Tag: المساءلة السياسية

  • اللاعبون بالنفوس | Those Who Play with Lives

    اللاعبون بالنفوس
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٥ يناير ١٩٥٦

    ما أكثر ما عقدت الإنسانية بهيئة الأمم المتحدة ومجلس أمنها من أمل، وما بذلت في إنشائهما من جهد، وما أنفقت وتنفق عليهما من مال! وما أيسر وأهون ما جَنَت الإنسانية منهما منذ أُنشِئَا إلى أن أَنفَقا من عمرهما عشر سنين، لم يُغنيا فيها عن الناس شيئًا، ولم يَكُفَّا فيها عن الناس شرًّا. وإنما أغريا بينهم بالعداوة والبغضاء، وملآ قلوبهم حفيظة وضغينة وحقدًا، وأطمعا الظالمين في الظلم حتى تجاوزوا فيه كل حَدٍّ، وأيأسا المظلومين من العدل حتى استيئَسوا منه، واتخذوا التشاؤم والريب وسوء الظن أساسًا لحياتهم، وقِوامًا لكل صلة بينهم وبين غيرهم من الناس.

    هم أولئك الذين كلَّفتهم الإنسانية أن يقيموا الحق بين شعوبها وأن يُنشئوا لها سلامًا كاملًا شاملًا قوامُه العدل الذي يأخذ للضعيف من القوي، وينصف المظلوم من الظالم، ويؤمِّن الناس جميعًا من الخوف والبغي والعدوان. فلم يصنعوا من ذلك شيئًا، بل لم يحاولوا أن يصنعوا من ذلك شيئًا؛ لأنهم لم يؤمنوا بذلك فيما بينهم وبين أنفسهم، وإنما أقبلوا على أداء مهمتهم هذه الخطيرة ممثِّلين يُحسنون التمثيل أحيانًا ويخطئونه أحيانًا أخرى، ويَملَئون قلوب الناس في كل يوم حسرة وألمًا، ويُذيقونهم في كل يوم مرارة الآمال الخائبة والأماني الكاذبة، وأريدُ بهم هؤلاء الذين تأتلف منهم هيئة الأمم المتحدة بين عام وعام، وهؤلاء الذين يأتلف منهم مجلس الأمن بين حين وحين.

    لقد اجتمعت هيئة الأمم في آخر الصيف الماضي وعُرضت عليها فيما عُرض عليها من المشكلات مشكلةُ الجزائر، وما يُصب على أهلها من البأس وما يُدبَّر لهم من الكيد وما يُسفك من دمائهم ويُزهق من نفوسهم؛ لأنهم يطالبون بأن يكونوا أحرارًا وبأن يأمنوا من الخوف ويُعصموا من البغي، ويظفروا بالكرامة التي قرر مَوْثِقُ هيئة الأمم أنها حق للإنسان من حيث هو إنسان، لا من حيث إنه ينتمي إلى هذه الدولة أو تلك ويعيش في هذا القطر أو ذاك.

    وكانت هذه المشكلة قضية بين شعب ضعيف هو الشعب الجزائري، ودولة قوية هي فرنسا، وخُيِّل إلى الناس أن هيئة الأمم قد أخذت موثقها مأخذ الجِدِّ، وأزمعت أن تقيم العدل بين الخَصمين دون أن تحفل بأن أحدهما ضعيف والآخر قوي، فقبلت مشكلة الجزائر بين ما كان ينبغي أن تدرسه من المشكلات في دورتها تلك، وشاع الفرح في أقطار الأرض، وأشعرت قلوب الناس غبطة وأملًا، وانطلقت ألسنتهم بأن العدل محقَّق من غير شك، وإنْ سعى إلى الناس في بطءٍ وأناة. ولكن الخصم القوي ثار ثائرُه وفار فائرُه وأخذته العزة بالإثم، فاستكبر حتى على القضاء، وأبى أن يقف موقف المتهم وأن يدافع عن نفسه أمام خصم ضعيف لا يملك حولًا ولا طَوْلًا؛ فترك هيئة الأمم تدور في غير مدار وتهيم في غير سبيل، وعاد إلى باريس غاضبًا مُغاضبًا معتمدًا على قوته، معتزًّا ببأسه متحديًا بما يملك من وسائل البطش والتنكيل. وما هي إلا أن تضيق هيئة الأمم بهذه الغضبة، ثم تضطرب لها، ثم تذعن بما لم يكن بُدٌّ من الإذعان له؛ فتؤجل القضية إلى غير موعد، وتسعى إلى فرنسا مترضية مستعطفة، وتخلي بين الجزائريين وبين الموت يتخطَّفهم من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون، وخلَّت بينهم وبين الظلم يُصَبُّ عليهم حين يصبحون وحين يمسون، وأذنت للعدل في أن يعود إلى مضجعه، فينام ويغرق في النوم حتى تُتاح له اليقظة في يوم من الأيام، أو لا تُتاح له في يوم من الأيام.

    وعادت فرنسا إلى هيئة الأمم موفورة منصورة، قد رفعت رأسها مكابرة ومدت يدها مصافِحة، واطمأنت الهيئة كل الاطمئنان؛ فقد عاد الحبيب إلى الحبيب، ورضي الصديق عن الصديق، واجتمع الشمل بعد تفرُّقه، ورضيت هيئة الأمم بالعافية، وظلت الدماء تجري في الجزائر أنهارًا، وجعلنا نقرأ في الصحف الفرنسية نفسها أن مائة من الجزائريين قُتلوا في الأيام الأربعة الأولى من الأسبوع الماضي، ثم نقرأ في بعض البرقيات أن أكثر من ثلاثمائة من الجزائريين قُتِلوا في ذلك الأسبوع نفسه.

    وليس بشيء من ذلك بأس ما دامت فرنسا راضية عن هيئة الأمم، وما دامت هيئة الأمم راضية عن فرنسا، فأما النفوس المُزْهَقَة والدماء المُرَاقة والأسر المُفجَعة، فأدوات للَعِب الأقوياء لا تنقص عن ذلك ولا تزيد.

    ومنذ أيام اجتمع مجلس الأمن، وما أدراك ما مجلس الأمن؛ هو الهيئة العليا التي تكبح بغي البغاة، وتكف طغيان الطغاة، وتعاقب المعتدين على عُدوانهم، وتجعلهم نَكَالًا للناس في أقطار الأرض كلها. اجتمع هذا المجلس الخطير، وعُرضت عليه قضية من الخزي للإنسانية المتحضرة أن توجد، ومن الخزي للإنسانية المتحضرة أن تكون موضوع أخذٍ وردٍّ، وأن يجرى فيها خصام أو جدال. فقد أراد الكبار أن يلعبوا بالصغار، فأزعجوا الآمنين الوادعين عمَّا كانوا فيه من أمن ودَعة، وسلطوا عليهم لعبتهم تسفك دماءهم وتذبح أبناءهم وتُخرجهم من ديارهم وتشرِّدهم في الأرض كل مشرَّد، وجعلوا ينظرون إليها وهي تفعل ذلك بمعونتهم وتأييدهم فرحين مبتهجين، قد أنشَئوا دولة من لا شيء، وحكَّموها في النفوس والدماء والأموال، وفرضوها على التاريخ فرضًا، ثم جعلوا يُدلِّلونها حتى استحبت الطغيان وكلفت باستباحة ما لا يُباح وانتهاك الحرمات وإهدار الحقوق. وخطر لهذه اللعبة ذات يوم أن تُغير على جارتها سوريا، وأن تأخذها على غِرَّة فتقتل وتنهب وتأسر، وتعود قوتها المغيرة مطمئنة راضية كأنها لم تصنع شيئًا ولم تقترف إثمًا ولم تهدر حقًّا. وما لها لا تفعل وقد مُدَّت لها أسباب العدوان، وأُطمِعَت في الأمن من العواقب وأُبيح لها ما لا يُباح لغيرها من الآثام.

    وعُرض الأمر على مجلس الأمن، ففكَّر وقدَّر، وأقبل وأدبر، وتقدم وتأخر، ثم قضى وقرَّر أن إسرائيل مذنبة، ولكنها لا تُعاقب على الذنب، جانية ولكنها لا تؤخذ بجنايتها، مدانة ولكنها تُلام وتُنذَر، ثم يكتفي باللوم والإنذار، ولا يتجاوز ذلك؛ ففيه الكفاية وأكثر من الكفاية.

    وقال قائل لمجلس الأمن من أعضائه: فلا أقل من أن تؤخذ إسرائيل بتعويض سوريا عمن قُتل من أبنائها وما ضُيِّع من أموالها، فليس في ذلك عقوبة، ولكن فيه شيئًا من إنصاف. ولكن المجلس أبى ولجَّ في الإباء، ووضع أعضاؤه القضاة أصابعهم في آذانهم وقالوا: حسبنا أن ندين إسرائيل؛ فإدانتها شيء عظيم. ثم تفرق مجلس الأمن بعد أن أذِن للعدل في أن يعود إلى مضجعه لينام ويغرق في النوم حتى تُتاح له اليقظة في يوم من الأيام أو لا تُتاح له آخر الدهر.

    فأما النفوس التي أُزهقت، والدماء التي أُريقت، والأسر التي فُجعت، والحقوق التي أُهدرت؛ فأدوات للعب لا تنقص عن ذلك ولا تزيد.

    ألا يزال العرب يعتمدون على اللاعبين بالنفوس لإنصاف المظلومين من الظالمين؟ وألم يأنِ لهم أن يُنصِفوا أنفسهم بأنفسهم بعد أن أسفر الصبح لذي عينين؟

  • الحق المر | The Bitter Truth

    الحق المر
    طه حسين
    جريدة الأهرام
    ٢٨ أكتوبر ١٩٤٩

    يظهر أن الكتابة من قمم الجبال في شئون التعليم تغيظ وزارة المعارف، فسأكتب في شئون التعليم الآن من باريس لا من قمم الجبال، وسأكتب فيها إن شاء الله من ضفاف النيل لا من قمم الجبال، فعسى أن تكون الكتابة في شئون التعليم من السهول أحسن وقعًا في نفوس المسئولين في وزارة المعارف من تلك الكتابة التي تهبط من قمم الجبال؛ لأنهم في أكبر الظن لا يحبون التصعيد، وإنما يحبون السير السهل في الأرض السهلة الرفيقة. وأكبر الظن كذلك أن إيثارهم للسهولة واليسر، وإشفاقهم من التصعيد في الجبال والارتقاء إلى قممها هو الذي اضطرهم واضطر الشعب معهم إلى هذه الورطة المعقدة العقيمة التي لا يجدون لأنفسهم ولا للشعب منها مخرجًا؛ ذلك أن الحياة ليست يسرًا كلها وإنما هي مزاج من العسر واليسر، وليست راحة كلها وإنما هي مزاج من الراحة والتعب، وليست أمرًا ونهيًا كلها وإنما هي مزاج من الأمر والائتمار ومن النهي والانتهاء، وليست غدوًا إلى الديوان حين يرتفع الضحى ورواحًا إلى الدار حين يتقدم النهار، وقبضًا للمرتب في آخر الشهر وتنكيلًا بالموظفين بين ذلك، وتحكيمًا للهوى وتعقيدًا لمنافع الناس، وإنما هي عمل في الليل وعملٌ في النهار، تُختلَس الراحة منه اختلاسًا، ويُضَحَّى في سبيله بالقوة والوقت وبالمنصب والمال، ويقوم على الإخلاص الخالص، والصدق الصادق، والنية السليمة التي تفكر في الانتفاع بما سبق إليه السابقون أكثر مما تفكر في الازدراء لما سبق إليه السابقون.

    ولو قد جرت شئون وزارة المعارف على هذا النحو من إيثار مصلحة الشعب على مصلحة الحزب وعلى مصلحة النفس وعلى مصلحة الشيعة والأنصار، ومِنْ تجنُّب السياسة وأهوائها وشهواتها وكلفها بالعوج والالتواء، لكان لها شأن غير شأنها الآن، ولكان لها أثرٌ غير أثرها الآن.

    ولما اضطر وكيل من وكلاء هذه الوزارة إلى أن يكتب هذا المقال الذي قرأته الآن في باريس، فكدت أضحك لولا أن الحزن والأسى واليأس والإخفاق، كل ذلك يقطر من كل جملة من جمله، ومن كل كلمة من كلماته، ولولا أن هذا المقال قُصِد به إلى أن يتجرع الشعب بعض الحقائق المُرَّة التي لم يكن يظن أنه سيتجرعها بعد أن منَّاه قومٌ فأسرفوا فيما عرضوا له من الأماني وفيما زيَّنوا له من الآمال.

    فهذا المقال يُريد أن يُجرِّعَ الشعب حقيقةً مُرَّة هي أن وزارة المعارف تُقِرُّ بإخفاقها الكامل الشامل فيما نهضت به من شئون التعليم أثناء خمسة أعوام، ويريد أن يُجرِّعه حقيقة مُرَّةً أخرى هي أن وزارة المعارف لن تَبْلُغ ما تريد، ولن تُبَلِّغ الشعب ما يريد من نشر التعليم؛ لأن أسباب ذلك عسيرة غير يسيرة، ومقطوعة غير موصولة.

    فالمباني لم تُقَم ولا يُنتظَر أن تُقام في وقت قريب، والمعلمون لم يُعَدُّوا ولا يُنتظَر أن يُعَدُّوا في وقت قريب. فالأعين بصيرة والأيدي قصيرة، والآمال واسعة والقدرة ضيقة، وأمر التعليم في ذلك كأمر غيره من المرافق العامة. فليس على مصر إلَّا أن تنتظر، وألَّا تسأم طول الانتظار؛ لأن وزارة المعارف لا تملك العصا السحرية التي تشير بها إلى العقاب فتُذلَّل وإلى المصاعب فتُهوَّن. وليست وزارة المعارف القائمة مسئولة عن شيءٍ من هذا، وإنما يُسأَل عنه أولئك الذين شرَّعوا سُنَّة التوسُّع في التعليم، وجعلوا التعليم الابتدائي مجانيًّا مفتوحًا لمن أراده من أبناء الشعب على اختلاف طبقاتهم. أولئك الذين جنوا هذه الجناية الضخمة واقترفوا هذا الإثم العظيم هم المسئولون؛ أولًا: لأنهم جنوا الجناية واقترفوا الإثم، وثانيًا: لأنهم لم يُعِدُّوا ما كان ينبغي أن يُعِدُّوا ليجد المصريون من المدارس ما يحتاجون إليه.

    كذلك يقول وكيل من وكلاء وزارة المعارف القائمة، ولا ينسى إلَّا شيئًا واحدًا يسيرًا كل اليسر، وهو أن أولئك الجناة الآثمين قد اقترفوا إثمهم ذاك سنة ١٩٤٤ وتركوا وزارة المعارف سنة ١٩٤٤ حين كانت الدراسة تهم بأن تُفتتَح، فلم يُمَكَّن لهم في وزارة المعارف ليمضوا في جنايتهم الضخمة وإثمهم العظيم، لا أقول إلى آخر الشوط بل أقول إلى أول الشوط، ولو قد مُكِّن لهم في وزارة المعارف حتى يُنفِّذوا سياستهم التي رسموها، ويُتِمُّوا جنايتهم التي اقترفوها؛ لكان للتعليم في مصر شأنٌ غير شأنه الآن، ولشغل الناس بما يعنيهم من كسب حياتهم عما يشقيهم الآن من إذلال نفوسهم ليظفر أبناؤهم وبناتهم بحقهم في التعليم.

    ووكيل وزارة المعارف الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة كانوا قد أعدُّوا برنامجهم، ورسموا خططهم، وأرصدوا ما ينبغي من المال في مشروع السنوات الخمس لتنفيذ تلك الخطط. وهو يعلم حق العلم أن الذين جاءوا بعدهم قد هدموا ما بنوا، وأفسدوا ما أصلحوا، وألغوا ما أرصدوا من المال، ورسموا سياسةً جديدة وخططًا جديدة، أضاعوا في رسمها وقتًا غير قليل، وأضاعوا في الاستعداد لتنفيذها وقتًا غير قليل، ثم فُوجِئوا بنتائج السياسة التي تقوم على الهوى، وتهدم ما بنى الخصم، لا لأنه سيئ بل لأن الخصم هو الذي بناه.

    ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن السياسة التي رسمها أولئك الجناة قد أقرَّها برلمان شرعي، فكان من الحق عليه وعلى أصحابه أن يحترموا ما أقرَّ البرلمان، ولكنهم تعوَّدُوا ألَّا يحترموا شيئًا وألَّا يرجوا لأحدٍ وقارًا.

    ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة أُخْرِجوا من وزارة المعارف إخراجًا عنيفًا، إخراج العدو لا إخراج الصديق. فلم يكن ينبغي لهم أن يقولوا للذين أخرجوهم: «إنا كنَّا ندبِّر الأمر على هذا الوجه أو ذاك.» ولو قد قالوا لهم لما استمعوا إليهم، ولما حفلوا بما كانوا يقولون.

    ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة بعد أن أُخْرِجوا من وزارة المعارف، وبعد أن رأوا سياستهم تُهدَم في غير رعاية للمصلحة ولا احترام للقوانين ولا توقير لقرارات البرلمان؛ لم يزيدوا على أن حذروا وأرشدوا، ودعوا إلى الحق فنالهم في سبيل ذلك أذًى كثير. لم يأتمروا سرًّا وجهرًا بالذين كانوا يعبثون بشئون التعليم كما ائتمر غيرهم سرًّا وجهرًا بالذين كانوا يصلحون شئون التعليم.

    وكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم هذا كله حق العلم، ويعلم أن أصحابه ركبوا رءوسهم في شئون التعليم كما ركب رءوسهم في شئون أخرى غير شئون التعليم، فكانت عاقبة ذلك كلها وبالًا، وكانت نتيجة ذلك أنه كتب هذا المقال المر ليجرع الشعب هذه الحقائق المُرَّة، وليريح ضميره وضمير أصحابه من تبعات ثقال.

    أما وقد اعترف بأنه هو وأصحابه قد أخفقوا هذا الإخفاق المروع، فإني أؤكد له في صراحة بريئة من كل لبس، وفي إخلاص بريء من كل كسل، وفي نسيان كامل لما مضى، وعناية كاملة بالمستقبل من الأيام، وفي تجاوز عن كل ما أصابنا من لاذع القول وسيئ العمل أنَّ أولئك الجناة الذين توسعوا في التعليم وفرضوا مجانية التعليم الابتدائي، مستعدون اليوم كما كانوا مستعدين سنة ١٩٤٤ للمضي في جنايتهم تلك التي تمر في أذواق قوم، ولكنها تحلو في أذواق الشعب كله.

    مستعدون للتوسع في التعليم أكثر مما توسع هو وأصحابه مرات كثيرة، ومستعدون لفرض مجانية التعليم الثانوي والفني بعد أن فرضوا مجانية التعليم الابتدائي.

    مستعدون لهذا كله ولاحتمال تبعاته والإجابة عن هذه التبعات لا أمام البرلمان وحده بل أمام الشعب كله، وأمام القضاء إن احتاج الأمر إلى أن يقفوا أمام القضاء.

    مستعدون لهذا كله ولأكثر من هذا كله؛ لأن في يدهم عصا سحرية ليست في يده هو ولا في يد أصحابه، وهذه العصا السحرية هي أنهم يحبون الشعب ويحبهم الشعب، وهي أنهم يقولون فيسمع الشعب لما يقولون، ويدعون فيستجيب الشعب حين يدعون، وهي أنهم يحبون رجال التعليم ويحبهم رجال التعليم، لا يبغون ولا يطغون ولا يستعلون ولا يستكبرون، وإنما يرون أنفسهم خدَّامًا للشعب لا سادةً له، وينصفون من أنفسهم قبل أن ينصفوا بعض الناس من بعض، ويبذلون وقتهم وجهدهم وصحتهم ومالهم، إن كان عندهم مال، في سبيل المصلحة العامة، يؤثرون الشعب بالخير كله، ولا يؤثرون أنفسهم إلَّا بما يقيم الأود ويحفظ الكرامة ويُمكِّن من العمل والإنتاج.

    هم مستعدون لهذا كله ولأكثر من هذا كله، لا يَحُول بينهم وبين الوفاء بما وعدوا إلَّا أن وزارة المعارف ليست في أيديهم، فليتركها إذن هو وأصحابه بعد أن كتبوا على أنفسهم هذا الإخفاق المر، وليسلموا أزِمتها إلى أولئك الجناة الذين يحبون التوسع في التعليم، ويعطون العلم لأبناء الشعب لا يبيعونه عليهم بثمن بخس دراهم معدودة كما يُباع البصل والكُرَّاث.

    أمَّا بعد، فقد أُنسِيت أن كاتب هذا المقال وكيل لوزارة المعارف لا يملك من سياسة هذه الوزارة شيئًا، ولكنه كتب مقاله كتابة السياسي المسئول، فجريت معه في ميدانه غير طويل، ثم تبين لي أني أتحدث إلى غير مختص، فذكرت قول علي — رضي الله عنه — لابن عباس فيما يُروى: «إنها شقشقة هذرت ثم قرَّت.»

  • نذير! | A Warning!

    نذير!

    طه حسين

    مجلة مسامرات الجيب

    ٢ نوفمبر ١٩٤٧

    صنع الله للشعب المصري، فقد أخذته الكوارث من كل وجه، وجاءته النوائب من كل صوب؛ حتى أصبح لا يدري كيف يتَّقيها ولا كيف يثبُت لها ولا كيف يخلص منها. كان إلى أمس القريب شقيًّا بهذه الآفات التي تصيب الشعوب حين لا تأخذ بحظها الموفور من الحضارة، فيفتك بها البؤس على اختلاف مظاهره البشعة من فقر وجهل ومرض. وكان من أجل ذلك يشقى في سياسته وحريته واقتصاده أبشع الشقاء وأشنعه. وكانت الأمم المتحضرة تتخذه مثلًا يُضرب لسوء النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي جميعًا. ولكن الأيام لم تَقنَع بما صُبَّ عليه من هذا البلاء العظيم المتصل، فصَبَّت عليه في هذه الأشهر الأخيرة ألوانًا أخرى من الشرِّ، وامتحنته ضروبًا أخرى من الامتحان. خذلان في السياسة، وإخفاق في الاقتصاد يوشِك أن يَبلُغ الإفلاس، وفتنة في الحرية توشِك أن تبلغ الاستعباد. ثم لم تكتفِ الأيام بهذا كله فسلطت عليه الوباء، يشيع في مدنه وقراه، ويلتهم أبناءه التهامًا، لا بالعشرات بل بالمئات في كل يوم وبالألوف في كل أسبوع؛ حتى أصبحت حياته كلها معرَّضة للخطر المنكر الذي لا يشبهه خطر، والذي لا يَعرِف الآن كيف يدفعه أو يرفعه أو يجِد لنفسه منه مخرجًا.

    ثم لا تكتفي الأيام بهذا كله، وإنما تَصُب عليه نكرًا آخر لعله أن يكون أشد من آلامه جميعًا إيذاءً للنفوس وتمزيقًا للقلوب وتفطيرًا للأكباد. فالشعب فيما يظهر هو المسئول عن كل هذه الآلام التي تُصَبُّ عليه، وعن كل هذه الآثام التي تُساق إليه، وعن كل هذه المنكرات التي تُفسِد عليه حياته إفسادًا، وتجعله بين الشعوب الحية مضرِب المثل فيما يجب أن يتقي من الشر ويتجنب من العدوى. فلبنان يقطع المواصلات بينه وبين الشعب المصري مخافةَ أن تصيبه العدوى ويلم به الوباء. والعراق يصنع صنيع لبنان أو ما يشبه هذا الصنيع. واليونان تصنع صنيع العراق ولبنان أو ما يشبه صنيعهما. والدول الكبرى تضيق ما بينها وبين مصر من أسباب الاتصال، وتحتاط في إرسال أبنائها إلى مصر، وفي تلقي أبناء مصر في بلادها مخافة أن يصيبها الوباء.

    وما من شك في أن هذه الدول كلها معذورة في كل ما تفعل. فحياة الناس أقوم من أن يضحَّى بها في سبيل المجاملات الدولية. ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن الشعب المصري قد أصبح شعبًا أجرب، لا ينبغي أن تتصل الأسباب بينه وبين الشعوب الأخرى؛ مخافة أن ينتقل إليها الجرب أو تنتقل إليها الكوليرا التي هي شرٌّ من الجرب وأسوأ منه عاقبةً وأبغض منه أثرًا.

    وقد أصبحت مصر الجميلة التي كانت تروق الشعوب وتشوقها سجنًا يُحصر فيه أبناؤها جميعها، فلا يخرج منهم أحدٌ إلا بإذن، ولا يطرأ عليهم أحدٌ إلا بإذن. ثم قُسِّم هذا السجن الكبير إلى سجون صغار، لا يجوز لأهلها أن يتواصَلُوا أو أن يلتقوا إلا بعد كثير من التحرُّج والتشدُّد، وفي كثير من الإشفاق والخوف. والظاهر أن الشعب المصري هو المسئول عن هذا كله. فلولا جهله وإمعانُه في الجهل لما ألمَّت به المحن ولا نزلت بساحته الخطوب. هؤلاء الذين يَفِرُّونَ بمرضهم من الطبيب، ويفلتون من الحصار المضروب حول مدنهم وقُرَاهُم، وينقلون الوباء إلى غيرهم من المواطنين؛ مسئولون بالطبع عن هذا الفرار وعن آثاره المنكَرة، فلو لم يكونوا جُهَّالًا مُمْعِنِين في الجهل لما فرُّوا من الطب ولما أشاعوا الوباء في الأصحاء.

    وأنت تستطيع أن تقرأ أحاديث الوزراء والمشرفين على شئون الصحة، فسترى أن نصيب الشعب من التبِعة أعظم جدًّا من نصيب الحكومة ومن نصيب الأطباء، حتى حين يُقصِّر رجال الشرطة أو الجيش في أداء واجبهم؛ ففي هذه الظروف لا يقع اللوم على الحكومة ولا على قادة الشرطة والجيش، وإنما يقع على هذا الشعب الجاهل الذي أفسد الجهلُ خُلُقَه وضميره، وألغى من نفسه كل شعور بالواجب وكل تقدير للتبِعة، وحبب إليه أن يُحصِّل المال من أي طريق، وألَّا يتردد في تمكين الهاربين من الهرب ما دام ذلك يغل عليه كثيرًا أو قليلًا من المال.

    فالشعب هو المسئول أولًا، والشعب هو المسئول آخرًا، والشعب هو الآثم قبل كل شيء وبعد كل شيء. وهذا العذاب الذي يصب على الشعب إنما يصب عليه جزاء لما اقترف من سيئات وما قارف من آثام. لقد أحب الجهل فليذُقْ عاقبة الجهل. ولقد آثر الفقر فليستمتع بمغبة الفقر. ولقد رضِيَ المرض فلينعم بفنون المرض التي تفتنَّ في إرساله إلى الموت، تبطئ بذلك حينًا وتسرع به أحيانًا. والله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفسهم. فليس على هذا الشعب المصري إلا أن يَظَلَّ في شقائه وبلائه ووبائه، أو يغير ما هو فيه من جهل وفقر ومرض؛ ليُكشف عنه الضر، ويُذاد عنه الشقاء والبلاء والوباء.

    نعم، كذلك يتحدث المثقفون وأشباه المثقفين، وكذلك يتحدث الساسة وأشباه الساسة. وأولئك وهؤلاء يعتقدون أنهم أشقياء بهذا الشعب الجاهل الغافل الفقير المريض. وبأنهم يائسون يبذلون ما يملكون من جهد، ويحتملون أكثر ممَّا يطيقون من المشقة والعناء لحماية هذا الشعب من نفسه، ولكنهم لا يبلغون ما يريدون ولا بعض ما يريدون؛ لأن الله قد امتحنهم بهذه المحنة المنكرة البغيضة، وهي أن يسوسوا شعبًا جاهلًا فقيرًا مريضًا، لا يريد أن يخلص من جهله وفقره ومرضه، كأن بينه وبينه هذه الآفات أسبابًا من المَوَدَّةِ والحب ليس إلى قطعها من سبيل.

    فالمثقَّفُون وأشباه المثقفين والساسة وأشباه الساسة والسادة وأشباه السادة؛ جديرون بالرحمة خليقون بالرثاء لأن الله ابتلاهم بهذا الشعب الذي لا سبيل إلى إصلاحه … لا يحب الإصلاح ولا يبتغيه.

    نعم، بهذه الأحاديث الآثمة تجري الألسنة، وإلى هذه الأحاديث الآثمة تُصغي الآذان، وفي هذه الأحاديث الآثمة تجد القلوب والضمائر والنفوس كثيرًا من الراحة والرَّوْح والعزاء. والغريب أن شيئًا من الحياء ولو قليلًا لا يصِل إلى نفوس هؤلاء المثقفين وأشباه المثقفين، ولا إلى قلوب الساسة وأشباه الساسة، وإلى ضمائر السادة وأشباه السادة. فالحياء فيما يظهر ليس من الخصال التي تُتاح للممتازين وأشباه الممتازين، وإنما هو من الخصال التي تُتاح للدهماء، وأين الخاصة من الدهماء.

    ويُخيَّل إليَّ أن مصر البائسة قد شبعت من البؤس حتى أصابتها التخمة التي ليس وراءها إلا ما نرى من هذا الوباء الذي أخذ يريحها من آلامها وآثامها، ويريح صرعاه من آلام وطنهم وآثامه. ويخيل إليَّ كذلك أن قد آنَ لمصر أن تأخذ أمرهم بالجِدِّ والحزم، وأن تراجع نفسها وضميرها عمَّا قدَّمتْ، وأن تسأل نفسها وضميرها عمَّا أعدت لمستقبل أيامها. أمستعدة هي للانتحار؟ فليس عليها إذن إلا أن تمضي فيما مضت فيه إلى الآن، فقد بلغ الكتاب أجلَه، وأخذ المنتحر يعالج سكرات الموت. فليس تهافُت أبناء مصر في الموت الآن كما تتهافت الفراش في النار إلا أول الانتحار العام. أم حريصة هي على أن تحيا وعلى أن تحيا حياة لها حظٌّ من قوة وصحة وعافية، فسبيلها إلى هذه الحياة هي أن تغيِّر ما في نفسها ليغيِّر الله ما بها.

    وقد آنَ للمثقَّفِين وأشباه المثقفين وللساسة وأشباه الساسة وللسادة وأشباه السادة أن يجِدُّوا منذ الآن؛ فإن الهزل قد أشرف بهم وبوطنهم على الموت والفَنَاء. ولست أستعمل هاتين الكلمتين استعمالًا مجازيًّا كما كُنَّا كلنا نصنع إلى وقت قريب، وإنما أدلُّ بهما على معناهما الحقيقي الذي نشهده في كل ساعة من ساعات الليل والنهار. فالمصريون يموتون مئات في اليوم وألوفًا في الأسبوع وعشرات من الألوف في الشهر، ولم يستطِع المثقَّفُون والساسة والسادة أن يقِفوا الوباء إلى الآن.

    فليسأل المثقفون والساسة والسادة أنفسَهم عن جهل الشعب وفقره ومرضه؛ فالشعب لم يلتمِسْ لنفسه الفقر والجهل والمرض، وإنما تركه سادته وقادته وساسته يتورط في هذه الآفات. وليعلم المثقفون والساسة والسادة أنهم قد نعِموا بالكلام الفارغ أعوامًا وأعوامًا، وأن لهم أن يعملوا ولا يتكلموا. وليعلم المثقفون والساسة والسادة أن الاستقلال والدستور والحكم كلها وسائل لا غايات، وهي وسائل إلى تمكين الشعب من أن يحيا حياةً سعيدة فيها شيء من النعمة والعزة والرخاء. ولتعلم الأحزاب السياسية كلها أن ظروف الحياة قد تغيَّرت، وأن الواجب يُحَتِّم عليها أن تسلك طريقًا غير الطرق التي سلكتها إلى الآن، وأن تأخذ نفسها قبل كل شيء حين تحكم وحين تعمل، بعيدة عن الحكم بإنقاذ الشعب من الجهل والفقر والمرض. بإنقاذه إنقاذًا محقَّقًا لا بكلام تجري به الألسنة وتنشره الصحف ويُخدع به المغرورون، كل حزب يتولَّى الحكم أو يريد أن يتولى الحكم، ثم لا يجعل من أغراضه الأولى تعميم التعليم في جميع طبقات الشعب بغير أجر قليل أو كثير؛ فهو حزب آثم لا ينبغي أن يتولى الحكم ولا أن يطمع فيه ولا أن يُعان عليه. وكل حزب يتولى الحكم أو يريد أن يتولاه يجب أن يجعل من أغراضه الأساسية محاربة البؤس بالعمل لا بالقول ومحاربة المرض بالعمل لا بالقول، فإن لم يفعل فلا ينبغي أن يتولى الحكم ولا أن يُعان على الوصول إليه.

    إن الصحف الأجنبية تتحدث الآن في جميع أقطار الأرض بأن هذا الوباء سيلفت المصريين إلى الإصلاح الاجتماعي الذي أهملوه، فيجب أن نلقي هذا الدرس على أنفسنا قبل أن تلقيه علينا الأمم الأخرى. فصحة مصر لا تعني وحدها ولكنها تعني العالم كله لمكان مصر بين الشرق والغرب.

    فليفكر المثقفون والساسة والقادة والسادة، وليستقبلوا أمرهم في حزم وفي كثير من الإسراع والجد؛ فإنهم إن أبطَئوا أو تهاونوا لم يُتَحْ لهم التفكير، وهم خليقون أن ينظروا ذات يوم، فإذا العالم الخارجي يفرض على مصر سلطانه لينقذها من الوباء مخلِّصًا في ذلك أو متكلِّفًا. أليس العالم الخارجي قد فرض سلطانه على مصر لينقذها فيما زعم من الألمان والإيطاليين … فما يمنعه إن قصَّرنا أن يتدخل لينقذ مصر ولينقذ نفسه من الوباء الذي ليس هو أقل شرًّا ونكرًا من هتلرية الألمان وفاشية الإيطاليين!

  • إقطاع | Feudalism

    إقطاع
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٢ مايو ١٩٤٧

    لو فهمنا الديمقراطية على وجهها؛ لما شك الحاكم في أنه خادم عليه من الواجبات أكثر مما له من الحقوق، ولما شك المحكوم في أنه سيد في وطنه، لا ينبغي أن يخاف الحاكم أو يرهبه، ولا أن يتملقه أو يستعطفه! وإنما يؤدي إليه الحق على أن حق الدولة كلها على المحكومين، ويطلب إليه الحق على أنه حق الشعب كله من الحاكمين.

    هذا إقطاع أشدُّ خطرًا وأعظم نكرًا من الإقطاع القديم، الذي عرف في الزمان الأول، ولعله لا يزال يعرف إلى الآن في بعض أقطار الأرض. فقد كان الإقطاع القديم طورًا من أطوار الاجتماعية الإنسانية اقتضته ظروف الحضارة، فكان في وقته ملائمًا للأخلاق وملائمًا للدين، وملائمًا للسياسة. وكان الناس يطمئنون إلى نظام طبيعي مألوف نشأ في غير تكلف، ولم يفرضه تحكم ولا طغيان.

    أمَّا الإقطاع الذي أريد أن أتحدث عنه، فإنه شيءٌ لم تفرضه طبيعة الحياة، ولم يقتضه تطور الحضارة، ولم يطمئن الناس إليه، ولا يمكن أن يطمئنوا إليه؛ لأنه مخالف لطبيعة الأشياء، ومخالف لرأي الناس في طبيعة الأشياء، ومخالف لتصور الناس حقائق الحياة وحكمهم على هذه الحقائق.

    ومصدر هذا الإقطاع البغيض خطأ في الفهم، وخطأ في الحكم، وخطأ في التقدير، وأخشى أن أقول: إن من مصادره فسادًا في الأخلاق وغلظة في الأذواق! فالأصل أن المصالح العامة ملك للشعب كله، وأن الحكومات والهيئات الاجتماعية المختلفة إنما تنوب عن الشعب في تحقيق هذه المصالح وتدبيرها والعناية بها. فُهِمَت المصالح العامة على هذا النحو منذ العصور القديمة جدًّا، وفي بيئاتها المختلفة أشد الاختلاف. فهمها على هذا النحو اليونان والرومان على اختلاف نظمهم السياسية، وفهمها على هذا النحو المسلمون في عصورهم الذهبية الممتازة، وفهمها على هذا النحو الأوروبيون والأمريكيون، وسيظلون يفهمونها على هذا النحو. فالوزارة من الوزارات ليست ملكًا للوزير، وإنما هي ملك للدولة، بل إن هذه الوزارة من الوزارات ليست ملكًا للحكومة كلها، وإنما هي ملك للدولة التي هي أبقى وأعم وأشمل من الحكومة. وليست الحكومة في حقيقة الأمر نظامًا عمليًّا تصطنعه الدولة لرعاية مصالحها وتدبير أمورها، وليس أعضاء الحكومة في حقيقة الأمر إلَّا جماعة من الناس ترى فيهم الدولة — مخطئة أو مصيبة — الكفاية والقدرة على رعاية هذه المصالح وتدبيرها وقتًا يقصر أو يطول. فهي تكلفهم هذا الواجب، وتأجرهم على النهوض به، وتراقبهم أثناء النهوض به، فتبقيهم في عملهم ما رضيت عنهم، وتقصيهم عن عملهم إن سخطت عليهم أو أنكرت منهم شيئًا أو آنست منهم تقصيرًا أو قصورًا!

    فأعضاء الحكومة موظفون لا أكثر ولا أقل، وهيئة الحكومة جماعة من الموظفين يعملون متضامنين، ويخضعون لرقابة الدولة، ويتعرضون لما يتعرض له أي موظف من رضا الدولة وسخطها.

    هذا هو الأصل الذي يعرفه الناس جميعًا ويقره الناس جميعًا حين يخلو كل واحد منهم إلى نفسه، وحين يلقى بعضهم بعضًا ويتحدث بعضهم إلى بعض. تعلموه في المدرسة، وقرءوه في الكتب، وهم يقرءونه في الصحف حين يصبحون وحين يمسون. ولكن العمل في مصر — وفي بلاد أخرى تشبه مصر شبهًا قريبًا أو بعيدًا — يخالف هذا الأصل أشد الخلاف ويناقضه أعظم المناقضة!

    فالوزير لا يكاد يجلس على كرسيه حتى يغره الغرور؛ فيخدعه عن نفسه وعن سلطانه، وعن حقه وعن واجبه، وينسيه أنه موظف وُلِّيَ اليوم وقد يُعزل غدًا، وأنه مراقب يمكن أن يسأل عمَّا يأتي، ويمكن أن يسأل عما يدع، ويمكن أن يعاقب على ما يتورط فيه من قصور أو تقصير! ينسى هذا كله وينسى أنه لم يكن وزيرًا أمس، وأنه قد لا يكون وزيرًا غدًا، ولا يذكر إلَّا شيئًا واحدًا هو أنه يستطيع أن يأمر وينهى، وأن في وزارته موظفين يجب عليهم أن يأتمروا إذا أمرهم، وأن ينتهوا إذا نهاهم. ويسرف الغرور على نفسه، ويسرف هو على نفسه في الغرور، فيخيل إليه أنه مستأثر بمنصبه إلى آخر الدهر، وينسى نسيانًا تامًّا هذه الصيغة التي كانت «المقطم» تمهِّد بها فيما مضى من الأيام لسقوط الوزارات، وهي أن الحكم تقليد لا تخليد. وإذا هو يقتنع فيما بينه وبين نفسه، ثم يقنع الناس من حوله بأن الوزارة التي يتولاها إنما هي إقطاع من الإقطاعات قد أُهدي إليه ووُقِف عليه، فهو يتصرف فيه كما كان السادة يتصرفون فيما يُهدى إليهم من الإقطاعات!

    ونظام الإقطاع دقيق، فيه السيد الذي يلقب أحيانًا بالدوق، وأحيانًا بالمركيز، وأحيانًا بالكونت. ثم فيه السادة الذين يلون هذا السيد الأعظم، ويحملون مختلف ألقاب الشرف، وقد رُتِّبت درجات بعضها فوق بعض. ثم فيه بعد ذلك الدهماء التي يجب عليها أن تسمع وتطيع، ليس لها رأي في شيء، ولا ينبغي أن يكون لها رأي في شيء! وهذا النظام هو الذي يطبق في وزاراتنا ومصالحنا تطبيقًا دقيقًا: فالوزير هو السيد الأعظم، ثم يليه السادة الوكلاء، ثم تليهم طبقات مختلفة من الرؤساء قد رُتِّبت درجاتٍ بعضها فوق بعض. ثم تأتي بعد ذلك الدهماء التي يجب عليها أن تسمع وتطيع، والتي تأتلف منك ومني ومن أمثالنا بين عباد الله البائسين!

    ونظام الأحزاب في مصر ليس كنظام الأحزاب في البلاد الأخرى؛ فالحزب الذي يتولى الحكم إنما يتسلم مصر على أنها إقطاع من الإقطاعات يقسم بين الوزراء، ويحكم على النحو الذي كانت تحكم عليه الإقطاعات في الزمان الأول، وينظر إلى الأحزاب التي لا تتولى الحكم على أنها من الدهماء التي لا يعبأ اللَّه بها، فلا ينبغي أن يعبأ بها الناس!

    والحكم في مصر دُولَةٌ بين الأحزاب، فهو اليوم إلى هذا الحزب، وهو غدًا إلى حزب آخر. فالحزب الذي يحكم اليوم لم يكن حاكمًا أمس، ولن يكون حاكمًا غدًا. وكان هذا خليقًا أن يعلِّم الأحزاب أنها حين تتولى الحكم لا تتسلم إقطاعًا، وإنما تكلف خدمة. ولكن الأحزاب مع ذلك لا تتعظ ولا تتعلَّم، وإنما تلي الحكم فيسرع النسيان فيمحو من رءوسها كلَّ ذكرى، ويسرع الغرور فيلقي بينها وبين المستقبل أستارًا كثيفة، وإذا هي تعمل ليومها غير ذاكرة أمس، ولا محتاطة للغد، حتى إذا جاءت الساعة التي لا بدَّ من أن تجيء، وأنزلت الأحزاب الحاكمة إلى منازل الدهماء، ورفعت الأحزاب المحكومة إلى مناصب الحكم؛ لم يتغير شيء، وإنما مضى سادة ليصبحوا مسودين، وأقبل مسودون ليصبحوا سادة، وشكا المحكومون دائمًا من ظلم الحكام، وسخر الحاكمون دائمًا من شكوى المحكومين!

    ولولا أننا قدرنا الأشياء كما ينبغي أن تقدر في ظل النظام الديمقراطي؛ لما نظرنا للوزراء والرؤساء على أنهم سادة ينبغي لهم أن يأمروا وينبغي لنا أن نطيع، بل على أنهم وكلاء قد ائتمناهم على مصالحنا، فإن رعَوها فذاك، وإن لم يرعوها ففي القانون والدستور وازعٌ للجميع.

    نعم، ولكن الحق يجب أن يُقال، والحق أن الحاكمين والمحكومين في مصر لا يفهمون الديمقراطية على وجهها، وهم من أجل ذلك لا يتداولون الحكم فيما بينهم، وإنما يتداولون الظلم والاستبداد!

    فالحكم إقطاع للأحزاب الحاكمة لا أكثر ولا أقل، وليس بينه وبين الإقطاع القديم إلَّا فرق واحد ظاهر، وهو أن الإقطاع القديم كان ثابتًا مستقرًّا لأصحابه، تتوارثه ذريتهم بعد أن يموتوا. أمَّا الإقطاع الحديث فمتنقل لا يحب أن يستقر ولا يخضع لنظام الميراث. وهو من أجل ذلك أشدُّ خطرًا من الإقطاع القديم؛ لأنه فرصة يجب أن تُنتهز، فلعلها لا تعود، أو لعلها لا تعود إلَّا بعد وقت طويل! وإذن فيجب أن يستأثر الحاكمون ما وسعهم الاستئثار، وأن يدخروا منذ اليوم ما يمكن أن يفوتهم في غد، ويجب أن يتربص المحكومون، وأن يكيدوا ويمكروا، وأن يسجلوا ويستعدوا للانتقام!

    وكذلك تضيع المصالح العامة أولًا، ويفسد الحكم ثانيًا، وتفسد الأخلاق ثالثًا، وينحل التضامن الاجتماعي بعد ذلك، ويصبح بعض المصريين لبعض عدوًّا. وليس لهذا كله من دواء إلَّا أن نفهم الديمقراطية على وجهها. ولكن أتظن أن من الممكن أن تُفهم الديمقراطية على وجهها، وقد شبَّ عمرو على الطوق؟ ولم يخطئ الشاعر القديم حين قال:

    والشيخ إن قومته من زيغه لم يُقِمِ التثقيف منه ما انحنى!

  • امتحان | A Test

    امتحان
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٦ سبتمبر ١٩٤٦

    لم تُمتحن مصر في أخلاقها السياسية كما تُمتحن الآن، ولم ترسب مصر في امتحان خطر كما ترسب الآن في هذا الامتحان. ويكفي أن تلاحظ أن حديث المفاوضات بدأ بيننا وبين الإنجليز منذ العام الماضي، وأنه لم ينقضِ إلى الآن ولا يعرف متى يريد أن ينقضي. ومصدر ذلك بسيط، وهو ضعف الخلق السياسي عند فريق من المصريين؛ فهم لا يتحدثون إلى الإنجليز كما يتحدث الندُّ المؤمن بحقه إلى الندِّ المغتصب لهذا الحق، وإنما يتحدثون إليهم كما يتحدث الضعيف المتهالك الذي لا يقدر على شيء — والذي يريد مع ذلك أن يعيش — إلى القوي المتماسك الذي لا يشفق من شيء ولا يحتاج إلى شيء، والذي يملك من أمر هذا الضعيف كل شيء.

    من أجل هذا تردد النقراشي باشا وأسرف في التردُّد قبل أن يطلب من الإنجليز الأخذ في المفاوضات، حتى تعجله صدقي باشا وألحَّ في تعجله، وحتى أنذره مكرم باشا وألح في إنذاره، وحتى غَلَى الرأي العام وكاد ينفجر. هنالك تقدم النقراشي باشا في أدب واستحياء وتسليم بأكثر من نصف الحق، ورد عليه الإنجليز في فتور وبرود واستمساك بما قُدِّم إليهم من الحق. ولو قد كان النقراشي باشا وأنصاره ذوي خلق سياسي قوي لطالبوا بالحق قبل أن يذهبوا إلى سان فرانسيسكو قبل أن تضع الحرب أوزارها، وقبل أن يُدفعوا إلى هذه المطالبة بالوكز والوخز واللكز كأنما كانوا يُساقون إلى الموت وهم ينظرون.

    ولو قد كان النقراشي باشا وأنصاره ذوي خلق سياسي قوي لطالبوا بالحق كاملًا غير منقوص، ولطالبوا به في لهجة جازمة حاسمة، لا تهالك فيها ولا استحياء. ولكنهم كانوا مُحدَثِين أتيح لهم الحكم على غير استحقاق منهم للحكم، فآثروا أنفسهم على أمَّتِهم، وآثروا بقاء عهدهم السعيد على الجلاء ووحدة وادي النيل. ثم عصفت العاصفة بالنقراشي باشا وأنصاره، ونهضت الوزارة القائمة بأعباء الحكم، وكان المنتظر من رئيسها الذي تعجَّل حتى تعب وأتعب، وألح حتى مَلَّ وأَمَلَّ، كان المنتظر أن يكون أصرح لهجةً وأمضى عزمًا، وأحرص على أن يستخلص الحق في غير تردُّد ولا تلكؤ ولا إبطاء، ولكنه نهض بالحكم في فبراير ولم يصِل إلى شيء، ونحن الآن في شهر سبتمبر لأن خلقه السياسي وخلق أنصاره ليس أقوى من خلق النقراشي باشا وأنصاره. ولم يكن الفرق بين أولئك وهؤلاء إلَّا أن فريقًا كان في الحكم فأظهر الحكم في أخلاقهم ما كان خفيًّا، فلما وثب الآخرون إلى الحكم أظهر الحكم من أخلاقهم ما كان خفيًّا أيضًا.

    ولو كان سادتُنا المفاوِضُون ذوِي شدة في الحق، وصلابة في الرأي، وقوة في الخلق السياسي، وقدرة على أن يقولوا لا حين يجب أن تُقال؛ لما وقفوا أنفسهم وأمتهم هذا الموقف الرائع البديع الذي يصوره أبدع تصوير قول العاشق القديم:

    وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخر عنه ولا متقدم
    ولكن الله أراد أن تُمتحن مصر في أخلاقها السياسية، وبرجال هذا العهد السعيد، أولئك الذين يرون كل شيء متاحًا مباحًا إلَّا أن ينزلوا عن الحكم، ويوضعوا حيث وضعهم الله في منزلة القلة التي لا ينبغي أن تنوب عن الشعب، ولا أن تنطق بلسانه، ولا أن تتحدث باسمه، ولا أن تقضي في أمره؛ لأنها لا تملك من ثقته شيئًا، ولأن النيابة عن الأمة لا ينبغي أن تكون إلَّا نتيجة للثقة الخالصة الكاملة.

    سادتنا اليوم مستأثرون بشئون الحكم والسياسة عن غضب لا عن ثقة، وهم يشهدون على أنفسهم بذلك حين يتقاذفون تهم التزوير في الانتخابات.

    هم غاضبون لحقوقنا الداخلية، كما أن الإنجليز غاضبون لحقوقنا الخارجية؛ فأي غرابة في أن يشق الأمر على الغاصبين من أولئك وهؤلاء؟ وأي غرابة في أن يشفق الإنجليز من قطع المفاوضات ومن إضاعة الفرصة، فالاتفاق مع القلة أيسر من الاتفاق مع الكثرة؟

    وأي غرابة في أن يشفق ساستنا من قطع المفاوضات ومن إضاعة الفرصة التي تتيح لهم البقاء في الحكم والاستمتاع بما يتيح لهم من جاهٍ وسلطان. والأمر كله راجع إلى ضعف الخلق السياسي. فلو قد كان الخلق السياسي قويًّا لآثر ساستنا أمتهم على أنفسهم، ولما رضُوا أن يقِفُوا أنفسهم وأمتهم من الإنجليز هذا الموقف المؤذي المهين. وما رأيك في قوم يُقدِّمون إلى الإنجليز مذكرة يسجلون فيها الحماية على وطنهم تسجيلًا، فإذا أحسوا من الإنجليز تمنُّعًا واستعلاءً لم يجرءوا على قطع المفاوضات، وإنما طاولوا وماطلوا وألقَوْا بعض أعينهم إلى جنة الحكم، وألقوا بعضها الآخر إلى نار الحرمان، فطاولوا وماطلوا وأضافوا مطاولة ومماطلة حتى أصبح الأمر مماحكةً لا أكثر ولا أقل.

    ومن ذا الذي يستطيع أن يلوم الإنجليز إذا دلوا وتاهوا وأسرفوا في الدل والتيه … وتركوا ساستنا المحنكين ينضجون على نار هادئة؟

    وليس أمر التعديل الوزاري بأقل دِلالة على ضعف الخلق السياسي من أمر المفاوضات. فقد استكشف رئيس الوزراء — فجأة وعلى غير انتظار — أن وزارته ضعيفة تحتاج إلى تقوية، ومزعزعة تحتاج إلى تثبيت؛ لأنه رأى فيما يُقال فريقًا من المفاوِضين يتردَّدون في أن يمضوا معه إلى آخر الشوط، فأراد أن يأخذ للأمر عُدَّتَهُ، وأن يدعم وزارته بالقادرين على أن يمضوا معه إلى آخر الشوط بقوم أشجع من هؤلاء السادة الذين يستحون من أنفسهم ويوشكون أن يستحوا من الناس. وأغرب من هذا أن النقراشي باشا استكشف — فجأة وعلى غير انتظار — أنه يستطيع أن يتعاون مع صدقي باشا بعد أن كان يرى أن هذا التعاون آثم في شهر فبراير الماضي. ولِمَ لا؟ لقد أظهر صدقي باشا أنه كفؤ للتعاون مع النقراشي باشا، فحكومته قد سفكت دم الشباب كما سفكته حكومة النقراشي، وحكومته قد أهدرت حرية الشعب كما أهدرتها حكومة النقراشي باشا، وحكومته قد تهالكت على رضى الإنجليز كما تهالكت عليه حكومة النقراشي باشا. وكان النقراشي باشا يخاف في شهر فبراير أن يكون صدقي باشا قد غيَّر سيرته حقًّا، فلان لمواطنيه وخشن على الإنجليز، فلمَّا رأى أن البيت القديم ما زال صادقًا، وأن صدقي باشا ما زال يطرب حين ينشد المنشدون:

    أسد عليَّ وفى الحروب نعامةفتخاء تنفر من صفير الصافر
    لم ير بأسًا من أن يشاركه في النهوض بأعباء الحكم.

    أمَّا الأحرار الدستوريون فليسوا هناك، وإنما هم قوم هيِّنون ليِّنون كما يقول الشاعر القديم؛ يستجيبون لكل دعاء، ويسرعون إلى كل مائدة، ويذوقون من كل صنف، يرضون ليغضبوا، ويغضبون ليرضوا، وأمرهم أيسر من أن يشقى به رئيس وزراء كائنًا ما يكون. أحبُّ شيءٌ إليهم الحكم، وأبغض شيءٌ إليهم اعتزال الحكم؛ فهم يشاركون النقراشي باشا وهم يشاركون صدقي باشا، وهم يشاركون الرجلين حين يتفقان، وليس عليهم بأس من أن يشاركوا النقراشي باشا وحده، أو من شئت من رؤساء الوزارات إن كتب الله على صدقي باشا أن يريح ويستريح.

    وقد قيل إن الأحرار الدستوريين غاضبون لأن صدقي باشا يريد أن يزحزح أحدهم عن منصبه، وهم غاضبون حتى يروا العين الحمراء، ويتبيَّن لهم أن الغضب لن يغني عنهم شيئًا. هنالك يرضون كل الرضى، ويستقبلون ما يعرض عليهم من مناصب الحكم باسمين شاكرين، أو قُلْ فَرِحين مرحين مستبشرين. والغريب أن بين المصريين من هؤلاء الساسة من يعرفون المثل القديم: إنك لا تجني من الشوك العنب.

  • إجماع … | Consensus …

    إجماع …
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٢١ أغسطس ١٩٤٦

    يقال: إن السادة المفاوضين قد ائتلفوا بعد اختلاف، واتفقوا بعد افتراق، وأصدروا قرارًا إجماعيًّا سيبلغ إلى الإنجليز ثم يذاع في المصريين. وقد وُصف هذا الإجماع بأنه وطني عظيم، وبأنه مطابق لأماني مصر. وقد خُيِّل إلينا حين سمعنا هذا الكلام أن السادة المفاوضين عادوا إلى الصواب بعد أن أمعنوا في الخطأ، وثابوا إلى الحق بعد أن لجُّوا في الباطل إلجاجًا. وقرروا بإجماع الآراء ألا مفاوضة مع الإنجليز حتى يقبلوا الجلاء معجلًا لا مؤجلًا، وحتى يعترفوا بوحدة وادي النيل في ظل عرش واحد هو عرش مصر وتاج واحد هو تاج مصر، وحتى يعدلوا عن هذه الشركة البغيضة وعن هذا المجلس البغيض الذي ينظم الدفاع عن مصر؛ فيلغي استقلالها إلغاءً، ويضع الأصبع الإنجليزية — بل اليد الإنجليزية كلها — في المرافق المصرية مهما تختلف ومهما تتنوع.

    وفهمنا كذلك أن السادة المفاوضين قد قرروا بالإجماع ألا يقحموا مصر في مشكلات الإمبراطورية البريطانية، قريبةً كانت هذه المشكلات من مصر أو بعيدة عنها، وألا يخوضوا ببلادهم غمرات الحرب إلا حين تكون مصر المعروفة بحدودها الجغرافية معرضة للخطر المباشر القريب.

    فهمنا هذا كله فرضينا وابتهجنا، ولكن رضانا وابتهاجنا لم يتصلا إلَّا دقائق معدودات. فقد فسَّر لنا المفسِّرون أن السادة المفاوضين لم يجمعوا على شيء من هذا ولا على شيء قريب من هذا، وإنما أجمعوا على الاستمساك بذلك الاقتراح الذي قدموه إلى الإنجليز، وزعموا أنه آخر ما يستطيعون أن يقدموه. وقبلوا فيه مجلس الدفاع وقبلوا فيه تأجيل المفاوضات المفصلة في شئون السودان، وحددوا فيه أمد الجلاء بعام واحد فيما يقال. وعرَّضوا فيه مصر لخوض غمارات الحرب حين تثار الحرب في البلاد المتاخمة دون البلاد المجاورة … إلى آخر هذا الكلام الفارغ الذي يقطع الشعرة أرباعًا، ويبحث عن الظُّهر في الساعة الرابعة عشرة كما يقال! لم يجمع السادة المفاوضون على خير إذن، وإنما أجمعوا على شر عظيم؛ أجمعوا على الكارثة التي تخذي مصر وتغض من قدرها وتضيِّع حقَّها وتجعلها ضحكة للعالم الغربي البعيد وللعالم العربي القريب. والناس قد يجمعون على الخير؛ فيرضون عن أنفسهم ويرضى عنهم الناس. ولكنهم قد يجمعون على الشر؛ فلا يرضى عنهم أحد. ثم يختلفون بعد ذلك: فمنهم من يرضى عن نفسه؛ لأنه لا يحفل بخير ولا بشر، ولا يحفل بأحد غير نفسه، ولا يعنيه أن يرضى الناس عنه أو يسخطوا عليه. ومنهم من ينكر نفسه أشد الإنكار، ويضيق بها أشد الضيق؛ لأن له ضميرًا يعرف الحياء ويعرف الندم، ويعرف أن النفس أمَّارة بالسوء، ويعرف أنها ضعيفة أمام بعض الظروف، فهو يذعن في النهار ويندم في الليل، وهو يأثم اليوم ويبكي غدًا، ثم يتوب حين لا تغني التوبة عن أصحابها شيئًا. وليس المهم أن يرضى السادة المفاوضون عن أنفسهم أو أن يسخطوا عليها، وأن يكون منهم الراضي ومنهم الساخط، وإنما المهم ألا يخدع المصريون عن حقِّهم، وألَّا تغرهم الأماني والآمال والدعاوى العراض تذاع في شمال الوادي وجنوبه.

    فالمصريون يعرفون حقَّهم كما يعرفون أنفسهم، والمصريون يعرفون الكيد الذي يُكاد والأمر الذي يُراد. وهم يعرفون الضمائر المرنة كما يعرفون الضمائر الصلبة. وهم يفرِّقون بين الجِدِّ والهزل كما يفرِّقون بين الذين يقدمون على الجد والذين يتخذون أمور الحياة لعبًا وهزءًا. المصريون يعرفون أنهم لا يريدون مشاركةً مع الإنجليز لا في الدفاع عن مصر ولا في غير الدفاع عن شئون مصر. ويعرفون أن وحدة وادي النيل حق لوادي النيل وحق لعرش وادي النيل. فالتفريط فيها تفريط في حق الأمة وفي حق العرش جميعًا. والمصريون يعرفون أنهم لا يريدون أن يكونوا جنودًا للبريطانيين، يسفكون دماءهم للدفاع عن مصالح الإمبراطورية البريطانية في البلاد المتاخمة أو المجاورة أو البعيدة. المصريون يعرفون هذا كله كما يعرفون أنفسهم، ولا يرضون من السادة المفاوضين إلا أن يجمعوا على هذا كله لا يختلفون منه في قليل أو كثير. فأمَّا أن يجمع المفاوضون على الاقتراح الذي قدموه أو يختلفوا في هذا الاقتراح، وأمَّا أن يجمع المفاوضون على المقترحات البريطانية أو يختلفوا فيها، فسخف لا يعني المصريين في قليل ولا كثير؛ لأن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، والمصريون يعرفون ما يريدون، ولا يعنيهم أن يتورط السادة المفاوضون فيما يتورطون فيه من شبهات.

    ومع ذلك فمن الإجماع ما يحزن، ومن الإجماع ما يضحك. وإجماع السادة المفاوضين على ما أجمعوا عليه أمس من هذا النوع الثاني. فهم كانوا مختلفين منذ عاد سفيرنا من لندرة، وكان اختلافهم شديدًا وكان خطيرًا إن صحت الأنباء.

    فقد قيل: إن رئيس الوزراء كان يرى قبول المقترحات البريطانية التي حملها إليه السفير، وأنه بذل جهدًا غير قليل ليقنع بذلك زملاءه المفاوضين؛ فاستجاب له بعضهم وامتنع عليه بعضهم الآخر. فلما استيأس من الممتنعين وأعياه إقناع المفاوضين جميعًا؛ حاول إقناع الوزراء، فأتيح له من ذلك ما أراد، وأجابه مجلس الوزراء إلى إجماع كامل شامل يناقض بالضبط إجماع المفاوضين أمس.

    وكذلك وقف مجلس الوزراء في ظل إجماع رائع، ووقف السادة المفاوضون في ظل إجماع آخر ليس أقل منه روعة. المجلس يقبل المقترحات البريطانية بالإجماع، وهيئة المفاوضين ترفضها بالإجماع، ورئيس الوزراء متفق مع المجلس في إجماعه؛ لأن إجماع المجلس لا يتم إلا باتفاقه، وهو متفق مع هيئة المفاوضات في إجماعها؛ لأن إجماعها لا يتم إلا باتفاقه.

    وإذن، فهو يقبل المقترحات البريطانية ويرفضها، واجتماع الضدين مستحيل فيما يقول أرسطوطاليس، ولكن أرسطوطاليس يقول أيضًا: إن الضدين لا يجتمعان إذا اختلف المكان، فرئيس الوزراء يقبل المقترحات في مجلس الوزراء، ورئيس الوزراء يرفض المقترحات في هيئة المفاوضات. وإذا اختلف المكان أو اختلف الزمان لم يجتمع الضدان، والمكان مختلف كما ترى، وليس الزمان أقل من المكان اختلافًا. فرئيس الوزراء كان يقبل المقترحات البريطانية إلى الساعة الحادية عشرة من صباح أمس، ثم أصبح يرفض هذه المقترحات حين انتصفت الساعة الأولى بعد ظهر أمس، المكان مختلف والزمان مختلف؛ فلم يجتمع الضدان ولم يتورط رئيس الوزراء ولا وزير الخارجية في هذا المجال الذي يأتي من اجتماع الضدين. ومجلس الوزراء قابل للمقترحات البريطانية منذ جلسته الأخيرة، ولكنه سيرفضها — بإذن اللَّه — في جلسته المقبلة. سيتحقق التضامن الوزاري من جهة، وليتحقق التضامن بين المجلس وبين هيئة المفاوضات من جهة أخرى.

    وإذا اختلفت العلة اختلفت النتيجة بطبيعة الحال. فقد كان مجلس الوزراء قابلًا للمقترحات؛ لأن رئيس الوزراء كان لها قابلًا، وسيصبح مجلس الوزراء رافضًا للمقترحات؛ لأن رئيس الوزراء أصبح لها رافضًا. والشيء المحقق هو أن هناك إجماعين كلاهما يَسرُّ القلوب ويُسري عن النفوس. والمصريون في حاجة إلى ما يَسرُّ قلوبهم ويُسري عن نفوسهم في هذه الأيام الشداد، التي ينذرهم فيها الفيضان بشر مستطير. فليبتهج المصريون بإجماع أمس كما ابتهجوا بإجماع مجلس الوزراء منذ أيام، وكما سيبتهجون بإجماع مجلس الوزراء غدًا أو بعد غدٍ.

    صنع اللَّه لمصر! متى يأخذ الساسة أمورها على أنها جدٌّ لا لعب؟ ومتى يريحها اللَّه من هذه المغامرات؟ ومتى تجتمع كلمة الكثرة والقلة على الشيء الطبيعي الوحيد الذي لا ينبغي أن يكون فيه خلاف، وهو أن الشرط الأساسي لإمكان المفاوضات الحرة المنتجة إنما هو جلاء الإنجليز قبل كل شيء عن وادي النيل؟

    هنالك — وهنالك ليس غير — نستطيع أن نفاوض الإنجليز لنحالفهم أحرارًا، فنقبل الحلف أو نرفضه. فأمَّا أن يجثم العدو على صدرك، ويضع السكين على عنقك، ويدعوك إلى مفاوضة حرة؛ فهذا هو الذي لا يكون إلَّا في مصر، ولا يعرضه إلا الإنجليز!

  • تمهيد | An Introduction

    تمهيد

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٣١ يناير ١٩٤٦

    وأخيرًا قرأ المصريون مذكرة الحكومة المصرية إلى الحكومة البريطانية بطلب المفاوضات، ورد الحكومة البريطانية عن هذه المذكرة.

    قرءوا هاتين الوثيقتين بعد أن ألحوا أشد الإلحاح في أن تتخذ حكومتها خطوة حاسمة، فتكتب مذكرتها لتتلقى عليها رد البريطانيين، وليعرف المصريون أين هم وماذا يراد بهم.

    ويجب أن نسجل — في كثير من الحزن والمرارة — أن المصريين قد بذلوا جهودًا عنيفة حقًّا ليحملوا حكومتهم على أن تخطو هذه الخطوة. فلم تكد الحرب تضع أوزارها حتى طالب الوفد بحقوق مصر كاملة في مذكرة صريحة لا عوج فيها ولا التواء، واضحةً لا لبس فيها ولا غموض، قويةً لا ضعف فيها ولا وهن. ثم جعل الشعب يلح على الحكومة في أن تطلب من الطريق الرسمية تحقيق المطالب الوطنية. فوضع الوزراء أصابعهم في آذانهم وقتًا حتى إذا أحرجوا ولم يروا بدًّا من القول والعمل؛ آثروا القول وأرجئوا العمل، فصرَّح رئيس وزرائنا في البرلمان في أواخر أغسطس بأنه لن يهمل أي فرصة تسنح ليدخل مع الحليفة في مفاوضات لتحقيق المطالب الوطنية. ونام الوزراء والبرلمان على هذا التصريح شهرًا كاملًا، فلم يقولوا شيئًا ولم يعملوا شيئًا، وظلَّ الشعب يقول ويقول ويطالب ويلح في المطالبة، والوزراء مغرقون في النوم لا تبلغهم أصوات الشعب، حتى أيقظهم صوت واحد يخافونه أكثر ما يخافون الشعب كله، وهو صوت صدقي باشا الذي أنكر عليهم سياسة كسب الوقت لأمر يعلمه الله ويعلمه صدقي باشا ويعلمه الوزراء، ويكاد المصريون يعرفونه.

    هنالك اجتمعت الهيئة السياسية ذات الصوت البعيد والشهرة العريضة الواسعة، فقررت أن الوقت الحاضر في سبتمبر كان أشد الأوقات ملاءمة للأخذ في المفاوضات، ووافقها مجلس الوزراء على هذا القرار. ثم نام الوزراء ونامت الهيئة السياسية، ومضى البرلمان في النوم، وظل الشعب يقول ويقول، ويطالب ويلح في المطالبة، والسادة القادة والساسة المحنكون مغرقون في نوم عميق لا تبلغهم أصوات الشعب. والصحف البريطانية راضية عن نومهم، مثنيةٌ على إيثارهم للعافية وحرصهم على الراحة، ساخرةٌ من يقظة الشعب ومطالبته بالجلاء ووحدة وادي النيل. حتى أيقظ القوم صوت يخافونه أكثر مما يخافون صوت الشعب وأكثر مما يخافون صوت صدقي باشا، وهو صوت المستر بيفن الذي صرح ذات يوم في البرلمان البريطاني بأنه لم يتلقَّ من مصر طلبًا رسميًّا للدخول في المفاوضات. وكان صدقي باشا أسرع القوم إلى الاستيقاظ؛ لأنه فيما يظهر أكبر القوم سنًّا وأخفهم نومًا وأدقهم حسًّا وأكثرهم درايةً بمهاب الرياح. فقد صال صدقي باشا وجال وأنذر ثم استقال. ومضت الأمور بين نوم واستئناف لليقظة، حتى هبَّ المجاهدون الكبار والمجاهدون الصغار، فأثاروا أزمة أي أزمة، واستقالوا أو أنذروا بالاستقالة، وأقرتهم الهيئة السياسية على ما أرادوا، وتلكأ مجلس الوزراء ثم أذعن وأقر ما أراد المجاهدون الكبار والصغار، وما أرادته الهيئة السياسية، وكتب المذكرة وأرسلها إلى الإنجليز، فذهبت إليهم متلكئة في سفرها مبطئة في سيرها كما تلكأ أصحابها في تصورها، وكما أبطئوا في كتابتها، وكما ترددوا في إرسالها. وقد ظلت الحكومة المصرية تتردد في أمر هذه المذكرة من آخر شهر أغسطس إلى العشرين من شهر ديسمبر. في ذلك اليوم وصلت المذكرة المصرية بارعة الحسن رائعة الجمال، تصد بخدٍّ وتجلو عن خد كما يقول بشار، إلى وزارة الخارجية البريطانية، فتلقاها البريطانيون لقاءً فاترًا واستقبلوها استقبالًا هادئًا، وأخذوا ينامون كما نام المصريون. ولكن جو بريطانيا العظمى لا يغري بالنوم كما يغري به جو مصر، فلم ينم البريطانيون إلَّا شهرًا على حين نام المصريون شهرًا وشهرًا وشهرًا. وأخيرًا استيقظ البريطانيون متثاقلين من نومهم هذا القصير، فردُّوا على المذكرة المصرية. والغريب أنهم استيقظوا في الوقت الذي أثار فيه وزير الخارجية المصرية من ناحية، وكبار المجاهدين وصغارهم من ناحية أخرى أزمتهم تلك حول مجلس الأمن واختصاصه بالنظر في المسألة المصرية. ولكن استيقاظهم في هذا الوقت كان مصادفةً لا أكثر ولا أقل، فقد كان الضجيج شديدًا وكان الضجيج مقلقًا. كان الإيرانيون يعرضون قصتهم على مجلس الأمن، وكان السوريون واللبنانيون ينذرون بعرض قصتهم على مجلس الأمن، وكان الروسيون يعرضون قصة اليونان وقصة إندونسيا على مجلس الأمن، وكان وزير الخارجية المصرية يعلن أن مصر لن تعرض قصتها على مجلس الأمن. وكانت هذه الأصوات كلها تحدث ضجيجًا وعجيجًا وهرجًا ومرجًا، وكان صوت وزير الخارجية المصرية وحده هو الصوت العذب الرقيق الرفيق الرشيق. والناس يختلفون فيما أيقظ الإنجليز: أهي خشونة تلك الأصوات المنكرة التي كانت تعرض القصص على مجلس الأمن أو تنذر بعرضها عليه؟ أم هي عذوبة هذا الصوت المصري الذي أعلن أنه لن يعرض على مجلس الأمن شيئًا؟ وعلى كل حال فقد استيقظ الإنجليز — في الوقت المناسب — من نومهم القصير.

    وكان استيقاظهم في هذا الوقت بعينه مصادفة لا أكثر ولا أقل، ولكنهم استيقظوا على كل حال، وأرسلوا ردَّهم إلى مصر في أشد الأوقات ملاءمةً لإرساله. في نفس الوقت الذي استقال فيه جماعة من الوزراء احتجاجًا على وزير الخارجية وعلى صوته العذب الرقيق، وكان صوت هذا الرد في وقت هذه الأزمة وفي أشد الأوقات ملاءمة لوصوله مصادفة لا أكثر ولا أقل. ولم يكن الرد البريطاني أقل دلالًا ولا استحياءً ولا إيثارًا للفتنة والتمنع من المذكرة المصرية.

    فقد وصل الرد البريطاني ولم يصل، وبلغ رئيس الوزراء ولم يبلغه. اضطربت بعض ألفاظه في الطريق، فلم يكن بد من السؤال والاستفسار والتصحيح. والمهم أن الرد قد وصل — في الوقت المناسب — فانحلت الأزمة وانجلت الغمرة، وعاد الوزراء المستقيلون إلى مناصبهم. وقرأ المصريون صباح اليوم مذكرة الحكومة المصرية، ورد الحكومة البريطانية، فماذا قرءوا؟ لم يقرءوا شيئًا؛ لأن المذكرة المصرية فاترة أشد الفتور، يدلُّ كل شيءٍ فيها على أنها كلام قومٍ نائمين، كتبوها قبل أن يستيقظوا استيقاظًا تامًّا. كتبوها ولما يغادر النعاس أجفانهم، فلم تتح لهم قوة وهم الأقوياء، ولم يتح لهم حزم ولا عزم وهم أصحاب الحزم والعزم. رأوا فيما يرى النائم أنهم يكتبون مذكرة يطالبون فيها بالحقوق الوطنية، فلما فاقوا وجدوا المذكرة مكتوبة فأرسلوها. فهم يطلبون في كثيرٍ جدًّا من الفتور وفي كثيرٍ جدًّا من اللين والنعومة أن تفكر الحكومة البريطانية في أن الوقت قد أصبح ملائمًا لإعادة النظر في المعاهدة؛ لأن هذه المعاهدة قد وقِّعت متأثرة بظروف وأحداث اقتضت تقييد الاستقلال المصري، وقبل المصريون هذه القيود متأثرين بتلك الظروف والأحداث، معتقدين أنها موقوتة تزول بزوال الظروف والأحداث. وقد زالت الظروف والأحداث بانتصار الحلفاء وبإنشاء جامعة الأمم المتحدة، واستنفدت الحرب نصوص المعاهدة وأصبح من الطبيعي أن يُعاد النظر في هذه النصوص.

    وقد نوهت المذكرة بمعونة مصر للحلفاء تنويهًا عامًّا غامضًا بريئًا من كل وضوح أو تحديد. ومهما يكن رأيي في هذه المذكرة فلن أستطيع أن أهمل شيئين أظن أن المصريين جميعًا سيقفون عندهما وقوفًا طويلًا.

    الأول: ما جاء في المذكرة من أن مصر تعرف واجبها في الدفاع عن أرضها، وهي لن تتردد في بذل تضحية مهما تكن لتقوية جيشها، بحيث يستطيع أن يثبت للمغير حتى تبلغه نجدات الحلفاء ونجدات الأمم المتحدة.

    في هذا المعنى شيءٌ ظريفٌ حقًّا، هو أن مصر تسجل في طلبها للمفاوضات عجزها عن الدفاع عن أرضها مستقلة بهذا الدفاع. فكل ما تقدر عليه من التضحيات الهائلة التي ستبذلها هو أن تثبت للمغير حتى تأتيها النجدة من حلفائها، ثم من الأمم المتحدة. فمصر تقرر قبل الدخول في أي مفاوضة أنها ستظل محتاجة إلى نجدة الحلفاء. وماذا يطلب الإنجليز أكثر من هذا، وفيما المفاوضة ما دامت مصر معترفة بأنها ستحتاج دائمًا إلى نجدة حلفائها البريطانيين. وإذا كانت هذه الحاجة مقررة معترفًا بها، فقد يستطيع الإنجليز أن يقولوا: لِمَ لا تكون النجدة التي تحتاجون إليها باعترافكم مستقرة في أقرب مكان ممكن بحيث تبلغكم دون أن يطول انتظاركم لها؟ والخير أن تستقر في أرضكم فإن لم يكن بد من أن تستقر خارج أرضكم، فالخير في أن تهيأ لها القواعد التي تستطيع أن تنجدكم منها متى وصلت إليكم. فقد يجب أن تكون في أرضكم قواعد للطائرات، وفي ثغوركم قواعد للسفن، وفي أرضكم أيضًا قواعد يأوي إليها الجيش المنجد. وقد ينبغي أن نكون قادرين على الانتفاع بهذه القواعد في أسرع وقت ممكن، فالحرب لا تحب البطء ولا تعرف الانتظار.

    وكذلك يمهد المفاوض المصري لخصمه البريطاني وسائل الاستمساك بالاحتلال أو بما يشبه الاحتلال. ولو كان الذين كتبوا هذه المذكرة أيقاظًا حين كتبوها؛ لأتاح لهم أيسر الفطنة أن يخلصوا من هذه الجملة التي أريد أن أعتقد أنها كتبت عن خطأ لا عن عمد.

    أمَّا الشيء الثاني، فهو هذه الجملة التي أضيفت إلى المذكرة وكأنها لم تكن منها، وإنما أضيفت إليها على سبيل الاحتياط، وأضيفت إلى آخرها في غير تحفظ، كأنما نسي الذين كتبوا المذكرة شيئًا ثم ذكروه فسُقط في أيديهم وأضافوه على عجل. وهذه الجملة المبهمة الغامضة المقحمة التي وصلت بالمذكرة وصلًا في آخر لحظة هي التي تتعلق بالسودان.

    أمَّا المذكرة البريطانية فائقة في الدهاء السياسي وفي الصراحة التي لا تصرح عن شيء. فهي تنبئ الحكومة المصرية بأنها تلقت مذكرتها، وتعتذر عن الإبطاء في الرد بالظروف الدولية، وبحاجتها إلى الدرس، وهي تسلم بوجهة النظر المصرية فلا تكره أن تبدأ المفاوضات قبل أوانها الذي حددته المعاهدة.

    وكانت الحكومة المصرية قد طلبت أن يشخص وفد مصري إلى لندرة للأخذ في هذه المفاوضات، فأجابتها الحكومة البريطانية بأنها سترسل في وقت قريب تعليمات إلى سفيرها في القاهرة للبدء في محادثات تمهيدية. وإذن، فلن يشخص الوفد إلى لندرة إلَّا بعد أن تمضي المحادثات التمهيدية مع السفير شوطًا بعيدًا؛ ليتبين الفريقان مكان الفائدة من شخوص الوفد إلى لندرة.

    وهذا أول الشرِّ، وإن شئت فقل: هذا أول الرفض. فقد يظهر أن الحكومة البريطانية ترى أن سفر الوفد إلى لندرة ليس من السهولة واليسر، بحيث تظن الحكومة المصرية. فلنتحدث في مصر فإن رأينا الحديث مجديًا أمكن الاستمرار فيه من وراء البحار وإلَّا وقفنا حيث نحن، ولم يتكلف الوفد المصري جهدًا ولا عناءً. وفيمَ نتحدث في القاهرة؟! لقد رسم الرد البريطاني موضوع هذه المحادثات المقبلة، فالحكومة البريطانية ترى قبل كل شيء أن مبادئ المعاهدة الأساسية ما زالت سليمة في جوهرها، على حين يرى المصريون أن هذه المبادئ لم يبقَ لها معنًى بعد انتهاء الحرب وإنشاء جامعة الأمم المتحدة. ومن هذه المبادئ الأساسية مشاركة الإنجليز المصريين في حماية القناة، فالمصريون يرون أن هذا المبدأ لا معنى له بعد انتهاء الحرب، والإنجليز يرون أنه ما زال سليمًا في جوهره. والإنجليز والمصريون جميعًا متفقون على وجوب التعاون بين الدولتين، ولكن الإنجليز يقيمون هذا التعاون على المشاركة بين الندين لحماية مصالحهما. وحكومة العمال تحب المشاركة وتحب الشركة، وتحب كل ما يتصل بالاشتراكية؛ لأنها حكومة اشتراكية فيما يظهر. والعبث بالألفاظ فن من فنون البيان، ولكن المصريين فيما يظهر لا يحبون شركة ولا مشاركة ولا تشاركًا، ولهم في الاشتراكية رأيٌ آخر. ثم ينتهي الرد البريطاني بأن الحكومة البريطانية قد أخذت علمًا بأن مصر ترغب في أن تكون مسألة السودان موضوعًا للمفاوضات.

    وكذلك يقرأ المصريون هاتين المذكرتين فلا يخرجون من قراءتهما بشيءٍ إلَّا الخوف والشك وسوء الظن. ومهما يكن من شيء فقد ينبغي أن يعرف البريطانيون، وأن يعرف المصريون الذين يؤيدون هذا العهد الحاضر أن المحادثات التي ستبتدئ في القاهرة، سيقوم بها عن المصريين قوم، مهما تكن أقدارهم ومهما تكن مكانتهم الرسمية وغير الرسمية، فهم لا يمثلون الشعب ولا ينطقون بلسانه، ولا يعتمدون على تأييده ولا يملكون تقييده بشيء، فهم يستطيعون أن يأخذوا، ولا يستطيعون أن يعطوا. ومن الحق لكل مصري ومن الحق على كل مصري، أن يأخذ لوطنه ما استطاع من المنافع، ولكن ليس لمصري مهما يكن أن يقيد وطنه أو يُعطي من منافعه إلَّا بإذن من هذا الوطن ممثلًا في برلمان صريح يُنتخب انتخابًا حرًّا صريحًا.

  • حقيقتان | Two Truths

    حقيقتان
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٥ أكتوبر ١٩٤٥
    أي الوزيرين يجد، وأي الوزيرين يهزل؟ أيهما ينصح للبرلمان ولا يقول له إلَّا الحق، وأيهما يداور البرلمان ولا يقول له إلَّا ما يحب أن يقول؟ ثم أي الوزيرين يعلِّم صاحبه فن السياسة وأصول التصرف في الشئون الخارجية: أهو رئيس وزراء مصر النقراشي باشا، أم هو وزير الخارجية البريطاني المستر بيفن؟ فليس من شك في أن المصريين حائرون بين هذين الوزيرين الخطيرين؛ أحدهما لا يريد أن يقول للبرلمان المصري شيئًا، والآخر لا يريد أن يخفي على البرلمان البريطاني شيئًا، وكلاهما مستمتع بثقة البرلمان، وكلاهما يفرض فيه أنه يقدم للبرلمان أخلص النصح، ويواجهه بالحق الصريح الذي لا مراء فيه.
    أيمكن أن يكون سخيفًا كل السخف، وباطلًا كل البطلان هذا الأصل الفلسفي الخلقي الذي اتفق الناس عليه منذ عرفوا التفكير، وهو أن الحق واحد لا يتعدد، وأن يكون التطور الحديث قد أثبت صدق ما كان يقال في فرنسا، وهو أن هناك حقين تفصل بينهما جبال البرانس التي تفصل بين فرنسا وأسبانيا؟ أيمكن أن يكون هناك حق مصري ليس فيه شك، وحق بريطاني ليس فيه شك، وأن هذين الحقين لا يلتقيان الآن، وإنما يذهب كل منهما في جهة مضادة للجهة التي يذهب فيها صاحبه، وإنما قد يلتقيان غدًا أو بعد غدٍ، وفي يوم من الأيام قريب أو بعيد؟
    والمصريون يعلمون أن لهم مطالب يقومون بها ويقعدون، وأنهم قد ألحوا على حكومتهم في أن تفاوض البريطانيين في تحقيق هذه المطالب، وهم يعلمون أن رئيس حكومتهم قد صرَّح أمام البرلمان بأنه وزملاءه يؤمنون بحقوق مصر، وينهضون بأعباء هذه الحقوق، ولا يقصرون في انتهاز الفرص لبلوغها. والمصريون يعلمون أنهم قد اختلفوا في فهم هذا التصريح وتفسيره، فقال أكثرهم: إن رئيس الوزراء لم يصنع شيئًا، وإنما هو يعلل الشعب بالأماني والآمال كما يُعلَّل الأطفال بما يُقدَّم إليهم من اللعب والوعود، وقال أقلهم: إن رئيس الوزراء صنع كل شيء، وسيصنع أكثر من كل شيء، ولكنه رجل سياسة وكياسة، ورجل حزم وعزم، ورجل حذر واحتياط، لا يقول إلَّا حين يحسن القول، فهو رجل يؤثر الذهب على الفضة، والذهب بالطبع هو الصمت، والفضة بالطبع هي الكلام.
    واتصل الخلاف بين الكثرة التي تشك فيما صنع رئيس الوزراء، والقلة التي تؤمن بما صنع رئيس الوزراء، ثم قال أحد الوزراء لإحدى الصحف: إن الوزارة قد صنعت شيئًا، وقال وزير آخر لصحيفة أخرى: إن الوزارة لم تصنع شيئًا. وأراد رئيس الوزارة أن يحسم هذا الخلاف، فاجتمع له الصحفيون، وأرهفوا آذانهم، وأعدوا أقلامهم، واستعدوا للاستماع والتسجيل، وتكلم رئيس الوزراء، ولكنه لم يقل شيئًا، وانصرف الصحفيون عنه كما أقبلوا عليه تمتلئ قلوبهم شكًّا، ونفوسهم ريبًا، وعقولهم اختلاطًا.
    ثم اشتد النقد لرئيس الوزراء من أصدقائه قبل خصومه، ورأى رئيس الوزراء — وهو صاحب الرأي الفصل دائمًا — أن يجلو الغموض، ويمحو اللبس، ويزيل القلق؛ فجمع هيئته السياسية، وجمع بعد ذلك مجلس الوزراء، وأذاع في الناس أن الهيئة السياسية قررت، ووافق مجلس الوزراء على ما قررت، وهو أن هذا الوقت أشد الأوقات ملاءمة للمفاوضة في تحقيق المطالب المصرية عند الإنجليز.
    وهنا اشتد الخلاف بين المصريين مرة أخرى، فقال أكثرهم: إن هذا كلام يقال لمصر دون أن يبلَّغ إلى الإنجليز، وقال أقلهم: إن هذا كلام يقال لمصر وللإنجليز معًا، يُراد به أن تطمئن مصر إلى أن الحكومة محتملة للأمانة على أحسن وجه، ويُراد به دعوة الإنجليز لا إلى فتح باب المفاوضات، بل إلى الدخول من هذا الباب. ثم جعلت الصحف تزعم مرة أن قرار الهيئة السياسية ومجلس الوزراء قد أُبلِغ إلى الإنجليز، وتزعم مرة أخرى أنه لم يبلغ، وجعل بعضها يقول: إن البريطانيين قد ردُّوا على هذا الإبلاغ، وبعضها يقول: إنهم لم يردُّوا عليه.
    واجتمع البرلمان في دورته الاستثنائية، وتحدث إليه رئيس الوزراء فلم يقل شيئًا، وانفض البرلمان راضيًا أو ساخطًا أو مضطربًا بين الرضا والسخط. ولكن رئيس الوزراء ظل — كعهد الناس به — صاحب سياسة وكياسة، وحزم وعزم، ومؤثرًا للذهب الذي هو الصمت، على الفضة التي هي الكلام.
    ثم جعلت الصحف تختلف من جديد، فقال بعضها: إن البريطانيين قد ردُّوا بأنهم لن يفاوضوا إلَّا حكومة تمثل الشعب، وليس يعنيهم كيف تؤلف هذه الحكومة، فذلك شأن من شئون مصر المستقلة، وقال بعضها الآخر: إن البريطانيين قد ردُّوا بأنهم سيفاوضون الحكومة القائمة، وسيفاوضونها في قصر الزعفران متى عاد السفير البريطاني إلى مصر في أثناء الشهر المقبل.
    وبينما المصريون يختلفون، ويجادل بعضهم بعضًا، ويقف أصحاب الأناة والحزم منهم موقف الانتظار والمراقبة والخوف على المستقبل؛ تكلم وزير الخارجية البريطانية. وهنا ينتهي الحق المصري ويبدأ الحق البريطاني، وبين الحقين اختلاف شديد. اختلاف في الشكل أولًا: فالحق المصري كما رأيته ملتوٍ شديد الالتواء، متعرج شديد التعريج، لا يكاد الإنسان يقبل منه على وجه حتى يصرف عنه إلى وجه آخر، أمَّا الحق البريطاني فيسير سهل مستقيم لا عوج فيه ولا التواء.
    تكلم وزير الخارجية البريطانية في الثاني والعشرين من شهر أغسطس الماضي، فقال: إنه اطلع على الملاحظات التي أبداها رئيس الوزارة المصرية أمام البرلمان المصري، وأن حكومته ستدرس المسائل المصرية بروح من الود وتقدير المصالح المتبادلة في الوقت الملائم. وانتهى شهر أغسطس، وجاء شهر سبتمبر وانتهى، وجاء شهر أكتوبر وكاد ينتهي. وفي أثناء هذا الوقت الطويل كان الحق المصري يلتوي فيحسن الالتواء، ويعوجُّ فيحسن الاعوجاج، ويلعب بنفسه وبالمصريين كما يلعب المهرجون على الحبال. على حين ظل الحق البريطاني في مكانه ثابتًا لا يلتفت إلى يمين ولا إلى شمال، لا يلتوي ولا ينزوي، لا يقدم ولا يحجم، لا يرتفع ولا ينخفض، وإنما هو قطعة من الصخر قد استقرت ولا تريد أن تزول؛ فقد تكلم وزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم أمس فقال: إنه لا يستطيع أن يزيد شيئًا على ما قاله في اليوم الثاني والعشرين من شهر أغسطس، أي إنه اطلع على ملاحظات رئيس الوزارة المصرية، وسيدرس الأمر المصري البريطاني في الوقت الملائم بروح من الود وتقدير المصالح المتبادلة.
    وكان وزير الخارجية البريطانية قد سُئل عما يمكن أن تكون مصر قد طلبته بشأن السودان، فقال بلفظ صريح: إنه لم يتلقَّ طلبًا ما بشأن السودان، وإنه لا يحب ولا ينصح بإثارة هذه المسألة الآن. وهذا هو كل الحق البريطاني، وهو كما ترى بسيط، لم تتلق الحكومة البريطانية من الحكومة المصرية شيئًا، ولا تريد أن تثير مسألة السودان، وإذا جاء الوقت الملائم فستدرس ما بين مصر وبريطانيا العظمى بروح من الود وتقدير المصالح المتبادلة. أي شيءٍ أبسط وأيسر وأصرح من هذا؟ وأي شيءٍ أجدر أن يسوء المصريين، ويملأ قلوبهم حسرةً وألمًا، ونفوسهم حنقًا وغيظًا من هذا الحق الإنجليزي البسيط؟
    لم تتلق الحكومة البريطانية من الحكومة المصرية شيئًا إلى الآن بشأن السودان، وليس لدى وزير الخارجية البريطانية شيءٌ يزيده على تصريحه في الثاني والعشرين من شهر أغسطس. فاجتماع الهيئة السياسية، وقرارها وموافقة الوزراء على هذا القرار، وما كان من مناقشات في الدورة الاستثنائية للبرلمان، كل ذلك لم يعط وزير الخارجية البريطانية شيئًا يضيفه إلى ما صرح به في الثاني والعشرين من شهر أغسطس. لماذا؟ لأن وزير الخارجية البريطانية لم يتلق شيئًا من الحكومة المصرية.
    وللمصريين أن يقولوا ويعملوا في بلادهم ما يشاءون، فذلك لا يعني وزير الخارجية البريطانية من قريب أو بعيد ما دام لم يُرسَل إليه، وما دامت الحكومة المصرية لم تطلب إليه شيئًا، والشيء الوحيد الذي يهم وزير الخارجية البريطانية هو أن تظل المسائل المصرية نائمة لا يحب هو أن يوقظها، ولا ينصح للنواب البريطانيين بأن يوقظوها. ذلك أجدر أن يريح الحكومة البريطانية من عناء الأخذ والرد، ويتيح لها الفراغ للمشكلات الأخرى المعقدة في أوروبا وفي غير أوروبا.
    وإذن، فأي الحقيقتين نصدق: الحقيقة المصرية التي تتخذ في كل يوم ثوبًا جديدًا، وزينةً جديدةً، وتتبرج تبرج الجاهلية الأولى في بلدٍ يعاب فيه التبرج، أم الحقيقة البريطانية البسيطة الساذجة الصارمة التي تثير الغيظ، وتشيع الحقد، وتملأ النفوس حسرةً وألمًا؟!
    طلبت الحكومة المصرية إلى الحكومة البريطانية شيئًا أم لم تطلب؟ يقول بعض المصريين: نعم، ويقول بعضهم: لا، ويقول بعضهم: لا ندري، ويأبى رئيس الوزارة أن يقول شيئًا صريحًا، ويقول وزير الخارجية البريطانية، المستر بيفن، لمجلس العموم البريطاني في لندرة في الرابع والعشرين من شهر أكتوبر: إنه لم يتلقَّ من الحكومة المصرية شيئًا بشأن السودان، ولا يريد أن تُثار هذه المسألة، ولا ينصح بإثارتها، وأنه ليس لديه ما يزيده على ما قاله لمجلس العموم في الثاني والعشرين من شهر أغسطس.
    هاتان هما الحقيقتان: حقيقة مصرية ملتوية لعوب تطمع حينًا، وتؤنس حينًا، ترضى مرة، وتسخط مرة أخرى، وحقيقة بريطانية صارمة كريهة لا تكاد الأبصار ترتفع إليها حتى ترتد عنها مغيظة محنقة وقانطة يائسة. ألم يأنِ لرئيس الوزراء في مصر أن يصطنع الجد مرة كما يصطنعه وزير الخارجية البريطانية دائمًا؟! ألم يأنِ لرئيس الوزراء أن يصارح الأمة المصرية بالحقيقة الواضحة الجلية التي لا تتبرج ولا تتبهرج ولا تلعب بالعقول؟! ألم يأن لرئيس الوزراء أن يعلم أن الشعب المصري قد ذاق الآلام وذاقها حتى أصبح ألمًا كله، وأن الشعب المصري قد خضع للمحن، وثبت للخطوب، وتعوَّد أن يواجه المصاعب، ويصبر على المصائب، ولا يجزع من الكوارث، ولا يفزع من الحادثات؟
    يجب أن يعلم رئيس الوزراء أن الشعب المصري شجاع يستطيع أن يلقى الحقيقة وإن كانت بشعة المنظر، كريهة المظهر، مُرَّة المذاق، فليقل له هذه الحقيقة إذن، وليعرضها عليه كما هي في غير تكلف للباقة، ولا لرشاقة، ولا لهذه الفتنة الكاذبة. لن نصدق مهما يقل رئيس الوزراء وأنصاره أن وزير الخارجية البريطانية قد خدع البرلمان البريطاني أو كذب عليه حين أعلن إليه أنه لم يتلقَّ من الحكومة المصرية شيئًا. وإذن فحكومة لم تصنع إلى الآن شيئًا، وإذن فكل ما قيل لغو من اللغو، وباطل من الباطل، وكلام يعلل به الشعب كما يعلل الأطفال بالوعود والآمال.
    ولكن الشعب المصري ليس طفلًا، ولا يريد أن يكون طفلًا، ويوشك وزير الخارجية البريطانية أن يكون أحسن ظنًّا بالشعب المصري، وأصدق رأيًا فيه من صاحب الدولة النقراشي باشا. فوزير الخارجية البريطانية يعلم حق العلم أن تصريحه في البرلمان البريطاني سيذاع في أقطار الأرض، وسيقرؤه الشعب المصري فلا يفزع، ولا يهلع، ولا يضعف في الاستمساك بالحق والمطالبة به.
    وزير الخارجية البريطانية لا يتردد في مصارحة المصريين بالحقيقة الواضحة، ورئيس الوزارة المصرية لا يجرؤ على مصارحة المصريين بهذه الحقيقة الواضحة، لماذا؟ لأن أحدهما هو المستر بيفن المطمئن إلى نفسه، وإلى برلمانه، وإلى شعبه، ولأن الآخر هو حضرة صاحب الدولة، محمود فهمي النقراشي باشا، الذي لا يطمئن إلى أحد، ولا إلى شيء، والذي يخشى أن تزول الأرض تحت قدميه — أستغفر الله — بل تحت كرسيه في ديوان الرياسة، إن صارح الشعب المصري بأنه لم يطلب إلى البريطانيين شيئًا بشأن حقوق مصر والسودان.

  • مخالفات | Transgressions

    مخالفات

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٩ أغسطس ١٩٤٥

    رحم الله زيادًا، لقد أقبل على العراق تتسبقه النذر، وكان صاحب حزم وعزم ومضاء وتصميم، وكان يريد أن يصلح الفاسد ويُقوِّم المعوج، وأن يمحو الفوضى ويقر النظام، وكان يرى أن أهل العراق قد أحدثوا أحداثًا لم تكن، وأن من الحق عليه أن يُحْدِث لكل ذنب عقوبة، وكان يرى أن آخر أمر الحكم بين المسلمين لا يصلح إلا بما صلح به أوله؛ لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف.

    ولم يكن للعراق ولا لغيره من أمصار الإسلام وأقطاره في تلك الأيام برلمان يُسأَل أمامه الوزراء عمَّا يقولون ويعملون، ولكنه مع ذلك خطب الناس خطبته المشهورة، فقال لهم فيما قال: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.»

    أباح زياد الطاغية أن يعصوه ويخالفوا عن أمره، إن أثبتوا عليه أنه قال لهم على المنبر غير الحق، أو أنه ينفذ فيهم الأمر على غير ما رسم لهم وأباح لهم أن يعصوه ويخالفوا أمره، وألا يصدقوه فيما يعلن إليهم من الأمر بعد ذلك؛ لأنه إن كذب عليهم مرة، فهو خليق أن يكذب عليهم مرة أخرى، أو مرات أخرى، ولم يكن لأهل العراق ولا لغيرهم من المسلمين دستور مكتوب يبيح للنواب أن يقولوا لأمرائهم أنهم قد أخطئوا، أو أنهم قد خالفوا ما لا ينبغي أن يُخالَف من النظام والقانون، ويبيح للنواب والشيوخ أن يحاسبوا حكامهم حسابًا يسيرًا أو عسيرًا، وأن ينزلوهم عن مناصب الحكم إن أجروا أمور المسلمين على غير ما ينبغي أن تجري عليه.

    ويُخيَّل إليَّ أن في مصر دستورًا مكتوبًا منشورًا مقررًا يفرض على النوَّاب والشيوخ أن يراقبوا الوزراء ويحاسبوهم، ويبيِّنوا لهم حدود هذه المراقبة والمحاسبة، ويبيح للنواب أن ينزلوا الوزراء عن مناصب الحكم إن انحرفوا بالأمر عن الجادة، وساروا في الحكم سيرة تخالف ما رسم الدستور والقانون من الحدود. وليس منبر مجلس النوَّاب ومنبر مجلس الشيوخ بأهون شأنًا من منبر البصرة الذي تحدث منه زياد إلى أهل العراق؛ فلم يكن لأهل العراق أن يعزلوا زيادًا أو أن يخاصموه، وإنما كان عليهم أن يسمعوا له إذا قال ويطيعوه إذا أمر، أمَّا مجلس النوَّاب عندنا فيستطيع أن يقول للوزير المخطئ: أخطأت. ويستطيع أن يرد الوزير عن منصب الحكم ردًّا.

    ويُخيَّل إليَّ أن هذا العهد السعيد الذي يظلنا، إنما اسْتُؤْنِف فيما تزعم الأحزاب المؤتلفة؛ ليصلح أمورًا كانت هذه الأحزاب تراها معوجة، وينفذ الدستور نفاذًا صحيحًا لا يلتوون بنصه ولا يلتوون بروحه؛ لأن الذين سبقوهم إلى الحكم كانوا فيما زعموا يلتوون بالدستور عن طريقه المستقيمة، ويكلفونه ما لا يطيق من التأويل والتعليل.

    ومعنى هذا كله أن وزراء هذا العهد أقبلوا ليحترموا الدستور في نصه وروحه، وفي لفظه ومعناه، وليسيروا في تنفيذه واحترامه سيرة حنبلية لا تحتمل لبسًا ولا غموضًا، ولا تتعرض لمراء ولا جدال.

    يُخيَّل إليَّ هذا كله، ويُخيَّل هذا كله إلى كثير من الناس، ولكن التخييل شيء والتحقيق شيء آخر، كما أن القول شيء والعمل شيء آخر، وكما أن الوعد شيء والبر بالوعد شيء آخر، ولو أنصف الذين ينهضون فينا بأمور الحكم في هذا العهد وفي غيره من العهود لكتبوا هذه الكلمة الخالدة التي قالها زياد: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.»

    لو أنصف الوزراءُ — مهما يكونوا — أَنْفُسَهم وأنصفوا الشعب؛ لكتبوا هذه الكلمة الخالدة في قلوبهم أولًا، وفي مكاتبهم ثانيًا، وفي مجلس النوَّاب ومجلس الشيوخ ثالثًا، ولعرفوا وعرف الناس أن من الحق عليهم إذا تكلموا من منبر البرلمان أن يقولوا الحق وحده، وإذا وعدوا من منبر البرلمان أن يبروا بالوعد، فإن قالوا للبرلمان شيئًا، وساروا خارج البرلمان بغير ما يقولون، فمن حق الناس ألا يسمعوا لهم وألَّا يطيعوهم، ومن حق الناس ألَّا يطمئنوا إليهم، وألَّا يثقوا بهم، وألَّا يصدقوهم. وهل يستطيع وزراؤنا أن يؤكدوا لنا مطمئنين أنهم قد بروا بما وعدوا، وصدقوا الأمة والبرلمان ما قالوا، وأنفذوا الدستور في نصه وروحه، لم يحرفوه عن موضعه، ولم يلتووا به عن طريقه.

    وهل يستطيع وزراؤنا أن يؤكدوا لنا أنهم أنفذوا أمر البرلمان الذي يفرض عليهم الدستور أن ينفذوا أمره، وأنهم بروا بوعودهم للبرلمان الذي يفرض الدستور أن يبروا له بالوعود. وهل يستطيع شيوخنا ونوابنا أن يؤكدوا لنا أنهم قد راقبوا الوزراء وحاسبوهم كما يريد الدستور أن يُراقَب الوزراء ويُحاسَبوا؟! هذه الأسئلة التي يجب أن يلقيها كل مصري على نفسه، والتي يلقيها المصريون بالفعل على أنفسهم ليعرفوا أتقوم أمورنا في مصر على الديمقراطية الصحيحة أم على الديمقراطية المتكلفة؟! أتجري أمورنا في مصر على الاحترام الصادق أم على الاحترام المصنوع؟!

    لقد وعد المغفور له أحمد ماهر باشا بأنه سيسعى لينظم الأمور بيننا وبين الإنجليز قبل أن تبدأ المفاوضات في سان فرانسيسكو. فلما كانت الكارثة، ونهض رئيس وزرائنا القائم بالأمر بعده، وعد بأنه سينفذ خطته، ويسير سيرته، ويمضي سياسته كما رسمها. ولكن وفدنا سافر إلى سان فرانسيسكو، وأقام فيها، وأمضى ميثاقها، وعاد منها وهو الآن بيننا سعيدًا موفورًا، ولم نعلم أن رئيس وزرائنا قد أنفذ خطة سلفه رحمه الله، بل نحن نعلم أنه لم يطلب المفاوضة، ولم يَسْعَ إليها، وإنما هو ينتظرها ولن يتردد في قبولها إن عُرِضَتْ عليه، فهو إذن قد وعد البرلمان، ثم لم يَفِ بالوعد، ورحم الله زيادًا فما أجدر كلمته أن تكون دستورًا للوزراء!

    وأقبل رئيس الوزراء ذات يوم على البرلمان فأنبأه مبتهجًا مسرورًا ومفاخرًا مكاثرًا بأنه قد خطا خطوة حسنة في طريق إلغاء الأحكام العرفية، فرد إلى الناس حريتهم في الكتابة، والخطابة، والانتقال، والاجتماع. وقد ارتاب المرتابون يومئذ، وطلبوا إليه أن يستصدر مرسومًا يسجل به رد هذه الحريات، ولكن الناس عاتبوهم وبينوا لهم أن هذا إسراف في سوء الظن، وأن رئيس الوزراء رجل إذا قال فعل وإذا وعد وفَّى، ثم لم يَمْضِ شهر أو أقل من شهر حتى مُنِعَ الانتقال، ومُنِعَ الاجتماع، ومُنِعَت الخطابة، ومُنِعَت الكتابة بأمر عسكري أمضاه رئيس الوزراء.

    وأقبل وزير المعارف ذات يوم على مجلس النوَّاب، فتحدث في سياسة التعليم، وأعلن أنه لن ينفذ سياسته الجديدة حتى يعرضها على المجلس الأعلى ويظفر منه بإقرارها، وحتى يعرضها على مجلسي البرلمان ويظفر منه بإقرارها، ثم انصرف وزير المعارف عن البرلمان وأخذ في تغيير سياسة التعليم، وقلبها رأسًا على عقب، والبرلمان منعقد لم ينفضَّ ولم ينقضِ كما يقول حكيمنا العظيم، ولم يَنْسَ وزير المعارف إلا شيئين اثنين؛ أحدهما: أن للتعليم سياسة قائمة قد أقرها برلمان شرعي، وأقرها في مجلسيه، فلا ينبغي أن تُغيَّر إلا بقرار من البرلمان، الثاني: أنه هو نفسه وعد البرلمان القائم بألا يُغيِّر سياسة التعليم حتى يظفر بموافقته. نسي هذين الأمرين، وهو مع ذلك عضو في وزارة جاءت لتصلح الفاسد، وتقوم المعوج، وتنفذ الدستور نصه وروحه إنفاذًا صحيحًا.

    بل نسي أكثر من هذا، نسي أن للتعليم قوانين قائمة لا يجوز أن تُغيَّر إلا بقوانين تنسخها وتقوم مقامها، ولكنه مع ذلك يُغيِّر سياسة التعليم غير حافل بقرار البرلمان السابق، ولا آبهٍ بوعده للبرلمان القائم، ولا متحرج من تحميل القوانين القائمة ما لا تطيق، وأنا أعلم أنه لن يعدم تأويلًا يفسر به موقفه، يلتمسه هو في فقهه هو بالقانون، ويلتمسه في فقه أقلام القضايا بالقانون، ولكني أعلم أيضًا أن للفقهاء حِيَلًا فقهية يعلم وزير المعارف من براعتها ورشاقتها أكثر مما أعلم، ويعلم وزير المعارف أن الناس يلجئون إليها حين يضيقون بنص القانون وروحه، وقد جاءت الوزارة الحاضرة فيما تزعم لتنقذ الدستور نصًّا وروحًا في غير عوج ولا التواء.

    وقرر مجلس النوَّاب ألَّا تعرض الصحف من قريب أو من بعيد فيما تدرسه لجنة التحقيق، ولكن وزير المالية قد ترك لصحيفته أن تخالف في صراحة، واستمرار، وتحدٍّ عن أمر مجلس النوَّاب؛ لأنه جاء فيمن جاء ليحترم الدستور، ولِيُعلِّم الناس احترام الدستور.

    وكذلك يتنافس الوزراء في احترام الدستور على هذا النحو البديع ليصدقوا ما قال أبو العلاء:

    إذا كان رب البيت بالدف مولعًا فشيمة أهل البيت كلهم الرقص

    ورب البيت هنا هو رئيس الوزراء الذي قال ولم يفعل، ووعد ولم يَفِ بالوعد.

    على أن هناك نوعًا آخر من احترام الدستور بأسلوب بديع في نصه وروحه، وفي لفظه ومعناه. فقد يُقال إن الاستجواب هو الطريقة التي نظمها الدستور لمحاسبة الوزراء، والاستجواب ينتهي عادة بإبراء ذمة الوزير، واحتفاظه بثقة المجلس الذي يُستجوَب فيه، أو بفقدان الوزير هذه الثقة واستقالته إن كان الاستجواب في مجلس النوَّاب، وقبوله للوم أو استقالته إن أراد حين يكون الاستجواب في مجلس الشيوخ.

    والمصريون جميعًا يعلمون أن استجوابات قُدِّمَتْ إلى مجلس النوَّاب فأُرْجِئَتْ وأُرْجِئَتْ، وانفضَّ مجلس النوَّاب أو انقض دون أن تُنظَر هذه الاستجوابات، أي دون أن يتمكن النوَّاب من محاسبة الوزراء. والمصريون جميعًا يعلمون أن استجوابًا قُدِّم إلى مجلس الشيوخ ونُوقِش فيه، ثم انفض مجلس الشيوخ أو انقض، ولم يعرف أحد رأي المجلس في هذا الاستجواب.

    أليس هذا كله احترامًا بديعًا للدستور؟!

    أليس هذا كله تنفيذًا للدستور بنصه وروحه في غير عوج ولا التواء؟!

    أليس هذا كله دليلًا على أن الديمقراطية التي تظلنا في هذا العهد ناصعة كالثلج، شفافة كالزجاج، وقد كدت أقول أنها رخوة كالزجاج أيضًا، ولكن أستغفر الله وأبرأ إليه من هذا الخاطر الذي هم الشيطان أن يلقيه في روعي فرددته به ردًّا عنيفًا.

    فديمقراطيتنا نقية كضوء الشمس، صافية كصفو السماء في أحسن أيام الاعتدال، صلبة كجبل المقطم، رائعة كجلال الأهرام. تنبئ الناس جميعًا في مصر وفي خارج مصر بأن ليس في الإمكان أبدع مما كان، وبأننا نُحكَم على أحسن أسلوب يمكن أن تُحكَم به الشعوب، يقول وزراؤنا فيفعلون، ويعدون فيبرون، ويأمرهم البرلمان فيطيعون؛ فهم حماة الدستور، وهم حفظة القانون، وهم آخر من يصح أن نفكر فيه إذا ذكرنا قول زياد: «إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة، فقد حلَّت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها فيَّ، واعلموا أن عندي أمثالها.»

  • دكتاتورية | Dictatorship

    دكتاتورية

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٨ يونيو ١٩٤٥

    نريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء ليس راضيًا، ولا يمكن أن يرضى عن هذه التصرفات الخطيرة التي تضاف إلى بعض زملائه، والتي تحقق النيابة في بعضها مع الصحف.

    فإن لنا في رئيس الوزراء رأيًا لم تغيره الحوادث بعد، ونرجو ألَّا تغيره، وهو أنه يكره أشدَّ الكره ما يَشِين نزاهة الحكم قليلًا أو كثيرًا.

    ونريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء يعلم حق العلم أن بعض هذه المسائل التي تحقق فيها النيابة إذا نسبت إلى موظف كبير أو صغير؛ كان وقف هذا الموظف عن العمل حتى يتم التحقيق أول ما يجب على الوزير المسئول أن يعمله. فإذا نُسبت هذه المسائل إلى الوزير نفسه فليس وقف الوزراء عن أعمالهم ممكنًا؛ لأنه يعطل السلطان العام، وليس استمرار الوزير في عمله معقولًا؛ لأنه يعرض سمعة الحكم للخطر، ويعرض التحقيق نفسه للخطر أيضًا. وإذن فلا سبيل إلى الاحتفاظ بسمعة الحكم من جهة وتحقيق العدالة من جهة أخرى إلَّا أن يستقيل الوزير أو يُقال.

    نريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء يعلم هذا كله حقَّ العلم، ويؤمن به فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الله أشدَّ الإيمان.

    ولكن نرى رئيس الوزراء يصرح للصحفيين بأن الأمور تجري في طريقها المألوفة، وأن الوزارة متضامنة منسجمة. وإذن فلا مَحِيدَ عن إحدى اثنتين: إمَّا أن يكون رئيس الوزراء قد تغيَّر تغيُّرًا كاملًا وغيَّر آراءه في سمعة الحكم وتحقيق العدل، وهذا بعيد كل البعد. فالنقراشي باشا مبرَّأ والحمد لله من هذه المرونة الخطرة، ومن الاستعداد لهذا القول المريب. وإمَّا أن يكون عاجزًا عن إجراء الأمور كما يجب أن تُجرى، وإخراج الذين تحوم حولهم الشكوك من وزارته عجزًا مؤقتًا أو متصلًا، وهذا هو الذي نميل إليه. وإذن فهناك ظروف قاهرة تعلق سلطة رئيس الوزراء وتمنعه من أن يؤلف وزارته كما يجب أن تكون.

    والناس جميعًا يعلمون أن مجلس النوَّاب القائم قد اتخذ قرارًا بمنع الصحف والنوَّاب أنفسهم من الخوض العلني في التقرير الذي يُعرض الآن على لجنة التحقيق في أعمال الوزارة الوفدية السابقة. والناس جميعًا يعلمون أن هذا القرار الذي اتخذه مجلس النوَّاب قد احترمته صحف المعارضة والصحف المستقلة، واحترمه نوَّاب الأحزاب المؤتلفة والنوَّاب المستقلون، ورفض احترامه فريق بعينه هو فريق الكتلة. فلم يحترمه رئيس هذا الحزب الذي طبع التقرير وأخذ يذيعه باليمين وبالشمال في مصر وفي خارج مصر. ولم تحترمه صحيفة الكتلة التي أخذت تتحدث عنه أحاديث مفصلة، وتنشر منه أجزاءً مطولة. ولم يصنع مجلس النواب شيئًا ليفرض على رئيس الكتلة وزملائه وصحيفته احترام هذا القرار.

    فإمَّا أن يكون مجلس النواب راضيًا عن هذا التصرف، وإذن فلم يكن في حاجة إلى أن يتخذ ذلك القرار. وإذن من الحق عليه أن يعلن ذلك ليستطيع الناس أن يخوضوا في هذا الحديث كما يخوض فيه فريق الكتلة، وليستطيع المعارضون أن يردُّوا على ما ينشر في صحيفة الكتلة ردًّا صريحًا حرًّا، سواءٌ استقامت لذلك أمور التحقيق أم لم تستقم. وإمَّا أن يكون مجلس النواب عاجزًا عن أن يردَّ رئيس الكتلة وزملاءه وصحيفته إلى الحدود الدستورية الصحيحة؛ وإذن فالسلطة التشريعية معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين، كما أن سلطة رئيس الوزراء معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض الوزراء.

    والناس جميعًا يعلمون أن النيابة قد أصدرت أمرها في الشهر الماضي بمنع الخوض في شئون التحقيق الذي أجرته لجنة وزارية يرأسها رئيس الكتلة، والذي يُعرض الآن على مجلس النواب. وقد احترمت الصحف المعارضة والصحف المستقلة أمرَ النيابة الذي يجب احترامه بحكم القانون، وأبتْ صحيفة الكتلة أن تحترم هذا الأمر، فخاضت فيه كما شاء لها الهوى.

    وإذن فإذا كانت النيابة راضية عن تصرف الكتلة، فيجب إذن أن تُبيح هذا التصرف نفسه للصحف الأخرى. ولا نفهم أن تكون النيابة عاجزة عن أخذ الكتلة باحترام القانون والخضوع لما يخضع له المصريون من النظام؛ لأن هذا معناه أن السلطة القضائية معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين. وإذا علقت اختصاصات السلطة التنفيذية واختصاصات السلطة التشريعية واختصاصات السلطة القضائية كلها أو بعضها في بلدٍ من البلاد؛ فإن لهذا التعليق اسمًا معروفًا مشهورًا لا تحبه الديمقراطية ولا ترضاه، وقد حاربته دول الحلفاء ومنها مصر حتى سحقته سحقًا ومحقته محقًا، وهذا الاسم هو الدكتاتورية.

    فأحكام الدستور والقوانين العامة تعلنها الأحكام العرفية أحيانًا، ويقوم الحاكم العسكري العام على تنفيذ هذه الأحكام، ولكننا رأينا أن سلطة الحاكم العسكري نفسه معلقة، فهو لا يستطيع أن يتخلَّص من بعض زملائه، وهو لا يستطيع أن يحمل زملاءه وبعض صحفهم على احترام القانون. وإذن فالدستور والقوانين العامة معلقة في مصر مرتين: معلقة بالأحكام العرفية، وهذا تعليق شرعي نبغضه، ونود أن نخلص منه، ولكنه تعليق شرعي على كل حال، ومعلقة بهذه الظروف التي تهدر السلطات الثلاث في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين. فما عسى أن تكون هذه الظروف الخفية التي أنشأت في مصر نظامًا دكتاتوريًّا يعيش جنبًا لجنب مع النظام الديموقراطي الشرعي ويتحيَّف هذا النظام شيئًا فشيئًا، ويأكله قليلًا قليلًا من يومٍ إلى يومٍ؟ ومن عسى أن يكون هذا الدكتاتور الذي فرضته هذه الظروف الخفية على مصر، ففرض هو إرادته على الذين يمثلون السلطات الثلاث؟

    يقول الناس إن هذه الظروف الخفية ليست إلَّا الائتلاف الذي تقوم عليه الوزارة؛ لأن استمتاع رئيس الوزراء بحقه الدستوري الكامل الذي يمكنه من أن يُخرِج من وزارته من تحوم حوله الريب والشكوك؛ هذا الاستمتاع يعرِّض الائتلاف الوزاري للتصدع، وإذا تصدَّع الائتلاف انهارت الأمور القائمة كلها انهيارًا. فمصر إذن مخيَّرة بين أن تصبر على تعليق السلطات الثلاث وعصيان أمر مجلس النواب جهرة، وعصيان أمر النيابة جهرة، وضياع الشعور باحترام السلطات والقانون ليبقى لهذا الائتلاف ويستطيع الوزراء أن يحكموا والنواب أن يشرِّعوا، وبين أن تأبى هذا الصبر وتحرص على الدستور والقانون واحترام النظام، فيتصدع الائتلاف وتسقط الوزارة وينحل مجلس النوَّاب.

    مصر مخيَّرة بين هاتين الخصلتين، ومن المحقق أنها تختار الخصلة الثانية لو أن لرأيها وزنًا، ولكن رأيها نفسه معلق في هذه الأيام كما أن السلطات الثلاث معلقة في هذه الأيام أيضًا.

    فإلى أن يتيح الله لمصر ذلك اليوم الذي تصبح فيه كلمتها هي العليا، يمكن أن نظنَّ أن نقترح على رئيس الوزراء رأيًا أقلَّ ما يوصف به أن يستر هذا الإخلال الخطير بالنظام الديموقراطي في مصر، ويجعل لمصر حكومة ذات رأسٍ واحدٍ لا ذات رأسين. وهذا الرأي بسيطٌ جدًّا، يطالب به السعديون أنفسهم، وهو أن يسترد رئيس الوزراء حقَّه في تأليف وزارته كما يجب أن تكون، وفي أن يبسط سلطان القانون والدستور على المصريين جميعًا من غير تفريق، وفي أن يمكَّن مجلس النوَّاب من أن تكون قراراته محترمة. وكل هذا لا يكلف رئيس الوزراء إلَّا أن يكون كعهد الناس به، رجلًا جازمًا حازمًا صارمًا، لا يخشى في سبيل رأيه لوم اللائمين، ولا يصطنع في تنفيذ هذا الرأي مرونةً ولا لينًا.

    إن له الكثرة في مجلس النواب، فليستقل حزبه بالحكم إذن ليعرف كيف يحمل التبعات، وكيف يواجه المصاعب، وكيف ينفذ من المشكلات، وليحتمل أوزاره دون أن يحتمل معها أوزارًا أخرى. وإذا لم يكن بد من الائتلاف، فليأتلف مع المسالمين الذين لا يجهلون قدر أنفسهم، ولا يطمحون إلى التسلط ولا يطمعون في غير الحكم، والخير له أن ينفرد حزبه بالحكم؛ فإن لرئيس الوزراء وزملائه السعديين مزاجًا خاصًّا ينفر من الائتلاف وينفر منه الائتلاف.

    ومن الحق أن أخذ رئيس الوزراء بهذا الرأي سيفتح عليه أبوابًا خطيرة من المداورات والمناورات والمشاغبات لا حدَّ لها، فسيعارضه حزب الكتلة لا معارضة الصديق، فليس لحزب الكتلة صديق، وستضاف هذه المعارضة المعادية إلى المعارضة الشعبية القاسية التي يصلى نارها رئيس الوزراء الآن. ولكن رئيس الوزراء يعلم حق العلم أن النهوض بأعباء الحكم ليس رياضة جميلة ولا نزهة مرهفة على النفس، وإنما هو جهد وجهاد وصبر واحتمال، وأخذ للنفس بما لا تحب، وإجشام لها على ما تكره.

    ورئيس الوزراء يوافقنا على أن كل شيء يهون إلَّا أن تكون سلطته معلنة، فيحمل التبعة ولا يتمتع بما يلائمها من الحرية. وعلى أن كل شيء يحتمل إلَّا أن تُعصى قرارات مجلس النوَّاب أو مكتبه جهرة وإعلانًا. وعلى أن كل شيء يُطاق إلَّا أن تخالف أوامر النيابة ولا تُطاع قرارات السلطة القضائية.

    فليتوكل رئيس الوزراء على الله، وليحزم أمره، وليؤلف وزارة حزم وعزم وجد، وليجمع السلطان الدستوري كله في يده، وليجنِّب نفسه ووطنه هذا الوضع الذي يخيِّل إلى الناس أن في مصر حكومة ظاهرة وأخرى مستخفية، وأن في مصر نظامًا ديمقراطيًّا من ورائه نظام دكتاتوري خفي، وأن للحكم في مصر رأسين: رأسًا يظهر باسمًا حينًا وعابسًا حينًا، ورأسًا آخر تظهر آثاره في القول والعمل.

    ليعتمد رئيس الوزراء على الله، وليجتهد في ألَّا يتغير رأي الناس فيه؛ فقد كان اسمه دائمًا إذا ذُكِر فهم الناس منه جدًّا لا يعرف العَبَثَ، وصراحةً لا تعرف المزاح، واستقامةً لا تحبُّ الالتواء.