Tag: fate

  • ضحك

    ضحك
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ١ سبتمبر ١٩٤٦
    لا يصدر عن الشعب المصري بالطبع؛ لأن الشعب المصري في شغل عن الضحك بهذه الخطوب التي تأخذه من جميع أقطاره.
    الشعب المصري مشغول بالفقر والجهل والمرض وغيرها من النكبات التي يداويها الوزراء بألسنتهم، وما يصدر عنها من الأقوال ويستبقونها بقلوبهم، وما يصدر عنها من الأعمال. والشعب المصري مشغول بهذه المحنة التي يمحص الله بها قلبه، فيرسل إليه الشر من حيث تعود أن يلقى الخير، ويسلط عليه صديقه النيل أن يزيد إلى فقره فقرًا، ويضيف إلى بؤسه بؤسًا، ويبيِّن له أنه لم يذُق من الجوع إلَّا أقله، وأن البؤس لا يأتي من الجوع وحده، وإنما يأتي من انهيار الدُّور والتعرض للموت وإيفاق الليل والنهار بالعراء وانتظار المرحمة تنجم له من الأرض أو تهبط عليه من السماء.
    والشعب المصري مشغول بهذا الاستقلال الذي لا يستكمل، وإنما ينتقص، وبهذه الحماية التي لا بد أن تعود؛ لأنها اشتاقت إلى مصر، وإن لم تشتق مصر إليها. وبهذا البلاء النازل الذي قبل فريق من المصريين أن يكتبوه على وطنهم حين قبلوا تأسيس الشركة المصرية البريطانية المساهِمَة للدفاع عن مصر، وللدفاع عن بريطانيا العظمى أيضًا.
    الشعب المصري مشغول بهذا كله وبأشياءَ أخرى أكثر من هذا كله، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يضحك ولا أن يبتسم إلَّا أن يضحك ضحِك المتنبي الذي هو أشبه شيء بالبكاء.
    ولكني لا أتحدَّث عن هذا الضحك الحزين، ولا عن هذه الابتسامات الصُّفر التي تصور الكآبة واليأس أكثر مما تصور الابتهاج والرجاء. وإنما أتحدث عن ضحك صريح لا يشوبه حزن ولا اكتئاب، ولا يتسلى به أصحابه عن الظنون الكاذبة والآمال الخائبة والهموم الثِّقال، وإنما هو ضحك ضاحك كأحسن ما يكون الضحك، وهو ضحك عريض كأعرض ما يكون الضحك أيضًا. ضحك أعرض من النهار حين يملأ العالم ضوءًا وجمالًا، وأعرض من الليل حين يملأ العالم ظلمةً واكتئابًا، ضحك لا يصدر عن فرد ولا عن جماعة ولا عن شعب، وإنما هو أضخم وأفخم وأنفذ وأبقى من هذا كله؛ لأنه يصدر عن الأقدار.
    وضحك الأقدار كما تعلم يملأ ما بين الأرض والسماء، وهو إن صَوَّر شيئًا فإنما يصوِّر سخف الإنسان أمام حكمة القضاء. والأقدار ضاحكة دائمًا؛ لأنها ترى سخف الإنسان واعتداده بنفسه وبكائه على أمسه واحتياطه لغده، وترى أن هذا كله لا يغني عن الإنسان شيئًا. ولكن الأقدار قد ضحِكت في أيام العيد ضحكًا جديدًا ما تزال مغرقة فيه. وكان أقطاب هذا العهد السعيد هم الذين أخذوا أنفسهم بتلهية الأقدار وإضحاكها حين فكَّروا وقدَّروا ودبَّروا ورسموا الخطط فأتقنوا رسمها؛ ليمسكوا هذا العهد السعيد من أن يطير، ويحفظوه من أن ينهار، ويقيموه بعد أن أراد أن ينقضَّ، فقد قيل إن بناء الوزارة القائمة سيدعم بنفرٍ من السعديين ليكون الائتلاف متينًا لا يسعى إليه ولا يدب فيه الضعف.
    وقد ظهر لرئيس الوزراء فيما يقال إن الائتلاف بين الدستوريين والمستقلين لم يحسن مقاومة الخطوب ولا الثبات للأحداث. فقد عرضه النقراشي باشا للخطر من أول يوم أُلِّفَتْ فيه الوزارة، ثم عرضه مكرم باشا للخطر من أول يوم بدأت فيه المفاوضات. ثم عملت فيه المعاول في كل ناحية حين جدَّ الجِدُّ، وقيل للمصريين إمَّا أن تقبلوا الحماية وإمَّا أن تُقطع المفاوضات، ثم تداعت أركانه في الاجتماع الأخير لهيئة المفاوضات حين انفضَّ المتفاوضون على ذلك النحو المعروف، وخرج خمسة منهم يملأ قلوبهم السخط واليأس، وبقي سبعة منهم يملأ قلوبهم الخوف والأمل. هنالك تبيَّن لرئيس الوزراء ولرئيس السعديين أن الائتلاف خير من الاختلاف، وأن الوفاق خيرٌ من الشقاق، وأن المستقلين لا يقدِّرون التبعات لأنهم ليسوا مسئولين إلَّا أمام أنفسهم، على حين أن رؤساء الأحزاب يقدِّرون التبعات حق قدرها لأن لهم أتباعًا في الحكم يريدون أن يبقوا فيه وأتباعًا تحت الحكم يريدون أن يرقوا إليه.
    وهم من أجل ذلك يقدِّرون لأرجلهم قبل الخطو موضعها، ويديرون في أنفسهم كلمة ألف مرة ومرة قبل أن يقولوها؛ لأنهم يخشون عواقبها ويحسبون لها الحساب كل الحساب. ولعلَّ هذا يبيِّن للذين لم يتبيَّنوا فِيمَ انصرف المنصرفون، وفيم أقام المقيمون. فقد انصرف المنصرفون ليجترُّوا ما يملأ قلوبهم من السخط وليستمسكوا بما أظهروا من رفضٍ لما عرضه الإنجليز، وأقام المقيمون لينظموا الصفوف ويدعِّموا البناء ويتهيَّئوا للموقعة الحاسمة، ويضيقوا إلى ثوب الوزارة بعض الرقاع التي تمنع الهواء أن ينفذ إلى جسمها العليل، وهي رقاع متينة حقًّا ستصد الهواء مهما يكن حارًّا وباردًا عن جسم الوزارة، وستمكن البناء من أن يثبت للريح مهما تعصف ومهما تقصف. سينهض السعديون بشئون وزارة الخارجية وبشئون وزارة العدل وبشئون وزارة أخرى تُبتكر ابتكارًا للنهوض بالشئون العربية الجسيمة. ويقال إنهم سينهضون بشئون وزارة المواصلات، وسيُزحزح عنها وزيرها القائم لينهض بالصحافة والإذاعة والتمثيل والسينما وما شئت من روائع الأدب وبدائع الفن. وكان أستاذنا الجليل وزير الخارجية يريد أن يستريح، ويفرغ للمجمع اللغوي وترجمة أرسطاطليس. فيستريح في منصب مريح هو النيابة عن رئيس الوزراء. أمَّا النقراشي باشا فسيشرب الكأس إلى الثمالة، سيحتمل أثقال الحكم الصدقي دون أن يشارك فيه، وسيعلل برياسة مجلس النوَّاب إن أذن لمجلس النوَّاب أن يستأنف الانعقاد.
    دُبِّر هذا كله بليل، أو دُبِّر هذا كله بنهار. وهذا كله إن دل على شيء فإنما يدل على أن سحبًا تتجمع في آفاق السماء، وعلى أن ريحًا تريد أن تعصف، وعلى أن أمواجًا تصطخب وقلوبًا تضطرب، وسفينة تُوشِكُ أن تهوي إلى القاع، وعلى أن الربان يبذل آخر ما يملك من الجهد لتثبت للأحداث، وتمتنع على الخطوب، وعلى أن الأقدار تنظر من قريب أو من بعيد إلى هذا الذي يدار، فترسل ضحكتها العريضة التي تملأ ما بين الأرض والسماء، وينشد منشدها ذلك البيت الذي كان المغفور له الشيخ علي يوسف يُكثر إنشاده في قديم الزمان وسالف العصر والأوان:
    تقفون والفلك المحرك دائر وتقدرون فتضحك الأقدار

  • مصادفة

    مصادفة

    طه حسين

    مجلة مسامرات الجيب

    ٢١ أبريل ١٩٤٦

    قوم يُنْكِرونها أشدَّ الإنكار يَرَوْن في ذلك انتصارًا للعلم وتأثُّرًا بروح العصر الحديث،
    وقوم يَعْرِفونها أشدَّ المعرفة، يَرَوْن في ذلك انتصارًا للواقع ومقاومة للبدع واحتفاظًا
    بالقديم الموروث. وأولئك وهؤلاء يسرفون فيما يظهر على أنفسهم إسرافًا عظيمًا.

    فالمصادفة شيء واقع ما في ذلك شك، نلقاه في كل يوم ونُجرِّبه في كل لحظة من لحظات الحياة.
    يخرج أحدنا من داره إلى قصد معلوم وليس في نيته أن يلقى فلانًا، بل لعل فلانًا هذا لم يخطر له
    على بال، ولكنه يلقاه في بعض الطريق مصادفة، لم يفكر أحد الرجلين في صاحبه ولم يتعمد لقاءه،
    ولكنهما التقيا عن غير إرادة، فكانت التحية وكان الحديث، ومن يدري لعل هذا الحديث أن يكون له
    أبعد الأثر في حياة الرجلين أحدهما أو كليهما، فقد وقعت المصادفة إذن، لم ينكر وقوعها أحد؛
    لأنها كما هي لا تناقض علمًا ولا تنافي روحًا حديثًا، كما أنها لا تؤيد إيمانًا ولا تلائم روحًا
    قديمًا، وإنما هي شيء كهذه الأشياء التي نشهدها في كل لحظة، فلا ننكرها لأنها تنتج عن قوانين
    طبيعية لا تتعرض لشك أو جدال، وكل ما في الأمر أننا لا نلاحظ هذه القوانين حين تؤدِّي عملها
    وتنتج نتائجها، فإذا أصابنا شيء من الدهش أو العجب، فليس مصدر ذلك أن القوانين الطبيعية قد
    خُولِفَتْ وأن شيئًا خارقًا لهذه القوانين قد كان، وإنما مصدر ذلك أننا نحن لم نلتفت لما يجري
    حولنا ولم نلاحظه ملاحظة دقيقة فتعرَّضنا لما نتعرض له من الاستنكار والاستغراب.

    كل هذا الكلام كان يقوله كامل حين قص عليَّ قصة وقعت لأسرته حين كان صبيًّا يختلف إلى مدرسته
    الابتدائية في مدينة من مدن الأقاليم، ولم يكن عجبه ينقضي من هذه القصة على كثرة ما لقي من
    المصادفات، وعلى كثرة ما بلا من التجارب. وأكبر الظن أنه إنما احتفظ بذكرى هذه القصة؛ لأنها
    أذاقت الأسرة في عام واحد يومين كان أحدهما من أسعد أيامها، وكان أحدهما الآخر من أشقى هذه
    الأيام، وكان سبب السعادة والشقاء في هذين اليومين شيئين يتصلان فيما بينهما اتصالًا
    غريبًا.

    وكان كامل يحب أن يبدأ قصته من آخرها لينتهي إلى أولها، يرى أن في ذلك شيئًا من العجب يثير
    الموعظة ويدعو إلى التفكير والاعتبار.

    فقد عاد ذات يوم من مدرسته فرحًا مغتبطًا يدير في نفسه خواطر كلها رضا وبهجة؛ لأنه كان يستقبل
    إجازة عيد من الأعياد، وأكبر الظن أنه كان عيد الأضحى، وكان ينعم في ذات نفسه بهذه الحرية التي
    أُتيحت له منذ عصر ذلك اليوم، فلن يبلغ الدار حتى يلقي الكتب والكراسات في ناحية من نواحي حجرته
    ويُعْرِض عنها إعراضًا يتصل أيامًا، ويُقْبِل على ألوان من اللعب والنشاط في الدار والشارع
    والحقل ستتصل أيامًا أيضًا لا يقطعها الاختلاف المنظم إلى المدرسة ولا تقطعها الحاجة إلى
    المذاكرة والاستعداد لسؤال المعلمين.

    وكان يستحضر في نفسه ألوان اللعب كما كان يستحضر في نفسه أيام العيد، وما سيُتاح له فيها من
    الترف والهدايا، وكان يُقدِّر أنه إذا بلغ الدار فسيصيب شيئًا يسيرًا من طعام، ثم يمضي مع إخوته
    فيما كانوا يحبون أن يمضوا فيه من لعبهم ذاك الطريف يقلدون الممثلين الذين زاروا المدينة منذ
    أشهر يقودهم الشيخ سلامة حجازي رحمه الله، فمثلوا لهم صلاح الدين ومثلوا لهم روميو وجولييت،
    ومثلوا لهم قصصًا أخرى حفظ الصبية منها أطرافًا؛ فَهُم يُعِيدون ذلك فيما بينهم كلما أُتِيحَتْ
    لهم فرصة اللعب، وهم يزيدون فيما حفظوا وينقصون ويضيفون ويحذفون ويُغيِّرون ويبدلون، ولكنهم
    يمثلون على كل حال ويرون أنهم يجيدون التمثيل.

    ولكن كاملًا بلغ الدار في ذلك المساء فلم يُصِب طعامًا ولم يشارك في لعب، وإنما قضى ساعات
    بغيضة ثقلت عليه حتى ألجأته إلى كتاب من كتبه التي كان يريد أن يهجرها، فأخذ ينظر في هذا الكتاب
    كأنما يذاكر درسًا من الدروس، حتى إذا صُلِّيَتِ المغرب لم يُدْعَ إلى العشاء كأنما نسيت الأسرة
    أن تتعشى، ثم صُلِّيَتِ العشاء الآخرة وأقبل أبوه متضاحكًا يُذَكِّر الأُسْرة بأن من عادتها أن
    تتعشى وبأن الصِّبْيَة لا ينبغي أن يستقبلوا النوم وهم جياع.

    وقد تعشت الأسرة في شيء من الفتور المتناقض؛ فقد كان زعيم الأسرة باسِمَ الثغر حاضر النكتة
    سريعًا إلى الفكاهة، وكان الصبية لا يتمنون شيئًا أكثر من أن يشاركوه في هذا الرضا، ولكن ربة
    البيت كانت عابسة مظلمة الوجه والنفس جميعًا لا تجيب إذا دُعِيَتْ، ولا ترُدُّ الحديث على زوجها
    إلا بالإشارة والإيماء، وكان كامل يرى لأول مرة هذا الاختلاف بين أبويه، فقد كان عهده بهما غير
    ذلك؛ كان يراهما يرضيان معًا ويسخطان معًا، يشتركان فيما يُصِيب الأُسْرَة من خير أو شر فيكون
    السرور الذي يملأ الدار سعادة، ويكون الحزن الذي يملأ الدار شقاء، فأما هذا المساء فإنه يُظْهر
    الصبي على شيء جديد؛ يُظْهِره على أن الأبوين قد يختلفان فيبتهج أحدهما ويبتئس الآخر، ويضحك
    الأب حين تبكي الأم أو تبكي الأم حين يضحك الأب.

    وقد أوى الصبية إلى حجرة نومهم آخر الأمر وأغلقوا من دونهم بابها واستقولوا على حصرهم والتفوا
    في لحفهم، ثم أخذوا يتحدثون كما تعودوا أن يفعلوا حين ينتظرون أن يُقْبِل عليهم النوم، وفي هذا
    الحديث عرف كامل مصدر هذا الخلاف بين الأبوين وإن لم يفهمه على وجهه إلا بعد أن مضت أعوام
    طوال.

    في ذلك اليوم، فَقَدَ أبوه كُلَّ ما كان يحمل من النقد في بعض الطريق، وكان هذا النقدُ كُلَّ
    ما كانت الأسرة تملك، وكُلَّ ما كانت تريد أن تستقبل به العيد، وكُلَّ ما كانت تعتمد عليه لترضي
    هذه الحاجات الكثيرة المختلفة التي تَجِدُها أُسْرَةٌ كبيرة ليست بذات ثراء، ولكنها مع ذلك تحرص
    على أن يكون لها مظهر وجيه بعض الشيء حين تُقْبِل المواسم والأعياد.

    وكانت الأسرة قد رأت أمرها ونظَّمَتْ حاجاتها وعَرَفت أنها ستشتري كذا وكذا من عند فلان،
    وستشتري كذا وكذا من عند غيره من التجار، وستشتري كذا وكذا من السوق العامة التي ستُقام إذا كان
    الغد. وكانت ربة الدار قد أخذت تستعد لتملأ دارها نشاطًا وحركة في هذه الأيام التي تَسْبِقُ
    العيد، فتُشَغِّل بناتها جميعًا وتُشَغِّل معهن بعضَ هؤلاء النساء البائسات اللاتي يجدن النعمة
    في مثل هذه الأيام حين يُعاوِنَّ في مثل هذه الدار على استقبال المواسم والأعياد.

    وكان كامل وإخوته يُعلِّلون أنفسهم بكثير من العبث والمرح؛ لأنهم سيشاركون بعض المشاركة في
    هذا النشاط الذي سيملأ الدار وسيأخذ كلٌّ منهم بحظه من هذه الأعمال التي لا يشتغل بها الفتيان
    عادة وإنما هي مقصورة على النساء؛ فقد انهارت هذه الآمال وانتُقِضَتْ كل هذه الخطط حين فَقَد
    زعيمُ الأسرة ما كان يَحْمِل من النقود، ولم يكن شيئًا قليلًا فقد تجاوز خمسة عشر جنيهًا ذهبًا،
    كان أكثر من نصفها يمثل مرتبه، وكان سائرها يمثل قروضًا عُقِدَتْ هنا وهناك لاستقبال أيام
    العيد.

    ولكن هذا كله قد فارق جيب الرجل في بعض الطريق بين المحكمة حيث كان يعمل وبين داره، وهو لا
    يدري كيف أضل هذا الذهب، أسقط من جيبه أم سُرِق منه وهو لم يتعوَّد أن يقبل ذهبًا ولا فضة ولا
    أن يُضِيع من النقد قليلًا ولا كثيرًا؟!

    ومهما يكن من شيء، فقد أضاع الذهب وعاد إلى أهله عابسًا خزيان فلم ينبئ امرأته بذلك إلا بعد
    كثير من التردد، ولم تكد تسمع منه هذا النبأ حتى انهلت دموعها صامتة لا يُسمَع لها صوت ولا
    تنفرج شفتاها عن لفظ ولا يضطرب جسمها للشهيق، وإنما هي دموع صامتة تنهلُّ غزارًا فتُصوِّر
    تصويرًا رائعًا فاجعًا ما يكون من هذه الآمال التي تَخِيب والأماني التي تذهب بها الريح فجاءة،
    وما يكون من انكسار النفس حين لا تنتظر النفس انكسارًا.

    وقد كانت هذه المرأة ترى في لحظة قصيرة — ودموعها تنهل — دارَها ساكنةً صامتةً بعد أن
    قدَّرَتْ أنها ستكون عظيمة النشاط كثيرة الصخب، وكانت ترى بنيها وبناتها واجمين محزونين ينكرون
    ما يرون من هذا الهدوء، ولكنهم لا يجهرون من إنكارهم بشيء؛ لأنها أدَّبَتْهم فأحسنت تأديبهم
    وعلَّمَتْهم على ألا يسألوا عما لا يَعْنِيهم … فيؤثرون أنفسهم بالحزن إذن.

    وكانت ترى هؤلاء النساء البائسات يُقْبِلن على الدار يلتمسن العمل وشيئًا من خفض العيش فلا
    يجدن عملًا ولا أملًا، وكانت تريد أن ترى أيام العيد، فلا تدري كيف تتصورها، أتتصورها شاحبة
    حزينة أم تتصورها متماسكة تتكلف الفرح وتتصنع الرضا؟

    كانت تجيل كل هذه الخواطر في نفسها المنكسرة ودموعها الصامتة تنهل غزارًا وزوجها ينظر إليها
    خجلًا حزينًا، ولكن لسانه منطلق لا يعرف السكون فهو يحمد الله على ما أخذ كما يحمد الله على ما
    أعطى، وهو يتلو آيات من القرآن ويُردِّد ألوانًا من الدعاء والابتهال، ثم نهضت امرأته متثاقلة
    فتركته يحمد الله ويبتهل إليه وانحازت هي إلى حجرتها لا تحمد ولا تبتهل، ولكنها لا تنكر ولا
    تثور، وإنما ترسل ما في عينيها من الدموع، حتى إذا استنفدت دموعها لبثت واجمة لا تقول شيئًا،
    وقد أقبل بناتها فأطفن بها وعلمن علمها، فَهَمَّ حزنُهن أن يظهر ولكنهن رَدَدْنه في سرعة إلى
    دخائل الضمائر وأعماق النفوس، وأخذن يسلين أمهن ويشجعنها على احتمال هذا المكروه.

    وكذلك انقضى آخر النهار على هذه الدار بين أم حزينة لا تجد من حزنها مخرجًا ولا تُحْسِن له
    احتمالًا، وأب راضٍ يستعين على هذا الخَطْب الذي أصابه بحمد الله والابتهال إليه، وأبناء وبنات
    يواسون الأم ويعجبون من أمر الأب ويُظْهرون على قسمات الوجوه وأطراف الألسنة غير ما يضمرون في
    ذات النفوس وسرائر القلوب.

    وقد فهم كامل حزن أمه وبؤس الأسرة، ولكنه لم يفهم رضا أبيه ولم يفهم بنوع خاص هذا الابتهاج
    الذي كانت تمتلئ به نفس الرجل شيئًا فشيئًا كلما مضى الوقت، حتى رُئِي في أول الليل سعيدًا أو
    كالسعيد!

    فلما أصبح سَمِعَه يُؤدِّي صلاة الصبح، ويرتل القرآن في صلاته كأحسن ما تعوَّد أن يرتل
    القرآن، ويثني على الله بعد صلاته كأحسن ما سمعه يثني على الله، ثم يداعب ابنته حين قدَّمَتْ
    إليه القهوة ويضحك منها ومن أمها الحزينة كأنْ قد ماتَ لها أكرمُ الناس عليها وآثرهم عندها، مع
    أن الأمر لا يعدو أن يكون حادثًا يسيرًا من هذه الحوادث التي تلم في كل يوم! وهو بعد هذا كله
    دَيْن كان عليه، ولم يكن يعرف كيف يؤديه؛ فقد امتحنه الله حين مكنه من أداء هذا
    الدَّيْن.

    ثم سكت الشيخ لحظة كأنما كان يستعرض شيئًا في نفسه، ثم قال: «لقد نَسِيَتْ أُمُّك في سرعة ما
    أصابنا من الخير منذ شهور حين كنا في أشد الضيق، فقد أقرضنا الله قرضًا في ذلك اليوم، ثم
    استردَّ هذا القرض أمس.»

    وعاد الشيخ إلى صمته، ثم تلا قول الله عز وجل: ( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ
    شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )، ثم خرج الشيخ غاديًا على
    عمله وعاد مع الظهر مبتهجًا كعهده، وقد سبقته إلى الدار أكثر الأشياء التي كانت الأسرة تريد أن
    تشتريها للعيد، فلما لقي امرأته وهمَّتْ أن تسأله ألقى في يدها دنانير، وهو يُقَبِّلها، ثم يتلو
    قول الله عز وجل: ( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ
    خَيْرُ الرَّازِقِينَ )، قالت امرأته: ممن اقترضت هذا المال؟ قال: ستعرفين ذلك بعد
    العيد، ولكن العيال ينبغي أن يستقبلوا عيدهم فرحين، وألا يَشْقَوا لأن أباهم أضاع ما كان يحمل
    من نقود.

    ولم يفهم كامل قصة الدَّيْن هذه، ولم يَدْرِ كيف أقرض اللهُ أباه ذهبًا منذ أشهر ثم استردَّه
    منه أمس حين أضاع ذَهَبَه في أشد أوقات الحاجة إليه، فانتظر بأمه حتى صُلِّيت العصر، ثم أقبل
    عليها يسألها عن هذا القرض كيف كان وكيف أُدِّيَ على هذا النحو الغريب؟! فلما قصَّتْ عليه أمه
    قصة ذلك القرض ذَكَرَ أشياءَ وتأثَّر بأشياء، ثم لم يَنْسَ ما ذكر، ولم تَنْمَحِ من نفسه تلك
    الآثار على تقدُّم سنِّه وكثرة ما بلا من التجارب.

    حدثته أمه أن الأسرة مرَّتْ بيوم عصيب من أشد أيامها حرجًا، وما كان أكثر ما تمر الأسرة بيوم
    عصيب بين حين وحين، ولا سيما حين يعود الشباب من أبنائها إلى القاهرة في أول العام
    الدراسي!

    في ذلك اليوم، عاد الشباب إلى القاهرة وقد استنزفوا كل ما كان في الدار من خير وكل ما كان عند
    أبيهم من ذهب، وأمست الأسرة وهي لا تدري كيف تعيش إذا كان الغد ولا كيف تؤدي بعض ما عليها من
    دَيْن، فلم يكن بُدٌّ من دفع أجور التعليم وإعطاء هؤلاء الشباب ما ينفقون وتدبير ما يحتاجون
    إليه من كسوة وزاد، وقد نهضت الأسرة بهذا كله في عزم يوشك أن يكون بطولة، ولكنها أمست ذلك اليوم
    مجهودة قد فقدت قوتها وقدرتها على الاحتمال، وأصبحت من الغد مقسمة بين حزن الفراق وبين هذا
    البؤس المقيم.

    وغدا الشيخ على عمله ولكنه عاد محبورًا. صادف في بعض الطريق منديلًا أحمر يعبث النسيم ببعض
    أطرافه فأهوى إليه، فإذا طرف من أطرافه قد عُقِد على شيء يشبه أن يكون نقدًا، فينظر الرجل أمامه
    ووراءه فلا يرى أحدًا، وينظر الرجل عن يمينه فيرى القناة تجري هادئة مطمئنة ولا يرى أحدًا،
    وينظر عن شماله فيرى الخط الحديدي يمتد من الشمال إلى الجنوب أو من الجنوب إلى الشمال، وقد
    استقر مكانه نائمًا أو كالنائم ولا يرى أحدًا! وإذا هو يحل العقدة فيجد بضعة عشر جنيهًا ذهبًا،
    وإذا هو يشك غير طويل، وإذا الذهب قد اندس في جيبه، وإذا المنديل قد عُقِد على حَجَر ثقيل
    واستقر في قاع القناة، وإذا هو يعود إلى الدار فرحًا مسرورًا، يرى أن الله قد أتاح له فرجًا من
    حرج ومخرجًا من ضيق، ويُردِّد قول الله عز وجل: ( إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ
    يُسْرًا )، والأسرة سعيدة ناعمة رضية البال مطمئنة النفس بأن الله يرزق من يشاء بغير
    حساب.

    ولكن الشيخ يعود إلى امرأته حين تقدَّمَ الليل محزونًا كاسف البال مُحطَّم الصوت لا يكاد
    يتحدث حتى تسبق الدموع ألفاظه؛ فقد علم أثناء السمر مع أصدقائه أن فلانًا من أهل القرية
    المجاورة قد باع بقرته في السوق، ثم أضل ثمنها في بعض الطريق فأسرته شقية بائسة. عرف الشيخ أن
    هذا الرزق الذي سِيقَ إليه قد أُخِذ من ذلك الرجل البائس الذي فقد بقرته وفَقَد ذهبه، ولو
    استطاع الشيخ لرَدَّ المال إلى صاحبه، ولكنه كان قد أنفق أكثره في أداء بعض ما كان قد احتمل من
    دين، وهو يقول لامرأته في صوت محطم يبله الدمع: سأشقى بهذا الذهب الذي أخذته بغير حق إلى آخر
    الدهر.

    قال كامل: فعلمتُ حين قصَّتْ عليَّ أمي هذه القصة أن مصادفة قد مَحَتْ من قلب أبي الساذج أثر
    مصادفة أخرى، وأن حادثة قد انتقمت من حادثة، وأن هذا الرجل الطيب الذي كان ضميره يشقى بما أنفق
    من مال حرام قد رَضِيَتْ نفسه عما أضاع أمس واطمأنت إلى أن الله قد طهَّرَه في الدنيا من هذا
    الإثم؛ فلن يسأله عنه في يوم الحساب.

    قال كامل: ومنذ ذلك اليوم أخذْتُ نفسي بألا أنظر إلى شيء مما يلقاه الناس أمامهم على الأرض،
    أخاف أن يعرض مثل ما عرض لأبي من المصادفة!

  • من عمل الشيطان

    من عمل الشيطان

    طه حسين

    مجلة مسامرات الجيب

    ٢٤ مارس ١٩٤٦

    كان هذا من عمل الشيطان ليس في ذلك شك؛ لأنه مخالف لطبيعة الأشياء، لأن السماء ترتفع عن
    العناية بهذه الصغائر. الحب يسعى إلى القلوب من طريق العيون، ومن طريق الآذان؛ من طريق الصورة
    التي تراها العين فتنقلها إلى النفس بما تحمل من دواعي الميل والنفور، أو من طريق الصوت الذي
    تحمله الأذن إلى القلب بما يشيع فيه من أسباب الحنان أو القسوة.

    فأما أن يصل الحب إلى القلوب، وينتهي البغض إلى النفوس من طريق الأيدي التي تلطم، والوجوه
    التي تتلقَّى اللطم، فشيء غير مألوف لم تبتكره طبيعة الأشياء، ولم تهبط به إرادة السماء، وإنما
    اخترعه عبث شيطان ماكر، أو كيد عفريت من هذه العفاريت التي تلعب بقلوب الناس ونفوسهم، وتصرف
    عواطفهم وأهواءهم كما تشتهي في كثير من الأحيان.

    وهذا الحب الذي أحدثكم عنه، وهذا البغض الذي جاء في أثره تنشئهما نظرة من هذه النظرات الحادة
    الفاترة التي يقول فيه الشاعر القديم:

    إن العيون التي في طرفها حَور قتلننا ثم لم يُحيين
    قتلانا

    صرعن ذا اللُّبِّ حتى لا حراك به وهن أضعفُ خَلْق الله
    إنسانا

    ولم يحدثهما صوت من هذه الأصوات التي يقول فيها الشاعر القديم أيضًا:

    يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل القلب
    أحيانا

    وإنما أنشأتهما لطمتان؛ إحداهما: فتحت للعاشقين باب النعيم الذي لا يوصف، والأخرى: فتحت لهما
    باب الجحيم الذي لا يطاق، ولو أن قصة هذين العاشقين كانت من هذه القصص التي يبتكرها خيال
    الكُتَّاب لما تحدثت إليكم بها، ولأعرضت عنها إعراضًا، ولرأيتها أثرًا من آثار خيال مريض لا
    يحسن التحليق في أجواء الفن بمقدار ما يحسن الإسفاف إلى الحقائق الواقعة.

    ولكنها قصة لم يخترعها الخيال، وإنما اخترعتها ظروف الحياة، وهي إن صورت شيئًا فإنما تصور سخف
    الإنسان، وعبث الشيطان، وائتلاف الحياة الإنسانية أحيانًا من أشياء قليلة الغناء حقًّا.

    كان ذلك في مدينة من مدن فرنسا تعرفونها جميعًا حق المعرفة، وفي جنة من جنات هذه المدينة ليس
    منكم إلا من ألمَّ بها مُصبحًا أو مُمسيًا؛ ملتمسًا للرياضة، أو ساعيًا إلى الجامعة، فكلكم قد
    درس في مونبلييه، وكلكم قد ألم بحديقتها المعروفة التي تسمى … وأظنكم تذكرون أن كثيرًا من
    الحفلات الشعبية تقام في هذه الحديقة.

    فقبيل حفلة من هذه الحفلات بدأت هذه القصة التي تُضحك من أراد أن يضحك، وتُحزن من أراد أن
    يحزن، وتُصور سخف الحياة على كل حال. كان الناس يزدحمون على باب الحديقة ازدحامًا شديدًا
    ليشهدوا حفلًا موسيقيًّا عسكريًّا قد خُصص إيراده لإعانة الجرحى من أبناء المدينة في الحرب
    العالمية الأولى. وكان ذلك في الساعة الثانية بعد الظهر حين فرغ الناس من غدائهم، وكان ذلك في
    آخر الربيع وأول الصيف حين يشتد في مونبلييه ذلك الحر الرطب الذي يصهر الأجسام والنفوس جميعًا،
    ويخرج الناس عن أطوارهم، ويهيئهم للغضب السريع.

    كان الناس يزدحمون ويتدافعون بالمناكب، وكان صاحبنا يزاحم مع المزاحمين، ويدافع مع المدافعين،
    وإنه لفي ذلك يتقدم خطوة ويتأخر أخرى، وإذا وجهه يتلقى على إحدى صفحتيه لطمة لم يُفِقْ منها قط،
    لطمة لفتته إلى نفسه، ولفتت الناس إليه، ولفتته إلى المصدر الذي يمكن أن يكون قد ساقها إليه،
    وملأت قلبه غضبًا وحفيظة وموجدة، بل قُل ملأت قلبه نخوة ومروءة وثورة للكرامة المهدرة، والشرف
    المُهان.

    فقد كان صاحبنا عربيًّا من أهل الريف، فلم تكد اللطمة تبلغ وجهه حتى ثارت نفسه، وهاجت عاطفته،
    وغلى الدم في عروقه، وصعد إلى وجهه الملطوم، واستيقن أن العروبة كلها قد أهينت في شخصه إهانة لا
    تردها لطمة كاللطمة التي تلقاها، ولا يغسلها إلا ذلك الدم الذي زعم المتنبي أنه وحده هو الذي
    يسلم الشرف الرفيع من الأذى حين يراق على جوانبه.

    كان هذا كله في لحظة، بل في أقصر من لحظة — إن أمكن أن يكون هناك ما هو أقصر من اللحظة — وقد
    رفع صاحبنا رأسه وتهيأ للهجوم الساحق الماحق الذي لا يُبقي ولا يذر، ولكنه لم يكد يرفع رأسه
    ويلتفت به إلى يمين حتى أطرق ولسانه يقول عن غير إرادة، وفي صوت متهدج أضحَك منه من حوله،
    وأضحكه من نفسه فيما بعد: معذرة يا سيدتي! قالت السيدة التي لطمته: معذرة من ماذا؟ بل أنا التي
    تعتذر إليك؛ فقد ظننت أنك آذيتني بهذا الدفع المنكر، ولم تكد يدي تصيب وجهك حتى عرفت أنك بريء،
    وأن الآثم شخص آخر ليس له حظ من أدب ولا من تربية.

    وكان هذا الشخص الآخر، الذي ليس له حظ من أدب ولا تربية، قد ذاب في أثناء هذا كله واستخفى.
    ومَن يدري لعله لم يكن إلا شيطانًا كاد كيده، ثم ابتلعته الأرض أو اختطفته السماء، ولعله لم يكن
    إلا خيالًا لعب برأس السيدة. والشيء المحقق هو أنها أحست أو ظنَّت أنها أحسَّت دفعًا غير كريم،
    فلطمت وجه هذا الفتى، ثم لم تلبث أن عرفت براءته، فاعتذرت إليه من لطمتها في نفس الوقت الذي كان
    هو يعتذر إليها فيه من هذا البطش الذي هم أن يبطشه بها، ومن هذا الغضب الذي همَّ أن يَصُبَّه
    عليها صبًّا.

    والشيء المحقق أيضًا هو أن هذه اللطمة التي دعت إلى تبادل الاعتذار قد دعت إلى تبادل
    الابتسام، ثم إلى تبادل الحديث، ثم إلى الاستمتاع بالموسيقى العسكرية التي خُصص إيرادها للجرحى
    من أبناء المدينة في الحرب العالمية الأولى، والشيء المحقق أيضًا هو أن الأسباب التي مدَّتها
    هذه اللطمة لم تنقطع بانتهاء الحفلة، وإنما اتصلت وكانت مصدرًا غريبًا لحب غريب.

    وما أظنكم تنتظرون أن أقص عليكم كيف خرج اللاطم والملطوم من الحديقة، وكيف سعيا معًا إلى قهوة
    فرنسا، هناك قريبًا من الإسبلاناد، وكيف تبردا فيها من حر الصيف ومن حر الحفلة بقدحين من أقداح
    الجعة، وكيف اتصل الحديث بينهما حلوًا رائقًا للنفوس حينًا، وحادًّا مُمَزِّقًا للقلوب حينًا
    آخر، حتى فرق بينهما مقدم الليل فتفرَّقا، ولكن على موعد للقاء …

    وكلكم يعرف إلام تنتهي هذه المواعيد حين تتصل، وقد انتهت مواعيد صاحبينا إلى حب هائج مضطرم لم
    يخفف من لوعته إلا الزواج، فصوروا لأنفسكم — إن كنتم في حاجة إلى أن تصوروا لها — هيام العاشقين
    أثناء هذه الخطبة التي اتصلت وقتًا غير قصير، وصوروا لأنفسكم أثر هذا الهيام في حياة الفتى، وفي
    طلبه للعلم وإقباله على الدرس، وأثره في أسرة الفتى المصرية في قرية من قرى الريف، وأثره كذلك
    في نفس الفتاة، وفي أسرتها المحافظة …

    صوروا لأنفسكم هذا كله وقدِّروا أن الحب الذي أثارته هذه اللطمة قد قهَر هذا كله، وتغلب على
    ما فيه من صعاب وعقاب، وانتهى إلى الزواج على رغم الدرس الذي أُهمل، وعلى رغم المقاومة التي
    جاءت من الريف المصري، والمقاومة الأخرى التي جاءت من الريف الفرنسي، وصوروا لأنفسكم كذلك أن
    هذه اللطمة قد أذكت الحسرة في كثير من القلوب، وشبَّت الغيظ في كثير من القلوب أيضًا: أذكت
    الحسرة في قلوب فتيات كنَّ يفكرن في هذا الشاب، وشبَّت الغيظ في قلوب شباب كانوا يفكرون في هذه
    الفتاة …

    ولكن الحب سيل جارف لا يمر بشيء إلا اكتسحه اكتساحًا، وريح عاصفة لا تدع شيئًا أتت عليه إلا
    جعلته كالرميم، والحب قاهر بطبعه: قاهر اللناس، وقاهر للأشياء، وقاهر للأحداث والخطوب أيضًا.
    وحب هذين العاشقين قد قهر كل شيء، وقهر كل إنسان، ووقف العاشقان ذات صباح أمام العمدة في مدينة
    مونبلييه فألقى عليهما سؤالين، وسمع منهما جوابين، وتلا عليهما طرفًا من أطراف القانون المدني،
    وأعلن بعد ذلك أنهما قد أصبحا زوجين … وانتهت تلك اللطمة إلى غايتها الأولى.

    ففُتح للعاشقين باب من أبواب النعيم الذي لم تر مثله عين، ولم تسمع بمثله أذن، ولم يخطر مثله
    لأحد على بال، وكأنما كانت تلك اللطمة شيئًا يشبه الطرق على الباب للاستئذان في الدخول، وكأنما
    كان الحب هو الذي اصطنع يد الفتاة فطرق بها على قلب الفتى بابه، ولم يكن باب هذا القلب عين
    الفتى ولا أذنه ولا فمه، وإنما كان صفحة وجهه الذي لم يكن رائعًا ولا جميلًا.

    وقد استمتع العاشقان بهذا النعيم ما شاء الله أن يستمتعا به، ذاقا لذائذه في فرنسا، وتنقلا
    بها بين إيطاليا وسويسرا، وعبرا بها البحر آخر الأمر إلى مصر، واستقرا بها حيث تعلمون في مدينة
    من المدن المصرية سعيدين موفورين لا يعرفان من الحياة إلا وجهها الباسم الصبوح، ولكن وجه الحياة
    ليس باسمًا دائمًا، بل قد يعتريه العبوس، وليس مشرقًا دائمًا، بل قد يغشاه الظلام
    أحيانًا.

    وقد يصدر عبوس الحياة وإظلامها عن الناس حين يأتون بعض الأمر ويدعون بعضه، حين يقولون فيكون
    ما يقولونه مصدرًا للشر، وحين يسكتون فيكون سكوتهم سبيلًا إلى الريب … حين يعملون فيكون عملهم
    مثيرًا للسخط، وحين يكسلون فيكون كسلهم وسيلة إلى الاتهام.

    والواقع أن حياة الزوجين أظلمت ذات يوم، لا لأن أحدهما قال شيئًا أو عمل شيئًا، ولكن لأن ساعة
    من ساعات الصفو الحلو البريء أبت أن تنقضي دون أن تعقب كدرًا ومرارة وشكًّا.

    فقد فرغ الزوجان ذات يوم لمجلس من هذه المجالس الكريمة التي يسمر فيها الأصدقاء بعد الغداء أو
    بعد العشاء، حين يفرغون من طعام أحسن إعداده، وشراب أحسن اختياره، وحين يقبلون على الحديث
    أحيانًا، وعلى الموسيقى أحيانًا أخرى، وعلى الرقص في أثناء ذلك، وقد أخذ الأصدقاء في تلك الليلة
    بحظهم من نعيم الحياة وتفرقوا، وخلا الزوجان وأخذا يتحدثان عن وليمتهما، وعما دار حولها من
    حديث، وعما كان بعدها من سمر.

    وكان الزوج متحمسًا في استعراض هذا كله، وكانت امرأته تسمع له في غير نشاط، أو لعلها كانت
    تسمع له بإحدى أذنيها لا بهما جميعًا، لعلها كانت ذاهلة عنه بعض الذهول، وقد نبهها رفيقًا بها
    فلم تنتبه، وقد نبهها مرة ثانية فلم يغنِ عنه التنبيه شيئًا، وإنما مضى هو في حديثه المتحمس،
    ومضت هي في استماعها الذاهل حتى رابه من أمرها شيء.

    وأيسر الريب بين العاشقين لا يخلو من خطر، فقلوبهم حساسة، ونفوسهم أشبه شيء بالحطب الجذل لا
    تكاد تمسه النار حتى يصبح حريقًا مضطربًا يملأ ما حوله لهبًا، وكأن نفس الفتى كانت معدة لشيء من
    هذا، فقد كان غيران لا يطيق الشك ولا يحتمل الريب … فلِمَ ذهولُ امرأته عن حديثه وإمعانها في
    هذا الذهول؟! ضاقت نفسه، ثم اشتد ضيقها ثم ثارت، ثم خرجت عن طورها، وإذا هو يقول أكثر مما كان
    يريد، وإذا هي تظن أكثر مما كان ينبغي، وإذا ألفاظ طائشة تلتقي ثم تصطدم، وإذا يد الفتى تمتد ثم
    تنقبض، وإذا اللطمة التي تلقَّاها في مونبلييه ففتحت باب النعيم للعاشقين قد رُدَّت إلى
    صاحبتها، في مدينة من المدن المصرية، ففتحت باب الجحيم للبائسين.

    وما أحب أن أصوِّر لكم من أمرهما أكثر من ذلك، فما أريد أن أخرج من الإشارة إلى الدلالة، ولا
    من التلميح إلى التصريح، وإني على ما تعرفون من إمعاني في البغض حين أبغض، لأكره أن أتمنى لأشد
    الناس لي عداء أن يصير إلى مثل ما صار إليه الفتى، وإلى مثل ما صارت إليه الفتاة، ألا ترون أن
    هذا الشر كله لا يمكن أن يكون إلا من عمل الشيطان.

    وهمَّ القوم أن يجعلوا هذا الحديث موضوعًا للجدال يعللون فيه ويُئَوِّلُون، وينكرون منه
    ويعرفون، ولكن أحدهم رفع صوته حتى اضطرهم إلى الصمت وقال في سخرية لاذعة: ما أكثر ما تفتح
    اللطمات أبوابًا للنعيم، ثم تفتح بعدها أبوابًا للجحيم! ألم تسمعوا أن لطمة وثَبتْ بفلان إلى
    مكان رفيع، وأن لطمة أخرى قد تهبط به قطعًا إلى مكان سحيق؟!

    قال صاحب الحديث: أما وقد أخذتم تخوضون في حديث الأشخاص، وتُلمِّحون إلى أحداث السياسة، فليس
    لي بينكم مقام. وانصرف وأصحابه يَدْعُونَه إلى أن يعود وهم يقولون: أقْبِلْ؛ فقد آمنَّا بأن
    قصتك من عمل الشيطان.

  • لحظات

    لحظات
    للدكتور طه حسين

    أتعرف هذه اللحظات القصار المفاجئة التي تعرض لك من حيث لم تكن تقدر أن تلقاها كأنما كانت تكمن في بعض أنحاء الزمن، حتى إذا قربتَ من مكمنها خرجت عليك بما يملؤها من قوة وحدة، وبما تستطيع أن تثير في نفسك من حزن عريض عميق أو أمل واسع مبتسم؟ فوقفتكَ في طريقك الزمني واضطرتكَ بعد وقفة قصيرة إلى أن ترجع إلى الماضي البعيد والقريب تستحضر ما كان فيه من أحداث وتحس ما ترك في نفسك من ذكرى، أو تضطرك إلى أن تثب وثبة بعيدة إلى مستقبل الأيام، فإذا أنت تشيد القصور وتتخذ من الخيال أحلاماً حلوة تحبب إليك الحياة وتملأ قلبك بالصفح عما جنت عليك من السيئات.
    أتعرف هذه اللحظات القصار المفاجئة الخصبة التي لم تكن تقدر في وقت من الأوقات أنها ستعرض لك أو أنك ستعثر بها، ولكنك خرجت ذات يوم من دارك تسعى فيما يسعى الناس فيه من جد الحياة وهزلها، وتبلو ما يبلو الناس في سعيهم من حلو الحياة ومرها، فإذا لحظة من هذه اللحظات قد سقطت عليك كما يسقط الجدار على الغريب الذي مرّ به مصادفة وهو يميل إلى السقوط، أو عنت لك ثم مثلت أمامك كما يعن الشيء النفيس لبعض المارة ثم يمثل بين أيديهم حين يصلون إليه، وإذا هم وقوف أمامه قد أخذتهم الحيرة ثم غمرهم السرور؟ أتعرف هذه اللحظات القصار المفاجئة التي يضمرها لك الغيب ويخفي عليك بوادرها وطوالعها ثم يفجأك بها على غير انتظار، كما يلقاك الرجل تعرفه أو لا تعرفه فيلقي إليك نبأ من الأنباء لا يرى له خطراً ولكنك لا تكاد تسمع له حتى يحدث في نفسك أعمق الآثار وأقواها، وأبلغها وأدعاها إلى الحزن والابتئاس أو إلى الفرح والابتهاج؟
    إنك تحسب هذه اللحظات حين تلقاها أو حين تلقاك قصاراً لأنك تحصيها بالدقائق والثواني، وما هي بالقصار؛ لأنها تحمل في وعائها الضيق الضئيل من العواطف والأهواء، ومن الأمل والذكرى، ومن اللذة والألم ما يضيق به كثير من الساعات بل كثير من الأيام. إنك تحسب هذه اللحظات مفاجئة لأنها عرضت لك أو لأنك عرضت لها على غير انتظار ولا تهيؤ منها ولا منك، وما هي بالمفاجئة؛ فإن قوى أخرى غير قوتك وغير قوتها قد عملت منذ أزمان بعيدة في تهيئتك لها وتهيئتها لك، وفي دفعك إليها ودفعها إليك، حتى التقيتما عن مفاجأة في ظاهر الأمر، وعن قضاء مدبّر وقدر مقدّر في حقيقة الأمر. وإذا كلاكما قد صنع لصاحبه وقدّر له تقديراً.
    هذه اللحظات القصار الطوال المفاجئة المدبرة لا تسنح للناس جميعاً، ولا تسنح للناس في كل وقت، ولو عرفتُ وسيلة إلى أن أتبين كيف تسنح للناس ومتى تسنح لهم ولأيهم تسنح لكنتُ من أكبر المستكشفين والمخترعين. وكيف برجل يفضح سر القدر ويهتك أستار الغيب؟! ولكنتُ بعد ذلك محسناً إلى كثير من الناس لأني أعلمهم كيف يتقون كثيراً من الشر، وكثيراً من الألم اللاذع والحزن المضني للنفوس والقلوب؛ ومسيئاً إلى كثير من الناس لأني أعلمهم كيف يفقدون لذات قلما يظفر الناس بمثلها، وكيف يصدهم العلم عن ضروب من السعادة لا ينعم بها إلا الجهلاء. ولحرصتُ أشد الحرص على أن أجهل هذا العلم وأغلق نفسي من جميع أنحائها دون هذه القوانين؛ لأني لا أعدل بهذه اللحظات القصار الطوال المفاجئة المدبرة كثيراً من أجزاء الزمن مهما تطل، ومهما تقصر، ومهما تمتلئ ومهما تفرغ. وأي حزن ممض مرمض يشبه في اللذة المحرقة اللاذعة، وفي السعادة المظلمة القاتمة هذا الحزن الذي حملته لحظة من هذه اللحظات في ليلة من الليالي فوضعته في قلبي ثقيلاً خشناً شاقاً، ولكنه على ذلك كله حلو، ولكني على ذلك أحببته وكلفت به. ولكني على ذلك حمدت هذه اللحظة القصيرة المفاجئة التي حملته حتى إذا بلغت قرارة نفسي وضعته فيها هادئة مطمئنة إلى منتهى الزمن، وأقبلت به متباطئة متثاقلة كما توضع الصخرة الثقيلة في مكان من الأمكنة في غير عنف ولا سأم ولا كلال.
    كنت مع جماعة من الأصدقاء نشهد التمثيل ونسمع الموسيقى والغناء في الأوبرا، قد فرغنا لما نشهد وما نسمع، وتركنا أعباء الحياة وأثقالها جميعاً في تلك العربة التي كانت تنتظرنا بالباب، وقد حفظت لكل واحد منا ما ائتمنها عليه من الودائع لترده إلينا متى عدنا إليها. ولم تكن ودائعنا تلك التي ائتمنّا عليها العربة وتخففنا منها قبل أن ندخل الأوبرا إلا حياتنا اليومية وما فيها من مشقة ولين، ومن مودة وبغض، ومن يأس وأمل، ومن ألم ولذة، ومن نشاط وخمود. تخففنا من هذا كله وسللنا نفوسنا منه إلى حين كما تُسلّ السيوف من أغمادها، وخلصنا بقلوبنا ونفوسنا نقية صافية مصقولة كأنها المرآة نعرضها للممثلين لينعكس فيها ما يبدعون من مظاهر الجمال الفني في التمثيل والغناء. وكنا لا نحس إلا ما نشهد ونسمع، ولا نفكر إلا فيما نشهد ونسمع؛ فإذا وقف التمثيل وتفرقنا في أبهاء الدار أو لبثنا في أماكننا لم نتحدث إلا بما شهدنا وسمعنا نصفه ونستمتع به، وإلا بما سنشهد ونسمع نتوقعه ونتنبأ بما سيحمل إلينا من اللذة والمتاع. وهل ينبغي أن يدخل الناس دور الفن إلا على هذا النحو، قد خلصوا للفن من كل شيء ومن ذكرى كل شيء، وفرغوا للفن لا يشركون معه في نفوسهم شيئاً؟
    وإني لجالس في ناحية من نواحي الدار مع أصدقائي نتحدث بما كان في الملعب ونتوقع ما سيكون، وإذا صوت يخرج أصدقائي ويخرجني مما كنا فيه… صوت لم أسمعه منذ أعوام وقد كنت أسمعه كل يوم، صوت قد بعدت آماد الزمان والمكان بينه وبين سمعي حتى تقطعت بينه وبيني الأسباب، وحتى كدت أنسى نبراته، وكنت أفكر فيه تفكيراً بعيداً نائياً حين كان يحدثني عنه المتحدثون. ثم دنا هذا الصوت ودنا، ثم امتدت يد فامتدت إليها يدي، ثم كانت مصافحة ثم كانت تحية، ثم كان استئذان في الجلوس وأُذن به، ثم كان وجوم من صاحب الصوت ووجوم ممن كان يبلغه الصوت لم يطل، ولم يكن من اليسير أن يُلحظ ولكنه مع ذلك كان طويلاً ثقيلاً. ثم كان حديث قصير في أشياء لا تغني ولا تفيد ولا تدل على شيء، ثم شرب القهوة وإحراق السيجارة، ثم تحية الوداع، ثم الافتراق.
    لست أدري أذاق أصدقائي لذة التمثيل بعد ذلك أم شغلوا عنه؟ أما أنا فأعلم أني لم أذق للتمثيل بقية الليلة طعماً، إنما كانت الأصوات تبلغ أذني ثم لا تصل إلى نفسي وإنما تقف من دونها وقوفاً لأني كنت أفكر في غير التمثيل، ولأني صُرفت عن الغناء والفن صرفاً. لِمَ دنا إليّ هذا الصوت وكان قد بعد وأمعن في البعد؟ لِمَ مدّ إليّ هذه اليد وكانت قد قُبضت عني قبضاً؟ لِمَ اتصل الحديث بين صاحب الصوت واليد وبيني وكانت قد انقطعت بينه وبيني الأحاديث، بل كانت قد انقطعت بينه وبيني الصلات إلا أن نضطر إليها اضطراراً حين تجمعنا المجامع، أو نلتقي على غير موعد ولا انتظار، ثم لا نستطيع أن يهدي بعضنا إلى بعض ما ينبغي من الإعراض في مثل ما نحن عليه من الجفاء؟ لِمَ دنا لي هذا الصوت؟ ولِمَ امتدت إليّ هذه اليد؟ ولِمَ اتصل بيننا هذا الحديث؟
    لقد كان الحياء يترقرق في هذا الصوت الذي كان يدنو إليّ مأخوذاً حزيناً، ولقد كان الحياء يضطرب في هذه اليد التي كانت تصافحني مترددة مرتعشة بعض الشيء، ولقد كان الحياء يملأ هذا الحديث فيضطره إلى الفراغ مما يعني أو يفيد. ومع ذلك، فشهد الله ما شككت في أن هذا الصوت قد دنا إليّ صادقاً، وفي أن هذه اليد قد امتدت إليّ صادقة، وفي أن هذا الحديث قد اتصل بيننا خالصاً من كل رياء.
    وا رحمتاه للناس! إن الضعف الإنساني ليحمل نفوسهم آلاماً ثقالاً. وا رحمتاه للناس! إن ما في الحياة من أعراض زائلة ترغبهم في الخير العاجل، وتخوفهم من الشر العاجل، لتحمل نفوسهم آلاماً ثقالاً. وا رحمتاه للناس! إن أجسامهم لتطغى على نفوسهم، وإن أهواءهم لتطغى على عقولهم، وإن منافعهم لتنسيهم حقوق الصداقة والصديق. وا رحمتاه للناس! إن رهبة السلطان والرغبة في جاهه والحرص على قرب المكان منه لتفسد عليهم من لذات الحياة الخالصة الصافية ما لا ينبغي أن يفسد. وا رحمتاه للناس! إن لهم على هذا كله لنفوساً لم تُطبع على الشر ولم يُحل بينها وبين الخير، وإن هذه النفوس التي تضعف حتى تتورط فيما لا ينبغي لها، لتختلس الفرص إلى القوة والخير اختلاساً، وتختطفها اختطافاً، وتنعم منها باليسير الضئيل في اللحظة القصيرة المفاجئة لم تكن تنتظر ولم يكن يُدبّر السعي لها تدبيراً، وإنما سنحت فاقتُنصت كما يسنح الصيد وتُمكّن منه الفرصة فيقتنص. وا رحمتاه للناس! لو علموا أن منافع الحياة وأعراضها وأغراضها وما فيها من رغبة ورهبة، ومن مكانة وجاه لا تزن كلها لحظة قصيرة مفاجئة يصفو فيها الود، ويخلص فيها النصح، ويفرغ فيها الصديق للصديق، لغيّروا من حياتهم ومن سيرتهم الشيء الكثير.
    عرضت لي هذه اللحظة القصيرة المفاجئة في ليلة من ليالي الأوبرا، وما أكثر ما تعرض هذه اللحظات القصار المفاجئة لكثير من الناس في هذه الأيام السود! فاللهم ارفع عن الناس مقتك وغضبك، اللهم هيئ للناس حياة لا يخاف الصديق فيها لقاء الصديق، ولا يختلس الصديق فيها لقاء الصديق، ولا يقطع الصديق فيها أسباب الود والحب، لا لشيء إلا لأنه يخاف بأس السلطان أو يرجو رضا السلطان.
    الرسالة في ١٢ – ٢ – ١٩٣٤

  • شكاة الأديب

    شكاة الأديب

    طه حسين

    جريدة مصر الفتاة

    ٢٧ نوفمبر ١٩٠٩

    ضَنيتُ لا من هوَى الغَواني واشتقتُ لا للمَها
    الحِسان

    وشفَّني لا صدود ريم إذا ثنَى عِطْفه
    سَبَاني

    وافتداني لا هوَى فلان فقد تولَّى هوَى فلان

    ما أنا والحب يَزدَهيني حسبي من الحب ما
    ازدهاني

    لقد بلوتُ الغَرام غِرًّا فكم بآلامه
    ابتلاني!

    كم حمد الغِيد من بلائي مُذْ كان لي بالهوى
    يدان!

    تحكَّم الغِيدُ فيَّ دهرًا ثم انثنى عنهم
    عناني

    لا أكذب الله أن عامًا مضى حثيثًا بلا تواني

    إذا تذكرته استهلَّتْ دموعُ عيني كالجُمَان

    إذ أنا في لذة وأمن أباكر اللهو غير واني

    أستقبل الدهر في صفاء وما درَى كاشِحٌ مكاني

    لا يصحو لي عاذلي وإن لم يُثنِ اعتزامي إذا
    لَحَاني

    إني لذو رحمة وعطف على عدوي وإن قلاني

    أرْضَيتُ بالطَّيِّبات نفسي في غير إثم ولا
    افتتان

    ما أخذ الكاتبان سوءًا يذودني عن رُبَى
    الجنان

    إن كان في قُبلة جناح فإنني منه في أمان

    لم أستبح نَيْلها فجورًا بل قال بالحِلِّ
    «مُفتيان»

    قد نِلتُها واستزدتُ منها لو بعض ما نلته
    كفاني

    ثم طوى الدهر ذاك عنا ليتَ الرَّدَى قبلها
    طواني

    لا يشمتُ الحاسدون إني سَلوتُ حبي وما
    سَلاني

    رأيت أن الهوَى سيُلقي نفسي في هُوَّة
    الهَوان

    فقلتُ للقلبِ: عدِّ عنه ودَعْه للمُترَف
    الجبان

    إن نعيم الحياة يَفنى وطيب الحمد غير فاني

    هن الأماني ملَكن قلبي يا وَيحَ قلبي من
    الأماني!

    ذُدْنَ كَرَى النوم عن جفوني وقلن للصَّفْو لا
    يراني

    أدْنَينَ أسبابَهن مني ونائل الدهر غير داني

    بيني وبين الزمان حربٌ لا صنع الله للزمان

    لن يبلغ الثأر من زمان من صال بالسيف
    والسنان

    إن كان يُغني البيان عني فإنني صاحبُ البيان

    من حارب الدهر لم يَسَعه إلا رضاه بكل شان

    لم أمضِ عشرين غير أني بلوتُ دهري كما
    بَلاني

    ما أنا والحادثات إلا كالريح والأغصن اللدان

    أميل بالنفس حيث مالت مثبت الجأش والجنان

    إذا شكى البؤس كل ندب فقد نجا منه شاعران

    بينا نعانيه كان شوقي يقصف في كرمة ابن هاني

    وحافظ في القطار يلهو مُشرَّد الهمِّ غير
    عاني

    أذاك أم مسَّه شقاء فانتجع الواصل المداني؟

    ثم انثنى وهو بالصفايا من صلف الدهر في ضمان

    فليَطبِ الشاعران نَفْسًا إنَّا رَضينا بما
    نعاني

    ما سرَّني ساعة كبؤسي والأدب الغض صاحبان

    لقد سَئِمْتُ الصِّحَاب حتى وَددتُ لو كلُّهم
    جفاني