ندوة الهلال: مشاكل الشباب كيف نحلها؟
طه حسين
مجلة الهلال
يناير ١٩٤٨
شباب اليوم هم رجال الغد، وعماد المستقبل، وفي حل مشاكلهم تمهيد لا بدَّ منه لإقامة ذلك المستقبل، وتوطيد أركانه على أساس ثابت متين. وقد دعونا خمسة من أقطاب الرأي وأعلام البيان للمناقشة في هذا الموضوع الحيوي … وإليك ما دار بينهم من حديث سجَّلناه حرفيًّا.
بدأ الحديث بين حضرات المجتمعين في الندوة عن مشكلة التعليم … فقال أستاذنا أحمد لطفي السيد باشا: أعتقد أن مشكلة التعليم هي أهم مشاكل شباب اليوم، بل مشاكل البلاد عامة؛ ذلك لأن حلها يستتبع حتمًا حل أكثر المشاكل التي نعانيها، والتي تقف عقبة في سبيل رفع مستوانا العام.
الدكتور بهجت بدوي بك: إن أهدافنا هي رفع المستوى الأدبي والمادي للجيل الجديد، وتحقيق هذه الأهداف إنما يقع العبء الأكبر منه على عاتق الخاصة، أقصد الطبقة المستنيرة؛ فيجب أن نُوجِّه عنايتنا إلى تكوين هذه الطبقة، وتدعيمها بالكفايات العلمية والاقتصادية والفنية؛ أي أن نُوجِّه عنايتنا إلى التعليم الجامعي والتعليم الفني. والعناية التي تُصرف في سبيل هذا النوع من التعليم ينبغي ألَّا تكون دون العناية التي تصرف في سبيل التعليم العام. وكما يجب أن يزداد الكم يجب كذلك أن يتحسن الكيف. وليس بخَفِيٍّ أن المدنيَّة الغربية الحديثة إنما قامت على أكتاف الجامعات التي بدأت مهمتها هناك منذ قرون، بينما التعليم العام لم يبدأ مهمته إلا منذ ٦٠ أو ٧٠ سنة. الدكتور بقطر: التعليم العام هو الذي يكشف الكفايات، والغرض منه تنوير أذهان الأمة؛ فالوعي القومي لا يوجد إلا في أمة متعلمة بها كفايات في كل المرافق. نشأت باشا: في اعتقادي أن الظروف الحالية أو ظروف الكوليرا العارضة تعطينا فكرة صحيحة عن أيهما أفضل: التوسع في التعليم العام أم التوسع في التعليم الجامعي؛ فهذه الظروف قد أكدت أن ما ينقص الشعب المصري — ولا بدَّ له منه أولًا وقبل كل شيء — هو تفهُّم قواعد الحياة، وتبين المسالك المؤدية إلى أحسن الغايات دون التعرض للمهالك والأخطار. وهذا هو ما يتيحه التعليم العام. أمَّا التعليم الجامعي، فالغرض منه إيجاد القادة لا أكثر، ولا شك في أنَّ مَن عندنا من الجامعيين فيهم الكفاية لهذا وزيادة، لولا أن انعدام التعليم العام من شأنه أن يجعل مهمتهم تعترضها الصعوبات، فمثلهم ومثل العامة عندنا كمثل جياد أصيلة كثيرة تحاول جر عربة تنقصها العجلات. وثمة دليل آخر على ضرورة عنايتنا أولًا بالتعليم العام بما فيه التعليم الزراعي والصناعي، وذلك أن عددنا قد تضاعف في نصف القرن الأخير، ومع هذا لم نُفِدْ شيئًا من هذه الزيادة، بل نقصت الأراضي المزروعة عندنا حوالي مليون فدان، برغم ما جدَّ من الوسائل الزراعية … فإذا كنَّا نتألم الآن لما تعانيه البلاد من المرض والفاقة؛ فذلك مرده إلى أن أكثريتنا لا تزال في جهالة عمياء — ومن هذا كانت زيادة عددنا ضِغْثًا على إبَّالة — وبعد أن كان الفلاح الجاهل الفقير المريض يكد ويكدح ليحصل على رغيف، أصبح هناك آخر من أمثاله يكد ويكدح ليقتسم معه هذا الرغيف بدلًا من أن يبحث لنفسه عن رغيف آخر. أمَّا الأغنياء من الزراع، فأكثرهم كذلك ينقصهم التعليم؛ ولهذا يعيشون بعقول القرون الوسطى، فلا يفيدون ولا تفيد البلاد من غناهم إلا بمقدار ضئيل محدود. الدكتور بقطر: في اختباراتي بأمريكا ما يؤيد هذا كل التأييد، فالرخاء السائد هناك إنما يعود إلى تعميم التعليم الفني والزراعي والصناعي، وإفادة الشعب جميعًا منه في المدارس الثانوية، وقليل هم الذين يدخلون الجامعات بعد ذلك، وقد قال أحد الرؤساء الأمريكيين: لو خُيِّرتُ بين إقفال المدارس وإقفال الجامعات لاخترت إقفال الأخيرة. الدكتور طه حسين بك: الحياة جهاد، يُحتاج فيه إلى القادة كما يُحتاج إلى الجنود، ولا قيمة مطلقًا لكفاية القادة ونشاطهم وإخلاصهم ما لم يكن جنودهم أصحاء صالحين للقتال، متدربين على فنونه من هجوم ودفاع. وإذا كانت الجامعات هي التي تخرِّج القادة، وكانت عامة الشعب هي التي تتألف منها الجنود، فلا قيمة مطلقًا لمن تخرجهم الجامعات ولا لكفايتهم ونشاطهم وإخلاصهم إذا لم يكن العامة على قسطٍ من التعليم العام، يفهمون به واجبهم كما يجب أن يُفهم، ويهيئهم لقبول التوجيه وتأدية مهمتهم أحسن ما يكون الأداء … فالتعليم الإجباري العام إذن أوجب وأولى بعنايتنا واهتمامنا من التعليم العالي والتعليم الخاص، ثم هو إلى ذلك يتيح تكافؤ الفرص لأبناء الشعب جميعًا، لا فرق بين غنيٍّ وفقيرٍ، كما يتيح للجامعة نفسها أن تحسن اختيار أبنائها ممن تتوافر فيهم الكفايات والاستعدادات والميول المطلوبة … وقد يكون الاتجاه نحو التعليم العام شيئًا جديدًا لم يعرفه العالم قبل القرن التاسع عشر. ولكن الذي لا شكَّ فيه أنه جاء نتيجة للوعي العالمي، والقصد إلى إنقاذ الإنسانية من الكوارث العديدة التي جرَّها عليها الجهل ونظام الإقطاع أو الاحتكار الذي كان سائدًا وقتذاك في جميع فروع الحياة، ولا شكَّ كذلك في أن الإنسانية قد أفادت وتقدمت أشواطًا بعيدة في طريق الرقي ورفع المستوى العام بفضل هذا الاتجاه. فمن السخف أو العبث أن نحاول القضاء على الفقر أو المرض، أو أن نقر العدل والديمقراطية الصحيحة ما لم نَمْضِ أولًا في ذلك الاتجاه، ونحقق في البلاد تعميم التعليم بمعناه الصحيح. الدكتور بهجت بدوي بك: ليس هناك من ينكر ضرورة التعليم العام وفوائده، ولعل أخص فوائده أن يتيح الفرصة لإبراز أكبر مجموعة من المواهب والكفايات والانتفاع بها، بدلًا من قصر هذه الفرصة على طبقة معينة: هي طبقة القادرين، وعلى هذا الوجه لا تُهدر تلك المواهب التي يزخر بها الشعب، والتي ينقصها التعليم للكشف عنها، على أنه ليس في إمكاننا الآن أن نعلم الشعب كله؛ لأن مواردنا محدودة أو هي غير مستغلة كما ينبغي أن تُستغل. ويجب مواصلة الاهتمام بتحسين هذا الاستغلال حتى تزداد الموارد، ويمكننا الإنفاق على تعليم الشعب. وفي سبيل ذلك نحن في حاجة إلى إعداد الكفايات التي كُشِف عنها إعدادًا صالحًا يُمكِّنها من أن تؤدي مهمتها حق الأداء؛ وذلك بأن نهيئ للجامعة جوًّا علميًّا صحيحًا يجعلها أقدر على تخريج الأكفاء الذين يقوون روح الإنتاج، ويمضون بالأمة في الطريق الموصل إلى ما تريد. الدكتور طه حسين بك: قد يكون مستوى المتخرجين في الجامعة اليوم أقل منه منذ عشر سنين، ذلك لأخطاء قد تكون منَّا، وقد تكون من الظروف العالمية … أصبحت معها الجامعة ما تزال مدارس عالية، وانقطعت العلاقة بين أساتذتها وزملائهم في الخارج، ولم يبقَ للدرجات الجامعية من قيمة أكثر من أن تتيح الترقية لأصحابها حتى في الجامعة نفسها. وقد يستطاع إصلاح هذا الحال بالرجوع إلى الأساس الذي نهضت عليه الجامعة عندنا منذ سنين … على أن هذا لن يغني كثيرًا عن حاجتنا الملحة إلى التعليم العام. وعلى المسئولين أن يُدبِّروا المال اللازم لذلك بزيادة الضرائب على الأرباح والأملاك، وتنظيم جبايتها، واختيار الوجوه التي تنفق فيها، مع ملاحظة تقديم الأهم على المهم، وتقديم المهم على ما لا فائدة من الاهتمام به الآن. فمثلًا قد أنفقنا على الجيش حوالي اثني عشر مليونًا من الجنيهات، وكان يمكن أن نُوفِّر هذه الملايين لننفقها في نشر التعليم العام؛ فلا شكَّ في أن الجيش بعد ذلك يكون أكثر فائدة. أمَّا الآن فلا أذكر أن البلاد قد أفادت منه فائدة تُذكر منذ عصر إسماعيل. لطفي السيد باشا: هذا كلام جميل، وأجمل منه أن نجد الحاكمين الذين يفهمونه حق فهمه، ويسارعون إلى تنفيذه، أو أن نجد المحكومين الذين يؤمنون بفائدته لهم وللبلاد، ويقبلون عليه راضية به نفوسهم. وأين نحن الآن من هذا وذاك؟! الدكتور بهجت بدوي بك: مهمة المصلحين هي التوجيه والتبصير بعواقب الأمور، وما دام إيمانهم قويًّا فسيأتي اليوم الذي تتحقق إصلاحاتهم فيه.
ثم انتقل الحديث إلى التربية الخلقية …
الدكتور بهجت بدوي بك: الواقع أن القدوة الحسنة هي التي تؤثر في الناشئة وليس الوعظ أو الإرشاد. الدكتور بقطر: أعتقد أن الطريقة المثلى للإفادة من التربية الخلقية هي أن نبدأ بها أولًا في البيت، ثم يتعاون البيت مع المدرسة. الدكتور طه حسين بك: هذا ما لا سبيل إليه بعد أن يُعمم التعليم العام أيضًا. أمَّا قبل ذلك فالبيئة المنزلية — مع الأسف الشديد — لا تزال أبعد ما تكون عن الاضطلاع بمثل ذلك العبء العظيم؛ لأنها هي نفسها في حاجة إلى الإصلاح. فلو فرضنا أن البيئة المدرسية عندنا صالحة لذلك؛ فإن التعاون بينها وبين البيئة المنزلية لتحقيق تلك الغاية لا سبيل إليه إلا بعد حين طويل. الدكتور بقطر: في استطاعتنا أن نقتبس الطرق المفيدة التي سبقنا إليها الغربيون في ذلك، كتنظيم مؤتمرات عامة للشباب، وإصدار الكتب والمجلات الخاصة بهم، والإكثار من الإذاعات التي يحبُّونها، وتوجيههم إلى ذلك من حيث لا يشعرون، والعمل على إنشاء الأندية الرياضية والاجتماعية لهم، بشرط أن تكون بعيدة عن الطائفية أو الحزبية. وفي استطاعة الحكومة أن تشرف على تنظيم هذه الوسائل. لطفي السيد باشا: أرى أن الحياة الآن أرقى بكثير مما كانت عليه قبل ربع قرن، وهي — إن شاء الله — ستكون بعد ربع قرن آخر أرقى منها الآن؛ فلنترك الزمن يتولى بنفسه حل هذه المشكلة. أمَّا أن نكل حلها إلى الحكومات فهذا يتطلب أن يُختار الحاكمون من الفلاسفة ورجال الأخلاق، وهذا ما لا يقره السياسيون.
وتناول المجتمعون مشكلة ثالثة هي من أهم مشاكل الشباب؛ وهي «التربية الجنسية»، فقال الدكتور طه حسين بك: المسألة التي ينبغي أن نفكر فيها في مصر وفي كثير من البلاد الأخرى هي مسألة «التربية الجنسية»؛ فالواقع أن الحب لا يحتاج إلى توجيه.
الدكتور بهجت بدوي بك: أعتقد أن هذه المسائل ينبغي أن تُترك للشباب ليحلها بمحض سلطانه. الدكتور بقطر: في البلاد المحافظة كبلادنا يعجبني أن حل أمثال هذه المسألة يتم شيئًا فشيئًا، وبمعرفة الوالدين، بعكس الحال في البلاد الغربية مثلًا؛ حيث يمكن القول بأن الجنسين هناك قد تُرك لهما الحبل على الغارب متى بلغَا مبلغ الشباب. لطفي السيد باشا: ومشكلة تعدد الزوجات قد حلَّها الزمن هي الأخرى؛ فلا يزيد ما لدينا منه الآن على ٣٪ من عقود الزواج القائمة. فالأمر كما ترون لا يحتاج إلى تشريع ولا توجيه. الدكتور بقطر: هل هناك تعاون بين الجنسين في الجامعة عندنا كما هو الشأن في جامعات أوروبا وأمريكا؟ الدكتور طه حسين بك: الذي أعرفه أن اختلاط الجنسين في الجامعة موجود معمول به منذ سنين، فالطالب والطالبة يجلسان جنبًا إلى جنب في الدروس والمحاضرات، ويتناقشان معًا خارج الدرس، ولا حرج عليهما البتة من هذا القبيل. الدكتور بقطر: قبل انفضاض الندوة، أحب أن أعود هنيهة إلى مسألة التعليم العام لأقول: إن الحكومة الأمريكية تفرض ضريبة على الأثاث تُجبى سنويًّا لذمة التعليم، وفي هذا ما يؤيد ما قاله الدكتور طه حسين بك من ضرورة فرض الضرائب هنا لنشر ذلك التعليم. الدكتور طه حسين بك: أكثر من هذا يا سيدي أن الحكومة المصرية نفسها في أوائل عهد الاحتلال الإنجليزي فرضت ضريبة خاصة بالتعليم في مجالس المديريات؛ فليس ما يمنع الآن من فرض مثل هذه الضريبة على أن تختفي المركزية، إذ إن ضررها محقق في مثل هذه الشئون وهذه الظروف. لطفي السيد باشا: إلى هنا أرى أن مشاكل شباب اليوم قد حُلَّت على الورق، فلعلها — إن شاء الله — تُحل كذلك في الدواوين. الدكتور طه حسين بك: المهم أن تحل فى المدارس والبيوت!
ندوة الهلال مشاكل الشباب كيف نحلها؟
Share:
Leave a Reply