Tag: صحيفة الوادي

  • عهد الذلة والهوان

    حديث الوادي
    عهد الذلة والهوان . . .
    نعم كان عهد ذلة وهوان هذا العهد الذي ختمته استقالة عبد الفتاح يحيى باشا أمس، بل كان عهد شيء أقبح من الذلة والهوان، لو أن في ألفاظ الناس ما يمكن أن يدل على حقائق الأشياء أكثر من هذه الألفاظ المألوفة. ولم يكن عهد ذلة وهوان بالقياس إلى المحكومين دون الحاكمين، بل كان حظ الحاكمين من الذلة والهوان أضعاف حظ المحكومين: وما رأيك في قوم كانوا يذلون الناس ويأخذونهم بالخسف والعسف ويسومونهم الضيم وأصناف الهون، لا يصدرون في ذلك عن إرادة حرة ولا عن قدرة مختارة ولا عن يد قادرة على أن تبسط نفسها ولا عن رأي ولا عن تفكير، وإنما يوحى إليهم أن يكونوا قساة، فإذا هم قساة ويوحى إليهم أن يكونوا أساة فإذا هم أساة، يؤمرون بالقوة فإذا هم أقوياء، ويؤمرون بالعنف فإذا هم ضعفاء، فإذا تخلى عنهم سادتهم وانصرف عنهم حماتهم ومسيروهم فهم ليسوا شيئاً، وهم ليسوا أقل من شيء.
    كان يقال لهم أنتم الوزراء فيؤمنون بأنهم وزراء، ثم كان يقال لهم ولكن عليكم أن تطيعوا فيؤمنوا بأن عليهم أن يطيعوا. كان يقال لهم هذا من الإبراشي باشا حيناً فيذعنون له خاشعين، وكان يقال لهم هذا من الإنجليز حيناً آخر فيؤمنون له خاضعين. كانوا هشيماً لو ترك لنفسه لذرته الريح، ولذهبت به كل مذهب، ولكنه لم يكن يترك لنفسه، إنما كان يجمعه الإبراشي باشا جمعاً، ويفرقه الإبراشي باشا تفريقاً، ويصرفه الإبراشي باشا كما يهوى ويريد، فكان يجتمع إذا أريد له الاجتماع، وكان يتفرق إذا أريد له التفريق، وكان يذهب إلى اليمين، وكان يذهب إلى الشمال، وكان طيعاً لكل ما يراد به سامعاً لكل ما يتنزل عليه. وهذا الهشيم الذي لا قوام له ولا استمساك له، هو الذي حكم مصر عاماً وبعض عام. هو الذي أذاق المصريين ألوان الذل وصب على المصريين أصناف الهون، هو الذي عرض حياة المصريين للخطر، وأجسام المصريين للعذاب، هو الذي يغدق في أموال المصريين بغير حساب، وأهدر منافع المصريين في غير تردد ولا تحفظ ولا احتياط. كان رئيس هذا الهشيم في باريس يتنزه ويستريح، فقيل له أقبل على رئاسة الوزارة، فطار لم يسأل ولم يبحث، ولم يرو ولم يستقص، وإنما طار لا يلوي على شيء. ووقفت له السفينة في بعض الطريق، فألقى نفسه فيها إلقاء.
    ثم انتهت به السفينة إلى الثغر فاستخرجه منها غيره استخراجاً، ثم طارت به سيارة إلى داره، ثم إلى القصر ثم خرج من القصر رئيساً للوزراء، وأي وزراء؟ رئيساً لقوم لم يخترهم، ولم يختاروه، لم يسألهم ولم يسألوه، لم يباحثهم ولم يباحثوه، إنما فرض عليهم وفرضوا عليه، جمعهم الإبراشي باشا جميعاً من يمين وشمال، ثم وضع على رأسهم واحداً منهم، ثم أرسلهم لما أراد أن يرسلهم له، فذهبوا إلى حيث أريد لهم أن يذهبوا، ساروا كما كان يراد لهم أن يسيروا، سلطوا على حياة هذا الشعب فأفسدوها إفساداً وعلى أموال هذا الشعب فبذروها تبذيراً، وعلى مرافق هذا الشعب ففعلوا بها الأفاعيل. قيل لهم أسرفوا في القوة على المصريين فأسرفوا، وقيل لهم أسرفوا في الضعف للإنجليز، فأسرفوا. واستقامت أمورهم على البطش بالضعفاء والاستسلام للأقوياء. وأنفقوا عاماً وبعض العام يغدون إلى المكاتب، ويروحون إلى الدور، ويظنون أنهم يصرفون الأمور، أو يعلمون أنهم لا يصرفون شيئاً وإنما يتخذون أدوات لأمر يراد، والله وحده قادر على أن يحصى ما جنوه من سيئة، والله وحده قادر على أن يعد ما اقترفوا من خطيئة لا في حق مصر وحدها بل في حق أنفسهم أيضاً، فهم كانوا يذلون المصريين في كل يوم، ولكنهم كانوا يذلون أنفسهم في كل لحظة، وهم كانوا يزدرون المصريين إذا أقبل النهار، ولكنهم كانوا يزدرون أنفسهم أيقاظاً ونياماً، تركوا إراداتهم على أبواب الدواوين، ودخلوا إلى الدواوين وليست لهم إرادة، ومن يدري لعلهم يستردون إرادتهم الآن بعد أن خرجوا من الدواوين إخراجاً، وأنزلوا عن مناصب الحكم إنزالاً. والغريب أنهم كانوا يأتون الأمر وكأنهم يعملون، ويلقون الخطب وكأنهم يفكرون ويقولون، وإنما كان الإبراشي باشا هو الذي يعمل، وكان الإبراشي باشا هو الذي يقول، وكان هؤلاء أدوات يعمل بها الإبراشي باشا وألسنة ينطق بها الإبراشي باشا. قيل لهم كونوا وزراء دستوريين فقالوا نعم، وما يمنعنا أن نكون وزراء دستوريين، وقال قائلهم وماذا نصنع بصدقي باشا وهو يغاضبنا لأنه يغاضب سيدنا الإبراشي باشا، وقد يؤلب علينا البرلمان، فهو صاحب الكثرة في البرلمان؟ قيل لهم لا تخافوا ولا تحزنوا فسيواتيكم البرلمان، كما واتى صدقي باشا من قبل، ولكن تجلدوا وأظهروا الحرب، وتكلفوا كيد الساسة ومكر الوزراء، فقالوا نعم وما يمنعنا أن نعمل هذا كله، وإنما جئنا لنفعل هذا كله، وأكثر من هذا كله، ثم أخذوا يتحدثون، وأخذوا يخطبون، وأخذوا يناوئون وما تحدثوا ولا خطبوا ولا ناوؤوا وإنما كان الإبراشي باشا من ورائهم يتحدث ويخطب ويناوئ. ثم نظروا فإذا البرلمان قد انقاد لهم،
    وإذا صدقي باشا قد استخزى أمامهم ولاذ بالفرار ثم أخذوا منذ ذلك اليوم يذهبون إلى البرلمان، وينصرفون عن البرلمان، يخيلون إلى الناس أنهم وزراء دستور وهم يعلمون أنهم وزراء الرجل الواحد حتى إذا عرضت المشكلات الخارجية الكبرى وعجز الإبراشي باشا عن حلها عجزوا هم عن حلها أيضاً. فقيل لهم دعوا ذلك للإنجليز فقالوا نعم وما يمنعنا أن ندع ذلك للإنجليز. ثم فوضوا الأمر إلى الإنجليز في الدين وفي المحاكم المختلطة، وفي الامتيازات ثم ثقل المرض على جلالة الملك. واضطرب الإبراشي باشا فاضطربوا معه وألهم رئيسهم أن يستشير الإنجليز فقال نعم وما يمنعني أن أستشير الإنجليز؟. فلما أشاروا عليه قبل المشورة ووعد بالإنجاز ثم منّ الله على مصر بتحسن صحة جلالة الملك فسقط في يد الإبراشي باشا وسقط في يد رئيس الوزراء، وقيل للقوم أظهروا مقاومة الإنجليز، فقالوا نعم وما يمنعنا أن نظهر مقاومة الإنجليز؟ ثم قيل لهم أنكروا أنكم طلبتم مشورة الإنجليز فقالوا نعم وما يمنعنا أن ننكر أننا طلبنا مشورة الإنجليز؟ ثم جد الجد وازدحمت الخطوب، وتراءت الكوارث فقيل لهم أنكروا أن يكون في الجو شيء. فقالوا نعم وما يمنعنا أن ننكر أن في الجو شيئاً؟ ثم كان النذير، وأشرف الإبراشي باشا على الهوة، وقيل لهم ضحوا ببعض الزملاء، فقالوا نعم، وما يمنعنا أن نضحي ببعض الزملاء؟
    ثم لم يبق بين الإبراشي باشا وبين الهوة إلا أن يحرك رجله فقيل لهم استقيلوا فقالوا نعم وما يمنعنا أن نستقيل؟ ثم رفعوا استقالتهم أمس إلى صاحب العرش.
    هؤلاء هم الذين حكموا مصر عاماً وبعض عام، وهؤلاء هم الذين ظنوا أنهم يحكمون مصر، وهؤلاء هم الذين خيلوا إلى الناس أنهم يحكمون مصر، والله يشهد ما كانوا من حكم مصر في قليل ولا كثير، إنما كانوا صوراً فقد زالت الصور، إنما كانوا ظلالاً فقد محيت الظلال، وإنما كانوا يصورون ما سمته "الاجبشيان جازيت" غروب العهد، فقد غرب هذا العهد وعفت آثاره وأخذ المصريون يستقبلون عهداً جديداً وهم مقبلون عليه، مهما تكن الظروف، ومهما تكن مقاومة الذين ألفوا عهد الذلة والهوان.
    ها نحن أولاء نسمع أن الوزارة عرضت على ماهر باشا، ولكنا لا نلبث أن نسمع أنها صرفت عن ماهر باشا لأن ماهر باشا من رجال هذا العهد ونهوضه بالحكم استبقاء لهذا العهد، وما يستطيع هذا العهد أن يبقى لو تعاونت على بقائه الجن والإنس، ولئن قاوم
    وكابر فلابد له من أن يزول في أسرع مما يظن المكابرون. ثم ها نحن أولاء نسمع أن الوزارة عرضت على صاحب الدولة توفيق نسيم باشا فطلب التفكير قبل أن يعلن رفضاً أو قبولاً، وقد استبشر المصريون جميعاً حين سمعوا اسم هذا الرجل الذي أنكر عهد الذلة والهوان، وضحى بمنصبه في سبيل رأيه، والذي عين عضواً في مجلس الشيوخ، فاستقال حتى لا يحنث في يمين أقسمها كما حنث غيره، وحتى لا يحتمل أوزاراً نصح بألا تحتمل فليس عجيباً أن يستبشر المصريون حين يرونه يرشح للوزارة ولكننا نقرأ في الصحف أن الوزارة تعرض عليه على أن يحتفظ بالنظام الحاضر. فكأن الوزارة لا تعرض عليه إلا لتصرف عنه، فالرجل أكرم على نفسه من أن ينكر موقفاً شريفاً وقفه ومن أن يقدم على شيء أباه ومن أن يخيب أمل الشعب فيه ويكذب ظن الشعب به يختم حياته السياسية بما لا يرضى الرجل الكريم أن يختم به حياته السياسية.
    نعم وإنا نقرأ في الصحف كلاماً عجباً فقد يقال إن زيور باشا عرض على نسيم باشا أن يعمل مع البرلمان القائم ما دام واثقاً به، تبارك الله وماذا يمنع أن يثق البرلمان بنسيم وقد وثق بعبد الفتاح كما وثق بصدقي؟ بل ماذا يمنع أن يثق البرلمان بمن شئت من الزعماء ورجال السياسة إن أسندت الوزارة إلى من شئت من الزعماء ورجال السياسة؟
    ألا تزال إصبع الإبراشي باشا تعمل في تأليف الوزارات فإن هذا الكلام إن صح يصور نفس الإبراشي باشا أصدق تصوير، على أن هذا الموقف الغريب لن يطول فلن يتقدم هذا النهار حتى تتبين الخطوات الأولى لهذه الأزمة الجديدة، فأما أن يقبل نسيم باشا تأليف الوزارة، وإذن فقد اعترف العهد الحاضر بالهزيمة واستسلم للقضاء وأما أن يعتذر نسيم باشا عن تأليف الوزارة، وإذن فمازال العهد الحاضر يقاوم ويرجو البقاء ولكنه يقاوم في غير نفع، ويرجو في غير موضع للرجاء. فإن الشعب الذي أفنى سلطان صدقي باشا وسلطان عبد الفتاح باشا بصبره وإبائه وازدرائه للطغيان والطغاة سيفني سلطان أي وزير آخر يجرؤ على أن ينهض بأعباء الحكم مزدرياً إرادة الأمة مستعداً لتلقي العمل والوحي والعمل بالأمر والإذعان لغير المسؤولين فلننتظر فلن يكون انتظارنا طويلاً.
    طه حسين
    الوادي، ٧ نوفمبر ١٩٣٤.

  • احتضار

    حديث الوادي
    احتضار . . .
    كان طويلاً ثقيلاً هذا الاحتضار، الذي ظلت الوزارة تقاسي آلامه، وتعاني سكراته، لا يوماً ولا يومين، ولا أسبوعاً ولا أسبوعين، بل أسابيع متصلة.
    ولم يكن طول هذا الاحتضار نتيجة لقوة الوزارة وحظها العظيم من الحياة، وقدرتها على مغالبة الموت ومقاومة الفناء، فأمرها أيسر من هذا وأهون، وهي أضعف من أن تثبت لهبوب النسيم، فضلاً عن عسف الريح فضلاً عن قصف الرعد. وإنما أطالت الظروف احتضارها عن عمد لأنها كانت وما زالت حائرة مضطربة لا تدري كيف تحل هذه الأزمة، ولا تعرف كيف تخلص من هذه المشكلات التي أثارها انهيار هذا العهد الزائل، وقد يكون طول هذا الاحتضار في نفسه ثقيلاً بغيضاً مملولاً مفعماً بالخطر على المصالح العامة، ولكنه مع ذلك لم يخل من فائدة، ولم يبرأ من منفعة للشعب من ناحية وللإنجليز من ناحية أخرى، وللوزراء أنفسهم من ناحية ثالثة، فأما الشعب فقد زاده النظر الطويل إلى هذا الاحتضار الثقيل وما يحيط به من التحلل والفساد وانتشار الأمر إيماناً إلى إيمان ويقيناً إلى يقين وثقة إلى ثقة، فرأى كيف تنهار العهود التي لا تعتمد على إرادة الشعب ولا تستند إلى ثقته ولا تستمد قوتها من قوته، ولا تكون صورة لآماله ومثله العليا، ورأى كيف تصبح الوزارات التي لا يؤيدها الشعب عرضة للعبث لا تستطيع أن تبرم ولا أن تنقض، لا تستطيع أن تعمل ولا أن تقول ولا تستطيع إلا أن تستسلم وتستخزي وتستكين، ثم رأى كيف يستطيع الشعب المؤمن بنفسه الحريص على حقه، المحتفظ بكرامته، أن يثبت للخطوب حتى يقهرها، وأن ينفذ من المحن المتراكمة كما ينفذ السهم من الرمية، قوياً نقياً، وصلباً ثابتاً جريئاً، لا يقدر عليه شيء، ولا يفسد أمره كيد ولا تنال منه المحن والأهوال. وأما الإنجليز فقد انتفعوا من طول هذا الاحتضار لأنهم رأوا أن الشعب الذي يخاصمهم ويقاومهم شعب شريف لا يميل مع الهوى، ولا تعبث به الشهوات، وشعب حصيف لا تخدعه الأماني، ولا تغره الأباطيل، وشعب صلب لا تثنيه الخطوب، ولا ترده الحوادث عما يريد، وشعب جاد كل الجد، مصمم كل التصميم، لم ينهض لاعباً، ولم يثر عابثاً، ولم يطالب بالحق وهو مستعد للتفريط في الحق. رأى الإنجليز هذا الشعب ورأوا منه كيف كان مستقيماً في الخصومة، شريفاً في النضال، فطناً يعرف ما يأتي ويعرف ما يدع، ولو كان شعباً مغروراً ضعيفاً تذهب به الأهواء كل مذهب، لاقتسمه الفريقان المختصمان بينهما فذهب الإنجليز بشطره وذهب الإبراشي باشا وأصحابه بالشطر الآخر. أولئك يخدعونه لأنهم سينقذونه من الشر، وسيكشفون عنه الضر، وهؤلاء يخدعونه، لأنهم يذودون عن استقلاله، ويدافعون عن حقوقه، ولكن الشعب المصري الفطن اليقظ الحذر لم ينخدع للإنجليز لأنه لا ينخدع للخصم مهما يكن شريفاً ولم ينخدع للإبراشي باشا وأصحابه لأنه لا ينخدع للذين اعتدوا على حقه وأهدروا سلطانه، وأرادوا أن يسوسوه كما تساس القطعان. لم ينخدع لأولئك ولا هؤلاء وإنما قام كريماً شريفاً نزيهاً بين أولئك وهؤلاء، يرقب مكر بعضهم ببعض وكيد بعضهم لبعض. وسجل على أولئك وهؤلاء ما يقولون وما يعملون وينتظر مؤمناً واثقاً ساعة الفوز، التي يهزم فيها الباطل وينتصر فيها الحق، وترد إليه فيها حريته كاملة وحقه غير منقوص.
    وأما الوزراء فقد آلمهم الاحتضار الطويل، وشق عليهم النزع الثقيل، ولكنهم مع ذلك انتفعوا إن كانوا قادرين على الانتفاع، واعتبروا إن كانوا قادرين على الاعتبار ورأوا أن السلطان لغو إذا لم يصدر عن الشعب، وأن الجاه باطل إذا لم يكن صورة لحب الشعب، ورأوا أن عدل الله واقع وإن ظهر للناس أحياناً أنه بطيء، ورأوا أن الذين يستطيلون على الشعب ويستبدون بحقوقه، منتهون دائماً إلى مثل ما انتهى إليه صدقي باشا منذ عام وإلى مثل ما ينتهون إليه اليوم، تعصف بهم الريح وتعبث بهم الحوادث، فلا يجدون حصناً يأوون إليه، لأنهم أضاعوا حصنهم الحصين وهو حب الشعب، ولا يجدون ترساً يثقون به لأنهم أضاعوا ترسهم المتين وهو رضى الشعب، حتى إذا زال عنهم السلطان وتفرق عنهم الأنصار نظروا إلى أنفسهم فإذا هم لا يزنون شيئاً ولا يعدلون شيئاً، وإذا النفوس عنهم منصرفة والقلوب لهم مبغضة، والألحاظ لا ترمقهم إلا بإشفاق يملؤه الاستنكار.
    فإن احتضاراً طويلاً ثقيلاً هذا الذي خضعت له الوزارة أسابيع متصلة، وها نحن أولاء نراها الآن تجود بنفسها وتلفظ آخر أنفاسها وتنظر من حولها فلا ترى حزناً ولا ابتئاساً وإنما ترى إغضاءً وإعراضاً وشعباً ينظر إليها وهي تذهب فيما يذهب، وتفنى فيما يفنى، وهو يقول كذا فلتُهوَّ الوزارة التي لم تستمد قوتها من الشعب، ولم تعتمد في حكمها على الشعب.
    طه حسين
    الوادي، ٤/ ١١ / ١٩٣٤.

  • الى أين

    حديث الوادي
    إلى أين . . .
    نعم إلى أين يدفع هذا البلد؟ وماذا يراد به؟ وما عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له، فما نظن أن أحداً من المصريين مهما تكن منزلته، ومهما يكن مذهبه السياسي ومهما يكن ميله وهواه، يصبح أو يمسي دون أن يلقى على نفسه وعلى أصحابه هذه الأسئلة: إلى أين يدفع هذا البلد؟ وماذا يراد به؟ وماذا عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له؟ فلم تعرف مصر منذ الثورة وقتاً انتهت فيه من الحرج إلى مثل ما انتهت إليه الآن وصارت إليه أمورها من الفساد والاختلاط، إلى مثل ما صارت إليه الآن. جلالة الملك مريض يجب ألا يتكلف من العناية بالأمور العامة مثل ما كان يتكلف، وألا يحمل نفسه من العناء مثل ما كان يحتمل، وقد أخذت أحاديث الناس منذ أمس، تلهج بأن مشكلات هذه الأزمة القائمة التي عرضت على جلالته عرضاً مفصلاً قد أثرت بعض الشيء في صحته، فعاد بعض القلق إلى النفوس، وأثيرت مسائل كان يقال إنها أرجئت، وأن الإنجليز قد أعرضوا عنها الآن إعراضاً.
    جلالة الملك إذن مريض لا يستطيع أن يتناول الأمور العامة بمثل ما كان يتناولها به من القوة والعناية الحازمة التي كانت تستنفد من جلالته وقتاً وجهداً، لا يقدر على إنفاقهما إلا الأقوياء الأفذاذ حقاً.
    والوزارة القائمة معلقة لا هي حية فترجى، ولا هي ميتة فترثى ويصرف الأمر عنها إلى وزارة غيرها، وإنما هي معلقة في الهواء، لا تعمل شيئاً، ولا تدع شيئاً، وهي إلى الموت أدنى منها إلى الحياة، وهي سبب في قيام المشكلات وازدياد الحرج واشتداد الأزمة. وإذن فإلى من صارت أمور مصر، وعلى من يعتمد في تصريفها، وفي حل هذه المشكلات المعقدة التي لا يزيدها مضي الوقت إلا تحرجاً وتعقيداً؟
    ينظر المصريون الآن فيرون أمورهم كلها قد صارت إلى رجلين اثنين. أحدهما نائب المندوب السامي ومن ورائه وزارة الخارجية البريطانية، ومن ورائهما السلطان الإنجليزي كله، والقوة الإنجليزية كلها، والدهاء الإنجليزي كله. والآخر زيور باشا رئيس الديوان الملكي، الذي يقف الآن حيث كان يجب أن يقف رئيس الوزراء ووزير الخارجية فيفاوض فيما لا يفاوض فيه رؤساء الدواوين الملكية، ويجادل فيما لا ينبغي أن يجادل فيه إلا رجال السياسة المسؤولون. يأخذ ويعطي أو يظهر استعداده للأخذ والعطاء، وما يكون له أن يعرض لشيء من هذا أو يحتمل أثقاله، وهو رجل مهما تكن شخصيته، ومهما تكن نيته ومهما يكن ذكاؤه وفطنته، فهو غير مسؤول ليست له صفة دستورية تبيح له أن يحتمل أعباء السياسة أو ينهض بأثقالها وتبعاتها وهو لا يستطيع من الوجهة الدستورية الصحيحة، أن يقول إن وراءه مجلس الوزراء، لأنه ليس وزيراً، ولأن مجلس الوزراء يكاد يكون غير موجود ولا يستطيع أن يقول إن وراءه البرلمان لأنه ليس وزيراً، ولا يستطيع أن يقف أمام البرلمان، ولا أن يتحدث إليه، ولأن البرلمان القائم مهما يكن رأي الناس فيه، مفرق غير مجموع، وليس إلى جمعه من سبيل ما دام جلالة الملك مريضاً، لا يستطيع أن يفتتحه، وما دامت الوزارة معلقة هذا التعليق، بين موت محتوم وحياة لم يبق منها إلا الأنفاس الأخيرة وإذن فأين تكون قوة مصر؟ وأين يكون تأييدها؟ وأين تكون ثقتها، وما طبيعة مركزها الآن في هذه المفاوضات الخطرة التي اتصلت منذ أمس بين المستر بيترسون وزيور باشا؟ أما الذي يتحدث عن الإنجليز فمن ورائه قوة لا تشبهها قوة وبأس لا يشبهه بأس، ودهاء لا يقاربه دهاء وأما الذي يتحدث عن مصر فليس وراءه شيء دستوري يستطيع أن يعتز به، أو يركن إليه.
    والأمر لا يقف عند هذا الحد بل هو يتجاوزه إلى ما هو أشد منه خطراً فلسنا نعلم أن هذا الشعب المصري الذي أهمل أشنع الإهمال أكثر من أربعة أعوام، والذي لم يحفل به أحد منذ نشأت هذه الأزمة، وفيما اختلف عليها من التطورات، لسنا نعلم أن هذا الشعب المصري يؤيد زيور باشا أو يخذله، ولا أنه يثق بزيور باشا أو يضن عليه بالثقة لأن للشعب المصري في زيور باشا آراءه من جهة ولأن زيور باشا أو غيره من الوزراء المسؤولين، أو الموظفين غير المسؤولين، لم ينبئوا الشعب المصري بشيء ولم يسألوه عن شيء، ولم يظهروه من دقائق الأزمة على شيء. وإذن فالمستر بيترسون يفاوض ووراءه إنجلترا كلها، وزيور باشا يفاوض وحيداً قد وقف الشعب المصري منه موقفاً بعيداً قوامه حياد هو إلى الشك أقرب منه إلى الثقة واليقين.
    أليس من حق كل مصري، بل من الواجب على كل مصري أن يسأل نفسه ويسأل الناس، إلى أين يدفع هذا البلد؟، وماذا يراد به؟ وماذا عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له؟
    وكيف لا تمتلئ القلوب خوفاً، وكيف لا يستأثر القلق بالحياة المصرية كلها، وقد انتهت مأساة هذا العهد التعس إلى أن ينظر المصريون فإذا أمورهم تخرج من يد رجل غير مسؤول لتقع في يد رجل آخر غير مسؤول.
    كانت الأمور إلى الإبراشي باشا منذ أسبوع، فأصبحت الأمور إلى زيور باشا منذ أيام. وكلا الرجلين ليس من رجال الحكم، وكلا الرجلين لا يعرفه الدستور، وكلا الرجلين لا يستطيع أن يتحدث عن الشعب في قليل ولا كثير.
    قد يكون زيور باشا خيراً من الإبراشي باشا، وقد يكون زيور باشا آثر عند الإنجليز وأحب إليهم من الإبراشي باشا. ولكن شخصية الرجلين وحظهما من الشرف ونصيبهما من اللباقة ليست هي الأشياء التي تعني المصريين إذا كانت هي الأشياء التي تعني الإنجليز إنما الذي يعني المصريين أن تكون أمورهم إلى قوم مسؤولين أولاً وإلى قوم مسؤولين يثق بهم الشعب ويرضى عنهم، ولا يسئ الظن بما يقولون، ولا يثير الشك فيما يعملون، ثم أن يكون مرجع هؤلاء الناس إلى الأمة فيما يأخذون وفيما يعطون. فأين نحن من هذا الآن؟ ومن الذي يستطيع أن ينكر أن الأزمة القائمة تعالج من الناحية المصرية علاجاً أوتوقراطياً خالصاً ليست له صفة دستورية ما. فكيف يراد من المصريين بعد هذا أن يطمئنوا؟ وكيف يراد منهم أن ينتظروا حوادث الغد أو حوادث اليوم في غير قلق ولا اضطراب؟
    إن الذين إليهم الأمر في مصر الآن وفي مقدمتهم زيور باشا بالطبع، خليقون أن يذكروا الأمة، وألا يذكروا غيرها، وأن يسلموا أن التفكير في الأشخاص وفي المنافع العاجلة إن أبيح لرجال السياسة أحياناً فإنه قد يحرم عليهم في الأوقات الخطرة التي تعرض للأمم والشعوب وأن التبعات التي تحملها ضمائر رجال السياسة قد تثقل في أوقات الخطر حتى تنوء بأصحابها، وحتى تضطرهم إلى أن يتخذوا موقفاً من موقفين: فإما أن يشركوا الأمة معهم، فيبرئوا ذمتهم أمام الوطن وأمام التاريخ، وإما أن يستبدوا بالأمر، فيحتملوا تبعة الإساءة إلى الوطن والتفريط في الحق.
    وإن الذين إليهم الأمر من الإنجليز خليقون أن يعلموا حق العلم أنهم إذا كان من حقهم أن يعملوا لوطنهم فإن من الحق عليهم أن يرعوا المنافع المحققة لوطنهم أيضاً.
    والمنافع الإنجليزية المحققة لا تتم ولا تحصل بالاتفاق مع الأشخاص غير المسؤولين الذين ليس لهم من الشعب سند يعتمدون عليه أو ركن يأوون إليه، وإنما تكون هذه المنافع وتضمن حين يتفق الإنجليز مع الشعب لا مع غيره وحين يسلكون إلى هذا الاتفاق الطرق الدستورية الشريفة لا غيرها. وإن المصريين جميعاً خليقون أن يحذروا وأن يظلوا أيقاظاً فما أعرف أن حياتهم السياسية تعرضت لخطر كالخطر الذي تتعرض له الآن.
    طه حسين
    الوادي، ٣ نوفمبر ١٩٣٤.

  • في الموقف

    حديث الوادي
    في الموقف . . .
    هل رفع رئيس الوزراء استقالة الوزارة إلى جلالة الملك أمس؟ يقول قليل من الناس نعم ويقول أكثر الناس لا. ويرى الأولون أن رئيس الوزراء لا مخرج له من الحرج الذي اضطر إليه إلا أن يستقيل، وأنه قد يكون رجلاً طيباً مسرفاً في الطيبة، ولكنه على ذلك، وبرغم ذلك أذكى من أن يجهل الحرج الذي دفع نفسه إليه، وأن الاستقالة هي التي تخرجه منه، وأن الاستقالة خير من الإقامة على كل حال، ويرى الآخرون أن رئيس الوزراء ليس رجلاً طيباً فحسب، وإنما هو رجل طيب، واسع الأمل، وإن لم يكن واسع الحيلة فهو قد يعجز عن أن يخرج نفسه من المآزق وإن قدر على أن يزج بنفسه في المآزق، ولكنه لا يعجز عن الانتظار وعن حسن الظن بالأيام وعن الاعتماد على ما ستتكشف عنه الحوادث، فقد يجعل الله له بعد عسر يسراً، وقد يجعل الله له من الحرج فرجاً، ومن الضيق مخرجاً، وقد يلهم الله رئيس الديوان الملكي خطة سديدة موفقة تمكنه من إقناع الإنجليز، بأن رئيس الوزراء رجل طيب، وبأن الرجال الطيبين قليلون، وبأن الخير في أن يقبل منه ما يعرض، وفي أن يُعفى له عما قدم، وفي أن يرضى الإنجليز منه إخراج الوزيرين، ويقبلوه على علاته، ويعملوا معه، ويتصلوا به فمن يدري لعل رئيس الوزراء الذي يخلفه إن استقال، أن يكون أشد منه مكراً، وأعظم منه حظاً من البراعة، وأكثر منه إمعاناً في الطيبة، وتعرضاً للتورط في الأغلاط.
    وإذن فقد تعبث هذه الآمال كلها بنفس الرجل الطيب، ولا سيما إذ أضيف إليها، أن زيور باشا رجل ضخم الجسم ولكنه رشيق العقل، رشيق الحديث، قادر على الإقناع بهزله الذي يشبه الجد وجده الذي يشبه الهزل، والإنجليز يحبون هذه الرشاقة، ويتأثرون بهذه اللباقة، ويعجبون بهذا التناقض الذي يكون بين الظاهر والباطن، وهم يحبون زيور باشا وقد ينجحون سعيه، ويقبلون رأيه ويرضون أن يظل عبد الفتاح يحيى باشا في الحكم أسبوعاً أو أسابيع وكذلك يرى بعض الناس أن الرجل الطيب قد تعلل بالآمال فلم يرفع استقالته أمس، وانتظر أن يدركه القضاء، بما أضمره القضاء.
    ولسنا ندري أي الفريقين أخطأ وأي الفريقين أصاب ولكن الذي نلاحظه على كل حال هو أن الذين يعنون بهذه الأزمة العنيفة ويجدون في حلها أو في تعقيدها لا يفكرون أو لا يكادون يفكرون إلا في الخصمين، الذين يقع بينهما الصراع: في الإنجليز وما يريدون من ناحية وفي الوزارة وما تقدر عليه من ناحية أخرى. ومع ذلك فالإنجليز والوزارة لا يختصمون في غير موضوع للخصومة، ولا يصطرعون في الهواء رغبة في إنفاق الوقت، وطلباً للتسلية والتلهية وإنما خصومتهم وصراعهم يقومان سواء أرادوا أو لم يريدوا على شيء واقع محسوس ملموس يحسه الناس جميعاً، ويعرفه الناس جميعاً، وهو حياة هذا الشعب المصري كيف تدبر، وعلى أي نحو يكون تصريف أمورها. فالإنجليز لم يشتروا مصر لأنفسهم، والوزراء والإبراشي باشا لم يرثوا مصر وأهلها عن آبائهم.
    وإذن فقد يكون من المعقول وقد يكون من الممكن المرغوب فيه، أن يفكر المختصمون في موضوع الخصومة وأن يسألوا أنفسهم عن هذا الشعب المصري الذي يختصمون في مصالحه ومرافقه، وفي حقه في الحرية ونصيبه منها، ما رأيه في الخصومة، وماذا يريد. وكيف يتصور أن تحل الأزمة وما عسى أن يكون الحل الذي يرضيه؟
    نظن أن هذا طبيعي وأنه معقول ولكن المختصمين إلى الآن لم يظهروا عناية بهذا الشعب، ولا التفاتاً إليه، ولا سؤالاً عما يريد. استشار رئيس الوزراء دار المندوب السامي ولم يفكر في استشارة المصريين، وأشارت عليه دار المندوب السامي ولم تفكر في أن تحيله إلى المصريين، ثم غضب رئيس الوزراء من مشورة الإنجليز، وأبى قبولها، ولم يفكر في أن يلتمس مشورة المصريين، ثم غضب الإنجليز لإعراض رئيس الوزراء عن مشورتهم بعد أن طلبها ولم يفكروا في المصريين ولا فيما يمكن أن يراه المصريون.
    ثم نفى رئيس الوزراء أن يكون قد استشار الإنجليز، ثم أكد الإنجليز أنه استشارهم، ثم عاد رئيس الوزراء فأجاز الأمر، ولم يقطع بأنه وقع أو بأنه لم يقع، ثم اشتدت الأزمة وضيق الخناق، والمختصمون ماضون في خصومتهم، لا يسألون عن المصريين، ولا يحفلون بهم، كأن الأمر لم يعنهم من قريب أو من بعيد.
    وقل مثل هذا في أمر هذين الوزيرين. طلب المصريون إخراجهما، فلم يسمع لهم أحد. لم يسمع لهم الوزراء ولم يسمع لهم الإنجليز، ثم طلب الإنجليز إخراجهما، فتمنع رئيس الوزراء، ثم أذن وأقر الاستسلام
    وقل مثل هذا في زكي الإبراشي باشا، طلب المصريون كفه عن شؤون الحكم، فلم يحفل بهم الوزراء، ولم يحفل بهم الإنجليز. ثم طلب الإنجليز كفه عن شؤون الحكم، فاضطربت الوزارة وزلزلت بها الأرض، كما زلزلت بالإبراشي باشا نفسه حتى اضطر إلى الانكفاء.
    وقد يكون هذا كله عجيباً. في القرن العشرين. وفي بلد لم يبق جزءاً من أفريقيا، وإنما أصبح جزءاً من أوروبا، ولم يبق خاضعاً لسلطان الاستبداد. وإنما هو خاضع للديمقراطية والدستور. قد يكون هذا عجيباً ولكنه الأمر الواقع الذي لا يستطيع أحد أن يشك فيه، أو يتخذه موضوعاً للنزاع، فالشعب المصري، آخر شيء يفكر فيه المختصمون في هذه الأيام. وقد يكون أعجب من هذا أن الإنجليز قد يسألون أنفسهم أحياناً ماذا عسى أن يكون رأي المصريين فيما تفعل وفيما تقول؟ يكتبون ذلك في صحفهم ويكتبونه عن وحي يصدر إليهم من ساستهم هنا وهناك. ولكن الوزراء المصريين لم يسألوا أنفسهم هذا السؤال ولم يخطر لهم أن يسألوها وإنما جهلوا مصر جهلاً تاماً، وأنكروها إنكاراً شاملاً، وتصرفوا في الأزمة كأنها لا تضر إلا أشخاصهم وشخص صديقهم الإبراشي باشا، إلا مناصبهم ومنصب صديقهم هذا. وكأن هذه المناصب ملك لهم، لا ملك للشعب، وحق لهم لا حق للشعب، ويخيل إلينا أن المختصمين إذا جهلوا مصر وأنكروها، فإن مصر لا تجهل نفسها، ولا تستطيع أن تنكر حقها، وأن تنسى أنها موجودة تحس وتشعر وتفكر وتريد وأن أمر هذه الخصومة يجب أن يكون إليها على كل حال. وإذا كان الإنجليز والوزراء لا يريدون أن يتحدثوا إليها بشيء، ولا أن يسألوها عن شيء فقد يكون عندها هي شيء تريد أن تقوله لهم، وأن تلقيه إليهم، وأن تلح عليهم في أن يسمعوا له، وفي أن يتدبروه.
    فأما ما تقوله للوزراء فالوزراء يعرفونه حق المعرفة، ولكنهم يعرضون عنه، لأن الحكم فيما يظهر أحب إليهم من الإصغاء إليه، وآثر عندهم من رضائه، هم يعرفون أنهم أصبحوا بعد أن عضتهم هذه الأزمة وبعد أن أظهرت من ضعفهم وعجزهم وقصورهم وتقصيرهم ما أظهرت، لا يصلحون للبقاء في الحكم، سواء أكان هذا الحكم ديمقراطياً أم استبدادياً، فالحكم الديمقراطي يقوم على الثقة، والمصريون لا يثقون بالوزراء. والحكم الاستبدادي يقوم على الهيبة والخوف ولم يبق بين المصريين منذ ثارت الأزمة من يهاب الوزراء أو يحسب لهم حساباً. وإذن فما بقاؤهم في الحكم وما تعللهم بالآمال؟ ليرض الإنجليز عنهم ولن يفعلوا، أو ليسخط الإنجليز وقد فعلوا، فإن شيئاً من ذلك لن يمنحهم ثقة المصريين ولن يرد إليهم ما فقدوا من الهيبة. وإذن فدورهم أولى بهم من الدواوين، وخير لهم أن يعودوا إلى دورهم اليوم، من أن يعودوا إليها غداً أو بعد غد فإن بقاءهم في الحكم لا يزيدهم إلا ضعفاً وعجزاً وتضاؤلاً في قلوب الناس.
    هذا ما تقوله مصر للوزراء، وأما ما تقوله للإنجليز فهم يعرفونه حق المعرفة سمعوه منها ألف مرة. وهم يسمعونه منها في كل يوم، فقد قالت وما زالت تقول وستقول دائماً إن حكم الشعوب بالعسف والقهر، والمكر والكيد، قد انقضى عصره، وإنكم قد جربتموه في مصر أعواماً طوالاً فلم تجنوا منه خيراً ولم يجن أحد منه خيراً، فلم يبق أمامكم إلا شيء واحد وهو أن تفهموا مصر كما ينبغي أن تفهم وتخلصوا النية فيما بينكم وبينها من صلة، لا تتحفظون ولا تمكرون ولا تظهرون شيئاً وتخفون شيئاً آخر وأنتم إن فعلتم هذا منتهون إلى ما ليس لكم بد من الانتهاء إليه، من الاعتراف بمصر، على أنها أمة رشيدة خليقة أن توجد بينكم وبينها صلات كريمة شريفة لا تقوم إلا على الثقة والنزاهة والصدق. وسبيل ذلك واضحة وهي أن تردوا إلى الشعب أمور الشعب وأن تتحدثوا إلى الشعب، وتسمعوا منه لا إلى من يرددون نغماتكم ممن تؤيدون وتنصرون.
    ردوا إذن إلى مصر حريتها كاملة كما كانت، وخذوا إذن في الحديث مع مصر كما كنتم قد أخذتم من قبل وأتموا صادقين ما كنتم قد بدأتم وثقوا بأن إقالة هذه الوزارة أو إبقاءها، وبأن إقالة الإبراشي باشا أو إبقاءه، وبأن دخولكم في شؤون الحكم، بالشدة أو باللين، كل ذلك لن يريحكم ولن يريح المصريين ولن يحل ما بينكم وبينهم من المشكلات. فليس لهذه المشكلات حل إلا تبادل الثقة، والصدق والإخلاص.
    (طه حسين)
    الوادي، ٢ نوفمبر ١٩٣٤.

  • خاتمة٤

    حديث الوادي
    خاتمة
    قد تكون الوزارة القائمة في آخر لحظاتها وأنا أملي هذا الفصل فيرفع رئيسها استقالته إلى جلالة الملك إذا تشرف بلقائه بعد ساعة أو ساعتين.
    وقد تكون الوزارة في آخر أيامها إذا عبث الأمل بنفس رئيس الوزراء فأجل استقالته يوماً أو يومين أو أياماً ليرى نتيجة الوساطة التي يقال إن زيور باشا سيسعى فيها بين الوزارة ودار المندوب السامي. ولكن الشيء الذي لا شك فيه، هو أننا نشهد خاتمة سيئة لعهد سيئ، ونشهد احتضاراً مؤلماً ممضاً لعهد مؤلم ممض. وسنشهد نهاية كلها حزن وأسى، لعهد كان كله حزناً وأسى.
    عهد قام على أن يذل سلطان الوزارة للأجنبي، وعلى أن يجد هذا السلطان في إذلال الشعب المصري الكريم البائس لقوته وبأسه وبطشه الذي لا حد له إلا رضى الإنجليز أو غضب الإنجليز.
    عهد قام على المثل العربي القديم «أسد عليّ وفي الحروب نعامة» فكان رجاله أسوداً يحسنون الزئير ويحسنون الافتراس ويفتنون في هذا وذاك إذا لقوا مواطنيهم وكانوا يتقنون الفرار ويجيدون الهرب، ويفتنون في الخضوع والخنوع والتسليم إذا لقوا الإنجليز.
    عهد أقل ما يوصف به أنه لم يشرف مصر في لحظة من لحظاته وإنما أخزاها وأخجلها، ووسمها أمام العالم المتحضر بما لا يحب الرجل الكريم أن يوسم به وطنه من الذلة والهوان، ولم يشرف رجاله المسؤولين في لحظة من لحظاته، ومتى رأيت الاستطالة على الضعفاء، والاستكانة للأقوياء تشرف رجلاً أو ترفع من شأنه أو تنزله بين كرام الناس.
    عهد بدا بالإثم وهو يختم بالإثم، بدا بالوثوب إلى الحكم في غير رضى من البرلمان، ثم بتغيير الدستور في غير مراعاة لأصول الدستور، ثم ببسط الأيدي على أنفس الأبرياء إزهاقاً وإرهاقاً، وعلى أموال الأبرياء إضاعة وإسرافاً، وعلى منافع الأبرياء عبثاً ولعباً، واستهانة بالحق والعدل والقانون، ثم جرى الشر والإثم في لحظاته جميعاً كما يجري الدم الخبيث في الجسم الخبيث تفتك بالأخلاق فتكاً، وأفسدت الضمائر إفساداً،
    وقطعت الصلات بين الناس، وعلم الأبناء عقوق الآباء، وعلم الآباء جحود الأبناء، وعلم الشباب والشيوخ كيف يقطعون ما أمر الله أن يوصل، ويفسدون ما أمر الله أن يصلح، ويبيعون الأخلاق بثمن بخس ويرضون الدنية في سيرتهم وفي كرامتهم وفي حياتهم الوطنية العامة، ويتخذون لأنفسهم غايات لا يتخذها الرجل المثقف الذي يشعر بأن لنفسه حقاً عليه، وبأن لوطنه حقاً على نفسه، هي الوصول إلى إرضاء المآرب والشهوات، وتحقيق المنافع العاجلة، وشفاء هذا الظمأ الدنيء إلى ما ينقع غلة الشهوات الخسيسة التي ترد الإنسان إلى أخس مراتب الحيوان.
    على هذا النحو بدا هذا العهد وعلى هذا النحو اتصلت حياة هذا العهد، وفي مقاومة هذا الفساد الشامل القبيح سفكت دماء وأزهقت نفوس واحتمل الناس من العناء ما لا ينبغي أن يحتمل في هذا العصر، ولقي الناس من الجهد ما لا ينبغي أن يلقى في هذا العصر الذي يقال إنه عصر الحرية والأمن وعصر العزة والكرامة، وعصر الهدى والنور.
    نعم على هذا النحو المنكر بدا هذا العهد، وعلى هذا النحو المنكر اتصل هذا العهد، وفي مقاومة هذا النحو المنكر من الفساد شقيت ملايين المصريين، شقاء ثقيلاً مظلماً مطبقاً، أكثر من أربعة أعوام، وها هي هذه الملايين من المصريين تشهد اليوم انهيار بناء لم يؤسس على التقوى، ولم يقم على حب الشعب، ولم يشيد على النصح للوطن، وكانت هذه الملايين خليقة أن تبتهج بانقضاء عهد كان كله شراً وسوءاً، وأن تستبشر بانهيار بناء أسس على الظلم والجور وخدمة الأشخاص، ولكن نفوس المصريين مبتئسة غير مبتهجة، ومحزونة غير مسرورة، لأنها ترى أن هذا العهد الذي بدا بالمأساة الأليمة يختم بمأساة أليمة ليست أقل منها شراً ونكراً، بدا بالاعتداء على حقوق الشعب والاستهانة بسلطان الشعب والاستئثار بالأمر من دون الشعب، وهو يختم بالتسليم للأجنبي والتفريط في حقوق الشعب، وإيثار البقاء في الحكم على أن يحفظ للشعب حقه في أيسر مظاهر الكرامة والعزة والاستقلال.
    يقول الإنجليز لرئيس الوزراء أخرج زميلين من زملائك، وحل بينهم وبين الاشتراك معك في الحكم، فيظهر تردداً لا يخدع أحداً ويتكلف مقاومة لا تخدع أحداً، حتى إذا جد الجد، وعرف الرجل أن الإنجليز لا يمزحون أسرع إلى ما يريد الإنجليز فقبل استقالة صاحبيه وسافر إلى الإسكندرية ليعرضها على جلالة الملك لعل جلالته أن يقبلها وأن يقره هو وأصحابه في الحكم الذي لا يصلحون له، ولا يقدرون عليه. أتعرف مأساة شر من هذه المأساة؟ أتعرف بلداً يقول إنه مستقل، وإنه خاضع للنظام الديمقراطي الدستوري وإنه حر في تصريف أموره الخاصة، أتعرف بلداً يقول هذا كله، ثم يذعن رئيس الوزارة فيه لأمر الأجنبي، في غير شرط ولا قيد، لا يبتغي إلا أن يقبل منه الأجنبي هذا الإذعان فيرد إليه ما حرمه من الرضى، ويعيد إليه ما منعه من التأييد؟ سم هذا بما شئت من الأسماء، وصف هذا بما أحببت من الصفات، وقل في هذا ما استطعت أن تقول ولكنك مكره مع الأسف الشديد والألم الممض والحزن اللاذع أن تعترف بأنه موقف قوامه الخزي والعار، موقف لا يمكن أن يوصف بأقل من أنه تفريط في الحق، واستهانة بالكرامة ونزول عن الاستقلال.
    ماذا؟ هؤلاء فقهاء الدولة يشيرون على هذا الرجل الذي يريد أن يحتفظ بالحكم وما ينبغي له أن يحتفظ بالحكم، يشيرون عليه ألا يتهالك على إرضاء الإنجليز، وبألا يكون هذا التهالك وسيلة حتى إلى إفساد الأشكال والمظاهر فإن إخراج صاحبيه من الحكم يهدم الاستقلال هدماً، وهم ينصحون له بأن يستقيل ثم يؤلف وزارة أخرى إن لم يكن له بد من البقاء في الحكم.
    أفتراه قد سمع لمشورة الفقهاء وقبل نصيحتهم له فهو سيرفع استقالته إلى جلالة الملك أم تراه استشارهم كما استشار نائب المندوب السامي، فلما قدموا له النصح لم يجد من نفسه الشجاعة على قبوله والمحافظة حتى على شكل الاستقلال.
    سيتبين هذا كله بعد ظهر اليوم، ومن يدري لعل هذا الرجل ينكر أنه استشار الفقهاء، كما أنكر أنه استشار نائب المندوب السامي، وسواء أرفع استقالته اليوم إلى جلالة الملك أم لم يرفعها، فإن خروجه من الحكم ورجوعه إلى ما يحسن من أعمال الحياة أصبح أمراً مقضياً لا تقضي به إرادة الشعب المصري، فإرادته لا يحفل بها رئيس الوزراء إلى الآن وإنما تقضي به الظروف التي هي فوق إرادته وفوق إرادة الشعب.
    خروجه من الحكم أمر مقضي، فليهنأ المصريون فلسنا نعرف أن أحداً منهم يسره أن يتصل الفساد ويستمر الاضطراب ويرضيه أن يخزى المصريون ويخجلوا من أنفسهم، ويستحي كل واحد منهم أن يقول لنفسه إن على رأس الوزارة المصرية رجلاً لا يتردد في أن يخرج زميليه من الحكم لأن الإنجليز أرادوه على ذلك، واضطروه إليه اضطراراً.
    نعم لقد بدا هذا العهد بمأساة الاعتداء على حقوق مصر الداخلية وهو يختم بمأساة التفريط في حقوق مصر الخارجية. والله عز وجل يريد أن يمتحن المصريين في كل شيء، وأن يجعل هذا العهد سوءاً كله، سوءاً حين يبتدئ وسوءاً حين يتصل، وسوءاً حين ينتهي. ولكن الله عز وجل يريد أن يمحص المصريين بهذه المحنة وأن يظهرهم رجالاً كراماً كما تعودوا أن يكونوا رجالاً كراماً. وأن يقيم من ثباتهم وصبرهم واحتمالهم وإبائهم للضيم أوضح الأدلة وأنصعها للإنجليز على أن المصريين لم يكونوا عابثين حين ثاروا ولم يكونوا لاعبين حين أقسموا يمين الإخلاص للدستور القديم، وعلى أنهم لم يمزحوا ولم يداعبوا حين تعاهدوا على مقاطعة هذا العهد حتى ترد إليهم حقوقهم كاملة، وحتى يعود إليهم الدستور الذي لا يرضون غيره نظاماً مهما تكن المحن، ومهما تكن الخطوب ومهما تحرجت الظروف.
    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/١١/١.

  • حزم البدار

    حديث الوادي
    حزم البدار…
    كلمة أحدثها النائب العام في أول الربيع، أو في آخر الشتاء، فظفرت بحظ قلما تظفر به الكلمات في هذه الأيام، جرت بها الأقلام وانطلقت بها الألسنة وأثارت في قلوب بعض الناس خوفاً وأثارت على شفاه بعضهم الآخر ابتساماً.
    والكلمة غريبة في حقيقة الأمر، قد لا يكون عليها اعتراض من الناحية اللغوية، وقد لا يضيق بها سيبويه أو الخليل كما يضيقان ببعض ما يدفع إليه النائب العام من الكلمات. ولكن غرابتها تأتي من أنها تثير ميلاً إلى التأويل وإلى التأويل الذي يدور دوراناً متصلاً، لا ينقطع حتى يتعب المؤولين. فالحزم مصدر والبدار مصدر آخر، وإضافة أحد هذين المصدرين إلى صاحبه يحدث حيرة لذيذة في الفهم والتقدير، ويخلع أحد المصدرين على صاحبه في غير تحديد ولا تحقيق. فحزم البدار قد يفهم منه البدار الحازم وقد يفهم منه الحزم المبادر، فالمضاف صفة للمضاف إليه، أو المضاف إليه صفة للمضاف، أو كلاهما صفة لصاحبه، وأنت تستطيع أن تدور بين هاتين الصفتين خالعاً إحداهما على الأخرى كما أنك تستطيع إذا أتعبك الدوران أن تستريح فتخلع الصفتين على رجل واحد هو صاحب العزة النائب العام الذي أحدث هذه الكلمة إحداثاً.
    فحزم البدار أو بدار الحزم أو الحزم المبادر أو البدار الحازم أو النائب العام الذي يجمع بين الحزم والبدار معاً فيكون حازماً مبادراً ويكون مبادراً حازماً ويكون حازماً إذا بادر، ويكون مبادراً إذا حزم. كل هذا يملأ القلوب روعة وروعاً في وقت واحد، وهو خليق أن يصدر من المجمع اللغوي أو هو خليق على كل حال -نقول هذا في غير مزح ولا دعابة- أن يرقى بالنائب العام صاحب العزة لبيب عطية بك إلى المجمع اللغوي، وإن كانت الطرائق الندد وتعدية الفعل الذي لا يتعدى قد تردان عن هذا المجمع رداً. فمهما يكن من شيء فإن حزم البدار أو بدار الحزم لم يكن في يوم من الأيام لازماً واجباً محتوماً كما هو في هذه الأيام وهو لازم واجب محتوم بالقياس إلى النائب العام نفسه، وليس في هذا شيء من الغرابة، فالنائب العام قد ابتكر حزم البدار وبدار الحزم فهو خليق أن يمضي بهما إلى أقصى الغايات وأبعد الآماد. وليس حزم البدار ولا بدار الحزم أن تجد حازماً مبادراً أو مبادراً حازماً حين تريد أن تأخذ الناس بما يجب أن تأخذهم به مما يقتضيه الحق والعدل والقانون فحسب، وإنما حزم البدار وبدار الحزم أن تأخذ نفسك بذلك قبل كل شيء وقبل كل إنسان. والنائب العام يعلم أن قد أضيفت إليه أمور منها أنه اشترك في عمل سياسي، وكانت نتيجة اشتراكه أن أقحم القضاء في السياسة أو أقحمت السياسة في القضاء، أو اتخذ القضاء وسيلة لحل أزمة سياسية بين الوزارة والإنجليز. وقد سكت النائب العام على هذا حين أضيف إليه وإن نفاه نفياً خفيفاً، ولم ينكره صراحة إلا حين جد الجد، وأخذت آثار ذلك تظهر وتشغل بها الدوائر الرسمية. وكان حزم البدار أو بدار الحزم يفرض على النائب العام أن ينفي هذا الأمر من فوره وأن يكون هذا النفي صادقاً قاطعاً، لا سبيل إلى الشك فيه. ولكنه أهمل حزم البدار وأعرض عن بدار الحزم، وترك الصحف تقول والناس يخوضون. فلما نفى بعد أيام أقبلت السياسة اليوم تتحداه نوعاً من التحدي غريباً، وتطالب الأهرام وتستحلفها بالشرف والنزاهة أن تقول إن الذي أنبأها بهذا النبأ لم يكن هو النائب العام. وإذن فالسياسة لا تقبل نفي النائب العام لما أذيع من اشتراكه في السياسة وإقحامه القضاء فيها، أو إقحامها في القضاء. بل هي تريد أن نفهم الناس شيئاً أبعد من هذا يفهمه كل من قرأ سؤال السياسة للأهرام.
    ومن هذه الأمور التي أضيفت إلى النائب العام ما رواه الأستاذ الكبير الهلباوي بك فقد تحدث الناس به أثناء الصيف، ونشرته السياسة صباح الخميس، وكان حزم البدار أو بدار الحزم يفرض على النائب العام أن ينفيه مساء الخميس وألا يقف عند النفي بل يتجاوزه إلى التحقيق في هذا الأمر وفي الأمر الآخر الذي نشر يوم الثلاثاء، ولكن النائب العام أهمل حزم البدار وأعرض عن بدار الحزم يوم الخميس كله ويوم الجمعة كله، حتى تنحى المستشاران عن نظر القضية صباح السبت. وكان النائب العام يستطيع لو آثر حزم البدار أو بدار الحزم أن يرد عن هذين المستشارين الكريمين هذا الحرج. ولكنه لم يفعل والغريب أن يصطنع حزم البدار وبدار الحزم رجل آخر غير النائب العام هو رئيس تحرير الوادي فيطلب يوم السبت في حزم مبادر أو بدار حازم أن يستقيل النائب العام أو أن يلغى انتدابه للنيابة العامة. وبعد أن ظهر ما ظهر وكتب صديقنا الزيات ما كتب ذكر النائب العام حزم البدار وبدار الحزم فنفى في الأهرام صباح أمس، ما أضافه الأستاذ الهلباوي بك إليه من الحديث. نفى ولكن الأستاذ الهلباوي بك يصر على صدق ما قال ويؤكده تأكيداً، أكده لمندوب الوادي صباح أمس، وأكده في توسع وتفصيل للسياسة صباح اليوم. ووقف الناس جميعاً من النائب العام والذين أضافوا إليه ما أضافوا، هذا الموقف الغريب الذي يجب أن يرتفع عنه الأمين على الدعوى العامة.
    النائب العام ينفي أن يكون قد اشترك في عمل سياسي، والسياسة تتحداه، والنائب العام ينفي أن يكون قد قال في المستشارين ما نسب إليه والهلباوي بك يتحداه. فنظن أن حزم البدار أو بدار الحزم يقضي على النائب العام وعلى وزير الحقانية وعلى رئيس الوزراء أن يبينوا للناس وجه الحق في هاتين القصتين بطريقة قاطعة حاسمة لا تدع للشك إلى نفوسهم سبيلاً.
    ونظن أن أول ما يفرضه حزم البدار أو بدار الحزم على النائب العام إنما هو أن يتنحى عن أمانة الدعوى العامة حتى يظهر الحق واضحاً جلياً. وإذا كان حزم البدار قد أهمل حتى شكا من إهماله الناس، فقد يكون من الحق ومن المعقول أن يرفق النائب العام ووزير الحقانية ورئيس الوزراء بحزم البدار وأن يردوا إليه شيئاً من الاعتبار.

    طه حسين
    الوادي، ٢٩ أكتوبر ١٩٣٤.

  • براءة

    حديث الوادي
    براءة . . .
    براءة لا بد منها إذا كان يراد بهذا البلد أن يطمئن الناس فيه إلى أن الحق مكفول، وإلى أن العدل مضمون، وإلى أن لكل إنسان أن يأمن على نفسه وماله وكرامته، ومنافعه على اختلافها.
    براءة لا بد أن تثبت في نفوس الناس جميعاً واضحة لا يشوبها الشك، ناصعة لا يكدرها الريب، براءة يجب أن تكون قواماً لحياة الأفراد والجماعات وجزءاً من هذا اليقين الذي تمتلئ به القلوب، وتستريح إليه الضمائر، وتمكن الناس من أن يعيشوا أحراراً، مؤمنين بالحرية، ومن أن يعيشوا متحضرين واثقين بأن الحضارة وسيلة إلى الخير، والرقي، لا وسيلة إلى الشر والفساد.
    براءة نطالب بها، ونلح فيها، ونرجو بل نحرص كل الحرص على أن تدل الحقائق الواقعة على أنها ثابتة جلية، وعلى أن الذين أثاروا حولها الشكوك، وسلطوا عليها الريب، قد دفعوا إلى ذلك مخطئين لا مصيبين ومتكلفين لا مصورين للحق الواقع المخيف، قد كثر الكلام في هذه الأيام حول ما يقال من اقتحام النائب العام لشؤون السياسة ودخوله فيها، واشتراكه في مشكلاتها التي تتعسر حيناً، وتتيسر حيناً آخر، وتتأثر على كل حال بالمنافع والطبائع، وبالأهواء والميول، وبهذه المؤثرات التي يجب أن يقتنع الناس أشد الاقتناع بأنها بعيدة كل البعد عاجزة كل العجز عن أن تبلغ النيابة والقضاء.
    فالصحف كلها أو أكثرها على الأقل تتحدث بأن النائب العام قد أفتى في الأزمة القائمة حول وزيرين يراد إخراجهما من الوزارة، لأن إخراجهما لا يحسن أو لا تجوز قبل أن يصدر فيهما حكم القضاء، وليس النائب العام وزيراً، ولا شيئاً يشبه الوزير في مصر وهو من أجل ذلك ليس عضواً في مجلس الوزراء، وليس هو مستشاراً ملكياً لمجلس الوزراء أو لوزارة من الوزارات، فليس له إذن أن يشير فيما يعرض للدولة من المشكلات السياسية، وطبيعة منصبه تفرض عليه، وتفرض على الوزارة مهما تكن، أن يظل بعيداً كل البعد عن السياسة ومشكلاتها، وإذن فقد كنا ننتظر، بل لم نكن نشك لحظة، في أن هذه الأنباء التي سبقت المقطم إلى إذاعتها يوم الثلاثاء، ثم أذاعتها الصحف بعد ذلك إذاعة متصلة، ستكذب في أسرع وقت أشد تكذيب وأصرحه وأقطعه، وأبلغه في إزالة الريب. ولكن يوم الثلاثاء مضى وتبعه يوم الأربعاء، وتبعهما يوم الخميس، ولم يكذب النائب العام هذا الحديث، ولم يكذبه رئيس الوزراء ولم يكذبه وزير الحقانية، ولم يكذبه أحد من الناس، بل نشرت الصحف وما زالت تنشر أن قضية السياسة التي تقع فيها الخصومة بين الوزيرين وبين الأستاذ حفني بك محمود لم تكن مثبتة بين القضايا التي تنظر في شهر نوفمبر، فأثبتت بينها.
    ونشرت الصحف وما زالت تنشر أن محكمة الجنايات كانت ستجلس للقضاء في الثالث عشر من شهر نوفمبر. فتقرر أن تجلس في الخامس من هذا الشهر، وصرح رئيس الوزراء بأن أمر هذين الوزيرين سينجلي بعد أن يصدر حكم القضاء. ومعنى ذلك أنهما سيبقيان إذا أدين المتهم، وسيخرجان من الحكم إذا برئ المتهم. ومعنى ذلك أن القضاء لن يفصل في خصومة بين الوزيرين وكاتب من الكتاب فحسب، بل سيفصل في خصومة سياسية خالصة بين الوزراء والإنجليز، ومعنى هذا كله أن ما نشرته الصحف من اشتراك النائب العام في حل المشكلات السياسية، أو معالجة حلها من حيث هو نائب عام صحيح أو راجح، أو محتمل ما دام لم يكذب إلى الآن. وإذن فمن حق الناس ألا يطمئنوا إلى أن النائب العام فوق السياسة وبعيد عنها ومن حق الناس ألا يطمئنوا إلى أن النائب العام فوق الأحزاب، وبعيد عنها، لأن السياسة في مصر الآن هي سياسة أحزاب فمن اشترك فيها واحتمل أثقالها فهو حزبي والناس يعلمون أن النائب العام أمين على الدعوى العامة، والدعوى العامة ليست، ولا ينبغي أن تكون ملكاً لحزب من الأحزاب، وإنما النائب العام يمثل الجماعة كلها، حين يحمل أمانتها وليس يعنينا الآن أن يكون من الخير أو من الشر، في رأي أصحاب السياسة والقانون والفقه، أن يشترك النائب العام في السياسة الحزبية فليست الصحف موضع هذا البحث أثناء هذه الأزمة، وإنما الذي يعنينا هو أن الأمر المقرر في مصر إلى الآن، بعد النائب العام عن السياسة ومشكلاتها وعن الأحزاب وما تثير من الخصومات. فيجب أن نعلم هل تغير الأمر وهل أصبح مقرراً أن النائب العام عضو من أعضاء الوزارة أو شريك للوزارة في السياسة يحتمل معها تبعات السياسة، ويذهب معها مذاهبها السياسية المختلفة؟
    نحب أن نعلم هذا ليطمئن المعارضون إلى أنهم قد يشقون اليوم، ولكنهم قد يسعدون غداً فيكون لهم نائب عام حين يطوق الحكم يشاركهم في السياسة ويذهب معهم مذاهبهم فيها وإذن فستنقل الدعوى العامة بين الأحزاب كما تنقل الوزارات، وإذن فستجري أمور النيابة كما تجري أمور الوزارات، وما دامت الأيام دولاً فليشق خصوم الوزارة اليوم ليسعدوا إذا كان الغد، وليشق أنصار الحكومة يوم تدور عليهم الدائرة. وما نظن أن هذا الأمر يستقيم وما نظن أن النائب العام يرضاه، وما نظن أن ضميره القضائي وثقافته الفقهية يبيحان له السكوت عليه، وما نظن أن النائب العام يستطيع أن يمضي فيما مضى فيه من الصمت إلى الآن، وهو الدقيق في كل ما يمس النيابة. وإذن فما زلنا ننتظر أن يصدر النائب العام بياناً صريحاً ينفي ما يقوله الناس وتذيعه الصحف، من أنه اشترك في السياسة وعالج مشكلاتها؟
    وشيء آخر لا نتصور أن يسكت النائب العام عليه نشرته السياسة أمس وعادت فأشارت إليه اليوم وهو يمس مستشارين من أعضاء محكمة الجنايات زعمت السياسة أن النائب العام قاله للأستاذ الكبير الهلباوي بك، وكنا واثقين بأن ظهر أمس لن يأتي حتى يكون بيان النائب العام قد صدر بإنكار هذا الذي نشرته السياسة بل كنا نعتقد موقنين أن النائب العام لن يكتفي بالإنكار بل قد يتجاوزه إلى شيء آخر، وهو الذي حقق مع نقيب المحامين، ثم حقق مع رئيس الوفد ونقيب المحامين، ثم حقق مع الأستاذ قاسم، لأنهم عرضوا له بالنقد وما نظن أن شخص النائب العام آثر عنده وأكرم عليه من قدس القضاء. وإذن فالنائب العام يعذرنا من غير شك حين نلح عليه في أن يقنع الناس جميعاً ببراءته الساطعة الناصعة من اقتحام السياسة من جهة، ومما حمل عليه في شأن بعض المستشارين من جهة أخرى. والنائب العام يوافقه على أن لا يتجاوز القصد والاعتدال، وتأدية أيسر ما يجب علينا للعدل حين نطالبه بأن يرد إلى الناس ما ينبغي من الثقة والاطمئنان إلى أن الدعوى العمومية لا تزال مصرية للمصريين لا حزبية للأحزاب.
    طه حسين
    الوادي، ٢٦ أكتوبر ١٩٣٤.

  • في الاستقلال

    حديث الوادي
    في الاستقلال…
    نريد أن نتحدث عن هذا الاستقلال الذي يقف رئيس وزرائنا الرجل الطيب موقف الأبطال للذود عنه، وحمايته من تدخل الإنجليز، فهو استقلال طريف في حقيقة الأمر لا يستحق عناية ولا يجدر برجل عاقل يكرم نفسه عن السخف ويرفعها عن عبث الأطفال، أن يحفل به أو يفكر فيه. بل هو استقلال خير منه الخضوع، لأنه يقوم على الغرور أو على التغرير، ولا يقوم على الحق الواضح الجلي الذي لا يختلف فيه الناس، ولا يحتاجون إلى أن يختلفوا فيه، فالاستقلال الذي يحميه رئيس الوزراء أو يتكلف حمايته لا يبلغ حتى أن يكون شكلاً من الأشكال أو صورة من الصور أو مظهراً من المظاهر الكاذبة. وإنما هو كلام يرسل في الهواء إرسالاً ولا يستطيع أذكى الناس ولا أغباهم ولا أشدهم فطنة، ولا أعظمهم حظاً من السذاجة أن يفهم له معنى أو يستدل به على شيء. هو استقلال يبيح للوزراء أثناء الطمأنينة والهدوء أن يدخلوا الإنجليز في كل شيء، ويتقربوا إليهم من كل طريق. يبيح لهم أن يعملوا عصي الشرطة الإنجليزية وسياطها في رؤوس المصريين وأبدانهم، يبيح لهم أن يقصوا المصريين عن المناصب ليضعوا فيها الإنجليز، يبيح لهم أن يوزعوا كتباً في اللغة الإنجليزية على الطلاب والتلاميذ توزيعاً قهرياً أثناء الصيف، يبيح لهم ألا يصدروا في أمر من الأمور السياسية الخارجية إلا عن رأي الإنجليز ومشورتهم بل عن أمر الإنجليز وإرادتهم. يبيح لهم أن يقبلوا من الإنجليز مذكرات بأمر الري وفي غير الري من المسائل الداخلية الخالصة، يبيح لهم أن يتقربوا إلى المندوب السامي، بإقامة الولائم له، في داخل البلاد وفي البيئات القروية الخالصة، وأن يحشدوا له المصريين ليتلقوه بالهتاف والتصفيق إذا هبط من سيارته وليودعوه بالهتاف والتصفيق إذا صعد إليها، يبيح لهم أن يرفعوا كلمة الإنجليز، على كل كلمة إذا حسنت الصلة بينهم وبين الإنجليز وألا يحفلوا بما يقول المصريون أو بما يفعلون بل أن لا يسمحوا للمصريين بأن يقولوا أو يفعلوا، فإذا كان الحرج بينهم وبين الإنجليز لسبب من الأسباب دفعهم إليه ضعف الرأي، وسوء التدبير والعجز عن مواجهة الخطوب والعجز عن فهم الاستقلال كما ينبغي أن يفهم، في هذه الحال يصيحون بأن الاستقلال في خطر، ويدعون الشعب إلى حمايته والذود عنه والقيام دونه أن يعتدى عليه الإنجليز.

    يطلبون إلى الإنجليز – فيما تؤكد دوائر لندن – أن يشيروا عليهم في أمر الوصاية والأوصياء، وما ينبغي للإنجليز أن يستشاروا، ثم لا يشيروا. فإذا أشار عليهم الإنجليز أنكروا هذه المشورة التي طلبوها وشكوا من التدخل الذي دعوا إليه، وأحدثوا أزمة عنيفة لا يقدرون عواقبها، لأنهم لا يحسنون تقدير العواقب، لشيء من الأشياء. هذا هو الاستقلال الذي يحميه رئيس الوزراء أو يتكلف حمايته، هو استقلال شر منه الخضوع، لأنه يقوم كما قلنا على الغرور والتغرير وعلى السخف الذي لا يسيغه الأطفال، فإذا نظرت إلى هذا الاستقلال من ناحيته الداخلية الخالصة، من ناحية الصلة بين الوزارة والمصريين فهو استقلال كله شر، وكله تجاوز للقانون، وكله إفساد لمعنى الاستقلال الصحيح. هو استقلال يقوم على أخذ الناس بالعنف، والبطش في غير حق، وعلى التفريق بينهم في جباية الضرائب: تخفيف على الأنصار والأعوان، وتشديد بل إرهاق للخصوم والمقاومين. وهو تبذير في هذه الأموال التي تجمع بالعصي، وتجبى بالسوط وتؤخذ من الناس في غير أوقاتها، تبذير في هذه الأموال باليمين والشمال، تبذير في مصر وتبذير في أوروبا، تبذير فيما ينفع ويمكن تأجيله، وفيما لا نفع فيه، بل فيه الضرر المحقق، عبث بالمال، كما يعبث الأطفال بما أمامهم من الرمل حين يلعبون على ساحل البحر. فإذا أنكر الناس عليهم ذلك أو هموا بإنكاره فالسؤال والتحقيق والإرهاق والمضايقات التي لا تحصى والإعنات الذي لا يحد، والاجتراء حتى على مكانة القضاء. وما ينبغي له من التقديس والإقدام على غير ذلك مما لا نحاول إحصاءه لأننا لا نستطيع إحصاءهم، ومما تضيق به كل نفس، ويدمي له كل قلب، وينطلق به كل لسان.

    الاستقلال الذي يحميه رئيس الوزراء أو يتكلف حمايته يمكن أن يختصر في جملتين اثنتين: خضوع للإنجليز، ما حسنت الصلة بين الوزارة وبين الإنجليز وإذلال الشعب المصري. ما استطاعت الوزارة إذلال الشعب المصري. تستطيع أن تبحث وأن تستقصي فلن تستطيع أن تخرج باستقلال رئيس الوزراء عن هاتين الصورتين البشعتين، صورة الخضوع للقوي والإذلال للضعيف. فقد نحب أن نعلم هل هذا هو الاستقلال الذي طلبه المصريون وجاهدوا فيه، وسفكوا فيه دماءهم وأرهقوا فيه نفوسهم واحتملوا فيه ما لا يحصى من ألوان الضر والضيم والأذى. وقد نحب أن نعلم لمن أعلن هذا الاستقلال؟

    ولمصلحة من؟ ولإرضاء من أعلن هذا الاستقلال؟ هل أعلن هذا الاستقلال لمصلحة الإبراشي باشا وأمثاله من الذين تظهرهم الأحداث في هذا البلد الشقي، ولأنصاره والمذعنين له من الوزراء وأشباه الوزراء؟ فإن كان هذا الاستقلال قد أعلن لمصلحة هؤلاء الناس دون الشعب المصري فليحموه وحدهم، وليحتفظوا به وحدهم وليدعوا الشعب المصري يطلب استقلاله الصحيح الذي لم يظفر به بعد. أم هل أعلن الاستقلال للشعب المصري نفسه لإرضائه ولتحقيق مصالحه، وللوصول إلى تحقيق الاتفاق بينه وبين الإنجليز؟ فإن كانت هذه ونظن، بل نؤمن، أن هذه هي الصحيحة التي ليس فيها شك، فإن الشعب المصري يفتقد استقلاله فلا يجده وإنما يجد قوماً آخرين هم الإبراشي باشا وأمثاله قد استأثروا من دونه بهذا الاستقلال، وغصبوا لأنفسهم هذه الحقوق.

    وما نظن أن المصريين قد انتهوا من السخف إلى حيث يصدقون أن استقلال الإبراشي باشا وأمثاله هو استقلال مصر، وأن بقاء الإبراشي باشا وأمثاله في مناصبهم يتجاوزون القانون وينتهكون حرمات الدستور هو المظهر الصادق للاستقلال الصحيح.

    كلا. قد ينتهي فريق من الناس إلى هذا السخف، لأن الله أراد لهم ذلك، ولكن الشعب المصري ما زال رشيداً، يفهم الاستقلال على وجهه ويريده على حقيقته. ويعلم أن حماة الاستقلال والذادة عنه، ليسوا ولا يمكن أن يكونوا من طراز الإبراشي باشا ورئيس الوزراء.

    طه حسين
    الوادي، ٢٥ أكتوبر ١٩٣٤.

  • في الأزمة

    حديث الوادي
    في الأزمة…
    ما يزال رئيس الوزراء معتصماً بالصمت، مغرقاً فيه، ملحاً في الإنكار يظن ذلك سياسة أقل ما توصف به أنها سياسة الرجل اللبق، الفطن الرشيق الذي يؤثر الأناة، ويكره أن يتعجل الحوادث، ويسبق الخطوب والكارثات.
    فنحب أن يعلم رئيس الوزراء ما يعلمه الناس جميعاً على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم وحظوظهم من الذكاء والفطنة، إن الصمت قد يكون من ذهب أحياناً ولكنه قد يسفل أحياناً أخرى حتى يبلغ أخس المعادن وأقلها استحقاقاً للعناية والالتفات، وإن الصمت قد يحسن بالرجل السياسي في بعض الأحيان ولكنه قد يسوء ويسرف في السوء حتى يصبح إثماً أو شيئاً يشبه الإثم، ونحب أن يعلم رئيس الوزراء وأن يقول له الذين يحيطون به ويشيرون عليه، إن صمته قد كان محتملاً منذ أسابيع، وقد كان يمكن أن يكون سياسة وفطنة وذكاء، ولكنه الآن لا يمكن أن يحتمل ولا أن يقبل ولا أن يفسر إلا بإحدى اثنتين، فإما أن يكون عجزاً ليس بعده عجز، وأول واجب على العاجز أن يستقيل، وإما أن يكون استبداداً ليس بعده استبداد وأول واجب على الشعب أن لا يقبل الاستبداد، فضلاً عن أن يظاهر المستبدين، أو يختصهم بالعطف والتأييد.
    فليس من الذكاء ولا من القوة في شيء، وليس من البراعة ولا المهارة في شيء، أن يسكت رئيس الوزراء والحوادث تتكلم، وأن ينكر رئيس الوزراء والخطوب تعلن نفسها في صراحة بشعة إلى الناس. إنما السياسة أن يتكلم رئيس الوزراء، حتى لا يظن الناس به الظنون، وإنما الشجاعة أن يعلن رئيس الوزراء إلى الناس أن أمورهم متحرجة، وأنه قادر على إزالة الحرج فهو باق في الحكم لذلك، أو عاجز عن إزالة الحرج فهو نازل عن الحكم من أجل ذلك. وما زلنا نريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء أكرم على نفسه، وأن حقوق الوطن أكرم على رئيس الوزراء من أن يؤثر الصمت إيثاراً للعافية، واستبقاءً للمنصب، وما يستتبعه من الأجر والجاه. وما زلنا نريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء أذكى قلباً أو أنفذ بصيرة من أن يعتقد أن أمور مصر لا تعني مصر، وإنما تعنيه هو والذين يوحون إليه ويشيرون عليه فهو وأصحابه لا يزيدون على أنهم أفراد من الناس، لهم مثل ما لغيرهم من الحقوق، وعليهم بحكم مناصبهم أكثر مما على غيرهم من الواجبات. فما ينبغي لهم، وما ينبغي لأحد أن يرضى منهم الاستمتاع بالحق كاملاً والتقصير في أداء الواجب. وماذا ينفع رئيس الوزراء وأصحابه أن ينكروا طلوع الشمس ونورها يبهر الأبصار وحرها يصهر الأبدان؟ وماذا ينفع رئيس الوزراء وأصحابه أن ينكروا الأزمة وصورها تظهر للناس بشعة سمجة مؤذنة بأعظم الشر وأشنع الخطر؟ الناس يتحدثون في مصر وفي إنجلترا، وفي أوروبا، بأن في مصر أزمة حادة وبأن للإنجليز عند الوزارة المصرية مطالب معينة يذكرونها ويجادلون فيها، ورئيس الوزراء صامت أو منكر، لا يخرج عن الصمت إلا ليمعن في الإنكار، ولا يخرج عن الإنكار إلا ليعود إلى الصمت، حتى أصبح الأمر مضحكاً، أو آن للناس أن يضحكوا في مثل هذه الأيام.
    الناس جميعاً يتحدثون بأن للإنجليز مطالب تمس الوصاية على العرش كما تمس الأوصياء، وبأن للإنجليز مطالب تمس دخول الإبراشي باشا في شؤون الحكم، وبأن للإنجليز مطالب تمس تعيين رئيس للديوان الملكي، وبأن للإنجليز مطالب تمس نزول وزيرين أو أكثر من وزيرين عن مناصب الحكم.
    يقول الناس هذا كله بألسنتهم ويكتبونه بأقلامهم، ويذيعونه في صحفهم، ويجادلون فيه ما وسعهم الجدال، فنحب أن نعلم أي معنى قريب أو بعيد لهذا الصمت الذي يغرق فيه رئيس الوزراء وما الذي يظن رئيس الوزراء أنه يخفيه بهذا الصمت وكل شيء ظاهر جلي؟ وما الذي يظن رئيس الوزراء أنه سيجنيه من هذا الصمت وكل حل للأزمة ميئوس منه، ما دام رئيس الوزراء وأصحابه باقين في مناصبهم ماضين في سياستهم، مغرقين في هذا الصمت العميق؟
    وأغرب من هذا أن تلح صحف رئيس الوزراء على الناس في أن ينصروه ويؤيدوه ويجمعوا كلمتهم من حوله. ولكن في ماذا ورئيس الوزراء لا يعترف بشيء. وعلى من؟ ورئيس الوزراء لا يتحدث بأن له خصوماً أو مهاجمين.
    هذه الصحف الإنجليزية تخوض في نظام الحكم القائم وتتحدث عن الإبراشي باشا أحاديث أقل ما توصف به أنها تحيطه بكثير من الريب والشكوك وتتحدث عن بعض الوزراء أحاديث أقل ما توصف به أنها تصب الشبهات عليهم صباً، وتجعل بقاءهم في الحكم مهيناً للكرامة الإنجليزية غير ملائم لما تحتمله إنجلترا من التبعات، فهل قرأ رئيس الوزراء هذا الكلام؟ نعم قرأه، وسئل فيه فلم يقل شيئاً أو قال إنه يترك هذه الصحف تقول ما تريد. فهل يعلم رئيس الوزراء أنه لم يتول منصبه ليترك الصحف تقول ما تريد حتى حين تمس نزاهة الحكم وأخلاق الوزراء ودقائق النظام القائم، والصلة بين الوزراء والعرش، والصلة بين العرش والشعب، وأن الرئيس الذي يرى هذا كله ويقرأه ويسكت عليه لا ينبغي أن يحتفظ بالرياسة ولا أن ينتظر من الناس ثقة فضلاً عن أن ينتظر منهم عطفاً وتأييداً؟
    أحق أن الإنجليز يلحون في خروج بعض الوزراء من الوزارة؟ نعم هذا حق لا شك فيه، تنشره الصحف كلها في مصر، وتجهر به الصحف الكبرى في إنجلترا ولكن الذي يريد المصريون أن يعلموه هو موقف رئيس الوزراء من هذا الطلب ليقبله؟ وإذن فأين كرامته وأين تضامنه مع زملائه الذين عمل معهم عاماً كاملاً؟ وأيهما آثر عنده وأحب إليه المنصب أم الكرامة؟ أيرفضه؟ وإذا فما له لا يعلن رفضه هذا إلى الناس وما له لا يظهر وزارته وقد وقفت هذا الموقف الذي يملؤه الشمم والإباء؟ أم هو متردد بين القبول والرفض، يقدم ثم يحجم، ويمضي ثم يعود؟ وإذن فمتى حلت الأزمات السياسية بالتردد والاضطراب؟ أليس رئيس الوزراء يوافقنا على أن موقف وزارته من هذه الأزمة الحادة العنيفة قد أغرق في السخف حتى أصبح شيئاً لا يمكن أن يطاق؟ ليقر رئيس الوزراء أن بعض زملائه مغموزون في نزاهتهم، متهمون في أخلاقهم، كما قالت بعض الصحف الإنجليزية؟ وإذن فكيف قبل العمل معهم عاماً كاملاً؟ وما له كلف النيابة أن تخاصم الصحف المصرية أمام القضاء لأنها خاضت في مثل ما تخوض فيه الصحف الإنجليزية الآن؟ أم ينكره رئيس الوزراء؟ وإذن فما سكوته عليه وما إعراضه عن مخاصمة هؤلاء المكاتبين من الإنجليز؟ أم يعترف رئيس الوزراء آخر الأمر بأن البطش والمخاصمة والبأس أمور خلقت للمصريين دون غيرهم من الناس؟
    ليصدقنا رئيس الوزراء أن موقفه في هذه الأيام أبعد المواقف عن أن يترك في نفوس الناس هيبة لسلطان الوزارة، أو اعترافاً بما ينبغي أن يكون لها من المنزلة في النفوس. وكل ما قيل حول هذا المطلب من مطالب الإنجليز يقال حول غيره من المطالب، بل هناك مطلب من المطالب الإنجليزية لا نستطيع أن نفهم، ولا يستطيع أحد أن يفهم كيف يستأثر به وبمعالجته رئيس الوزراء والذين يشيرون عليه. وهو ما يمس الوصاية على العرش، فالعرش عرش المصريين جميعاً، وكل ما يمسه من الأمر يمس المصريين جميعاً. فكيف يستأثر رئيس الوزراء بما يمسه دون غيره من المصريين؟ وهل يقدر رئيس الوزراء أن كتفيه أضعف مما يريد تحميلهما من التبعات؟ أم هل يظن رئيس الوزراء أن الناس ملزمون بأن يمضوا وراءه لا لشيء إلا لأنه يريد منهم ذلك، وبأن يؤيدوه لا لشيء إلا أنه ينتظر منهم التأييد؟ كلا إن الشعب المصري لم يفقد مروءته بعد، وما نظن أنه سيفقدها قريباً وأن مروءة الشعب المصري تأبى عليه أن يكون قطيعاً يسوسه زكي الإبراشي باشا وعبد الفتاح يحيى باشا كما يريدان. إنما هو شعب عاقل رشيد لا يقدم إلا على بصيرة، ولا يعمل إلا عن علم، فمن أراد نصره وتأييده فلينبئه في صراحة وصدق وإخلاص على من يطلب منه النصر، وفيم يطلب منه التأييد. كلا لم يفقد الشعب المصري بعد مروءته ولن يفقدها، ومروءته تأبى له وتأبى عليه أن يعز قوماً أذلوه وأن يؤيد قوماً خذلوه، وأن يحب قوماً أذاقوه العذاب إن دماء الشهداء الذين ذهبوا في سبيل هذا العهد قد جفت على الأرض ولكن حمرتها ما زالت ماثلة أمام العيون مصورة في القلوب وإن نفوس الشهداء الذين ذهبوا في سبيل هذا العهد، ما زالت مشرقة تسمع وترى، وإن قبور الشهداء الذين ذهبوا في سبيل هذا العهد ما زالت قائمة. وإذن فمروءة الشعب المصري لا تسمح له أن ينسى هذا كله ولا أن يؤيد هذا العهد الذي لم يقمه ولم يستشر في إقامته ولم ير فيه إلا ذلاً وهواناً، ولم يذق فيه إلا عذاباً وخسفاً، فإذا كان هذا العهد يريد تأييداً فليلتمس التأييد عند صدقي باشا، وعند الإبراشي باشا وعند الذين ناصروا هذين الرجلين فأما الشعب فإنه مستعد لأداء واجبه يوم ترد أموره إليه، لا قبل ذلك.
    طه حسين
    الوادي، ٢٣ أكتوبر ١٩٣٤.

  • أزمة٤

    حديث الوادي
    أزمة . . .
    لا ينكرها الآن أحد، وإنما يجمع الناس بدقة على أنها قائمة، وعلى أنها حادة، وعلى أنها قد أخذت من الحدة طورًا عنيفًا حاسمًا منذ أمس حين زار نائب المندوب السامي رئيس الوزراء مع الظهر. الناس كلهم يجمعون على هذا إلا رئيس الوزراء فيما يظهر، فهو وحده خارج على هذا الإجماع، يقول للناس إن الأمر طبيعي مألوف، وإن نائب المندوب السامي تحدث إليه في مسألة الدين العام. فلندع رئيس الوزراء يمنح الحياة ابتسامة شفتيه ويعبس لها فيما بينه وبين نفسه حتى تأتي الساعة التي لا يستطيع فيها رئيس الوزراء إلا أن يوفق بين قلبه وبين شفتيه، وأن يؤمن مع الناس جميعًا بأن الأمر ليس طبيعيًا، ولا مألوفًا، وبأن الموقف السياسي قد انتهى من الحرج إلى أقصاه.
    ولنلاحظ أن الصحف الوزارية الرسمية قد أخذها وجوم مؤلم وذهول عميق منذ اليوم، فأما الليبرتيه فقد آثرت الصمت ولجأت إليه، فلم تقل في السياسة اليوم شيئًا بعد أن كانت تقول فتطيل، وأما الشعب، فقد آثرت الصمت أيضًا، فلم تقل في السياسة شيئًا، وإن شتمت المعارضة بعض الشتم. وواضح جدًا أن ألسنة الوزارة لم تفقد نفسها وإنما عقدتها الحوادث، ولم تسكت مختارة وإنما أكرهتها الظروف على السكوت. ولكن ما عسى أن تكون حقائق هذه الأزمة التي لم يبق في وجودها وحدتها شك. الناس كلهم يصفون أن الإنجليز يطلبون إلى الوزارة أشياء، ولكنهم لا يعلمون علمًا قاطعًا واضحًا، بحقيقة هذه الأشياء، والذين يعلمون بحقيقتها لا يستطيعون أن يذكروها أو أن يذكروها في صراحة وجلاء، فهم يؤثرون الصمت كالوزراء وأشباه الوزراء، أو هم يذهبون مذهب التلميح والتعريض، فيثيرون من الريب والشكوك، أكثر مما يثيره الصمت، وأكثر مما يثيره الكلام الصريح.
    وواضح جدًا أن هذا الموقف الغريب لا يتفق بوجه من الوجوه مع ما يقال من أن هذا البلد حر مستقل يخضع للنظام الدستوري الديمقراطي، فليس من الحرية، ولا من الاستقلال، ولا من الديمقراطية، ولا من الدستور أن يستأثر أشخاص لا يكادون يتجاوزون العشرة بأمور شعب يتجاوز الأربعة عشرة من الملايين، وأن يترك هذا الشعب حائرًا يسأل فلا يجاب، ويبحث فلا ينتهي إلى شيء. وأغرب من هذا كله وأدعى إلى العجب، أن يطلب الوزراء وأنصارهم إلى هذا الشعب، أن يمنحهم المعونة والنصر ويختصهم بالحب والتأييد دون أن ينبئوه علام يريد أن يعينهم، وعلى من يريدون أن ينصرهم، وفيم يريدون أن ينصرهم؟ كأنهم يؤمنون بأن الشعب مطمئن كل الاطمئنان إلى أنهم معصومون من كل خطأ، مبرأون من كل عيب، موفقون إلى كل صواب، فطاعتهم واجبة وتأييدهم فرض، والتردد في منحهم ما يريدون من الطاعة والتأييد إثم في حق مصر، وتقصير في ذات الوطن!! . فإن كانوا يؤمنون بكل ذلك أو بعضه، فقد آن لهم أن يفيقوا وأن يتنبهوا وأن يستيقنوا أن الشعب لا يرى فيهم هذا الرأي كله، ولا بعضه، ولعله يرى فيهم عكس هذا الرأي، ولعله من أجل ذلك يأبى أشد الإباء، أن يمنحهم معونة ويختصهم بتأييد، دون أن يعلم علام يريدون منه المعونة وفيم يريدون منه التأييد؟
    إنهم يذكرون التدخل الأجنبي ويدعون المصريين إلى مقاومته، ولكنهم يعلمون أن التدخل الأجنبي قائم متغلغل في الشؤون المصرية كلها منذ نهضت وزارتهم بأعباء الحكم، يقدم عليه الإنجليز فلا يجدون من الوزارة مقاومة، وقد لا يقدمون عليه فتدعوهم الوزارة إليه دعاء، وتحرضهم عليه تحريضًا. هم يدخلون في أعمال الوزارات، فلا ينكر الوزراء عليهم ذلك، وهم قد يبطئون في العناية ببعض الأمر فتستعين بهم الوزارة على ذلك كما استعانت بهم في مسألة الدين، وفي مسألة المحاكم المختلطة.
    وإذن فما بال التدخل الأجنبي يحب ويرضى عنه، ويسكت عليه وقد يرغب فيه، حينما يمس مصالح الناس، وحياتهم، وأموال الدولة وكرامتها، فإذا مس هذا التدخل زكي الإبراشي باشا أو فلانًا غيره من الوزراء، والموظفين الذين يؤثرهم الوزراء، أصبح بغيضًا، ممقوتًا، يجب أن ينكره الشعب، ويؤيد الوزارة لأنها تنكره وتأباه.
    إن التدخل الأجنبي بغيض كله ممقوت كله، ينكره الشعب مهما يكن ويجب أن ينكره الوزراء مهما يكن، ولن يبخل الشعب بتأييده على وزارة ترى في ذلك رأيه وتذهب في ذلك مذهبه، فأما الوزارة التي تؤمن ببعض التدخل وتكفر ببعضه الآخر فلا ينبغي أن يكون لها من الشعب عون ولا تأييد.
    الشعب المصري أكرم من أن يرضى تدخل الإنجليز حتى لإنقاذه من الذين يظلمونه، ويذيقونه ألوان العذاب، ولكن الشعب المصري أكرم على نفسه من أن يرضى من الوزراء وأشباه الوزراء أن يتخذوه هزؤًا ولعبًا، وأن يسوموه الخسف، ويسلطوا عليه العذاب، ويعملوا في أجسامه السياط وفي رؤوسه العصي، ويصوبوا إلى صدره الرصاص، حتى إذا تعرض أحدهم لفقدان منصبه، قيل لهذا الشعب أسرع إلى حماية الاستقلال، فإن الاستقلال في خطر، وإلى الذود عن الحق فإن الحق يوشك أن يضيع!
    كلا. إذا كان الاستقلال في خطر فالوزارة هي التي عرضته للخطر، لأنها قبلت تدخل الإنجليز منذ ارتقى إلى مناصبها. وإذا كان الحق يوشك أن يضيع فالوزارة هي التي عرضته للضياع لأنها أطمعت فيه الإنجليز، وما كان الشعب المصري ليحب قومًا كانوا وما زالوا، يعاملونه معاملة القطعان، يستأثرون من دونه بكل شيء، ولا يمنحونه إلا الذلة والهوان.
    إذا كان الاستقلال في خطر حقًا، فيجب أن يتنحى هؤلاء السادة عن ميدان الجهاد لأنهم لا يصلحون لميدان الجهاد. وإذا كان الحق معرضًا للضياع فيجب أن يترك هؤلاء السادة موقف الدفاع عن الحق، لأنهم لا يقدرون على الدفاع عن الحق.
    إنك لا تجني من الشوك العنب، وما ينبغي للشعب المصري أن ينتظر الخير من قوم لم يلق منهم إلا شرًا. وما ينبغي للشعب المصري أن يمنح نصره قومًا لم يمنحوه إلا الخذلان، فليقم هؤلاء السادة في مكانهم حتى تجتاحهم العاصفة إن شاؤوا، وليؤثروا أنفسهم بالعافية إن أشفقوا من الروع، فإن في مصر والحمد لله قومًا آخرين يستطيعون أن يحملوا راية الجهاد مظفرة وأن يدافعوا عن الحق موفورين منصورين.
    طه حسين
    الوادي، ٢١ أكتوبر ١٩٣٤.