التجديد في الشعر
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢٩ أبريل ١٩٥٦
لم نفرغ بعد، ويظهر أننا لن نفرغ في وقت قريب من مشكلة العامية والفصحى وما يتصل بها من هذه الواقعية التي يعتذر بها أصحابها عن الكسل والقصور؛ الكسل الذي يحول دون القراءة والتفقه، وإتقان أداة التعبير والتصوير، والأخذ بأسباب الأدب الرفيع، فلم نكد ندعو كُتَّابنا من الشباب إلى أنْ يعرفوا لأنفسهم حقها في الجد والأناة والبحث والدرس والاستقصاء والإتقان، والارتفاع إلى ما يليق بهم وبوطنهم، وبما ينبغي له من أدب رفيع ممتاز، مُنزَّهٍ من الابتذال، مبرَّأٍ من هذا السخف الكثير الذي يشيع فيه، حتى ثار ثائرهم، وأخذتهم العزة بالإثم، فجحدوا كل حق، وأنكروا كل عارفة، وتلقونا وتلقوا غيرنا من الذين لم يعرضوا لهم ولم يفكروا فيهم بما استطاعوا من ألوان المَساءة وضُروب الأذى، وقال قائلهم: إننا قد انحرفنا عن المصرية، وجهلنا حق وطننا علينا، والتمسنا أدبنا في بطون الكتب وأعماق العصور التي انقضى عهدها، والتي لا تمس المصرية الحديثة من قُرب أو بُعدٍ. ولهم الشكر مع ذلك على أنهم عرفوا لكاتب مثلي أنه أصدر كتاب الأيام، فكان فيه مصريًّا، ولكنه لم يلبث بعد ذلك أنْ انحرف عن هذه المصرية إلى بطون الأسفار وأعماق الكتب يلتمس فيها أدبًا لا يغني عن المصريين شيئًا، كأن الذي أصدر كتاب الأيام لم يصدر كتبًا أخرى غيره تصور الحياة المصرية على اختلاف ألوانها وطبقات أصحابها، وكأنه لم ينفق حياته مُعلِّمًا لأجيال من المصريين يثقف عقولهم، ويفتح لهم أبوابًا إلى التفكير الحر المستقيم، وكأنه لم ينفق حياته كاتبًا للأحاديث التي تحصى بالألوف الكثيرة عن صميم الحياة المصرية ومظاهرها المختلفة من أدب ودين، ومن سياسة واجتماع، وكأن زملاءه الذين نالتهم مثل ما ناله من القذف بالانحراف عن المصرية لم يصنعوا صنيعه، ولم يتركوا آثارًا مثل آثاره أو خيرًا منها.
وأطرف ما في الأمر أنَّ هؤلاء السادة لا يريدون بشيوخهم شرًّا، ولا يعمدون إليهم بأذًى، وإنما جهلوا وسائل التعبير الصحيح الدقيق فآذوا شيوخهم من حيث لا يريدون، وأطلقوا ألسنتهم وأقلامهم فأرسلت كلامًا يقال في غير طائل، ولا يصور ما في قلوبهم، ولا يُعرب عن ذات نفوسهم، وإنما هي ألفاظ يقولونها ويكتبونها ولا يحققونها؛ لأنهم لا يعرفون لغتهم، ولا يحسنون تصريفها فيما يريدون إليه من القول، فما ينبغي أنْ نلومهم، ولا أنْ نعتب عليهم، ولا أنْ نأخذهم بما انطلقت به ألسنة جائرة عن القصد، وما جرت به أقلام منحرفة لا عن المصرية، بل عن الأدب الجدير بأن يسمى أدبًا، وننصح لهم مُلحِّين في النصح أنْ يحسنوا العلم بالكلام قبل أنْ يتكلموا، وبالكتابة قبل أنْ يكتبوا، وبالأدب قبل أنْ يخوضوا فيه.
لم نفرع بعد، ويظهر أننا لن نفرغ في وقت قريب من مشكلة العامية الواقعية هذه الجديدة، حتى أثيرت لنا مشكلة جديدة خليقة حقًّا بأن نفكر فيها ونطيل الوقوف عندها، ونقول فيها كلمة الحق؛ وهي مشكلة الشعر المنثور أو النثر — المشعور — كما يقول شاعرنا الكبير عزيز أباظة.
ففي الشباب العربي نزعة إلى التحرر من قيود الشعر العربي الموروث، هم لا يريدون أنْ يقيدوا شعرهم بالقافية، يمضي بعضهم في ذلك إلى أبعد الحدود، فيُلغي القافية إلغاء، ويقتصد بعضهم فيحتفظ بشيء من تقفية، ولكن في حدود اليسر والإسماح، وهم يريدون أنْ يتحرروا من قيود الوزن التقليدي الذي تركه لنا العرب القدماء، ويذهبون في هذا التحرر مذهبهم في شأن القافية؛ يغلو بعضهم فيرسل الكلام إرسالًا يطلقه من كل قيد لفظي، ويقصد بعضهم الآخر فيقيد كلامه في أوزان خاصة يراها ملائمة، لما يضطرب في نفسه من العواطف والأهواء والميول. وهذا كله لا يرضي شاعرنا الكبير عزيز أباظة فيما نشرت عنه الجمهورية منذ يومين، وفيما كتب هو حين قدَّم لبعض الدواوين.
والأستاذ عزيز أباظة حريص على أنْ يكون محافظًا في الشعر، معتزًّا بهذه المحافظة، يرى الخروج عليها انحلالًا وإفسادًا للفن، ويسأل الخارجين على هذه المحافظة: ما بالهم لا يتحررون من قواعد النحو كما تحرروا من قواعد الوزن والقافية؟! ولشاعرنا الكبير حقه الكامل في أنْ يكون محافظًا، وفي أنْ يلزم طريقة شوقي والذين قلدهم شوقي من القدماء، لا ينبغي لأحد أنْ ينازعه في شيء من ذلك.
ولكن لغيره — فيما أظن — الحق الكامل كذلك في أنْ يذهبوا في الشعرِ المذاهبَ التي تلائم طبائعهم وأمزجتهم، والصور الجديدة التي صورت فيها نفوسهم، لا غرابة في ذلك ولا خطر فيه؛ فليس الشعر تقليدًا، وليس الشعر توقيعًا، وإنما الشعر صدى للقلوب والنفوس والطبائع جميعًا، يصدر عنها كما هي لا كما نحب لها أنْ تكون، وليس على أحد حرج من التجديد في الشعر أوزانه وقوافيه. وقد جدد القدماء من العرب في شعرهم؛ فابتكروا في الإسلام أوزانًا لم تكن في العصر الجاهلي، وابتكروا في العصور المتأخرة أوزانًا لم تكن في الشعر الإسلامي الأول، وصنعوا بالقافية مثل ما صنعوا بالوزن.
عرفوا ألوانًا من الموسيقى لم يعرفها قدماء العرب، وعرفوا فنونًا من الغناء لم يعرفها قدماء العرب أيضًا، فلاءموا بين شعرهم وبين ما عرفوا من ألوان الموسيقى والغناء.
وأتيحت لهم حضارة جديدة أثارت في نفوسهم عواطف وأهواء جديدة، بل غيَّرت طبائعهم وأمزجتهم تغييرًا، فلاءموا بين هذا كله وبين ما أنشئوا من الشعر، لم يكن عليهم في ذلك حرج ولا جناح، وإنما كان ذلك ملائمًا لطبيعة الأشياء. فتقصير الأوزان الطوال، وابتكار أوزان جديدة، والمزاوجة بين القوافي، والمخالفة بينها أحيانًا، كل هذه أمور عرفها القدماء ولم ينكرها عليهم أحد إلا أنْ يكون بعض المسرفين على أنفسهم وعلى الناس. وفي بعض العصور الإسلامية يتنافس الشعراء والكُتَّاب، وعدا بعضهم على فنون بعض؛ فنظم الشعراء نثر الكُتَّاب، ونثر الكُتَّاب نظم الشعراء، وهجم بعض الكُتَّاب على فنون من القول كانت مقصورة على الشعر في الزمان الأول، فتفوقوا فيها على الشعراء أحيانًا، كما فعل الجاحظ حين عدا على فن الهجاء فبلغ فيه بكتاب التربيع والتدوير ما لم يبلغه شاعر من الشعراء الذين سبقوه أو عاصروه. وذهب بعض الشعراء بشعرهم مذهب الكُتَّاب في التفصيل والتحليل والتطويل، كما صنع ابن الرومي في بعض شعره، وفي فن العتاب خاصة.
جدد الشعراء في أوزان الشعر وقوافيه كما جددوا في صوره ومعانيه، ملائمين بذلك بين شعرهم وحضارتهم وما كان لهم من أمزجة جديدة ومن طبيعة جديدة أيضًا، وضاق بذلك بعض المحافظين فلم يصنعوا شيئًا، ولم يصدوهم عن التجديد. وقد لعب شعراء المغرب العربي بأوزان الشعر وقوافيه ما شاء لهم اللعب؛ فاستحبَّ الناس — وما زالوا يَستحبُّون — لعبهم ذاك. وما أظن شاعرنا الكبير عزيز أباظة ينكر الموشحات، أو يأبى عليها إن دعته إليها طبيعته في بعض الظروف؛ ذلك أنَّ الشعر — كما قلت — صدى لعواطف القلب وأهواء النفس، أو هو صوت العقول، كما كان أبو تمام يقول. والأصل في الفن حرية خالصة من جهة، وقيود ثقال من جهة أخرى.
حرية في التعبير وطرائقه وما يُبتكر فيه من الصور والمعاني، وقيود يفرضها صاحب الفن على نفسه في مذاهب الأداء يلتزمها هو، ولا يُلزمه إيَّاها أحد غيره. وقد عرفت الإنسانية شعرًا رائعًا خالدًا ولم يعرف القافية؛ لأنها لم تلائم طبعه ولا لغته ولا بيئته.
لم يعرف الشعر اليوناني القديم قافية، ولم يعرف الشعر اللاتيني قافية، وأتيح لكليهما رغم ذلك من الروعة والخلود ما لا يرقى إليه الشك، وتحلل بعض الشعراء الأوروبيين من الأوزان والقوافي التقليدية فلم يُزْرِ ذلك بشعر المُجيدين منهم.
فليس على شبابنا من الشعراء بأسٌ — فيما أرى — من أنْ يتحرروا من قيود الوزن والقافية إذا نافرت أمزجتهم وطبائعهم، لا يُطلب إليهم في هذه الحرية إلا أنْ يكونوا صادقين غير متكلفين، وصادرين عن أنفسهم غير مقلدين لهذا الشاعر الأجنبي أو ذاك، ومبدعين فيما ينشئون غير مُسفِّين إلى سخف القول وما لا غناء فيه.
فإذا أتيحت لأحدهم أو لكثير منهم هذه الحرية الخصبة المنتجة المبدعة كنَّا أحب الناس لشعره، وأكلفهم به؛ لأننا سنجد فيه ريًّا من ظمأ، وشفاء لهذه الغلة التي تحرق نفوسنا تحريقًا، فما أشد ظمأنا إلى نفحات جديدة في الشعر! وما أحر تشوقنا إلى لون جديد من هذا الفن الأدبي الرفيع يرضي حاجتنا إلى تصوير جديد للجمال!
Tag: الحرية الفنية
-
التجديد في الشعر | Renewal in Poetry
-
ماتت الساحرة | The Enchantress Has Died
ماتت الساحرة
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٦ أغسطس ١٩٥٤
لست أدري أيعرفها كثير من المصريين، أم يعرفها من بينهم فريق بعينه من أولئك الذين يعنون عناية صادقة بالأدب الرفيع، ويتتبعون الإنتاج الأدبي الفرنسي بشيء من هذا الشغف الذي لا يتاح إلا للذين يسحرهم جمال الفن من حيث هو، لا من حيث إنه يحقق هذه المنفعة أو تلك، ويوصل إلى هذا الغرض أو ذاك، من حيث إنه الجمال الخالص الذي تجد النفس فيه الرضا والمتعة، وإن ضاقت ببعض ما فيه من التفصيل؟
لست أدري أيعرفها كثير من المصريين، ولكني أعلم أن الفرنسيين جميعًا يُكْبِرونها ويُقدِّرون أثرها في حياتهم الأدبية، ويرونها من أبرع كُتَّابهم في هذا العصر الحديث، ويتجاوزون ذلك إلى ما هو أعظم منه خطرًا، فيرون أنها قد رقَّت النثر الفرنسي وارتفعت به إلى منزلة لم يبلغها إلا قليل من كُتَّابهم النابهين.
وأعلم كذلك أن صوتها الأدبي قد تجاوز حدود وطنها منذ عهد بعيد جدًّا، فأصبحت علمًا من أعلام الأدب الإنساني في هذا القرن، وما أرى إلا أن كثيرًا من آثارها قد نقل إلى اللغات الحية الكبرى، وإنْ كنتُ لا أذكر أني رأيت ترجمة لأثر من آثارها في لغتنا العربية.
هذه هو كوليت التي نقلت إلينا الصحف الإيطالية نعيها منذ يومين، ووصلت إلينا الصحف الفرنسية اليوم تحدثنا عن حياتها الخصبة المضطربة الرائعة المروعة بالشيء الكثير.
وقد أخذت هذه الكاتبة تسلك طريقها الأدبي إلى المجد منذ أواخر القرن الماضي قبل أن تبلغ الخامسة والعشرين، وظلت تنتج فتبهر وتسحر بإنتاجها إلى أن أدركها الموت بعد أن جاوزت الثمانين، فهي قد أنفقت أكثر من نصف قرن منتجة للأدب الرفيع، مجاهدة ألوانًا من الجهاد الغريب في حياتها المضطربة الحافلة بالخطوب، المليئة بما يرضي وما يسخط، وبما يسرُّ وما يَسوءُ.
وما رأيك في فتاة تنشأ في قرية من قرى بورجونيا، فلا تكاد تعقل حتى تألف الطبيعة وتهيم بها وتوشك أن تغني فيها؟ فهي كلفة بالغابات، مشغوفة بالحدائق، مولهة بكل ما يروع ويعجب من مناظر الطبيعة، وهي لا تشغف بالطبيعة كما يشغف بها أمثالها من الصبية فتتخذها متاعًا ولهوًا، وإنما تشغف بها شغفًا خاصًّا: تريد أن تبلوها، وتصل إلى أعماقها وحقائقها، وتمتزج بها، وتصير جزءًا منها، وهي إلى ذلك تحب الخلوة إلى هذه الطبيعة مُتحدثةً في أعماق نفسها إلى شجرها، وزهرها، وثمرها، وعشبها، وحيوانها النافر والمستأنس.
تعيش بين هذا كله كما يعيش الطفل بين أهله وأدوات لعبه، وتسبغ على هذا كله من نفسها خير ما فيها من الحياة والحس والشعور، وتسبغ على نفسها من هذا كله خير ما فيه من الجمال والروعة والحياة الطلقة الحرة الجامحة التي لا تحب نظامًا ولا قيدًا.
فإذا أرسلت إلى المدرسة لم يصرفها الدرس عن حبيبتها الطبيعة، بل أصبحت المدرسة جزءًا من هذه الطبيعة، فهي تلاحظ أترابها ومعلماتها كما تلاحظ الشجر والثمر والزهر، ولا تكاد تتجاوز العشرين من عمرها حتى يلمَّ بأسرتها فتى كاتب مستهتر من باريس فيَشْغفها حبًّا. وأكبر الظن أنها أحبته على هذا النحو الذي ألفته من حب الشجر والزهر والثمر.
والمهم أنها كلفت به وأصبحت له زوجًا، وانتقلت معه إلى باريس، وكأنها خلبته بما كانت تتحدث به إليه من أنباء حياتها الناشئة في المدرسة، فطلب إليها أن تكتب أحاديثها هذه لينظر فيها بعد ذلك، وقد فعلتْ، ونظر الزوج فيما ألقت إلى الدفتر من أحاديث نفسها فلم يحفل بها أول الأمر، ثم عاد إليها بعد عام وبعض عام، فرضي عنها وأصلح فيها ودفعها إلى الناشر، فظهر أول كتاب شاركت فيه هذه الفتاة، ولم يكد يظهر حتى فتنت به باريس، ثم فتنت به فرنسا، ثم أصبح الحلقة الأولى من سلسلة ظهرت كلها مصورة لحياة كوليت في المدرسة وفي الأسرة وفي بيت الزوجية، وأصبحت هذه السلسلة من أعظم الكتب رواجًا في أول هذا القرن.
يقرؤها الأديب الممتاز فيرى فيها بشائر تفوق وتجديد، ويقرؤها الفرنسي المتوسط — والفرنسية المتوسطة خاصة — فيرى فيها مرآة لنفسه وميوله وأهوائه، وخفايا ضميره التي لا يكاد يظهرها أو يجمجم بها، ويرى فيها مرآة لوطنه وطبيعته الساحرة الآخذة بالقلوب والأحباب.
ولا يكاد القرن يبلغ السادسة من عمره حتى تضيق الكاتبة بزوجها، فيكون بينهما الطلاق الذي يفتح لها أبوابًا من الحياة الغريبة والمغامرات التي لا تنقضي؛ فهذه المرأة التي لم تجاوز الثلاثين إلا قليلًا جامحة الطبع، مرسلة نفسها على سجيتها، معتدة بقوتها وقدرتها على الجهاد، غير حافلة برأي الناس فيها أو حديثهم عنها، غير قادرة إلا لرأيها هي وحكمها هي على الناس والأشياء. وهي في الوقت نفسه مرسلة نفسها على سجيتها، مخلية بين غرائزها وبين الحياة تأخذ منها ما تحب، وتدع منها ما تكره، لا مقياس لها في ذلك إلا ذوقها هي، وحكمها هي، وما تجد من لذة أو ألم، ومن رضا أو سخط، ومن إقبال أو نفور.
وهي في حاجة إلى أن تعيش، فما لها لا تكسب حياتها من حيث تحب أن تكسبها، وإذا هي راقصة في مراقص باريس، وإذا إقبالها على الرقص يتيح لها الإبداع فيه، وإذا هي تجدد وتبتكر ولا تكتفي بالرقص، بل تبتكر فيه فنونًا وألوانًا، فإذا ضاقت بالرقص أو أخذت منه ما يكفيها، أقبلت على التمثيل فمثَّلت قصصَ غيرِها، وأتاح لها ذلك أن تتقن دقائق التمثيل، وأن تصبح في يوم من الأيام منشئة للقصص التمثيلي، ممثلة للشخصيات التي تبتكرها.
فإذا أخذت من هذه الحياة المضطربة بحظها أصبحت صحفية تشهد جلسات البرلمان وتصورها أبدع تصوير، وتشرف على القسم القصصي في إحدى الصحف الباريسية الكبرى، ثم تميل إلى حياة الأسرة فتتخذ لنفسها زوجًا من الأشخاص البارزين في الحياة الفرنسية، ثم تمضي في حياتها هذه المضطربة الهوجاء، المنتظمة رغم ذلك؛ لأنها تلائم طبيعة الكاتبة ومزاجها وذوقها. وهي في أثناء هذا كله متصلة الإنتاج لا يكاد يمضي عام أو عامان حتى يظهر لها كتاب يملأ النفوس إعجابًا بها، وحبًّا لها، ورضًا عن فنها، وإذا هي تصبح ذات يوم عضوًا في المجمع الأدبي البلجيكي تشغل مكان الشاعرة الفرنسية العظيمة أنادي نواي.
ولا تمضي أعوام على هذا النُّجْح حتى تصبح عضوًا في مجمع جونكور بباريس، ثم رئيسة لهذا المجمع، وإنتاجها الأدبي مع ذلك مستمر مطَّرد، ولا يدركه ضعف ولا وهن ولا فتور، وإذا هي ملهمة للموسيقى؛ فموريس رافل يضع التلحين لإحدى قصصها التي تمثل في الأوبرا كوميك، وتلهم التمثيل الخالص فتمثل قصصها في ملاعب باريس المختلفة، وتلهم السينما فتعرض بعض قصصها في أفلام تظفر بالنُّجْح كل النُّجْح. وهي بعد هذا كله مستقرة على عرش القصة قد بلغت فيها أقصى ما يمكن أن يبلغ كاتب من الإتقان، مستقرة على عرش النثر الفرنسي قد جودته وبرزت فيه حتى أصبحت رابعة أربعة يراهم الفرنسيون أئمة النثر الفرنسي الحديث؛ وهم: أندريه جيد، وبول فاليري، وكلوديل، وكوليت.
وربما كانت أقرب الناس في فنها إلى أندريه جيد؛ فقد أرسلت نفسها مثله على سجيتها في الحياة أولًا، وفي التعبير عن هذه الحياة بعد ذلك، ولم تحفل بسخط الناس على سيرتها أو رضاهم عنها، كما أن أندريه جيد لم يحفل بشيء من ذلك، على حين تحفظ كلوديل بحكم مسيحيته، وتحفظ فاليري بحكم فلسفته الصارمة.
والغريب من أمر كوليت وأندريه جيد أنهما لم يحفلا بالأوضاع الاجتماعية، والتقاليد الموروثة، والسنن المألوفة بحال من الأحوال، ولم يخضعا إلا لسلطان واحد لم يحاولا في يوم من الأيام أن يخالفا من أمره، أو يخرجا على قوانينه؛ وهو سلطان الفن. كلاهما حجة في اللغة كصاحبيهما، وكلاهما حريص أشد الحرص على صفاء اللفظ ورصانته ودقته ورقته، وعلى القواعد التي رسمها الأدب الفرنسي القديم كصاحبيهما في ذلك أيضًا، وكلاهما بعد هذا حر إلى أبعد آماد الحرية في التعبير: يصف من حقائق الحياة ودقائقها ما كان الأدب الكلاسيكي يترفع عن وصفه، ويصور من شئون الغرائز والأهواء والميول ما كان الأدب الفرنسي الكلاسيكي ينأى عن تصويره.
والغريب مع ذلك أن هذه الحرية الواسعة إلى أبعد غايات السعة، العميقة إلى أقصى غايات العمق، لم تسفل بأحدهما عن أصول الأدب الرفيع، وإنما أتاحت لكليهما آفاقًا وميادين لم يكن الأدب الرفيع يبلغهما، فكلاهما قد بسط سلطان الأدب على فنون من الشعور والميول والأهواء والحس كان الأدب يتحرج من مقاربتها، وكلاهما من أجل ذلك قد فرض نفسه على الناس فرضًا، فأخذ الناس يقرءون آثار جيد وآثار كوليت على كره شديد منهم لحياة جيد وكوليت. وقل في هذا الكره ما شئت، قل: إنه كان صادقًا عند أصحاب الوقار والتزمت الاجتماعي، وعند أصحاب الإيمان والتزمت الديني، وقل: إنه كان كاذبًا منافقًا عند الذين يتكلفون الوقار والدين.
ولكن الشيء المحقق هو أن هذين الكاتبين قد اغتصبا إعجاب الخصوم والصديق جميعًا، وظفرا بهذا الإعجاب غلابًا؛ فرضاه فرضًا على النفوس لما أتيح لهما من صفاء الفن، وجمال الرونق، وصدق اللهجة، وإيثار الحرية الفنية على كل شيء. فليس غريبًا أن يجزع الشعب الفرنسي لموت أندريه جيد مع أن هذا الشعب الفرنسي نفسه كثيرًا ما ضاق بأندريه جيد وحريته في القول والسيرة جميعًا، وليس غريبًا كذلك أن يبتئس الشعب الفرنسي من موت كوليت، مع أن هذا الشعب الفرنسي نفسه كثيرًا ما ضاق بهذه الحياة المضطربة التي أنتجت أدب كوليت.
وتحدثنا الصحف الفرنسية بأن الجماعات المختلفة من الفرنسيين، على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، قد جعلت تحتشد حول المنزل الذي استقر فيه جثمان كوليت بعد أن أدركها الموت. وقد كان جيد بروتسنتي النشأة، ولم يحفل قط بأن يرضى عنه أو يسخط عليه رجال الدين، وكانت كوليت كاثوليكية النشأة، ولم تحفل قط في أن يرضى عنها أو يسخط عليها رجال الدين، ولكن أسرتها حريصة فيما يظهر على أن تراعي الأوضاع الكاثوليكية في دفنها. وتحدثنا الصحف الفرنسية بأن المفاوضات تجري والمساعي تُبذل لتظفر الأسرة بإذن الكنيسة بدفن كوليت على الأوضاع المسيحية الكاثوليكية.
وأخص ما يلاحظ حين نقرأ نعي كوليت أمران؛ أحدهما: أن هذه الكاتبة ربما كانت أعظم كاتبة فرنسية على كثرة النساء والكاتبات المتفوقات في الأدب الفرنسي منذ القرن السابع عشر، وهي مَدينةٌ بمجدها للفن وحده؛ ليست من أسرة نبيلة، وليست لها مشاركة في السياسة كما كان هذا شأن كثير من النساء النابهات قبل الثورة الفرنسية وأثناء القرن الماضي، وإنما طبيعتها الخصبة الحرة الممتازة، وصدقها في تصوير نفسها وفي تصوير الناس والأشياء من حولها، واستمساكها بالأصول التقليدية للأدب الفرنسي، كل هذه الخصال هي التي أتاحت لكوليت هذا المجد الأدبي الذي لم يُتح لكاتبة غيرها من الفرنسيات. وقد كان الناس يحتفلون في هذا العام بالكاتبة الفرنسية البارعة في القرن الماضي، جورج صاند؛ لمرور قرن ونصف قرن منذ مولدها، وهم الآن يذكرون أفول هذا النجم الفرنسي المشرق الذي ملأ الحياة الأدبية الفرنسية جمالًا ونورًا في هذا القرن.
الأمر الثاني أن هؤلاء الأربعة الذين ذكرتهم آنفًا، والذين اعتبرهم الفرنسيون أئمة أدبهم الحديث، قد مات منهم الآن ثلاثة، كان أولهم بول فاليري، وكانت ثالثتهم كوليت، ولم يبق منهم إلا الشاعر الكاتب العبقري بول كلوديل. والغريب أن كل واحد من هؤلاء الأربعة قد أثر في الحياة الفرنسية أعظم الأثر وأعمقه، ولكن واحدًا منهم لم يترك تلميذًا يمضي على نهجه، ويحفظ سنته، ويصون مذهبه الفني من الضياع. وربما كان أندريه جيد أحسنهم حظًّا، فبَينَ الفرنسيين الذين قاربوا الشيخوخة من يكتب على مذهبه، ويحرص على منهجه الفني، ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن موت هؤلاء الأئمة الثلاثة فقر خطير للأدب الفرنسي المعاصر.
وما أكثر ما تلقى الفرنسي الذي يلتمس غذاء عقله ومتاع ذوقه الآن عند الأمم الأخرى: عند الكتاب الأمريكيين، أو الإنجليز والإيطاليين، أو كتاب شمال أوروبا، أو الكُتَّاب الألمانيين؛ لأنهم لا يجدون أو لا يكادون يجدون ما يقرءون في الإنتاج الأدبي الفرنسي الخالص، ولكن للفرنسيين مزية تتيح لهم أن يلتمسوا المتاع الفني في الآداب الأجنبية إذا لم يجدوا في أدبهم الوطني؛ وهي عنايتهم بالترجمة، وحرصهم على الاستكثار منها ما أتاحت لهم ذلك وسائل النشر. ومن يدري لعل الأزمة المحققة التي يشقى بها الأدب الفرنسي في هذه الأعوام الأخيرة ليست إلا فصلًا من فصول الأزمة الشاملة التي تشقى بها فرنسا في حياتها كلها منذ ألمت بها كوارث الحرب العالمية الأخيرة، ولعل هذه الأزمة الشاملة أن تكون ليلة طويلة ثقيلة من هذه الليالي الطوال الثقال التي تغشى حياة الأمم بين حين وحين، والتي لا يلبث الصبح أن يبدد ظلماتها؟ ومن يدري أتجد المرأة الفرنسية في النصف الثاني من هذا القرن كاتبة تؤثر في الأدب الفرنسي، بل في الأدب العالمي مثل ما أثرت فيه هذه الكاتبة الساحرة التي تتوارى في قبرها منذ اليوم؟ -
الكتاب والقراء | Writers and Readers
الكتاب والقراء
طه حسين
مجلة الهلال
يوليو ١٩٣٤
… القُرَّاءُ كلُّ شيءٍ بالقياس إلى الكُتَّاب، ويُوشكُ ألَّا يكون الكُتَّابُ شيئًا بالقياس إلى القُرَّاء …
… متى يُتاح للكُتَّابِ أن يثأروا من القُرَّاء وأن يُقدِّموا أنْفُسَهم عليهم، وأن يؤثروها من دونهم بالعناية؟! …
وَتَسْتَطِيعُ أنْ تعكس العنوان؛ فإني لم أُرِد تقديمًا ولا تأخيرًا، ومن أوليات النَّحو أنَّ الواو لا تُفيد ترتيبًا ولا تَعقيبًا، فينبغي ألا يغضب القُرَّاء إذن؛ لأنَّ المُصادفة أرادت لعنوانهم أنْ يتأخر في اللفظ، فأنا أؤكد لهم أنَّ أشخاصهم مُقَدَّمون في المعنى أو مُقدَّمون في حقيقة الأمر، بل أستطيع أن أؤكد لهم أنهم فوق التقديم؛ لأنَّهم كل شيء، وليس الكُتَّاب بالقياس إليهم شيئًا، أو لا يكادون يكونون بالقياس إليهم شيئًا.
وآية ذلك أنَّ الكُتَّاب لا يعيشون إلا للقُرَّاء، وأنَّ القُرَّاء يستطيعون أن يعيشوا، بل هم يَعِيشُون لغيرِ الكُتَّاب، يَعِيشون لأنفسهم كما يعيشون لغيرهم، ولكنَّ غيرهم هذا ليس كاتبًا أو يجب ألا يكون كاتبًا. وآيةُ ذَلكَ أَيْضًا أنَّ الكُتَّاب يفكرون في القُرَّاء حين يُقْدِمُون على الكتابة، وحين يمضون فيها، وحين يفرغون منها، فأمَّا القُرَّاء فلا يُفكرون في الكُتَّاب إلا حين يقرءونهم.
ومن يدري؟! لعلهم يُفكرون فيما يقرءون دون أن يفكروا فيمن كتبوه. أو من يدري؟! لعلهم يَقْرَءون فلا يُفكرون فيما يقرءون، ولا فيمن كتب لهم ما يقرءون، إنما يمرون أبصارهم على هذه الحروف والسطور يتبينون ما فيها من الألفاظ، ويُلمون بما تدل عليه من المعاني إلمامًا خفيفًا جدًّا، ويقفون أو لا يقفون عند هذه المعاني؛ لأنهم يُريدون أنْ يُنفقوا الوَقْتَ أو أنْ يَتَسَلَّوا عن شيءٍ بشيءٍ أو أنْ يدعوا النَّوم إلى جفون يستعصي عليها النوم.
القُرَّاء إذن كل شيء بالقياس إلى الكُتَّاب ويُوشك الكُتَّاب ألا يكونوا شيئًا بالقياس إلى القُرَّاء! ولو أنَّ القارئ استطاع أن يدخل بين الكاتب وبين نفسه، وأن يشهده حين يهم بالكتابة، ثم حين يهجم عليها ويمضي فيها، لرأى شيئًا عجبًا، لرأى أنَّ الكاتبَ يُصارع خصمين عنيدين:
أحدهما: الموضوع الذي يريد أن يكتب فيه.
والثاني: القارئ الذي يريد أن يكتب له.
ولرأى أنَّ الموضوع في أكثر الأحيان ليسَ أشد الخصمين عنادًا ولا أثقلهما خصومة، وإنما الخصم العنيف المُخيف حقًّا هو هذا القارئ الذي لا يعرفه الكاتب، ولا يستطيع أن يُحصي مُيوله وأهواءه وعواطفه، ولا أن يَتبين ذَوقَه، ولا أنْ يَسْتَيْقِن بما يُلائمه وما يُخالفه، وإنَّما هو خطر مُحَقَّق واقعٌ، ولكنه مُبهم غامضٌ شَائِعٌ مُختلف مُتناقض مُتفاوت لا سبيل إلى حصره ولا إلى تحديده، ولا إلى العلم بالطريق التي يجب أن تُسلَك إليه.
ومن هنا، ينبغي للكاتب المصري أن يسأل نفسه: متى يُتاح للكُتَّاب أن يثأروا من القُرَّاء، وأن يُقدِّموا أنفسهم عليهم، وأنْ يُؤثروها من دونهم بالعناية؟ ولا أقول: متى يُتاح للكُتَّاب أن يأثروا من القُرَّاء ومن أنفسهم وألا يُفكروا إلا في الفنِّ وحده، ولا يُعنَوا إلا بالفن وحده؛ فقد يظهر أن هذا الأمد ما زال بعيدًا أبعد من أن نطمح إليه أو نطمع فيه.
ولكنَّ السُّؤال الأولَ قريبُ المَنَالِ يُمكن أنْ نقف عنده بعض الشيء، وأنْ نَلْتَمِسَ له جوابًا، فهل في مصرَ هؤلاء الكُتَّاب الذين لا يُفكرون في القُرَّاء أو الذين لا يُسرفون في العناية بالقُرَّاء واستحضار أشخاصهم الخطرة دائمًا حين يكتبون؟
والغريبُ أنَّ كثرة القُرَّاء تُظَن، بل تُؤمَن بغيرِ هذا، تُؤمَن بأنَّ الكُتَّاب لا يفكرون فيها ولا يحفلون بها ولا يرجون لها وقارًا، وإنما يقدمون إليها ما يخطر لهم في غير عناية ولا إطالة تفكير. وقد يكون هذا شأن جماعة من الناس لا أعرفهم، ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أنِّي لم أستطع في يوم من الأيام أنْ أُقْدِمَ على الكِتابة إلا وأنا أحسب للقُرَّاء أشد الحساب وأعسره.
والشيء الذي لا أشك فيه أيضًا أني لا أعرف كاتبًا مصريًّا خليقًا بهذا الاسم تحدثت إليه إلا رأيته يخاف من القُرَّاء مثل ما أخاف، ويخصهم من العناية والتفكير بمثل ما أخصهم به أو بأكثر مما أخصهم به. ولكنَّ القُرَّاء في حقيقة الأَمْرِ صِعَابٌ ليس إلى إرضائهم من سبيل، فهم يُنكرون بعضَ ما يقرءون. لا يكتفون بالإنكار، ولكنهم يُضِيفُون إليه شيئًا من الغضب والنِّقْمَة يَظُنُّون أنَّ الكاتب لم يحفل بهم، ولم يأبه لهم، ولم يَجمع كل ما يَمْلِكُ من الجهد، ولم يبذل كل ما يملك من القوة ليرضيهم، ويقدم إليهم ما ينتظرون، كأنه يعرف ما يرضيهم، أو كأنه يعرف ما ينتظرون.
ولا يخطر للقُرَّاء أنَّ الكاتب قد يُعطيهم كل ما يستطيع أنْ يُعطيهم، وقد يَبْذُل لهم جهد المُقِلِّ على أنه كل ما يملك. والغريب أن القُرَّاء يعرفون لأنفسهم الحق في أنْ تنشط للقراءة حين تواتيها الظروف، أو تفتر عن القراءة حين لا تواتيها الظروف، وهم لا يعرفون للكُتَّاب مثل هذا الحق، ولا يُقَدِّرون أنَّ نفوس الكُتَّاب كنفوسهم تنشط حين تتهيأ لها أسباب النشاط، وتَفْتُر حين تجتمع عليها أسباب الفتور.
والقُرَّاء مَعْذُورون؛ فهم لا يضربون على أيديهم ولا يُكرِهونهم على الكتابة إكراهًا، وإنَّما يَعرِض الكُتَّابُ عليهم آثارَهم، فمن حقهم أن تكون هذه الآثار التي تُعرَض عليهم، والتي يُغرَون بها، ويُرغَّبون فيها، وقد يُكرَهون بالإعلان إكراهًا على شرائها وقراءتها؛ مُلائمة لما كانوا ينتظرون، مُكافئة أو كالمُكافئة لما يبذلون من نقد ولما يُنفِقون من جهد، ولما يريدون أن يضيعوا من وقت …
وإذا كان الكُتَّاب مُعذورين لأنهم لا يستطيعون أنْ يأخذوا على أنفسهم عهدًا بالإجادة دائمًا، وإذا كان القُرَّاء معذورين؛ لأنهم لا يستطيعون أن ينفقوا مالهم وجهودهم ووقتهم في غير غناء، فمن يكون الملوم وعلى من تكون التبعة؟ فقد يجب أن يكون هناك ملوم يحتمل التبعة، ويتم على حسابه الصلح بين الكُتَّاب المظلومين والقُرَّاء المعذورين.
هذا الملوم موجود من غير شك، ولعله ليس واحدًا، ولعله ليس اثنين، ولعل إحصاءه ليس بالشيء اليسير. فالقُرَّاء في مصر قليلون، هذا شيء لا شكَّ فيه، ولكنَّ الكُتَّاب أقلُّ منهم ألف مرة ومرة، فإحصاء القُرَّاء يَرْقى إلى الألوف، بل إلى عشرات الألوف، وإحصاء الكُتَّاب لا يكاد يرقى إلى العشرات.
وهؤلاء القُرَّاء القليلون بالقياس إلى مصر، القليلون بالقياس إلى حاجات الكُتَّاب والناشرين، الكثيرون مع ذلك بالقياس إلى طاقة الكُتَّاب، هؤلاء القُرَّاء يختلفون فيما بينهم اختلافًا شديدًا موجبًا لليأس من إرضائهم حقًّا؛ منهم المثقفون الذين لا يُعجَبون إلا بمقدار، ومنهم أنصاف المثقفين الذين يُعجَبون حين لا يوجد ما يُعجِب، ويسخطون حين يجب أن يرضوا، ومنهم الذين لا حظ لهم أو ليس لهم إلا حظ يسير من الثقافة، ولكنهم كغيرهم مُحتاجون إلى أن يقرءوا، قادرون على أن يشتروا الصحف، والكتب، والمجلات.
وكل فريق من هؤلاء ينقسم في نفسه إلى طوائف، هؤلاء تثقفوا في المدارس المدنية العالية المصرية، وهؤلاء تثقفوا في الجامعات الأوروبية، وهؤلاء خرجوا من الأزهر بعد أن أتموا الدرس فيه، وهؤلاء ظفروا بالشهادة الثانوية المدنية أو هم يطلبونها، وآخرون ظفروا بالشهادة الثانوية الأزهرية أو هم يطلبونها، وقوم وقفوا عند الشهادة الابتدائية، وقوم لم يجاوزوا ما تعلموا في الكُتَّاب، وكل أولئك على ما بينهم من الاختلاف والتفاوت يريدون أن يقرءوا ويريدون أن يرضوا.
وليس في مصر إلا عدد يسير من الكُتَّاب لا يبلغ العشرات متقارب الثقافة، وهو مكلف أن يقدم لهؤلاء جميعًا ما يلائم طباعهم وأذواقهم وطاقتهم ومثلهم العليا.
وشيء آخر يمكن أن يكون ملومًا، وهو انقطاع هذا العدد اليسير من الكُتَّاب إلى الصحف على اختلافها، وعَجْزُ أكثرِ هؤلاء الكُتَّابِ عن أن يفرغوا لما يُحبُّون من ضروب الأدب وفنون الإنشاء. ومَنْ ذَكَرَ الصحفَ فقد ذَكَرَ النظامَ والاطراد، ومَنْ ذَكَرَ النظامَ والاطراد فقد ضيَّق على الفن أشد التضييق، وقال للإجادة والإتقان: اذهبا؛ فليست مصر لكما بدار! وذلك أنَّ الفن في حاجة إلى الحرية الوَاسعة، وأنَّ الإجادة والإتقان في حاجة إلى راحة النفس وفراغ البال.
أستغفر الله! فلست أريد من راحة النفس وفراغ البال هذا المعنى الواضح الذي يفهمه الناس جميعًا، والذي لا يُتاح للأدباء ولو أُتيح لهم ما صنعوا شيئًا، وإنما أريد راحة النفس وفراغ البال من هذا النظام والاطراد، وهذا الإلحاح الذي يخضع له الكاتب حين ينقطع لصحيفة يومية أو أسبوعية أو شهرية، فكيف إذا انقطع الكاتب لهذه الصحف جميعًا؟! وكيف إذا ألحت عليه المطبعة في كل يوم وفي كل أسبوع، وفي كل شهر؟! وكيف إذا اجتمعت عليه هذه الضروب الثلاثة من الإلحاح في يوم واحد؛ فقيل له: اكتب ليقرأ الناس إذا أصبحوا أو أمسوا، واكتب ليقرأ الناس إذا كان يوم كذا فإن المطبعة لا تستطيع أن تنتظر، واكتب ليقرأ الناس إذا كان أول الشهر؛ فإنَّ صدور المجلة لا بد من أن يكون منتظمًا مطردًا؟!
هذا النظام الذي يهدر حرية الفن والذي يقطع الأسباب بين الكاتب وبين الإجادة والإتقان، وهو الملوم الأول حين يقصر الكُتَّاب ولا يبلغون من إرضاء القُرَّاء ما يريدون؛ لأنه يدفع الكُتَّاب إلى الإسراع والعجلة.
ومَنْ ذكر الإسراع والعجلة فينبغي له ألا يذكر معهما الفن، ولا أنْ ينتظر منهما إجادة أو إتقانًا. وأَمْرُ النظامِ والاطراد لا يقف عند هذا الحد، فلو أنَّه يحول بين الكُتَّاب وبين الإجادة فيما يقدمون إلى الصحف من المقالات والفُصول التي لم يُقدَّر لها النضج، لهان احتماله، ولقيل للقُرَّاء: لوموا الكُتَّاب إن شئتم في هذه الفصول وأعرضوا عن قراءتها إن أحببتم، وتعزَّوْا عنها بهذه الكتب القيِّمة التي تُقدَّم إليكم من حين إلى حين. ولكنَّ الأمر أعسر من هذا كله وأشد حرجًا؛ فمن للكُتَّاب بالوقت الذي يفكرون فيه؟! ومن لهم بالقوة التي ينفقونها في الدرس؟! ومن لهم بالجهد الذي ينفقونه في الإنشاء؟! ومن لهم بفراغ البال الذي يستعينون به على الإجادة؟! من لهم بهذا كله والمطبعة من ورائهم تلهبهم إلهابًا؛ ليقدموا لها من الفصول اليومية والأسبوعية والشهرية ما ينبغي أن يصدر في نظام ودقة واطراد؟! فالصحف المنتظمة المطردة لا تمنع الكُتَّاب من الإجادة فيما يكتبون لها فحسب، ولكنها تمنعهم من الإجادة فيما يكتبون لأنفسهم وللناس.
أستغفر الله! بل هي تمنعهم الكتابة لأنفسهم وللناس. صدِّقْني أيها القارئ العزيز، إن الكُتَّاب الذين تضيق بهم وتقسو عليهم أبطالٌ في مصر حقًّا يحتملون من العناء ما لا تستطيع أنت أن تحتمل بعضه. وأي عناء يمكن أن يُقاس إلى هذا الحزن العميق الذي يجده الكاتب حين يخطر له الموضوع الطريف فيود لو يفرغ لدرسه والكتابة فيه، ثم يُصرَف عن ذلك أشد الصرف وأعنفه؛ لأنَّ المطبعة تريد منه الفصل الذي يجب أن يظهر في نظام واطراد.
خطرت لي هذه الخواطر منذ ساعة حين فرغت من قراءة فصل في النوفيل ليترير حول تحقيق يشتغل به بعضُ الناس في فرنسا، وموضوعه هذه المسألة: «أيستطيع الكُتَّاب أن يكونوا صحفيين؟» وصاحب هذا الفصل يجيب: «نعم» في شيء من الاحتياط. أما أنا فأحب أن أعكس المسألة: «أيستطيع الصحفيون في مصر أن يكونوا كُتَّابًا؟» ففي مصر صحافيون، فأما الكُتَّاب بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة فأخشى أن أقول: إنهم سيُوجَدون أن شاء الله بعد زمن طويل أو قصير، ولكنهم سيُوجَدون. -
الأدب العربي والتمثيل | Arabic Literature and the Theatre
الأدب العربي والتمثيل
طه حسين
مجلة المصور
١ يونيو ١٩٣٤
وسؤال آخر لا بد من إلقائه، ومن إطالة الوقوف عنده والتفكير فيه، وهو: ما بال أدبائنا لا يُعْنَوْنَ بفن التمثيل، ولا يُقبِلون عليه؟ وما بال الذين يُقبلون منهم على هذا الفن لا يُوفَّقون فيه إلى الإجادة، ولا يظفرون فيه بالإتقان؟
فأمَّا أنَّ أدباءنا لا يُعنَون بالتمثيل ولا يُقبلون عليه فشيء واضح محقَّق ليس إلى الشَّكِّ فيه من سبيل. فأنت قادر إنْ شئت على أن تُحصي الأدباء المصريين الذين هَمُّوا بالإنتاج في فن التمثيل فلن تبلغ بهم خمسة، ولعلك لا تتجاوز بهم ثلاثة. وأمَّا أنَّهم حين أقبلوا على فن التمثيل لم يُوفَّقوا إلى الإجادة كلها، ولا إلى الإتقان كله، بحيث نستطيع أن نقول إنَّ فنَّ التمثيل لم يوجد بعدُ كما ينبغي في الأدب العربي؛ فذلك شيء لا يحتاج إثباته إلى مشقة ولا عناء. فحدِّثني عن القصة التمثيلية العربية الرائعة التي عرضت على النَّاس ففُتِنُوا بها وتهالكوا عليها وألَحُّوا في استمرار عرضها، وأَلَحُّوا كذلك في الاختلاف إليها، وآمنت عامتهم بأنَّها تجد فيها متاعًا ولذة، وآمنت خاصتهم بأنَّها تجد فيها كل ما ينبغي من الخصائص والشروط التي تجعل القصة التمثيلية قصةً تمثيلية حقًّا خليقة بالحياة وطول البقاء.
وهنا لا تستطيع أن تنسى شوقي — رحمه الله — فقد أقبل على التمثيل في آخر أيامه، وفتح للشعراء بابًا لم يكونوا قد ولَجوه من قبلُ، وقدَّم إلى الملاعب طائفة من القصص التمثيلية الشعرية في موضوعات مختلفة، منها العربي، ومنها المصري الروماني، ومنها المصري الفارسي، ومنها غير ذلك من هذه القصص التي شهدها الناس وقرءوها وأُعجبوا بها حينًا ثم أعرضوا عنها إعراضًا، ومن الجحود والظلم أن يُنكَر فضل شوقي في هذا الباب؛ فليس قليلًا أن يُقدِم شاعر على ما لم يُقدِم عليه الشعراء من قبلُ، وأن يُوفَّق من الإجادة في ذلك إلى حَظٍّ لا بأس به، ولكن من الإسراف والظلم أيضًا أن يُقال إنَّ هذه القصص التمثيلية الشعرية التي أنشأها شوقي — رحمه الله — قد أرضت حاجة فن التمثيل، وقاربت مُثُلَه العليا، إنَّما كانت محاولة قيمة خصبة لا بأس بها، لولا أنَّ الشَّاعر أقبل عليها بعد أنْ أدركه الضعف، ونال منه الإعياء، وهذه أيضًا حَسنة من حسنات شوقي تثبت أنَّه لم يفتر ولم يكِلَّ عن الإنتاج، بل عن الإنتاج الشاقِّ العنيف إلى آخر لحظة من لحظات حياته، وإذا كانت هناك لائمة ينبغي أن تُساق إلى أحد فهي لا تساق إلى شوقي — رحمه الله — وإنما تُساق إلى غيره من الأدباء الذين كان لهم من القوة والنشاط وسعة الثقافة وعُمقها وتنوُّعها ما لم يكن لشوقي، والذين لم يُقبلوا مع ذلك على فَنِّ التمثيل قبل أن يُقبل عليه شوقي، ولم يُحاولوا العناية به بعد أن فتح لهم شوقي هذا الباب. ومهما يكن من شيء فقد كانت قصص شوقي غناءً شعريًّا جميلًا في أكثر الأحيان، ولكنَّها لم تكن تمثيلًا بالمعنى الفني الدقيق لهذه الكلمة.
وكذلك لا تستطيع أن تبلغ هذه المنزلة من التفكير دون أن تذكر هاتين القصتين الرائعتين اللتين وضعهما توفيق الحكيم وأخرجهما للنَّاس في هذه الأشهر الأخيرة، وهما: «أهل الكهف» و«شهرزاد»، وقد بينت رأيي في الأولى، ولعلي أُبيِّن رأيي في الثانية قريبًا. وهما على كل حال من أجمل ما أخرج للنَّاس في هذا العصر الأدبي الحديث، ولكنهما قصتان تُقرآن فتُحدِثان في نفس القارئ فنونًا من اللذة والرضى، على أن يكون القارئ مثقَّفًا واسع الثقافة مستنيرًا عظيم الحظ من المحصول الأدبي والفني. فإذا قُدِّمَتا إلى الملعب وعُرِضَتا على النظارة فلست أدري كيف يكون حالهما، ولا إلى أي مصير تنتهيان. ومصدر هذا ارتفاعهما عن جمهور النظارة من جهة، وتجاوُزُهما — أو تجاوُز إحداهما على الأقل؛ أهل الكهف — لبعض الحدود الفنية الدقيقة في التمثيل.
وإذن فلم توجد القصة التمثيلية التي إذا قُدِّمت إلى الملعب، وعُرِضَتْ على النظارة أرضت حاجة الأدب والملعب، وحققت وجود التمثيل في الأدب العربي الحديث؛ وإذن فقد يكون من الخير أن نتبيَّن السبب الذي حال بين الأدب العربي الحديث وبين الظفر بفن التمثيل.
ولا تقل إنَّ هذا السبب قصور في اللغة العربية عن احتمال هذا الفن وتأدية رسالته إلى الناس كما يقولون، فهذا كلام لا يُغني. وما دامت اللغة العربية قد وسِعت ما تُرجم إليها من التمثيل الأجنبي، وما دام الشعر العربي قد وسِع ما حاول شوقي أن يحمله من التمثيل، وما دام النثر العربي قد وسِع ما أراد توفيق الحكيم أن يحمله من التمثيل؛ فمِنَ السُّخف أن تُتَّهم اللغة العربية بالعجز أو القصور أو الضيق عن احتمال هذا الفن.
ومن المحقق أنَّ أممًا أخرى لم يكُن لها عهد بالتمثيل، ولكنَّها رأت اليونان يُمثِّلون فحاولت تقليدهم فوُفِّقَت، وجعلت التمثيل فنًّا من فنونها، وبرعت فيه إلى حدٍّ بعيد. فليكن أمرنا كأمر هذه الأمم نحاول التمثيل مُقلِّدين، ثم لا نلبث أن نثبت شخصيتنا المبتكرة فيه.
ولا تقل إنَّ هذا السبب قصور في الطبيعة المصرية نفسها عن احتمال أثقال التمثيل؛ فالمصريون معروفون بأنَّهم أبرع النَّاس فيما تحتاج إليه إجادة التمثيل من التقليد والمحاكاة، ومن الحركات التي تختلف خِفَّةً وعنقًا، ومن إظهار العواطف الخفية، وإخفاء العواطف الظاهرة. والمصري في الشارع ممثِّل دائمًا حين يختصم وحين يلهو، وحين يحاور وحين يشتري أو يبيع، ولعل أوَّل أثر تتركه شوارع القاهرة والإسكندرية في نفس الأوروبيين هو أنَّ المصري ممثِّل بالطبع، وما لنا نذهب بعيدًا وقد أردنا تقليد الأوروبيين في حياتنا العامة كلها فلم نجِد في ذلك مشقَّة ولا جهد حتى خدعنا الأوروبيين عن أنفسهم وعن أنفسنا، وأقنعنا كثيرًا منهم، وخيَّلنا إليهم كلهم أننا قد أصبحنا مثلهم في كل شيء.
نحن إذن ممثِّلون بالطبع، وممثلون بارعون، ولغتنا قادرة على احتمال أعباء التمثيل، والنهوض بأثقاله، والنفاذ إلى أسراره ودقائقه. فما الذي يحول بين أدبائنا وبين العناية بالتمثيل؟ وما الذي يمنعهم من الإجادة فيه إن حاولوه؟ شيئان لا ثالث لهما فيما أظن، شيئان ستجدهما دائمًا كلما التمست الأسباب لمظهر من مظاهر الضعف في حياتنا الأدبية والفنية، وهما: ضآلة حظِّنا من الثقافة، وضآلة حظنا من الحرية. فنحن قادرون على التقليد بارعون فيه، ولكن يجب أن نعرف ما ينبغي أن نقلِّد، يجب أن ندرس فنَّ التمثيل كما عرفتْه الأمم الأخرى في عصورها القديمة والحديثة. يجب أن نتقن هذا الفن، ونحسن العلم بأسراره وأطواره وفنونه المختلفة. يجب أن تدرَّس لنا آيات التمثيل دراسة واسعة عميقة دقيقة تُظهرنا على ما فيه من الجمال، وتُحبِّب إلينا هذا الجمال، وتدفعنا إلى تقليده ومحاكاته، ونقل روائعه إلى لغتنا العربية، فأين يُدرَّس التمثيل في مصر؟ وأين تُدَرَّس الآداب التمثيلية في مصر؟ وأين الأديب الذي يستطيع أن يقول إنه قد ظفر بثقافة أدبية تمثيلية واسعة حقًّا؟ ثم أين النظارة التي تُلِمُّ بما ينبغي أن يُلِمَّ به المثقَّف العادي من أمور التمثيل؟ ونحن قادرون على التقليد بارعون فيه، ولكن على أن يباح لنا التقليد فيما لا حظر منه على القانون أو النظام الاجتماعي، فهل يستمتع أدباؤنا بهذه الحرية الأدبية الفنية التي تبيح لهم أن يعرضوا لما يشاءون من الموضوعات، ينشِئون فيه القصص التمثيلية ويقدمونها إلى الملعب وقد تناولوا فيها ما أرادوا من فنون الحياة العامة والخاصة بالنقد والتحليل؟ كلا. ليس لأدبائنا هذا الحظ من الحرية، وإنما هم مقيَّدون بقيود وأغلال ثقال، منها المراقبة الرسمية التي لا تُبيحُ من ذلك إلا ما يرضيها هي، ومنها المراقبة الشعبية التي لا تُبيح من ذلك إلا ما يُرضي ذوقها الخاص، ومنها ألوان أخرى من المراقبة من الخير ألَّا نعرض لها الآن. وما أحسب الناس إلا يعرفونها حَقَّ المعرفة، وإذا حُرِمْنَا الثقافة الواسعة والحرية الواسعة، فليس الغريب أننا لا نُعنى بالتمثيل، وأننا لا ننتج فيه، وإنَّما الغريب أن نُعنَى به مثل ما عُنِينَا به إلى الآن، وأن ننتج فيه مثل ما أنتجنا إلى الآن.
ستقول: ومن الملوم على حرمان المصريين ما ينبغي لهم في الفن والأدب من الثقافة والحرية؟
والجواب يسير؛ فليس هناك اثنان ملومان، وإنَّما هناك مقصِّر واحد ومَلُوم واحد وهو الدولة؛ لأنَّ الدولة في مصر قد استأثرت إنْ خطأً أو صوابًا بالثقافة والحرية توزعهما على النَّاس متى شاءت وكيف شاءت، وبالمقدار الذي يرضيها، فإذا شكا المصريون من أنَّ حظَّهم من الثقافة ضئيل فهم إنَّما يشكُون بخل الدولة عليهم بحقهم من الثقافة، وإذا شكا المصريون من أنَّ حظهم من الحرية ضئيل فهم إنَّما يشكُون بُخل الدولة عليهم بالحرية، وقد أراد الله ألَّا يأخذ المصريون حاجتهم من الدولة قسرًا، وإنَّما يتقاضونها ما يريدون بالطلب والإلحاح والغُلُوِّ في الإلحاح، فتُعطي حينًا وتمنع أحيانًا. ومهما يكن من شيء فإنَّ نشأة التمثيل — وأريد التمثيل الصحيح الذي يستحق هذا الاسم — نشأة التمثيل في الأدب العربي الحديث ضرورة من ضرورات الحياة المصرية الحديثة؛ لأنَّ المصريين — مع الأسف أو مع السرور — قد أصبحوا شعبًا لا يقنع بالحياة المادية والترف المادي، وإنَّما يُريدون حياة عقلية وترفًا عقليًّا. والتمثيل من مقومات الحياة العقلية والترف العقلي، فليس للمصريين منه بُدٌّ، وليس للمصريين سبيل إليه إلا أن يظفروا بحقهم من الثقافة الواسعة والحرية الواسعة، فلينظر المصريون كيف يظفرون منهما بما يريدون.