاً يحبون حرية الرأي، ويحرصون عليها، ويودون لو ظفروا بها، ويكرهون كل الكره أن يحرم بعضهم مهما يكن حق الاستمتاع بها. ولكن المصريين جميعاً يحبون الحياة، ويحبون الحياة الحلوة الناعمة – وكثير منهم مع الأسف الشديد – لم ينشأ تنشئة حرة، ولم يكوّن هذا التكوين الذي يمكنه من أن يفهم الحياة على وجهها، ويقدرها حق قدرها، ويضعها في الموضوع الذي يجب أن تكون فيه. ويعلم أن الحياة في غير حرية موت، وأن الحياة في غير كرامة موت، وأن الحياة في غير عزة موت.
    نعم بين المصريين – مع الأسف الشديد – جماعة يُخيل إليهم أن الحياة هي الحركة والنشاط، وهي الطعام والشراب، وهي اللذة واللهو، وهي الفكاهة والمزاح، وهي قضاء الوقت بين طائفة من الأعمال الآلية وطائفة من اللذات المنحطة، لا يستطيعون أن يرقوا بالحياة إلى ما فوق هذا، فهم راضون عن أنفسهم إذا أدوا هذا العمل الآلي، وهم راضون عن أنفسهم إذا ظفروا بهذه اللذات الفارغة، وهم على هذه الحياة حراص، يبذلون في سبيلها كل شيء، ويضحون في سبيلها بكل شيء، وينزلون من أجلها عن كل شيء، لأنهم لم يتعودوا أن يؤثروا بها شيئاً غيرها! ولا تقل لهؤلاء الناس إن حياتهم هذه لا ترفعهم إلى طبقة الإنسان المتحضر حقاً، الممتاز حقاً من الكائنات الحية الأخرى التي تحيط به، وتشاركه في الحياة! فهم لا يفهمون عنك هذا القول، وهم إن فهموه عنك لم يُقروك عليه، لأن هذه الكائنات الحية الأخرى لا تختلف إلى المكاتب والدواوين كما يختلفون، ولا تذهب إلى الأندية والملاهي كما يذهبون، ولا تلعب النرد والشطرنج كما يلعبون، ولا تحكم الناس كما يحكمون، ولا تأخذ في ألوان الجد والهزل كما يأخذون. فهم إذن ممتازون من هذه الكائنات الحية. وهم يكتفون بهذا النوع من الامتياز الساذج اليسير. ولا تحدث هؤلاء الناس عن أن الإنسان ليس إنساناً بهذه المظاهر اليسيرة من مظاهر الحياة، وإنما هو إنسان بعقله الذي يفكر وينتج، وبإرادته التي تنظم عمله ونشاطه، وبكرامته التي ترفعه عن الذلة وتمنعه من قبول الضيم، وبعزته التي تكره له أن يكون أداة في يد إنسان آخر مهما يكن، أو في يد سلطان مهما يعظم حظه من القوة والبأس. لا تحدثهم عن هذا فلن يفهموه عنك، لأنهم لم يتعودوا مثل هذا الحديث، وهم إن فهموه عنك لم يُقروك عليه، لأنهم يرون ذلك نوعاً من فلسفة الفلاسفة، وأحاديث الكتب، لا يحقق مأرباً قريباً، ولا يدني من لذة حلوة، ولا يمكن من نيل الدرجة الرابعة أو الثالثة! ولا يتيح الظفر بعلاوة تزيد المرتب ثلاثة جنيهات أو أربعة! ولا يجلو من ثغر الوزير إذا دخلت عليه! ولا يضمن حسن حديث الوكيل إذا وقفت بين يديه!
    ومن يدري، لعله يقصيك عن المنصب، ويصرفك عن العمل، ويضطرك إلى الحرمان، ويكلفك الصبر على ما لم تتعود أن تصبر عليه، ومن تعود الأكل الرقيق فعزيز عليه أن يرد إلى الأكل الغليظ، ومن تعود الزي الأنيق فعزيز عليه أن يرد إلى الزي المهمل، ومن تعود البيت الجميل فعزيز عليه أن يهبط إلى البيت المتواضع، ومن تعود أن يعود إلى أهله فيراهم راضيين ناعمين، شق عليه أن يعود إليهم فيرى على وجوههم آيات الحزن، وعلى أشكالهم مظاهر الضر، ويحس في حديثهم نبرات الحزن.
    وإذن فما الحرية والعزة والكرامة بالقياس إلى هذه الحياة الناعمة، يغبطك عليها الصديق، ويحسدك عليها العدو، وتمكنك من أن تجتني زهرات اللهو مختلفة، وتطمئن إلى أن أهلك آمنون، ليس عليهم خوف ولا بأس.
    في مصر كثير من هؤلاء الناس، وهم سواء رضينا أو كرهنا مصدر ما تجده مصر من محنة، وما تخضع له من فتنة في السياسة والرأي والمال، لا لشيء إلا لأنهم يريدون أن يعيشوا، أو لا لشيء إلا لأنهم لا يستطيعون إلا أن يعيشوا!
    هؤلاء الناس هم رسل الذلة إلى قومهم! وهم طريق الخضوع إلى مواطنيهم! وهو العقبة التي تحول بين بلادهم وبين الكرامة والحرية والاستقلال! هم يريدون أن يعيشوا، والطغاة يمهدون لهم سبل العيش، ويمهدون لهم أسبابه، ويتقاضون منهم ثمناً لهذا العيش، شيئاً يسيراً لا يؤذيهم، ولا يعنيهم ولا يكلفهم مشقة، ولا يحملهم جهداً، وهو الطاعة. وأي شيء أيسر من الطاعة في سبيل العيش، بل أي شيء أيسر من أن تقدم الطاعة ولو لم تطلب منك، بل أي شيء أيسر من أن تسبق إلى أهواء سيدك فتعرفها حق المعرفة وترضيها حق الإرضاء، وتريح سيدك من أن يتقدم إليك في أمر من الأمور، أو غرض من الأغراض. لولا هؤلاء الناس ما وجد الطغيان سبيلاً إلى السيطرة على أي بلد من بلاد الأرض في هذا العصر الحديث. فقد ارتقى العقل الإنساني حتى تبين له الرشد من الغي، وحتى فرق بين الحياة الحرة والحياة المستعبدة، وحتى فرق بين العزة والذلة، وبين الكرامة والهوان، ولكن أخلاق الناس لم ترتق كما ارتقى العقل، فكان منها القوي، وكان منها الضعيف. وعَرَف الطغيان كيف يحارب الأخلاق القوية باستغلال الأخلاق الضعيفة المنحلة.
    تستطيع أن تبحث عن الأسباب التي مكنت للطغيان في الأرض فلن ترى إلا ضعف الأخلاق وفسادها، وإسراف فريق من الناس في حب أنفسهم، وإيثار منافعهم القريبة على كل شيء آخر.
    كل شيء في هذه الأيام يدعو إلى أن تمتلئ النفوس بهذه الخواطر، هذا الاضطراب في الآراء بين حين وحين، هذا العجز عن الثبات على الرأي الواحد أكثر من يوم، هذا الإعلان للرأي صباحاً، والاعتذار منه إذا كان المساء، هذا الإقدام الذي يصورك في صورة البطل، ثم الإحجام الذي يردك إلى أيسر منازل الرضا والإذعان. هذا التحدث في الخلوة إلى أصدقائك وأصفيائك بما يملأ نفسك من السخط والإنكار، حتى إذا كان الجهر والعلن انقلب السخط رضا. واستحال الإنكار تأييداً. هذه البشاشة الظاهرة تخفي بغضاً لا يشبهه بغض، وهذا التنكر الظاهر يخفي حباً لا يشبهه حب. هذا التجنب للأصدقاء مخافة الرقباء، هذا التقرب إلى الأعداء لإرضاء الرؤساء. كل هذا ليس إلا مظاهر مختلفة لهذا الصراع الأليم بين حرية الرأي وحب الحياة.
    حب الحياة وإيثارها على الحق والحرية، هو الذي يدفع جماعة من الموظفين إلى أن يتورطوا في ألوان من الإثم ينكرها النظام، ويعاقب عليها القانون، لأنهم يريدون أن يرضوا رؤساءهم، ولعلهم لو خُلِّيَ بينهم وبين ضمائرهم لما اقترفوا هذه الآثام، ولا فكروا فيها، ولكنهم ضعفاء، يريدون أن يعيشوا ولا بد من إرضاء الرؤساء ليمكن العيش!
    حب الحياة وإيثارها على حرية الرأي هو الذي يسكت العلماء على مضض، ويضطرهم إلى قبول الضيم في غير شكوى، إلا أن يخلوا إليك وأن تكون لهم صفياً ولياً. بل حب الحياة وإيثارها على حرية الرأي هو الذي يضطر العلماء أحياناً إلى أن يثنوا على ما يكرهون، بل إلى أن يحبوا ما يكرهون أحياناً! فيشكروا لمن أساء إليهم إساءته، ويحمدوا لمن اعتدى عليهم عدوانه! ويتمنوا على هذا المسيء المعتدي أن يبالغ في الإساءة والاعتداء! حب الحياة وإيثارها على حرية الرأي هو الذي صرف وزارة المعارف عن كتاب الأستاذ عبد الرحمن الرافعي بك عن عصر إسماعيل، وصدها عن أن تقرره لمكاتب المدارس.
    فالذين درسوا هذا الكتاب – ولست أعرفهم – متعلمون من غير شك، مثقفون من غير شك، مؤرخون من غير شك. وهم يعلمون حق العلم أن الحرية أساس التاريخ. وهم يعلمون من غير شك أن الذين يكتبون في التاريخ ليسوا مكلفين إرضاء القراء، سواء كانوا سادة أو عامة، وإنما هم مكلفون أن يرضوا ما يعتقدون أنه الحق. وهو يعلمون من غير شك أن الخطأ في الرأي العلمي لا يستتبع عقوبة، وإنما يستتبع مناقشة ورداً إلى الصواب. وهم يعلمون من غير شك أن الخطأ في الرأي العلمي لا يستتبع زهداً في كتب المخطئ، وإنما يستتبع بقاءها في المكاتب لأنها أوعية الإنتاج العقلي الذي يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب. هم يعلمون هذا كله ولكنهم مع ذلك يأبون أن يوضع كتاب الأستاذ عبد الرحمن بك الرافعي في مكاتب المدارس لأنه نقد ناحية من نواحي إسماعيل!
    ثم هم يعلمون إن كانوا مؤرخين – وما نظن وزارة المعارف عهدت بكتاب في التاريخ إلى جماعة من الرياضيين أو الفقهاء. إن الأستاذ الرافعي لم يقل في السياسة المالية لإسماعيل إلا ما يقوله المؤرخون المحققون جميعاً، فهو لم يخطئ، وهو لم يتعمد التشويه، ولكنه قال الحق، وجَدّ في تحري الصواب، ولكنهم مع ذلك أو قل ولكنهم لذلك يأبون تقرير الكتاب لمكاتب المدارس، لماذا؟ لأن هذا العهد السعيد لا يحب الحق، ولا يذوق حرية الرأي، ولا يستريح إلا إذا رسمت للناس آراؤهم ومذاهبهم في العلم والعمل، وفي السياسة والدين، وفي التاريخ أيضاً. وكذلك يجب أن يكون إسماعيل معصوماً من الخطأ، موفقاً إلى الصواب في كل ما أتى، وفي كل ما رأى وفي كل ما قال. فمن رأى غير هذا أو قال غير هذا فكتبه خليقة بالمصادرة، ولعلها أن تكون خليقة بالتحريق، يُعمل ذلك في ألمانيا، فلم لا يُعمل ذلك في مصر؟
    كل شيء مؤلم في هذا البلد الآن. هؤلاء نفر من الأجانب يضعون كتاباً في تاريخ مصر، يُباع المجلد منه بعشرات الجنيهات، فتشترى الحكومة منه عشرات النسخ، وهؤلاء نفر من الأجانب يضعون دائرة معارف عن مصر القديمة فتشترك الحكومة منها في مئات النسخ إن لم تشترك في الآلاف. وهذا رجل مصري يقف حياته وجهوده على أن يدرس تاريخ وطنه، ويضع فيه كتاباً ممتعاً، لم يسبق له مثيل في اللغة العربية، ولم تستطع وزارة المعارف ولن تستطيع قبل أعوامٍ طوالٍ أن تضع مثله، أو أن تضع كتاباً قريباً منه. فإذا عرض كتابه هذا على الوزارة لتضعه في مكاتب المدارس قيل له: حَجْراً محجوراً، حرام أن يوضع هذا الكتاب في مكاتب الوزارة ومدارسها لأنك قلت في سياسة إسماعيل غير ما نحب!
    تبارك الله، وهل وثقت وزارة المعارف بأن كل ما في هذه الكتب الأجنبية التي تشتريها وتنفق فيها الألوف ملائم لما تحب؟ ومتى كان حب الوزارة أو بغضها مقياساً لجودة الكتب أو رداءتها، ومقياساً لوضع هذه الكتب بحيث يستطيع أن ينظر فيها الأساتذة والطلاب!
    يجب أن يتعزى الأستاذ عبد الرحمن بك الرافعي بأنه مصري، وبأن المصري غريب في بلاده الآن! ويجب أن يتعزى الأستاذ عبد الرحمن بك بأن كتابه إن لم يوضع في مكاتب الوزارة الآن فسيوضع فيها غداً كما وضع فيها من قبل. وسيقرأه الأساتذة والطلاب في غير مكاتب الوزارة إلا أن تصادره إدارة الأمن العام. ويومئذ أهنئ الأستاذ بفوز الشهداء، ولكن كم أحب لهذا الجيل الناشئ، كم أحب لهذا الشباب الذي لم يتدنس بالإسراف في حب الحياة أن يتدبر هذا كله، ويفكر في هذا كله، ويجِدّ منذ الآن في أن يفهم الحياة على وجهها، والواجب على وجهه حتى إذا ارتقى بعد حين إلى حيث المناصب، والإشراف على المنافع العامة، لم يخضع لهذا الصراع الأليم بين الكرامة والحق والحرية، وبين حب العيش.
    كوكب الشرق ٢٥ – ٣ – ١٩٣٣

  • لعب

    لعب ٠٠٠
    لعب مضحك لولا أن موضوعه التعليم! ولعب مسلى لولا أن موضوعه الشباب! لعب على كل حال هذا التغيير الذى يصيب كليتين من كليات الجامعة : هما كلية الآداب والحقوق ، بعد أن أصاب قانون الجامعة ولوائحها العامة ، لعب على كل حال هذا النحو من التغيير والتبديل فى برامج الدراسة ومناهجها ، وفى نظم الدراسة وآمادها دون أن يتاح لمنهج أو برنامج أو نظام أو أمد من المهلة مايمكن من تجربته والحكم الصحيح عليه . ولكن مالذى يمنع أن تمس البرامج والمناهج ، والنظم والآماد ، وقد غير القانون نفسه ، وصورت اللوائح العامة تصويرا يلائم هذه المثل العليا ، التى وضعتها الوزارة القائمة أمامها ، واتخذتها أصولا للحكم !
    كانت الجامعة مستقلة بعض الشئ ، فمحى هذا الاستقلال ا كما كان الدستور واسعا بعض الشئ ، فضيقت هذه السعة ا وكان التعليم فى الجامعة حرا بعض الشئ ، تضع برامجه ومناهجه مجالس الكليات ومجلس الجامعة ، فيجب أن تمحى هذه الحرية ، وأن تصبح شكلا من الاشكال ، وصورة من الصور، وأن تصدر فكرة التعديل والتبديل والتحوير والتغيير فى وزارة المعارف ، أى من أبعد البيئات عن الحياة الجامعية ، وأعجز البيئات عن فهم الحياة الجامعية ، وأبغض البيئات للحياة الجامعية ! !
    يجب أن تصدر فكرة التعديل والتبديل والتحوير والتغيير، من وزارة المعارف ، ومن الذين يوحون إلى وزارة المعارف ، وتنظم هذه الفكرة فى وزارة المعارف ، ثم تأخذ طريقها من وزارة المعارف إلى مجالس الكليات ، فتسمع وتطيع ، وتؤمن وتذعن ، وإذا نظم تبدل ، وبرامج تحول ، ولوائح تصاغ فى صورة غير التى كانت عليها ، ثم تعود إلى وزارة المعارف حيث نشأت ونمت ، ثم ترسل إلى اللجنة التشريعية ثم إلى مجلس الوزراء ، ثم يصدر المرسوم ، ثم يضطرب أمر الطلاب ، وتفسد نظمهم ، لافى الدراسة وحدها ، بل فى الدراسة وفى الحياة أيضا ، لان وزارة المعارف ، أو الذين يوحون إلى وزارة المعارف ، لن يدعوا الجامعة حتى يردوها إلى مايحبون هم ، أو إلى مايستطيعون أن يحبوا ، وحتى
    يجعلوها مدرسة كالمدارس ضيقة الحدود ، محصورة الآفاق ، تخرج موظفين وأشباه موظفين ، كما كانت المدارس تفعل من قبل !!
    ووزارة المعارف ، والذين يوحون اليها ، لايفكرون فى ان الرقى انما يكون بالسير إلى أمام ، لا بالرجوع إلى وراء ، لانهم يشعرون فيما يظهر بأننا قد أسرفنا فى الرقى ، فيجب أن نرد إلى الاقتصاد فيه ! وغلونا فى التقدم فيجب أن نتأخر ولو قليلا !
    نعم ووزارة المعارف ، والذين يوحون اليها ، لايفكرون فى أن الاسراف فى تغيير البرامج والمناهج والآماد ، يفسد شؤون التعليم ، ويحول بينها وبين الاستقرار والاطراد ، ويجعل حياة الطلاب مضطربة قلقة ، وينشأ عن هذا القلق والاضطراب زهد فى الدرس ، وانصراف عنه ، وتبرم به .
    لاتفكر وزارة المعارف والذين يوحون اليها فى شئ من هذا ، وانما نحن فى عصر ديكتاتورية ، يجب أن يمس التغيير فيه كل شئ ، وأن يحيط العبث فيه بكل شئ ، وأن تقص أجنحة التعليم كما قصت أجنحة الحرية ، وأن تتسلط فيه على التعليم عقول لم تخلق للتعليم ، وانما خلقت لاى شئ آخر غير التعليم .!
    لم يكد يصدر القانون الجديد للجامعة ، حتى انبسط سلطان الوزارة عليها ، وأخذ خصوم كلية الآداب فيها ، يعبثون بها ، ويضيقون عليها ، ويقلبون نظام الدرس فيها راسا على عقب ، فيلغون أقساما ، ويضغطون أقساما أخرى ، ويداورون بين قسم وقسم ، ليردوا هذه الكلية إلى شئ يشبه مدرسة المعلمين التى الغيت منذ أعوام ، لان رقى مصر كلها يقتضى الغاءها ، بعد أن أدت مهمتها ، وعجزت أن تؤدى المهمات الجديدة التى دعت اليها الحياة الجديدة .
    ولم تكن وزارة المعارف راضية عن هذا الالغاء ، وقد طالما ضاقت به ، وشكت منه ، واستعانت على إبقاء مدرسة المعلمين بالممكن والمستحيل ! فلما لم توفق إلى ذلك ، صبرت على مضض ، ودبرت كيدها فى إتقان وإحكام ، حتى أمكنتها الفرصة ، فهى تريد أن تعيد مدرسة المعلمين ، وأن تسميها كلية الآداب! وهى ترد الدراسة فى هذه الكلية إلى أبسط صورها ، وأيسر أشكالها ! فاللغة العربية وآدابها ، يجب أن تدرس فيها كما تدرس فى دار العلوم ! واللغات السامية والشرقية اللاسلامية يجب أن تصبح فيها ثانوية
    كما هى فى دار العلوم ! واللغات القديمة يجب أن تمحى أو أن تبقى بقاء شكليا لاينتج ولا يفيد ! ويجب أن ينشأ قسم للتاريخ تلحق به الجغرافيا ! وقسم للجغرافيا يلحق به التاريخ إلى اشباه هذه الصيغ الدائرة السخيفة ، التى لايمكن أن تنشأ ولا أن تنمو ، الا فى مكاتب وزارة المعارف ا ويجب أن يضغط التاريخ حتى يصبح شيئا واحدا عاما شائعا لايظهر فيه تخصص ولاتمايز ، يجب أن نتواضع فقد كنا غلونا فى الكبرياء .
    يجب أن تكون لنا كلية آداب من الطراز الذى يرضاه الانجليز، ويقبلونه فى مستعمراتهم ، من هذا الطراز الذى يخرج عمالا وموظفين ، لا أدباء ومفكرين ! ويجب أن يصاغ هذا النظام المتواضع لهذه الكلية المتواضعة فى وزارة المعارف ، لا فى الجامعة ، وفى لجنة يرأسها رجل لم يدرس فى الجامعات قط ، ولم يذق الحياة الجامعية قط ، ولم ينفق حياته إلا فى هذا النوع من التعليم المتواضع الذى تضيق به مصر ، وتريد أن تخلص منه ، حتى إذا تم وضع هذا النظام ، أقرته الكلية ، وأقره مجلس الجامعة ، وصدر به المرسوم ، وعدنا إلى حيث كنا قبل أن تنشأ الجامعة .
    وليس للجامعيين أن يناقشوا فى ذلك أو يجادلوا فيه ، فقد كتب على الجامعيين أن يختاروا بين اثنتين : إما الاذعان ، واما الحرمان . !
    رحم الله أياما مضت ، وعهودا سلفت ، كان الجامعيون فيها يأبون أن يذهبوا إلى مكتب وكيل المعارف ، ليدرسوا أمرا من أمور الجامعة ، وكانوا يأبون أن تدرس أمور الجامعة إلا فى الجامعة ، وعند مدير الجامعة ، ورحم الله أياما مضت ، وعهودا سلفت ، كان الجامعيون يأبون فيها أن يذهبوا إلى مكتب وكيل الوزارة ، ليناقشوه فى برامج التعليم الثانوى، ويأبون إلا أن ينتقل اليهم وكيل الوزارة فى مكتب مدير الجامعة، ليعرض عليهم مايريد .
    رحم الله تلك الايام والعهود ، فقد مضت وانقضت ، وأصبحت أحلاما أو كالاحلام ، وأصبح وكيل المعارف يرأس اللجنة التى تصلح نظام الدرس فى كلية الأداب
    وأمر كلية الحقوق ليس خيرا من أمر كلية الآداب ، فقد عدل نظام الدرس فيها وبدل ، وقالت وزارة المعارف للاهرام انها ستصدر اللائحة الداخلية لهذه الكلية معدلة ، بعد أن تصدر لائحتها الاساسية الجديدة ، وزارة المعارف ستصدر اللائحة الداخلية لكلية
    الحقوق ، وقد كان وزير المعارف يقول منذ أسابيع ، ان وزارة المعارف لاشأن لها بالجامعة ، وانما أمور الجامعة اليها ، والى الوزير باحدى صفتيه ، فانت تعلم ان له صفتين
    صنع الله لوزير التقاليد أكتب الله عليه أن يقول للنواب والشيوخ شيئا ، وأن يحدث فى وزارة المعارف غير مايقول !
    مسكينة كلية الحقوق ، لايريد الله أن يصلح بالها ، ولا أن يقر أحوالها ، ولا أن يجعل لها نظاما لتطمئن اليه .
    هذه لأئحتها الاساسية تعدل للمرة الثالثة أو الرابعة ، فى أقل من عشر سنين ! كان أمد الدراسة فيها خمس سنين ، يقضى الطالب منها اثنتين فى كلية الآداب ، وثلاثا فى كلية الحقوق ، ثم أصبح أربع سنين . يقضى الطالب منها سنة فى كلية الآداب ، وثلاثا فى كلية الحقوق ، ثم ظل أربع سنين تقضى كلها فى كلية الحقوق ، على أن تكون احداها اعدادية تهيئ الطالب لدراسة القانون ، ثم يراد أن تعود خمس سنوات ، تقضى كلها فى كلية الحقوق واحدة منها للاستعداد ، وأربع لدراسة القانون . وأنا زعيم لك بانها سترد إلى أربع سنوات ، بعد أن تعود الامور إلى نصابها ، وينصرف وزير التقاليد إلى الكونتننتال ! وتكف يد وزارة المعارف عن الجامعة ، ولن يكون هذا كله بعيداً .
    ولكن مارأيك فى أمد الدراسة هذا الذى يزاد . ثم ينقص ، ثم يزاد ، ومارأيك فى مكان الدراسة هذا الذى يكون حينا بحذوى وحينا بالعقيق؟! ومارأيك فى الطلاب الذين يترددون بين نقص الزمان وزيادته ، ويضطربون بين بناء الآداب وبناء الحقوق؟! وهل تدرى فيم زيد أمد الدراسة ؟
    زعموا أن المصالح تشكو من أن الذين تختارهم للعمل فيها من خريجى كلية الحقوق ، ضعاف الحظ من الثقافة القانونية ! وقد يكون هذا حقا ، ولكن هناك حقا آخر لاشك فيه ، وهو أن المصالح لاتأخذ من هؤلاء الطلاب خيارهم ، ولعلها تأخذ أواخرهم ، لان الله يتيح لهم من الوسائط والوسائل مالا يتيحه للمتقدمين الذين ليسوا من أبناء الوزراء ، أو المقربين إلى الوزراء ! وهناك حق آخر ، وهو ان اطالة أمد الدراسة لاتضمن حسن الدراسة ، فليست المسألة مسألة وقت طويل أو قصير، وانما هى مسألة دراسة جيدة أو رديئة ، مسألة أستاذ كفء أو غير كفء ، مسألة فهم صحيح للتعليم أو غير صحيح! وهناك
    حق ثالث لاشك فيه ، وهو أن كلية الحقوق ، فيها قسم للدكتوراه ، كان ينبغى أن تحسن فيه الثقافة القانونية ، ولعلها تحسن فيه بالفعل ، فما للمصالح لا تأخذ عمالها من خريجى هذا القسم؟ وهناك حق رابع لاسبيل إلى الشك فيه ، وهو ان كلية الحقوق قد أنشأت معاهد لاتمام الدراسات العملية القانونية ، بعد درجة الليسانس ، ولعل هذه المعاهد أن تقوى الثقافة ، فلما لاتأخذ المصالح عمالها من الذين تخرجهم هذه المعاهد؟ وهناك حق خامس لاسبيل إلى الشك فيه ، وهو أن فساد الامر فى كلية الحقوق لايرجع إلى طول الوقت أو قصره، وانما يرجع إلى أمرين اثنين : فساد التعليم الثانوى الذى يجعل استعداد الطالب للاستفادة من الدراسة العالية ضعيفا أشد الضعف ، والثانى تقسيم الدراسة فى كلية الحقوق بين أساتذة مصريين يدرسون لطلاب الليسانس ، وآخرين أوروبين يدرسون لطلاب الدكتوراه ، بحيث تظل دراسة الليسانس متواضعة دائما ، محدودة الآفاق دائما .
    كل هذه حقائق لو نظر فيها الذين يعنون بشؤون الجامعة ، سواء كانوا جامعيين أم ابتدائيين ، لعدلوا عن اطاله امد الدراسة فى غير نفع قليل أو كثير ، والامتحان وما أدراك ما الامتحان ، لقد شدد وحدد وأصبح تحريريا فى كا . شئ ، شفويا فى كا شئ ، ولعبت اليد البيروقراطية المعروفة بالحد الادنى ، والحد الاعلى ، لدرجات النجاح ، إلى آخر ما تحسنه وزارة المعارف ولاتحسن غيره ! ومع ذلك فليس الامتحان إلا مقياسا مالاينبغى الغلو فيه والاسراف فى تشديده وتحديده ولكنها كما ترى فكرة ابتدائية ساذجة ، ترى ان الوقت إذا طال حسنت الدراسة ، وان الامتحان إذا اشتد عظم خطر التخرج من الثقافة وهذه الفكرة الابتدائية الساذجة هى التى غيرت نظام كلية الحقوق ، وتغير الآن نظام كلية الآداب . ومن يدرى ، لعلها أن تبسط ظلها على كلية العلوم وكلية الطب ، وهل غيرت قوانين الجامعة الالهذا؟!
    نعم . لقد كانت هذه الفكرة الابتدائية الساذجة كصورة فى مكتب أو مكتبين بوزارة المعارف ، فقد فتحت لها النوافذ والابواب ، فانتشرت كما ينتشر الوباء ! تبسط ظلها المهلك على كل شئ ! وكانت محصورة فى التعليم الا بتدائى والثانوى ، فامتدت إلى التعليم العالى واخذت تظل الأزهر بجناح ، والجامعة بجناح ، وويل لمصر ولحياتها العقلية ، ان استطاعت هذه الفكرة الابتدائية الساذجه ، ان تفرح فتخرج من الأزهر والجامعة شبابا يشبهونها فى الابتدائية والسذاجة .
    ولكن الله خليق أن يقبض هذين الجناحين ، ويرد إلى الأزهر والجامعة حياتهما الحرة ، ومافيها من هواء نقى ، وضوء جميل فلن تكون حياة مصر لعبا دائما .
    طه حسين
    كوكب الشرق، ٢٢ مايو ٩٣٣ ١.

  • توسع

    توسع
    بين يدي مجلس النواب في هذه الأيام مشروع قانون تتعجل الحكومة إصداره كما تعجلت إصدار قوانين الجامعة منذ حين. ومن الحق على المصريين الذين يفكرون في المستقبل السياسي لهذا البلد تفكيرًا نزيهًا صادقًا، خالصًا من كل شائبة أن يقفوا عند هذا القانون وقفة فيها شيء من الروية والتنبه لما اشتمل عليه من نذير. فهو ينذر بخطر شديد لا يفطن له الناس عند النظرة الأولى، ولكنهم لا يكادون يطيلون النظر فيه حتى يشعروا بأن حربًا عنيفة تهيأ لمستقبل الديمقراطية في مصر…!
    ومهما أقل في ذلك فلن أصل إلى المبالغة، ولن أتورط في الغلو، فإن بعد النظر وقصره لا يمسّان تنظيم الصلات بيننا وبين الإنجليز فحسب،
    ولا يمسّان حل المشكلة السياسية الظاهرة من إنزال الوزارة القائمة عن مناصب الحكم، وإقامة وزارة حزبية أو قومية مكانها فحسب، بل يجب أن يمسّ شيئًا آخر، هو قيام حياتنا السياسية الداخلية والخارجية، وهو إقامة الديمقراطية في مصر على أساس ثابت متين. وأنا واثق بأنك ستدهش حين أفسّر لك هذا القانون، لأنك لم تتعود أن تحفل بمثله. ولكني أرجو ألا يصرفك الدهش عن التفكير، وأن تنتهي معي إلى الإيمان بأن هذا القانون كيدٌ يدبّر للديمقراطية المصرية؛ والناس عنه غافلون.
    هذا القانون هو قانون التخصص في الأزهر. أسمعت هذا اللفظ! إنه يسير، تراه كل يوم في الصحف فلا تقف عنده. وقد يتحدث الناس به من حولك فلا تلقِ إليه سمعًا ولا بالًا. ولكنه مع ذلك خليق أن تقف عنده، وخليق أن تُلقي إليه سمعك وبالك. وخليق أن تتهيأ لاتقاء ما فيه من شر. ولست أريد اليوم أن أتحدث عنه إلا من ناحية واحدة، هي التي تعنيني، وهي التي تعنيك حين تفكر في المستقبل السياسي لهذا البلد الحزين.
    يشتمل هذا القانون على حكم يبسط سلطان الأزهر بسطًا منكرًا على التعليم في مصر. وإذا سيطر الأزهر على التعليم فقد سيطر على كل شيء. ولم لا؟ وهو يسيطر على تنشئة الأطفال وتثقيف الشباب.
    هذا الحكم هو الذي يُنشئ، في الأزهر قسمًا للتخصص في المهنة، وأنت تنكر لفظ المهنة هذا كما أنكره أنا، وتراه مبتذلًا سقيمًا، ولكن معناه ليس مبتذلًا ولا سقيمًا، فهو يدل على فن التعليم.
    يُنشئ هذا القانون إذن في الأزهر قسمًا يتخصص فيه الأزهريون في فن التعليم، حتى إذا أتموا تخصصهم هذا خرجوا منه فانتشروا في أقطار مصر، يعلمون في المدارس المصرية على اختلافها، وليس هذا بأس إذا حَسُنَ الدرس في الأزهر، وضمن لنا قسم التخصص تخريج المعلمين
    الأكفاء. ليس بهذا بأس على عقول الأطفال والشبان وأخلاقهم، فالأزهر إذا صلح كان كغيره من المدارس مصدرًا للخير، لا خوف منه ولا بأس به. ولكنك تعلم أن للأزهر نظامًا أقل ما يوصف به أنه بدعة في الإسلام، وهو هذا النظام الذي يجعل لهيئة كبار العلماء سلطانًا واسعًا يشل سلطان الحكومة أيضًا، فكل من تخرج من الأزهر خاضع لسلطان هذه الهيئة، تحاكمه إذا شذ في سيرته شذوذًا ما، وتحاكمه بنوع خاص حين يشذ في التفكير، وحين يخرج فيما يكتب أو يُنشئ عن مألوف العلماء الأزهريين. وهي إذا حاكمته جاز لها أن تخرجه من زمرة العلماء الأزهريين، وهي إذا أخرجته من هذه الزمرة حرمته طائفةً من حقوقه المدنية، وأوجبت على الحكومة أن تفصله من أي عمل فيها، وحرمت على الحكومة أن تكل إليه أي عمل من أعمال الدولة. وقد ظهرت آثار هذا النظام منذ سنين حين حوكِمَ الأستاذ علي عبد الرازق أمام هذه الهيئة فأخرجته من زمرة العلماء، وأذعنت الحكومة المصرية يومئذ لحكم هذه الهيئة فعزلته من منصب القضاء.
    الحكومة على اختلاف درجاتها، وأنواع التعليم فيها سيخضعون لهذه السلطة القضائية الغريبة، فيفكرون بمقدار، وينتجون بحساب. ويسيرون على الشوكِ. فإذا شذ أحدهم عما يجب للأزهر – استغفر الله – بل عما يراد لهيئة كبار العلماء أن تحبّ، أقول إذا شذ أحد من هؤلاء الأساتذة حوكم أمام هذه الهيئة! فإذا قضت بإخراجه من زمرة العلماء الأزهريين وجب على وزارة المعارف أن تخرجه من زمرة المعلمين، وأن تحول بينه وبين التعليم. ووجب على الحكومة كلها بعد ذلك ألا تكلفه عملًا رسميًا ما.
    سيخضع هؤلاء الأساتذة لهذه الهيئة، وستخضع معهم وزارة المعارف لهذه الهيئة، وستتنازل الحكومة عن شيء من سيادتها لهذه الهيئة، وسيصبح الوزراء منفردين في مكاتبهم ومجتمعين في مجلسهم أداة لهذه الهيئة تصرفهم كما تريد، أو كما يراد لها. هم كذلك الآن بالقياس إلى القضاة الشرعيين وإلى الموظفين القليلين من رجال الأزهر في مصالح الدولة.
    فسينبسط هذا السلطان بعد أعوام فيتناول التعليم كله. أرأيت إلى هذا الخطر الذي يضع وزارة المعارف تحت سلطان شيخ الأزهر؟ أفكرت فيما قد يكون لهذا من تأثير؟ لا أقول في مستقبل التعليم، بل أقول في مستقبل السيادة التي يجب أن تكون لحكومة الدولة، بل أقول في مستقبل الديمقراطية المصرية كلها…
    أنا واثق كل الثقة بأن الديمقراطية منتصرة آخر الأمر، بل إنها ستشتمل الأزهر نفسه. فمهما تبلغ قوة المحافظين والمسرفين في المحافظة، فلن تغير طبيعة الأشياء. وطبيعة الأشياء تقضي أن يأتي النظام الديمقراطي على كل شيء، ولكنك توافقني فيما أظن على أن الذين يشرعون هذا القانون يهملون طبيعة الأشياء، ويخلقون لمصر مصاعب ومشاكل لا فائدة في خلقها. وقد أثبت كل شيء أنها كانت دائمًا مصدر الشر والفساد.
    لقد كان الأزهر حريصًا على إنشاء قسم التخصص في التعليم منذ زمن بعيد، وكان ظاهر هذا الحرص أن تفتح أبواب العمل للأزهريين، وباطن هذا الحرص أن يبسط سلطان الأزهر على المرافق المصرية. وقد قاومت الحكومة هذه الفكرة في عهد الوزارات التي سبقت هذه الوزارة القائمة، وأبت على الأزهر العناية بتخريج المعلمين، لأن هذه العناية حق خالص لوزارة المعارف في كل دولة لها حظ من حضارة، ولكن الذين يحرصون على بسط هذا السلطان الأزهري قد انتهزوا قيام هذه الوزارة التي لا تأبى شيئًا إلا على الشعب؛ فوضعوا قانونهم، ووضعوا فيه هذا الحكم وقدموه إلى مجلس النواب. والغريب (وهل بقي شيء يُستغرب في مصر) أن اللجنة البرلمانية في مجلس النواب قد نظرت هذا القانون وأقرته ورفعته إلى مجلس النواب، ولم تفطن لهذا الحكم، ولا لما فيه من اعتداء على وزارة المعارف ولا لما فيه من تجاوز لأصول الديمقراطية، ولا لما فيه من بسط هذا السلطان الخطر إلى جانب سلطان الحكومة. لم تفطن لشيء من هذا، أو فطنت له ولكنها طوته طيًّا واكتفت بأن تلاحظ أن تعليم اللغات الأجنبية في أقسام التخصص ضيق يجب أن يوسع، وناقص يجب أن يزاد.
    ومع ذلك فالبرلمان بطبيعته خليق أن يدافع عن النظم الديمقراطية، وأن يحوطها من كل ما يمكن أن ينتقص أطرافها أو يحد من سلطانها. ولكنك تعلم أن الديمقراطية شيء بغيض إلى بعض الناس في هذه الأيام، ماذا؟ أأُحِدَّ استقلال الجامعة حتى يُمحى؟ أَيُبسط سلطان الحكومة على الجامعيين إلى أقصى حد ممكن؟ أَيُقسم السلطان الجامعي بين الحكومة والأجانب وتُحرم الجامعة حتى أن تقضي في أبنائها ورجالها، ثم يُبسط سلطان الأزهر حتى يتجاوز الأزهر إلى مدارس الدولة ومصالح الدولة؟!
    ماذا؟ أبلغ الأمر بسادتنا الذين يحكموننا الآن أن يضعوا معهد العلم الحديث تحت هذه الوصاية الحائفة المشفقة، المسرفة في الخوف والإشفاق وأن يُمكِّنوا لمعهد قديم من أن يبسط سلطانه إلى هذا الحد البعيد!
    ماذا؟ أيراد بمصر أن تمشي إلى الأمام فيسيطر العلم الحديث على مرافقها وتسعى بها إلى تحقيق آمالها، ويرفعها إلى مثلها العليا؟ أم يراد بمصر أن تمشي إلى الوراء فيصبح أمر التعليم والتربية فيها إلى مَن لا حظ لهم من تربية وتعليم!!
    كل هذا مخالف لطبيعة الأشياء. وكل هذا جهد ضائع وتبديد للقوة والوقت؛ ولكنه على كل حال تأخير للرقي، واستخزاء بحق الشعب في أن يرقى ويأخذ مكانه بين الشعوب الحرة.
    ألست توافقني بعد ذلك على أن الوزارة القائمة لا تفسد من شؤوننا الحاضرة وحدها في السياسة والاقتصاد والتعليم؛ ولكن لها برنامجًا آخر خفيًا تنفذه شيئًا فشيئًا، وهو أن ترد مصر إلى حيث كانت في القرون الوسطى، بلدًا خاضعًا لسلطان (١) مطلق يؤيده رجال الدين…!!
    يجب أن يتنبه المعارضون وأن يسجلوا هذه الحركات الخفية التي تهيئ لحرب الديمقراطية فسيصلون إلى الحكم غدًا أو بعد غدٍ؛ وسيجدون أمامهم أبنية قائمة تمنعهم من التقدم إن لم يزيلوها.
    كوكب الشرق ٥ — ٤ — ١٩٣٣

  • مدرسة القضاء الشرعي

    مدرسة القضاء الشرعي
    يظهر أن قضاء الله نازل بهذه المدرسة التعسة لا محالة وأنها ستلغى أو ستحول أو ستلحق بالأزهر الشريف كما يقولون. فقد نشرت الصحف ويظهر أن ما نشرته صحيح أن هذا المشروع قد تم وأن اللجنة التشريعية نظرت فيه وأنه قد يعرض على مجلس الوزراء في جلسة اليوم فيقضى فيه. ومع أن السياسة قد لفتت الحكومة غير مرة إلى أن هذا المشروع الذي يجهله الناس قد يكون خيرًا وقد يكون شرًا ولكن المنفعة كل المنفعة في التثبت فيه ولا يتعجل به قبل اجتماع البرلمان فقد أعرضت الحكومة وألحت في إعراضها عما كتبت "السياسة" وغير "السياسة". وأبت الحكومة أن تحفل بالرأي العام في هذه المسألة كما أبت أن تحفل به في غيرها من المسائل حتى إنها لم تتنزل إلى إصدار بلاغ يبين للناس ما عزمت عليه الحكومة وما حملها على أن تفكر في هذا المشروع وتتعجله كأنما تختلسه اختلاسًا.
    لم تحفل الحكومة بشيء وإنما مضت في المشروع حتى أتمته ولم يكن مشروعها مقصورًا على مدرسة القضاء الشرعي وإنما تناولها وتناول الأزهر الشريف أيضًا فتناول إذن قسمًا عظيمًا جدًا من أقسام التعليم القومي رأت فيه الحكومة رأيًا دبرته بليل وأبت أن تظهر الناس على شيء منه حتى تقفهم في ذات يوم من الأيام أمام أمر واقع. وهذه سياسة الوزارة القائمة في كثير من الأشياء.
    الحق أنا قد نفهم – دون أن نعذر – تعجل الحكومة في بعض القوانين التي أصدرتها فقد تكون متأثرة بضغط الإنجليز في أمر التعويض على الموظفين وقد تكون متأثرة بالرغبة في إلغاء الأحكام العرفية في أمر قانون التضمينات. ولكننا لا نستطيع أن نفهم تعجل الحكومة في أمر مدرسة القضاء والأزهر ولا نستطيع أن نفهم تكتم الحكومة أمر مدرسة القضاء والأزهر ولا نستطيع أن نفهم سياسة الأمر الواقع في مثل هذه المسائل التي تستطيع البلاد أن تتأنى فيها كما تأنت في مسائل أجل منها خطرًا.
    ولكن الناس يتحدثون بأشياء نرجو ونلح في الرجاء ألا تكون صحيحة. يتحدثون بأن الحكومة لم تقصد إلى مصلحة التعليم ولا إلى مصلحة العلم ولم تفكر في إصلاح الأزهر ولا في إصلاح مدرسة القضاء. وإنما فكرت في شيءٍ آخر، فكرت في أن تؤثر قومًا على قوم وفي أن تتملق طائفة دون طائفة وفي أن ترضى ناحية الآن كما أرضت ناحية أخرى بالأمس.
    يتحدث الناس بذلك ويلحون في هذا الحديث ومصلحة الحكومة وكرامتها ومصلحة الأمة وكرامتها في ألا يكون هذا الحديث صحيحًا، وأن يكون هذا الحديث كاذبًا إلا إذا تنزلت الحكومة فسمعت لنصح الناصحين وأجلت الفصل في هذا الأمر إلى أن ينعقد البرلمان.
    إن الحكومة بطيئة جدًا في إصلاح التعليم بوزارة المعارف وكأنها لا تريد أن تصلح التعليم أو تغير من أمره إلا بعد انعقاد البرلمان، ولها في ذلك الحق كله، وهي في ذلك موفقة كل التوفيق. فيكفي أن يدرس إصلاح التعليم وتعد مشروعات الإصلاح حتى إذا انعقد البرلمان عرضت عليه ليقضى فيها.
    فما بال وزارة الحقانية تتعجل تغيير مدرسة القضاء؟ وما يزال المجلس الأعلى للمعاهد الدينية يتعجل تغيير الأزهر؟ وما بال هذه اللجنة التي ألفت سرًا وعملت سرًا وأتمت عملها سرًا ورفعته إلى مجلس المعاهد سرًا؟ وما بال مجلس المعاهد قد درس المشروع سرًا وأقره سرًا؟ وما بال وزارة الحقانية تتكتم هذا المشروع حتى تفجأ الناس به غدًا أو بعد غدٍ؟
    وبعد فما هذا الإصلاح الذي يراد بمدرسة القضاء؟ زعموا أنها ستلحق بالأزهر وتقصر على التخصيص في الشريعة أو في فقه أبي حنيفة. ولكنهم لم يضعوا برنامجًا لهذا التخصيص، ونحن لا نستطيع أن نفهم هذا التخصيص. فما الذي يراد بالطالب إذا قضى في الأزهر اثني عشر عامًا يدرس فقه أبي حنيفة ويحفظ كتبه ويستظهر متونه وشروحه وحواشيه؟ ما الذي يراد به بعد هذه المشقة وعلى أي شكل يريدون أن يلقنوه فقه أبي حنيفة؟ وفي أي لون يريدون أن يظهروا له هذا الفقه؟ وأي معنى لأن يدرس الطالب فقه أبي حنيفة اثنتي عشرة سنة في الأزهر ثم يتخصص فيه مرة أخرى أربع سنين في مدرسة القضاء؟
    يظهر أن الواضح من أمر هذا المشروع شيئان: أحدهما إلغاء ما يدرس في هذه المدرسة من العلوم الحديثة لأنه سيدرس في الأزهر. الثاني أن تمتلئ جيوب وتشبع بطون. وقد تكون هذه الجيوب ممتلئة وقد تكون هذه البطون شبعى. وقد توجد طريقة أخرى لإشباع هذه الجيوب وإشباع هذه البطون غير إلغاء مدرسة القضاء الشرعي. وإذا لم يكن بد من أن تمتلئ جيوب وتشبع بطون على حساب مدرسة القضاء الشرعي فليكن ذلك بأمر البرلمان فسينعقد البرلمان قريبًا. ويقيننا أنه لم يكن أقل سخاءً وجودًا على هذه الجيوب والبطون من وزارة الحقانية ومجلس المعاهد الأعلى.
    يظهر أننا مضطرون إلى أن نوجه القول إلى صاحب الدولة رئيس الوزراء وإلى أصحاب المعالي زملائه غير وزير الحقانية، فقد يئسنا من وزير الحقانية ومن استماعه للنصح أو احتفاله بالناصحين. وحديثنا إلى صاحب الدولة وزملائه أن إصلاح مدرسة القضاء ليس من المسائل الخطرة التي يتوقف عليها مستقبل مصر وليس أجل خطرًا من إصلاح التعليم الأولى أو الثانوي أو العالي. فإذا كانت الحكومة تنتظر البرلمان في أمر التعليم كله فلتنتظره في أمر التعليم الديني وإلا فإن الناس لن يستطيعوا أن يفهموا هذا التعجل على وجه يشرف الحكومة ويحسن الظن بها والرأي فيها وقد نعود.
    طه حسين
    السياسة، 26 أغسطس 1923.