إخفاق …
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٣٠ سبتمبر ١٩٤٦
لم ينتظر المصريون في يوم من الأيام خيرًا من الوزارة المستقيلة؛ لأنهم لم يصدقوا في يوم من الأيام أن رئيسها يستطيع أن يكسب لهم خيرًا، ومصدر ذلك أنهم يعلمون فيما بينهم وبين أنفسهم علم اليقين — لا علم الظن — أن صدقي باشا رجل يحب نفسه أكثر مما يحب أي إنسان، ويؤثر ما يتصل به من المنافع والمآرب والآمال أكثر مما يؤثر ما يتصل بغيره من الناس من هذه المنافع والمآرب والآمال، سواء أكان هؤلاء الناس أفرادًا يلوذون به من قريب، أم جماعات يرمقونه من بعيد، أم شعبًا لم ينظر إليه قط إلا في كثير جدًّا من الحذر والتحفظ والاحتياط.
وقد جرب المصريون صدقي باشا حين كان وزيرًا في الوزارات المختلفة قبل صدور الدستور وبعد صدور الدستور، فعرفوا فيه الفطنة والذكاء، وعرفوا فيه اللباقة والمضاء، ولكنهم عرفوا فيه هذا الضعف الخطير الذي يحول بينه وبين أن يكون سياسيًّا ذا خطر: وهو حب النفس، وإيثار المنافع العاجلة القريبة على كل شيء آخر.
رأوه يحارب سعدًا إلى أبعد حدود الحرب وأقصى آمادها حين كان وزيرًا للداخلية، لا يتحرج من ظلم، ولا من عسف، ولا من كيد، ولا من تضليل، ولا من سفك للدماء.
ثم رأوه بعد ذلك يتقرب إلى سعد وأصحابه حين كان الائتلاف، ورأوه يسعى إلى بيت الأمة ينتظر في بعض الظروف أن يقبل الوفد ترشيحه للنيابة في دائرة من دوائر الانتخاب، يحارب سعدًا ولا يكره الاعتراف بزعامة سعد، ويحارب النحاس ولا يكره أن يعلن الخضوع لزعامة النحاس، ويخاصم محمد محمود، ولا يتردد في الانضواء تحت لواء محمد محمود، ثم رأوه حين أحدث الانقلاب الدستوري الخطير الذي ألغى فيه دستورًا، وأنشأ فيه دستورًا آخر، وأفسد فيه جيلًا من أجيال الشباب فسادًا عميقًا لم تمح آثاره بعد، وسفك فيه دماء المصريين في المدن والقرى. لم يتحرج، ولم يتحفظ، ولم يرع لأمته حرمة، ولا لمواطنيه حقًّا، ولم يخف من هذه الظلال الدامية التي كانت خليقة أن تنغص عليه النهار إذا استيقظ، وتملأ عليه الليل إذا حاول أن ينام …!
نعم، ورأوه ينشر الجاسوسية على البارزين من خصومه، وعلى غير البارزين منهم، يبث العيون والأرصاد في كل مكان، وينفذ الأحكام العرفية دون أن يعلنها. نعم، ورأوه يهين كرامة الإنسان إلى أبعد الحدود التي تهان فيها كرامة الإنسان، وما زالت قصة البداري ماثلة في النفوس، ولم تكن قصة البداري فذة ولا نادرة، وإنما كانت شائعًا مألوفًا؛ فقد أباح صدقي باشا في عهده ذاك للمصريين أن يستذل بعضهم بعضًا، وأن يستعلي بعضهم على بعض، وأن يهدر بعضهم كرامة بعض، وأن تضيع بينهم الحقوق، وتنتهك بينهم الحرمات.
نعم، ورأوه يصنع البرلمان صنعًا، ويطبخه طبخًا، وينفخ فيه روحًا خبيثًا آثمًا يملأ البلاد شرًّا ونكرًا. نعم، رأوه بعد ذلك وقد انجلت عنه غمرة السلطان فانجلت عنه غمرة الطغيان، وإذا برلمانه ينبذه كما تنبذ النواة، ويسخر منه كما يسخر من رجل ليس بذي خطر، وإذا أصحابه يتفرقون عنه ليلتفوا حول صديقه وزميله، وإذا الذين كانوا يذعنون له، ويؤمنون به، ويبتغون إليه الوسيلة، قد أصبحوا يكيدون له، ويمكرون به، ويريدون أن يحاكموه … ويتهمونه بما شاء الله أن يتهموه به من الآثام والموبقات.
وقد أنسى أشياء كثيرة قبل أن أنسى مستشارًا ملكيًّا كان يدبر المحاكمة، ويعد لها، يعمل فيها نهاره، ويأرق لها ليله، ويرسل إلي أنا — حين كنت أحرر إحدى الصحف الوفدية — من أعوانه من كان ينبئ بدقائق الاتهام الذي كان يُعدُّه، والكيد الذي كان يكيده.
ثم تدور الأيام، وتتلاحق الحوادث، وتتغير الظروف، وإذا صدقي باشا يشرك راضيًا أو كارهًا هذا المستشار في وزارته المستقيلة.
نعم، جرب المصريون صدقي باشا في هذه الأطوار كلها، فاستيأسوا منه، واستيقنوا أنه لن يكسب لهم خيرًا، وتضرعت قلوبهم إلى الله أن يصرف عنهم شره، ويكف عنهم أذاه، وأن يتيح له بعد ذلك من السعادة في نفسه ومنافعه ما يشاء، وكان صدقي باشا خليقًا بعد هذه التجارب المرة والمحن القاسية، أن يفرغ لنفسه ولمنافعه، وأن يفارق السياسة إلى غير رجعة، ويزهد فيها إلى آخر الدهر.
ولكن صدقي باشا رجل جريء لا يعرف التردد، ولا يحجم أمام شيء، تنزلق الأحداث على نفسه الملساء دون أن تترك فيها أثرًا، كما تنزلق الأجسام على الجليد الصلب الأملس دون أن تترك فيه أثرًا، وهو من أجل ذلك لم ييأس قط، وهو من أجل ذلك لم يرضَ قط أن يريح ولا أن يستريح. شارك في مفاوضات ١٩٣٦، ثم لم تكد هذه المفاوضات تنتهي حتى كاد لها، ومن يدري لعله كاد لها قبل أن تنتهي، ولعله كاد لها من قبل أن تبتدئ.
والشيء المحقق هو أنه كاد للوزارة الوفدية إذ ذاك، وما زال يكيد لها منفردًا بالكيد مرة، ومشاركًا في الكيد مرة أخرى، حتى إذا أقيلت تلك الوزارة شارك في الوزارة التي خلفتها، ولكن زملاءه الذين شاركوه في الكيد، وشاركوه في الغنيمة بعد الكيد لم يطيقوا عليه صبرًا فتخلصوا منه ولمَّا يمض على تأليف وزارتهم إلا وقت قصير، هنالك عاد إلى ما كان فيه من التخريب والتأليب والمكر الظاهر والمكر الخفي. لم يُقصِر شيئًا في ذلك على وزارة بعينها، وإنما شمل به الوزارات جميعًا. لم يرضَ قط عن وزارة ليس فيها، ولم يرض قط عن وزارة شارك فيها إلا أن يستأثر من دون أعضائها بالنفوذ.
وما زال كذلك يرضى قليلًا ويسخط كثيرًا ويعارض دائمًا، حتى كان هذا العهد السعيد، فكان من بُناته ورافعي دعائمه، ولكنه لم يشارك في الغنيمة، فلم يرضَ عن أحد، ولم يرض عنه أحد. ولم تمض أشهر على هذا العهد السعيد حتى كان صدقي باشا خصمًا لوزير المالية في كل شئون المال، وخصمًا لرئيس الوزراء في كل شئون السياسة، يعارض في البرلمان قليلًا، ويعارض في الصحف كثيرًا، ويعارض في نادي محمد علي معارضة لا تنقضي.
كان أشد الناس مطالبة بالجلاء وتعجلًا له حين كان النقراشي باشا رئيسًا للوزارة، وكان أشد الناس استبطاءً للمفاوضات وضيقًا، يكسب الوقت وتشنيعًا على مؤامرة الصمت حين كان النقراشي باشا رئيسًا للوزارة، وما زال بالنقراشي باشا حتى أفسد من حوله الجو في ذلك السخف الذي كانوا يسمونه الهيئة السياسية، ثم هوى النقراشي باشا وفوجئ المصريون بوزارة يرأسها صدقي باشا.
فأما الأغرار منهم والمحمقون والذين يذكرون اليوم لينسوا غدًا، فقد صدقوه حين أعلن إليهم أنه قد خرج من جلده القديم ودخل في جلد جديد. وأما الذين يفطنون للحوادث، وينتفعون بالعبر، ويستفيدون من الخطوب، فقد عرفوا أن الرجل قد ضرب حول نفسه سورًا ظاهره فيه الرحمة، وباطنه من قبله العذاب، ولم تمض أسابيع حتى شاع العذاب في السور كله في باطنه وفي ظاهره ومن حوله، وإذا نحن نعود إلى الوزارة الأولى لصدقي باشا، وإذا الفساد يُصب على مصر صبًّا، ويتغلغل في حياتها كلها، فساد في الحياة الداخلية، فقد محيت الحرية محوًا، وجرت أمور الحكم على الطغيان الذي لا يتحرج ولا يتحفظ، ولا يرى في الدستور والقانون إلا ستارًا تقترف من ورائه آثام الاعتداء على الحرية والازدراء للحقوق.
ثم كانت سخافة المفاوضات، وقد عرف المصريون تهالك صدقي باشا على سخافة المفاوضات، وقد رأى المصريون إلى أي حد كان صدقي باشا مخلصًا حين كان يتعجل الجلاء، ويتحمس للاستقلال، ويطالب بوحدة وادي النيل. وما أحب أن أعيد حديث المفاوضات، وما كان يشيع فيها من ثقة بين صدقي باشا وزملائه المفاوضين، ولكن أحب أن أُذكِّر المصريين أن أزمة المفاوضات التي أكرهت صدقي باشا على الاستقالة قد كانت أزمة ثقة حقًّا، أزمة ثقة لا بين المصريين والإنجليز فحسب، ولكن بين المفاوضين المصريين ورئيسهم قبل كل شيء.
لقد بلغ الأمر أن شك فريق من المفاوضين في كل ما كان رئيسهم يقول لهم، أو يقول عنهم، حتى أرادوا أن يقيدوه، بل قيدوه بالألفاظ المكتوبة المقررة، ثم لم يحتفظوا بهذا الشك بينهم وبين أنفسهم، وإنما أذاعوه في أحاديثهم، وأذاعته الصحف عنهم؛ ليعلم الشعب المصري أن من المفاوضين أنفسهم قومًا يشكون كما يشك، ويرتابون كما يرتاب، ويخافون كما يخاف.
ومهما يكن من شيء فقد أخفق صدقي باشا في وزارته هذه إخفاقًا منكرًا حقًّا أفسد على مصر حياتها الداخلية، على كثرة ما كان يلهج به من رغبة في الإصلاح، كان يريد أن يحارب الفقر والجهل والمرض، فلينظر المصريون أنفسهم وليسألوا أنفسهم إلى أي حد حماهم صدقي باشا من الفقر والجهل والمرض، وأفسد على مصر مظاهر جهادها الوطني بما فرض على الصحف من صمت، وعلى الحرية العامة والخاصة من قيود وأغلال، وأعلن أنه يريد أن يحقق الجلاء ووحدة وادي النيل.
فلينظر المصريون وليسألوا أنفسهم، ولينظر المفاوضون وليسألوا أنفسهم: ماذا حقق صدقي باشا من الجلاء ووحدة وادي النيل؟ ثم لينظر المصريون والمفاوضون منهم خاصة إلى أي حد حفظ صدقي باشا على المصريين كرامتهم أمام الإنجليز، وسمعتهم في العالم الخارجي في الشرق والغرب على السواء.
ليصدقني المصريون، والمفاوضون منهم خاصة، لقد كنت في أوروبا أستخذي حين تُذْكَر الحكومة المصرية. ولمَ لا؟ وهي الحكومة التي تحجر على الحريات العامة بالطرق الإدارية، ثم لا تكتفي بذلك فتشرع القوانين للحجر على هذه الحريات، فإذا لم يسعفها البرلمان أصدرت هذه القوانين في غيبته، وأؤكد للقراء وللمفاوضين ولصدقي باشا نفسه أن الذين يستخذون من الحكومة المصرية في الخارج ليسوا قليلين!
والآن وقد استقالت هذه الوزارة، وزالت هذه المحنة عن المصريين يومًا أو بعض يوم، ما الذي يمكن أن تتكشف عنه الأحداث لهذا البلد البائس الشقي؟ يقال — وما أكثر ما يقال: إن صدقي باشا قد يؤلف وزارة جديدة، وقد يمضي في سياسته الرشيدة، فإن يكن هذا الذي يقال حقًّا، فقد يستطيع صدقي باشا أن يطمئن إلى أن وزارته الجديدة لن تكون أحسن حظًّا من وزارته المستقيلة.
فإنك لا تجني من الشوك العنب، وقد جرب صدقي باشا حظه غير مرة، فلم يجد خيرًا، وجربت مصر حظها مع صدقي باشا فلم تجد خيرًا، فإذا كتب عليها صدقي باشا مرة أخرى، فإنها تعرف كيف تقرأ وتفهم وتذعن لقول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
إخفاق …
Share:
Leave a Reply