Tag: الحرية الفنية

  • التجديد في الشعر | Renewal in Poetry

    التجديد في الشعر
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٩ أبريل ١٩٥٦

    لم نفرغ بعد، ويظهر أننا لن نفرغ في وقت قريب من مشكلة العامية والفصحى وما يتصل بها من هذه الواقعية التي يعتذر بها أصحابها عن الكسل والقصور؛ الكسل الذي يحول دون القراءة والتفقه، وإتقان أداة التعبير والتصوير، والأخذ بأسباب الأدب الرفيع، فلم نكد ندعو كُتَّابنا من الشباب إلى أنْ يعرفوا لأنفسهم حقها في الجد والأناة والبحث والدرس والاستقصاء والإتقان، والارتفاع إلى ما يليق بهم وبوطنهم، وبما ينبغي له من أدب رفيع ممتاز، مُنزَّهٍ من الابتذال، مبرَّأٍ من هذا السخف الكثير الذي يشيع فيه، حتى ثار ثائرهم، وأخذتهم العزة بالإثم، فجحدوا كل حق، وأنكروا كل عارفة، وتلقونا وتلقوا غيرنا من الذين لم يعرضوا لهم ولم يفكروا فيهم بما استطاعوا من ألوان المَساءة وضُروب الأذى، وقال قائلهم: إننا قد انحرفنا عن المصرية، وجهلنا حق وطننا علينا، والتمسنا أدبنا في بطون الكتب وأعماق العصور التي انقضى عهدها، والتي لا تمس المصرية الحديثة من قُرب أو بُعدٍ. ولهم الشكر مع ذلك على أنهم عرفوا لكاتب مثلي أنه أصدر كتاب الأيام، فكان فيه مصريًّا، ولكنه لم يلبث بعد ذلك أنْ انحرف عن هذه المصرية إلى بطون الأسفار وأعماق الكتب يلتمس فيها أدبًا لا يغني عن المصريين شيئًا، كأن الذي أصدر كتاب الأيام لم يصدر كتبًا أخرى غيره تصور الحياة المصرية على اختلاف ألوانها وطبقات أصحابها، وكأنه لم ينفق حياته مُعلِّمًا لأجيال من المصريين يثقف عقولهم، ويفتح لهم أبوابًا إلى التفكير الحر المستقيم، وكأنه لم ينفق حياته كاتبًا للأحاديث التي تحصى بالألوف الكثيرة عن صميم الحياة المصرية ومظاهرها المختلفة من أدب ودين، ومن سياسة واجتماع، وكأن زملاءه الذين نالتهم مثل ما ناله من القذف بالانحراف عن المصرية لم يصنعوا صنيعه، ولم يتركوا آثارًا مثل آثاره أو خيرًا منها.

    وأطرف ما في الأمر أنَّ هؤلاء السادة لا يريدون بشيوخهم شرًّا، ولا يعمدون إليهم بأذًى، وإنما جهلوا وسائل التعبير الصحيح الدقيق فآذوا شيوخهم من حيث لا يريدون، وأطلقوا ألسنتهم وأقلامهم فأرسلت كلامًا يقال في غير طائل، ولا يصور ما في قلوبهم، ولا يُعرب عن ذات نفوسهم، وإنما هي ألفاظ يقولونها ويكتبونها ولا يحققونها؛ لأنهم لا يعرفون لغتهم، ولا يحسنون تصريفها فيما يريدون إليه من القول، فما ينبغي أنْ نلومهم، ولا أنْ نعتب عليهم، ولا أنْ نأخذهم بما انطلقت به ألسنة جائرة عن القصد، وما جرت به أقلام منحرفة لا عن المصرية، بل عن الأدب الجدير بأن يسمى أدبًا، وننصح لهم مُلحِّين في النصح أنْ يحسنوا العلم بالكلام قبل أنْ يتكلموا، وبالكتابة قبل أنْ يكتبوا، وبالأدب قبل أنْ يخوضوا فيه.

    لم نفرع بعد، ويظهر أننا لن نفرغ في وقت قريب من مشكلة العامية الواقعية هذه الجديدة، حتى أثيرت لنا مشكلة جديدة خليقة حقًّا بأن نفكر فيها ونطيل الوقوف عندها، ونقول فيها كلمة الحق؛ وهي مشكلة الشعر المنثور أو النثر — المشعور — كما يقول شاعرنا الكبير عزيز أباظة.

    ففي الشباب العربي نزعة إلى التحرر من قيود الشعر العربي الموروث، هم لا يريدون أنْ يقيدوا شعرهم بالقافية، يمضي بعضهم في ذلك إلى أبعد الحدود، فيُلغي القافية إلغاء، ويقتصد بعضهم فيحتفظ بشيء من تقفية، ولكن في حدود اليسر والإسماح، وهم يريدون أنْ يتحرروا من قيود الوزن التقليدي الذي تركه لنا العرب القدماء، ويذهبون في هذا التحرر مذهبهم في شأن القافية؛ يغلو بعضهم فيرسل الكلام إرسالًا يطلقه من كل قيد لفظي، ويقصد بعضهم الآخر فيقيد كلامه في أوزان خاصة يراها ملائمة، لما يضطرب في نفسه من العواطف والأهواء والميول. وهذا كله لا يرضي شاعرنا الكبير عزيز أباظة فيما نشرت عنه الجمهورية منذ يومين، وفيما كتب هو حين قدَّم لبعض الدواوين.

    والأستاذ عزيز أباظة حريص على أنْ يكون محافظًا في الشعر، معتزًّا بهذه المحافظة، يرى الخروج عليها انحلالًا وإفسادًا للفن، ويسأل الخارجين على هذه المحافظة: ما بالهم لا يتحررون من قواعد النحو كما تحرروا من قواعد الوزن والقافية؟! ولشاعرنا الكبير حقه الكامل في أنْ يكون محافظًا، وفي أنْ يلزم طريقة شوقي والذين قلدهم شوقي من القدماء، لا ينبغي لأحد أنْ ينازعه في شيء من ذلك.

    ولكن لغيره — فيما أظن — الحق الكامل كذلك في أنْ يذهبوا في الشعرِ المذاهبَ التي تلائم طبائعهم وأمزجتهم، والصور الجديدة التي صورت فيها نفوسهم، لا غرابة في ذلك ولا خطر فيه؛ فليس الشعر تقليدًا، وليس الشعر توقيعًا، وإنما الشعر صدى للقلوب والنفوس والطبائع جميعًا، يصدر عنها كما هي لا كما نحب لها أنْ تكون، وليس على أحد حرج من التجديد في الشعر أوزانه وقوافيه. وقد جدد القدماء من العرب في شعرهم؛ فابتكروا في الإسلام أوزانًا لم تكن في العصر الجاهلي، وابتكروا في العصور المتأخرة أوزانًا لم تكن في الشعر الإسلامي الأول، وصنعوا بالقافية مثل ما صنعوا بالوزن.

    عرفوا ألوانًا من الموسيقى لم يعرفها قدماء العرب، وعرفوا فنونًا من الغناء لم يعرفها قدماء العرب أيضًا، فلاءموا بين شعرهم وبين ما عرفوا من ألوان الموسيقى والغناء.

    وأتيحت لهم حضارة جديدة أثارت في نفوسهم عواطف وأهواء جديدة، بل غيَّرت طبائعهم وأمزجتهم تغييرًا، فلاءموا بين هذا كله وبين ما أنشئوا من الشعر، لم يكن عليهم في ذلك حرج ولا جناح، وإنما كان ذلك ملائمًا لطبيعة الأشياء. فتقصير الأوزان الطوال، وابتكار أوزان جديدة، والمزاوجة بين القوافي، والمخالفة بينها أحيانًا، كل هذه أمور عرفها القدماء ولم ينكرها عليهم أحد إلا أنْ يكون بعض المسرفين على أنفسهم وعلى الناس. وفي بعض العصور الإسلامية يتنافس الشعراء والكُتَّاب، وعدا بعضهم على فنون بعض؛ فنظم الشعراء نثر الكُتَّاب، ونثر الكُتَّاب نظم الشعراء، وهجم بعض الكُتَّاب على فنون من القول كانت مقصورة على الشعر في الزمان الأول، فتفوقوا فيها على الشعراء أحيانًا، كما فعل الجاحظ حين عدا على فن الهجاء فبلغ فيه بكتاب التربيع والتدوير ما لم يبلغه شاعر من الشعراء الذين سبقوه أو عاصروه. وذهب بعض الشعراء بشعرهم مذهب الكُتَّاب في التفصيل والتحليل والتطويل، كما صنع ابن الرومي في بعض شعره، وفي فن العتاب خاصة.

    جدد الشعراء في أوزان الشعر وقوافيه كما جددوا في صوره ومعانيه، ملائمين بذلك بين شعرهم وحضارتهم وما كان لهم من أمزجة جديدة ومن طبيعة جديدة أيضًا، وضاق بذلك بعض المحافظين فلم يصنعوا شيئًا، ولم يصدوهم عن التجديد. وقد لعب شعراء المغرب العربي بأوزان الشعر وقوافيه ما شاء لهم اللعب؛ فاستحبَّ الناس — وما زالوا يَستحبُّون — لعبهم ذاك. وما أظن شاعرنا الكبير عزيز أباظة ينكر الموشحات، أو يأبى عليها إن دعته إليها طبيعته في بعض الظروف؛ ذلك أنَّ الشعر — كما قلت — صدى لعواطف القلب وأهواء النفس، أو هو صوت العقول، كما كان أبو تمام يقول. والأصل في الفن حرية خالصة من جهة، وقيود ثقال من جهة أخرى.

    حرية في التعبير وطرائقه وما يُبتكر فيه من الصور والمعاني، وقيود يفرضها صاحب الفن على نفسه في مذاهب الأداء يلتزمها هو، ولا يُلزمه إيَّاها أحد غيره. وقد عرفت الإنسانية شعرًا رائعًا خالدًا ولم يعرف القافية؛ لأنها لم تلائم طبعه ولا لغته ولا بيئته.

    لم يعرف الشعر اليوناني القديم قافية، ولم يعرف الشعر اللاتيني قافية، وأتيح لكليهما رغم ذلك من الروعة والخلود ما لا يرقى إليه الشك، وتحلل بعض الشعراء الأوروبيين من الأوزان والقوافي التقليدية فلم يُزْرِ ذلك بشعر المُجيدين منهم.

    فليس على شبابنا من الشعراء بأسٌ — فيما أرى — من أنْ يتحرروا من قيود الوزن والقافية إذا نافرت أمزجتهم وطبائعهم، لا يُطلب إليهم في هذه الحرية إلا أنْ يكونوا صادقين غير متكلفين، وصادرين عن أنفسهم غير مقلدين لهذا الشاعر الأجنبي أو ذاك، ومبدعين فيما ينشئون غير مُسفِّين إلى سخف القول وما لا غناء فيه.

    فإذا أتيحت لأحدهم أو لكثير منهم هذه الحرية الخصبة المنتجة المبدعة كنَّا أحب الناس لشعره، وأكلفهم به؛ لأننا سنجد فيه ريًّا من ظمأ، وشفاء لهذه الغلة التي تحرق نفوسنا تحريقًا، فما أشد ظمأنا إلى نفحات جديدة في الشعر! وما أحر تشوقنا إلى لون جديد من هذا الفن الأدبي الرفيع يرضي حاجتنا إلى تصوير جديد للجمال!

  • أدب الثورة وثورة الأدب | The Literature of Revolution, and the Revolution in Literature

    أدب الثورة وثورة الأدب
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٣ أكتوبر ١٩٥٤

    لم تكد ثورتنا تشب وتملأ أحداثها وظواهرها قلوب الناس وعقولهم في مصر، وفيما حولها من البلاد العربية، حتى أخذ فريق من الكُتَّاب يتساءلون في إلحاح: «أين أدب الثورة؟»
    ثم لم تكد الثورة تبلغ من عمرها أشهرًا قصارًا، حتى أخذ هؤلاء الكُتَّاب يُظهِرون اليأس وخيبة الأمل؛ لأن أدب الثورة لم يستجب لهم حين دعوه، ولم يهبط عليهم من السماء كما يهبط الغيث، ولم تتفجر عنه ينابيع الأرض كما تتفجر عن الماء والبترول.
    ثم لم يلبثوا أن قرروا فيما بينهم وبين أنفسهم، ثم فيما بينهم وبين قرائهم، أنَّ الأدب المصري قد أخفق؛ لأنه لم يردد أصداء الثورة، ولم يصور حقائقها، ولم يلائم ما تتصل به نفوس الناس وقلوبهم من هذه العواطف والخواطر التي أثارتها الأحداث، ولا سيما بعد أن أُخرِج فاروق من مصر، وبعد أن أُزِيلَتْ أُسرتُه كلها، وصار الأمر كله إلى المصريين يدبِّرونه بأنفسهم، لا يتنزل عليهم وحي من العرش ولا من سلطان المحتلين.
    وما أكثر ما كانوا يقولون — وما أكثر ما يقولون الآن أيضًا — أنَّ الأدب المصري يعيش في وادٍ على حين يعيش المصريون في وادٍ آخر!
    وكذلك تقرر في نفوس كثير من الناس أنَّ أدبنا المعاصر مقصِّر أشد التقصير، مخفق أعظم الإخفاق؛ لأنه لم يحس بما تجيش به الصدور، ولم يصبح مرآة للحياة التي يحياها الناس. ونشأ عن هذا الحكم الخاطف أنَّ فريقًا من الناس استيأس من الأدب المعاصر، وكاد يستيئس من الأدب كله، وأعرض عن قراءة الأدب، وانصرف إلى قراءة الصحف يَجِد فيها ما يُعِينه على قطع الوقت وتجديد النشاط، ويَجِد فيها كذلك أصداء ما يملأ حياة الناس من الأحداث.
    وأقبل فريق من الكُتَّاب على إنشاء أدب يلائم ما يطلبه هؤلاء السادة من تصوير الثورة وحقائقها، وابتهاج الناس بما ظهر من نتائجها … وترقب الناس لما لم يظهر بعد من هذه النتائج، فأخرجوا لنا أدبًا يحسبونه أدب ثورة، وليس هو من أدب الثورة في شيء، وإنما هو كغيره من الأدب الذي أُنشِئ قبل أن تشب الثورة بالأوقات الطوال والقصار.
    ومصدر هذا الحكم بإخفاق الأدب وخيبة الأمل فيه، إنما هو هذا الخطف الذي نبَّهتُ إليه غير مرة في هذه الأحاديث، والذي يأتي من القصور عن تعمق الأشياء، وفهم الحياة الاجتماعية على وجهها، ووضع الأشياء في مواضعها.
    فليس من فقه الحياة في شيء أن ينجم الأدب فجاءة من الأرض أو ينصبَّ فجاءة من السماء؛ لأن الثورة شبت في الثالث والعشرين من شهر يوليو سنة ١٩٥٢م، وإنما نشوة الأدب وتطوره من هذه الظواهر البطيئة التي لا تستجيب للناس حتى يتعجلوها ولا تستأخر عن آبائها، وإن تمنى الناس عليها الأناة والإبطاء.
    وأكاد أعتقد أنَّ القدماء من مؤرخي أدبنا العربي كانوا أفقه بالحياة وأحسن لها فهمًا وتقديرًا من هؤلاء المعاصرين، الذين يخطفون أحكامهم خطفًا، ويظنون أنَّ ظواهر الحياة خاضعة لسلطانهم؛ يدعونها فتستجيب، ويهملونها فتنتظر، ويرجئونها فترجئ نفسها.
    فنحن نقرأ في بعض الكتب العربية، التي حاول أصحابها منذ أكثر من ألف عام أنْ يؤرخوا الأدب العربي القديم، أشياءَ لا يكاد المعاصرون يسيغونها أو يطمئنون إليها؛ لأنها تجانب ما ألفوا من السرعة، وتخالف ما استحبوا من هذا الاستعجال البغيض.
    نقرأ مثلًا عند بعضهم أنَّ ظهور الإسلام قد اضطر الشعر العربي إلى الضعف والتهافت؛ لأن العرب بهرهم القرآن وشغلتهم أحداث النظم الجديدة، وما استتبعت من الفتوح عن الفراغ لقول الشعر وتجويده والتأنق فيه كما كان الجاهليون يصنعون. والقدماء يستنبطون هذا من إعراض لبيد عن قول الشعر بعد أنْ أسلم، ومن اشتغاله بقراءة القرآن وحفظه، ويستنبطونه كذلك مما عرض لشعر حسان من الضعف في أكثر شعره الإسلامي، بعدما كان شعره الجاهلي يمتاز بالرصانة والقوة والفحولة. كما يستنبطونه من أنَّ بعض شعراء النبي ﷺ كانوا يكثرون في هجاء قريش فلا يبلغون منها شيئًا؛ لأنهم كانوا يعيبونها بالكفر والشرك، وينذرونها بعذاب الله في الحياة الآخرة، ولم تكن قريش تحفل بشيء من هذا حين كانت تعارض الإسلام وتنصب له الحرب.
    ومع أنَّ رأي القدماء هذا لم يكن دقيقًا كل الدقة، ولا صادقًا كل الصدق؛ لأنه لم يقم على الاستقراء الصحيح؛ فإنه كان يصوِّر حقيقة واقعة … وهي أنَّ الشعراء الذين أرادوا أنْ يجدِّدوا أنفسهم بعد أنْ أسلموا، وأنْ يلائموا بين فنهم وبين دينهم الجديد لم يُوفَّقوا في أكثر الأحيان إلى ما كانوا يريدون؛ لأن الطبع لا يُستكرَه على ما لا يُحِب في كثير من الأشياء … وفي شئون الأدب والفن بنوع خاص، ولم يخطئ ابن دريد حين قال:
    والشيخ إن قوَّمته من ريفهلم يَقُمِ التثقيف منه ما انحنى
    وهؤلاء الشعراء كانوا قد جاوزوا سن التطور، فلم يكن من اليسير أنْ يرجعوا أدراجهم، ولا أنْ يبتكروا لأنفسهم طبعًا جديدًا، فكان تجديدهم تكلفًا، وكان إعراض لبيد عن الشعر نوعًا من اليأس؛ لأنه عرف أنه لا يستطيع أنْ ينشئ فنًّا يجمع بين الملاءمة لحياته الجديدة التي أدركها شيخًا وبين الروعة التي أُتِيحت له فيما أنشأ من الشعر قبل أنْ يعتنق الإسلام.
    وليس أدل على ذلك من أنَّ شعراء آخرين أسلمت ألسنتهم، واستجابت ظواهر أمرهم للنظام الجديد، وظلت طباعهم جاهلية — كما كانت — فقالوا الشعر في الفنون التي أَلِفوها قبل أنْ يُسلِموا، ولم يتعرض شعرهم لضعف أو تهافت أو خمود، وإنما احتفظ بقوته كاملة كدأبها حين كان أصحابها جاهليين.
    فالحطيئة مثلًا لم يتغيَّر فنُّه بعد إسلامه؛ لأنه لم يحاول لفنه تغييرًا. ولأن الإسلام لم يصل إلى أعماق نفسه، فظل مسلمًا في ظاهر أمره، وفيما كان يبدو من بعض سيرته الاجتماعية، ولكنه ظل جاهليَّ القلب والذوق والضمير، ويقول الشعر هاجيًا ومادحًا وواصفًا، كما تعوَّد أنْ يقوله في العصر الجاهلي. وأمثال الحطيئة كثيرون نستطيع أنْ نقرأ شعرهم فيما حُفِظ لنا من شعر القدماء، فلا نرى فيه انحرافًا عن السُّنَّة الجاهلية، ولا تأثرًا عميقًا بالثورة الإسلامية الخطيرة التي قلبت حياة العرب رأسًا على عقب، وغيَّرت أمورهم كلها تغييرًا لم يكن يخطر لهم ببال.
    ومن أجل هذا، صنع بعضُ الذين أرَّخوا الشعر العربي القديم صنيعًا أقل ما يُوصَف به أنه ملائم للدقة والصدق وصواب الحكم أشد الملاءمة وأقواها، فلم يطلقوا وصف الشعراء الإسلاميين إلا على فريق بعينه يأتلف من أولئك الذين لم يدركوا الإسلام شبابًا ولا شيوخًا، وإنما وُلِدوا في الإسلام، ولم يعرفوا العصر الجاهلي إلا كما يعرف التاريخ. فالشعراء الفحول، كالأخطل وفرزدق وجرير، إسلاميون؛ لأنهم وُلِدوا بعد أنْ أسلمت الجزيرة العربية، وبعد أنْ فاض الإسلام منها على ما حولها من الأقطار، وعمر بن أبي ربيعة شاعر إسلامي؛ لأنه وُلِد — فيما يقول الرواة — في اليوم الذي مات فيه عمر بن الخطاب رحمه الله. وقُلْ مثلَ ذلك بالقياس إلى عامة الشعراء الذين وُلِدوا أيام الخلفاء وشبوا وأدركتهم الشيخوخة أيام بني أمية. هؤلاء شعراء إسلاميون لم يدركوا الجاهلية ولم يدركوها، وإنما رُوِيَتْ لهم أحداثها كما ستُروَى أحداث العصر الذي نعيش فيه للذين أخذوا يُولَدون منذ شبت الثورة؛ فهم قد نشئوا نشأة إسلامية، رأوا آباءهم يخضعون للنظام الجديد يؤدُّون الواجبات الدينية والواجبات السياسية الجديدة، ويقرءون القرآن ويروون الحديث، ويتحدثون عن النبي وأصحابه وخلفاءه، ويختلفون إلى المساجد مصبحين وممسين وبين الصباح والمساء.
    وهؤلاء المؤرخون عندما عرضوا للشعراء الذين أدركوا الإسلام أو أدركهم الإسلام، وهم شباب أو شيوخ لهم يسمونهم شعراء إسلاميين، إنما عدهم بعضهم في صراحة شعراء جاهلين؛ لأنهم تأثروا بالحياة الجاهلية التي أنضجت قرائحهم، وكوَّنت أذواقهم فلم يستطيعوا لطبائعهم تغييرًا.
    وبعض هؤلاء القدماء كره أنْ يسميهم جاهليين؛ لأنهم أسلموا وكثير منهم كان عميق الإسلام، حسن البلاء في ذات الله، فسموهم مخضرمين؛ أي: مختلطين، عاشوا بعض أعمارهم جاهليين، وبعضها الآخر مسلمين.
    ومعنى هذا كله أنَّ القدماء من مؤرخي الأدب العربي، فهموا حقيقة الصلة بين الثورة والأدب خيرًا مما يفهمها كثير من كُتَّابنا المعاصرين.
    عرفوا أنَّ الثورة مهما تكن خطيرة ومهما تكن بالغة عميقة الأثر في حياة الأفراد والجماعات، لا تُغيِّر الأدب فجأة، ولا تحوِّل طبيعة الفن إلا تحويلًا يسيرًا أقرب إلى التكلف منه إلى الفطرة التي تستجيب لما حولها من حقائق الحياة في غير جهر ولا عناء.
    وهناك وجوه أخرى للصلة بين الأدب والثورة، لا يُحقِّقها كُتَّابُنا المتعجلون، فالأدب يمهد للثورة وينشئها؛ لأنه يثير نفوس الناس. يبغِّض إليهم بعض أطوار الحياة التي يحيونها، ويعرض عليهم مُثُلًا جديدة يُحبِّبها إليهم، ويُزيِّنها في قلوبهم، ويطبعها في نفوس الناشئين والشباب الذين لم تتقدَّم بهم السن بعد.
    وهو بهذا يفتح للثورة أبواب النفوس والضمائر ويُمهِّد لها الطريق في حياة الأفراد والجماعات، يُتاح له النجح أحيانًا ويدركه الإخفاق أحيانًا أخرى. فإذا أُتيح له النجح لم تتغير طبيعته فجاءة، وإنما ظل كعهده مضطربًا بين القديم الذي هدمه وبين الجديد الذي أنشأه، حتى إذا استقرت أمور الثورة وأصبحت طبيعة للأجيال الجديدة الناهضة — كما يقال في هذه الأيام — نشأ الأدب الذي يمكن أنْ يُضاف إلى الثورة حقًّا وصدقًا.
    ويكفي أنْ تفكر في حياة الفرنسيين أثناء القرن الثامن عشر، فسترى طائفة من الأدباء والفلاسفة والمفكرين أنكروا حياة العصر الذي كانوا يعيشون فيه، وحملوا الناسَ من حولهم على إنكارها، وطبعوا هذا الإنكار في نفوس الناشئين والشباب الذين لم يتم نضجهم بعد، فأنشئوا جيلًا جديدًا هو الذي ألهب نار الثورة، وملأ بها الدنيا وشغل بها الناس، وغيَّر بها حياة فرنسا وأوروبا وأجزاء أخرى كثيرة من العالم.
    ولكن هؤلاء الأدباء والفلاسفة والمفكرين لم يدركوا الثورة التي أنشأوها، وإنما أطفأ الموت جذوة نفوسهم قبل أنْ يشعلوا هم جذوة الثورة، فماتوا قبل الثورة بوقت قصير أو طويل.
    والذين ثاروا بالفعل وملئوا الدنيا هولًا وإصلاحًا في وقت واحد، لم يُنشِئوا أدبًا ذا خطر، شُغِلوا بالعمل عن الفن، وشُغِلوا بصنع التاريخ عن كتابته، وابتكروا للأدباء الذين جاءوا بعدهم موضوعات أنشئوا فيها أدبًا حيًّا رائعًا أُتيح البقاء لكثير منه وذهب بعضه مع ما يذهب من آثار الناس.
    وابحث إنْ شئت عن الأديب الفرنسي الذي عاصر الثورة، وأنشأ في أثنائها أدبًا جديرًا بالبقاء، فلن تجد هذا الأديب مهما تُطِل في البحث والتنقيب، بل تستطيع أنْ تقرأ ما تركه رجال الثورة أنفسهم من الخُطَب والأحاديث التي ألهبتْ نفوسَ المعاصرين ودفعتهم إلى النهوض بالأعباء الثقال، وتحقيق الأمور العظام، فلن تجد في هذا الخطب ما يلائم ذوقك الفني. بل لن تجد فيه ما يرضي عقلك المستأني وحُكْمك الذي يريد أنْ يتدبر قبل أنْ يصدر؛ لأنها كانت خطبًا وأحاديث تلائم الظروف والأوقات التي أغرت بها ودفعت إليها، فلما تغيرت تلك الظروف وانْقَضَت تلك الأوقات، أصبحت تلك الخُطَب والأحاديث تاريخًا من التاريخ، لا تصلح إلا لقراءة الباحثين الذين يريدون أنْ يؤرخوا للأحداث. ولكن انظر بعد ذلك فيما أنشأ الكُتَّاب والشعراء الفرنسيون بعد أن استقرت الأمور في وطنهم، وبعد أنْ تأثرت حياة بلادهم بالثورة، وأصبحت الحرية لهم طبعًا والرقي لهم غاية لا يستطيعون عنها نكولًا، فسترى الأدب الحق والفن الجدير بالبقاء … «وسترى أنَّ أدب الثورة إنما يأتي بعد الثورة لا أثناءها».
    وما أشك في أنَّ هذا النحو من تصوير الصلة بين الأدب والثورة، هو الذي يلائم حقائق الأشياء، ويُفسِّر ما بين الأدب والسياسة من تضامن وتعاون وتفاعل — كما يقول المعاصرون — «فالأدب يثور قبل أنْ تثور السياسة.» وثورة الأدب هي التي تمهد الطريق لثورة السياسة؛ لأنها تهيِّئ قلوب الناس ونفوسهم وعقولهم، تبغِّض إليهم نظامًا قائمًا، وتحبِّب إليهم نُظُمًا تُحقِّق لهم آمالًا تمتد إليها عقولهم وتقصر عنها أيديهم. وليست الثورة السياسية آخر الأمر إلا استجابة لثورة العقول والقلوب والنفوس التي يُحْدِثها الأدب، وتُحْدِثها مع الأدب مؤثِّرات أخرى، يتصل بعضها بالحياة المادية للناس، ويتصل بعضها بالحياة المعنوية، ويأتي بعضها من الصلة بين الأمة وبين أمم أخرى تحيا حياة خيرًا من حياتها، وأدنى إلى العدل والحرية وإنصاف المظلومين من الظالمين، والمساواة بين المستأثرين الذين يجدون كل شيء، والمحرومين الذين لا يجدون شيئًا.
    ولست أعرف ثورة سياسية بالمعنى الجديد أو القديم للفظ الثورة، إلا وقد سيعقبها ثورة أدبية عقلية، كانت هي التي أعزت الناس بها ودفعتهم إليها، وأخرجتهم عن أطوارهم، فلم يستطيعوا صبرًا على ما يكرهون ولا إبطاء عما يريدون.
    هناك إذن ثورتان؛ أولاهما: ثورة العقل التي يُصوِّرها الأدب، والثانية: ثورة السياسة التي تعتمد على القوة، فتُغيِّر نظامًا وتقيم مكانه نظامًا آخر. وهناك أدبان: أدب يسبق الثورة ويدفع إليها، وأدب يأتي بعد الثورة فيصوِّرها أولًا ويصوِّر آثارها في حياة الناس، ويحبِّب إليهم هذه الآثار، ويدفعهم إلى الأمام في الرقي والإصلاح والتجديد.
    الأدب أثناء الثورة حين تضطرب نفوس الناس بالأمل والطموح، ونفوس فريق منهم بالخوف والمحافظة، متواضع مقتصد يمشي على استحياء — إنْ أمكن وصف الأدب بالمشي وبالحياء أيضًا — لأن الناس مشغولون عنه بأحداث الثورة مما يقع وما يُنتظَر، وبما تدفع إليه هذه الأحداث، ولأن الأدب — ولا سيما في هذا العصر الحديث — إنما يستمد حوله وطوله وقُوَّته وروعته من الحرية الكاملة التي معقب عليها. وهذه الحرية موقوفة مطبعة الأشياء أثناء الثورة، سواء أراد الناس في ذلك أم لم يريدوه، والأدب يجاهد في سبيل الحرية ويُحتمَل في هذا الجهاد ألوان المكروه على اختلافها قبل أنْ تصنع الثورة السياسية أمرًا واقعًا.
    وهو بجهاده وبتحمله الخطوب يدفع إلى الثورة دفعًا؛ لأنه يقاوم الاستبداد والعسف، ويدعو الناس إلى مقاومتهما، وهو في أثناء الثورة لا يستطيع أنْ يقاوم الثورة؛ لأنه مقاوم نفسه إنْ قاومها، فالثورة ابنته وثمرته، وهي لا تقف الحرية إلا لتطلقها بعد حين يقصر أو يطول.
    فالأدب الذي ينشأ أثناء الثورة إما أنْ يجري على طبيعته الأولى فيكون اتصالًا للأدب القديم، وإما أنْ يحاول مجاراة الثورة السياسية فيكون دعوة لها وإغراء بها، وهو في هذه الحال أدب ضعيف فاتر؛ لأن الأحداث المادية الواقعة أقوى منه وأخطر أثرًا، يراها الناس ويحسون آثارها في نفوسهم، وفيما حولهم من الحياة والأحياء.
    هذا هو الذي يعلل ما أصاب شعر حسَّان من الضعف، كانت الثورة الإسلامية أقوى من شعر الشعراء، وكان كل في بالقياس إليها أثناء قيامها فاتر، وهو يعلل في الوقت نفسه انصراف بعض شعراء عن الشعر؛ لأنهم لم يروا لأنفسهم فيه إربًا. وهو يعلل كذلك اتصال الشعر الجاهلي بأساليبه القديمة عند شعراء الأعراب، الذين قال الله — عز وجل — فيهم: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ).
    واقرأ إنْ شئت فيما يتصل بالأدب الفرنسي أثناء الثورة ما كتبه شاتو بريان مذكرات بأنه عن إلمامه بباريس حين كانت النفوس مضطربة ثائرة، فستراه يصف أندية الأدباء في تلك الأوقات بالضعف والفتور وقلة الغناء.
    ليس هناك معنى إذن لمطالبة الأدباء المعاصرين بإنشاء أدب الثورة؛ لأن أدب الثورة الحق لم يأتِ وقته بعد، وسيأتي وقته حين يخرج الشباب الذين تطبع الثورة نفوسهم بطابعها، والذين يتعلمون الآن في المدارس وفي الجامعات إنْ شئت؛ أي إنَّ هذا الأدب لن تظهر بواكيره إلا بعد أعوام نرجو ألا تكون مسرفة في الطول.
    ولست أشك في أنَّ أدب الثورة هذا الذي أتحدث عنه، سيكون مغايرًا مغايرة شديدة لأدبنا الذي ننتجه ونعيش عليه الآن، فسيتخلص الجيل الناشئ من تعقيدات مختلفة قاومناها نحن ما وجدنا السبيل إلى مقاومتها، ولكننا لم نستطع أنْ نعفي أنفسنا من آثارها وأعقابها.
    لن يحتاج الجيل الناشئ إلى ما احتجنا إليه دائمًا من مداورة السلطان والاحتياط من شرِّه، والاستخفاء بكثير من آرائنا، نكتمها أحيانًا في نفوسنا، فنشقى بكتمانها ونعرب عنها أحيانًا في كثير من الألغاز واصطناع للمجاز، والافتنان في التنكر، والتستر والاستخفاء لن يحتاج الجيل الناشئ إلى شيء من هذا؛ لأنه لن يجد أمامه النظام الملكي لمستأثر بالأمر من دون الشعب.
    وسيخلص الجيل الناشئ من تعقيد آخر فقاومناه ما استطعنا أنْ نقاومه، ولكنه كان يؤثر في حياتنا العقلية حتى أثناء مقاومتنا له تأثيرًا بعيد المدى، وهو تعقيد الاحتلال الأجنبي الذي كان يتغلغل في أعماق حياتنا المادية والسياسية، ويتدخل في كثير من مرافقنا، ويؤثر بذلك في مصالح الأفراد والجماعات، ويحالف النظام الملكي حينًا فيثقل علينا الهول، ويخالفه حينًا آخر فيأخذنا الشر من جميع أقطارنا، ونُضْطَر إلى كثير من المصانعة والموادعة، ونلاين حينًا ونخاشن حينًا آخر، ونشقى بتفرق الأهواء واختلاف الميول والنزعات من حولنا، ونجد العناء كل العناء في التماس ما نلتمس لأنفسنا من طريق إلى التفكير والتعبير.
    لن يشقى الجيل الناشئ بهذا الاحتلال؛ لأنه سيحيا في وطن لا يتسلط الأجنبي عليه من قريب أو بعيد، سينشأ حرًّا في وطن حر بأوسع معاني هذه الكلمة وأعمقها، وسيخلص من عقدة الاستعمار هذه التي شقيت بها الأجيال من قبله دهرًا طويلًا.
    وسيخلص الجيل الناشئ من عقدة أخرى غير هاتين العقدتين، وهي عقدة النظام الاقتصادي البغيض الذي شقيت به الأجيال من قبله، والتي قسمت الشعب إلى: الأغنياء المترفين الذين ينفقون بغير حساب فيما لا يغني عنهم ولا عن غيرهم شيئًا، والفقراء المعدمين الذين يشقون بغير حساب؛ لأنهم لا يجدون ما يقيم الأَوَد أو يرضي حاجة الإنسان الذي يستطيع أنْ يكون إنسانًا.
    وكلمات المرض والفقر والجهل والأعداء الثلاثة التي كانت الحكومات تتشدق بها فيما مضى، كلمات يسيرة حين تنطق بها الألسنة، ولكنها عسيرة معقَّدة حين نحاول أنْ نحقق معانيها في نفوسنا، فهي تُصوِّر أشقى ما يمكن أنْ يُفرَض على الناس من ضروب الحياة، وهي تمتحن نفوسهم بألوان لا تُحصى من التعقيد الذي يميت القلوب، ويفل الحد، ويلغي النشاط، ويُبغِّض العيش إلى الناس. هذا الذي لا يجد ما ينفق وله قلب ذكي وعقل راجح وقدرة على العمل الخصب والنشاط المنتج، ولكنه لا يستطيع أنْ يعمل، ولا أنْ ينشط؛ لأنه لا يجد إلى العمل ولا إلى النشاط سبيلًا، وكيف السبيل إلى العمل والنشاط إذا لم تجد من الطعام والشراب ما يمسك عليك الحياة؟!
    وهذا الجاهل الذي لا يُفرِّق بين الخير والشر، ولا يُميِّز بين ما ينفعه وما يضره، وله فضل من قوة وحظ من أيد، ولكنه لا يعرف كيف يوجه قوته، ولا فيما ينفق جهده، فهو يتخبط بين الشر اليسير والإثم المفسد لحياته، ولحياة من حوله من الناس. وامضِ ما شئت في تصوير ما يثير المرض والفقر والجهل في حياة الناس من شر، وما ينشئ في نفوسهم من عقد، وما يبث أمامهم من عقاب، وتصور جيلًا يتاح له في يوم من الأيام ما لم يُتَح للأجيال الماضية من صحة الأجسام، وذكاء القلوب، ونفاذ البصائر، وسعة المعرفة، وانظر ما عسى أنْ يكون من الفرق بين هذا الجيل السعيد وبين الأجيال التي سبقته من الأشقياء، ثم وازن بين ما يمكن أنْ ينتجه هذا الجيل السعيد من ألوان النشاط في حياته المادية والعقلية والفنية، وبين ما أنتجته أجيال الشقاء من قبله، فسترى الفرق عظيمًا خطيرًا بين إنتاج الموفورين وإنتاج المحرومين، وبين إنتاج السعداء وإنتاج الأشقياء.
    وإذا بلغت هذه الغاية من الموازنة، فقد عرفت أنَّ أدب الثورة الذي يستحق هذه الإضافة ليس هو الأدب الذي أنتجناه أو الذي ننتجه الآن، وإنما هو الأدب الذي سينتجه أبناؤنا وأحفادنا حين يُتاح للثورة أنْ تبلغ غايتها وتحقق أغراضها، وتضع عن المصريين إصر حياتهم تلك التي ضاقت بهم وضاقوا بها، وتتيح لهم حياة أخرى لا يجدون فيها قهرًا ولا عسفًا، ولا يخضعون فيها لبأس أو ظلم، ولا يشقون فيها بفقر أو جهل أو مرض، وثق بأني لا أخدع نفسي عن حقائق الأشياء، ولا أخدعك عن هذه الحقائق، فلست أنا من السذاجة بحيث أظن أنَّ الثورة ستتيح للأجيال المقبلة سعادة دائمة ونعيمًا مقيمًا، فالسعادة الدائمة الكاملة لم تُتَح للناس، ولن تُتاح لهم في هذه الحياة الدنيا، والنعيم المقيم مُدَّخَر للصالحين من الناس في حياتهم الثانية، وليس معجلًا لهم في حياتهم هذه الأولى …
    ولكن الشيء الذي أثق به كل الثقة، وأومن به أعمق الإيمان، هو أنَّ الثورة ستتيح حين تبلغ غاياتها للأجيال المقبلة من قوة النفوس وصلاح الحياة ما يمكنها من طلب السعادة والنعيم قادرة على طلبهما، ومن مقاومة البؤس والشقاء قادرة على مقاومتها …
    وليس هذا بالشيء القليل، وما أعظم الفرق بين أدب يقبل عليه أصحابه، وهم آمنون مطمئنون لا يسعى إليهم الخوف ولا يُدبَّر لهم الكيد، وأدب ينتجه قوم يختلسون الفراغ له اختلاسًا، ويسترقون العناية به استراقًا، ويجدون مِنْ حولهم ما هو خليق أنْ يبغِّض إليهم الأدب ويصرفهم عنه صرفًا، يشقون في أنفسهم ويشقون بشقاء من حولهم من الناس، ولا تُتاح لهم حتى الوسائل اليسيرة للإعراب في صراحة، وأمن عما يجدون من شقائهم وشقاء الناس.
    فانتظر إذن أدب الثورة بمعناه الصحيح من الجيل الناشئ يوم يُتاح له الإنتاج، واقرأ أدبنا هذا الثائر إنْ شئت، وأعرض عنه إنْ أحببت، فإنا لا نملك أنْ نعطيك إلا ما في أيدينا، وفي أيدينا أدب ثائر لا أدب ثورة، وما أعظم الفرق بين الأدبين!

  • ماتت الساحرة | The Enchantress Has Died

    ماتت الساحرة

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٦ أغسطس ١٩٥٤

    لست أدري أيعرفها كثير من المصريين، أم يعرفها من بينهم فريق بعينه من أولئك الذين يعنون عناية صادقة بالأدب الرفيع، ويتتبعون الإنتاج الأدبي الفرنسي بشيء من هذا الشغف الذي لا يتاح إلا للذين يسحرهم جمال الفن من حيث هو، لا من حيث إنه يحقق هذه المنفعة أو تلك، ويوصل إلى هذا الغرض أو ذاك، من حيث إنه الجمال الخالص الذي تجد النفس فيه الرضا والمتعة، وإن ضاقت ببعض ما فيه من التفصيل؟

    لست أدري أيعرفها كثير من المصريين، ولكني أعلم أن الفرنسيين جميعًا يُكْبِرونها ويُقدِّرون أثرها في حياتهم الأدبية، ويرونها من أبرع كُتَّابهم في هذا العصر الحديث، ويتجاوزون ذلك إلى ما هو أعظم منه خطرًا، فيرون أنها قد رقَّت النثر الفرنسي وارتفعت به إلى منزلة لم يبلغها إلا قليل من كُتَّابهم النابهين.

    وأعلم كذلك أن صوتها الأدبي قد تجاوز حدود وطنها منذ عهد بعيد جدًّا، فأصبحت علمًا من أعلام الأدب الإنساني في هذا القرن، وما أرى إلا أن كثيرًا من آثارها قد نقل إلى اللغات الحية الكبرى، وإنْ كنتُ لا أذكر أني رأيت ترجمة لأثر من آثارها في لغتنا العربية.

    هذه هو كوليت التي نقلت إلينا الصحف الإيطالية نعيها منذ يومين، ووصلت إلينا الصحف الفرنسية اليوم تحدثنا عن حياتها الخصبة المضطربة الرائعة المروعة بالشيء الكثير.

    وقد أخذت هذه الكاتبة تسلك طريقها الأدبي إلى المجد منذ أواخر القرن الماضي قبل أن تبلغ الخامسة والعشرين، وظلت تنتج فتبهر وتسحر بإنتاجها إلى أن أدركها الموت بعد أن جاوزت الثمانين، فهي قد أنفقت أكثر من نصف قرن منتجة للأدب الرفيع، مجاهدة ألوانًا من الجهاد الغريب في حياتها المضطربة الحافلة بالخطوب، المليئة بما يرضي وما يسخط، وبما يسرُّ وما يَسوءُ.

    وما رأيك في فتاة تنشأ في قرية من قرى بورجونيا، فلا تكاد تعقل حتى تألف الطبيعة وتهيم بها وتوشك أن تغني فيها؟ فهي كلفة بالغابات، مشغوفة بالحدائق، مولهة بكل ما يروع ويعجب من مناظر الطبيعة، وهي لا تشغف بالطبيعة كما يشغف بها أمثالها من الصبية فتتخذها متاعًا ولهوًا، وإنما تشغف بها شغفًا خاصًّا: تريد أن تبلوها، وتصل إلى أعماقها وحقائقها، وتمتزج بها، وتصير جزءًا منها، وهي إلى ذلك تحب الخلوة إلى هذه الطبيعة مُتحدثةً في أعماق نفسها إلى شجرها، وزهرها، وثمرها، وعشبها، وحيوانها النافر والمستأنس.

    تعيش بين هذا كله كما يعيش الطفل بين أهله وأدوات لعبه، وتسبغ على هذا كله من نفسها خير ما فيها من الحياة والحس والشعور، وتسبغ على نفسها من هذا كله خير ما فيه من الجمال والروعة والحياة الطلقة الحرة الجامحة التي لا تحب نظامًا ولا قيدًا.

    فإذا أرسلت إلى المدرسة لم يصرفها الدرس عن حبيبتها الطبيعة، بل أصبحت المدرسة جزءًا من هذه الطبيعة، فهي تلاحظ أترابها ومعلماتها كما تلاحظ الشجر والثمر والزهر، ولا تكاد تتجاوز العشرين من عمرها حتى يلمَّ بأسرتها فتى كاتب مستهتر من باريس فيَشْغفها حبًّا. وأكبر الظن أنها أحبته على هذا النحو الذي ألفته من حب الشجر والزهر والثمر.

    والمهم أنها كلفت به وأصبحت له زوجًا، وانتقلت معه إلى باريس، وكأنها خلبته بما كانت تتحدث به إليه من أنباء حياتها الناشئة في المدرسة، فطلب إليها أن تكتب أحاديثها هذه لينظر فيها بعد ذلك، وقد فعلتْ، ونظر الزوج فيما ألقت إلى الدفتر من أحاديث نفسها فلم يحفل بها أول الأمر، ثم عاد إليها بعد عام وبعض عام، فرضي عنها وأصلح فيها ودفعها إلى الناشر، فظهر أول كتاب شاركت فيه هذه الفتاة، ولم يكد يظهر حتى فتنت به باريس، ثم فتنت به فرنسا، ثم أصبح الحلقة الأولى من سلسلة ظهرت كلها مصورة لحياة كوليت في المدرسة وفي الأسرة وفي بيت الزوجية، وأصبحت هذه السلسلة من أعظم الكتب رواجًا في أول هذا القرن.

    يقرؤها الأديب الممتاز فيرى فيها بشائر تفوق وتجديد، ويقرؤها الفرنسي المتوسط — والفرنسية المتوسطة خاصة — فيرى فيها مرآة لنفسه وميوله وأهوائه، وخفايا ضميره التي لا يكاد يظهرها أو يجمجم بها، ويرى فيها مرآة لوطنه وطبيعته الساحرة الآخذة بالقلوب والأحباب.

    ولا يكاد القرن يبلغ السادسة من عمره حتى تضيق الكاتبة بزوجها، فيكون بينهما الطلاق الذي يفتح لها أبوابًا من الحياة الغريبة والمغامرات التي لا تنقضي؛ فهذه المرأة التي لم تجاوز الثلاثين إلا قليلًا جامحة الطبع، مرسلة نفسها على سجيتها، معتدة بقوتها وقدرتها على الجهاد، غير حافلة برأي الناس فيها أو حديثهم عنها، غير قادرة إلا لرأيها هي وحكمها هي على الناس والأشياء. وهي في الوقت نفسه مرسلة نفسها على سجيتها، مخلية بين غرائزها وبين الحياة تأخذ منها ما تحب، وتدع منها ما تكره، لا مقياس لها في ذلك إلا ذوقها هي، وحكمها هي، وما تجد من لذة أو ألم، ومن رضا أو سخط، ومن إقبال أو نفور.

    وهي في حاجة إلى أن تعيش، فما لها لا تكسب حياتها من حيث تحب أن تكسبها، وإذا هي راقصة في مراقص باريس، وإذا إقبالها على الرقص يتيح لها الإبداع فيه، وإذا هي تجدد وتبتكر ولا تكتفي بالرقص، بل تبتكر فيه فنونًا وألوانًا، فإذا ضاقت بالرقص أو أخذت منه ما يكفيها، أقبلت على التمثيل فمثَّلت قصصَ غيرِها، وأتاح لها ذلك أن تتقن دقائق التمثيل، وأن تصبح في يوم من الأيام منشئة للقصص التمثيلي، ممثلة للشخصيات التي تبتكرها.

    فإذا أخذت من هذه الحياة المضطربة بحظها أصبحت صحفية تشهد جلسات البرلمان وتصورها أبدع تصوير، وتشرف على القسم القصصي في إحدى الصحف الباريسية الكبرى، ثم تميل إلى حياة الأسرة فتتخذ لنفسها زوجًا من الأشخاص البارزين في الحياة الفرنسية، ثم تمضي في حياتها هذه المضطربة الهوجاء، المنتظمة رغم ذلك؛ لأنها تلائم طبيعة الكاتبة ومزاجها وذوقها. وهي في أثناء هذا كله متصلة الإنتاج لا يكاد يمضي عام أو عامان حتى يظهر لها كتاب يملأ النفوس إعجابًا بها، وحبًّا لها، ورضًا عن فنها، وإذا هي تصبح ذات يوم عضوًا في المجمع الأدبي البلجيكي تشغل مكان الشاعرة الفرنسية العظيمة أنادي نواي.

    ولا تمضي أعوام على هذا النُّجْح حتى تصبح عضوًا في مجمع جونكور بباريس، ثم رئيسة لهذا المجمع، وإنتاجها الأدبي مع ذلك مستمر مطَّرد، ولا يدركه ضعف ولا وهن ولا فتور، وإذا هي ملهمة للموسيقى؛ فموريس رافل يضع التلحين لإحدى قصصها التي تمثل في الأوبرا كوميك، وتلهم التمثيل الخالص فتمثل قصصها في ملاعب باريس المختلفة، وتلهم السينما فتعرض بعض قصصها في أفلام تظفر بالنُّجْح كل النُّجْح. وهي بعد هذا كله مستقرة على عرش القصة قد بلغت فيها أقصى ما يمكن أن يبلغ كاتب من الإتقان، مستقرة على عرش النثر الفرنسي قد جودته وبرزت فيه حتى أصبحت رابعة أربعة يراهم الفرنسيون أئمة النثر الفرنسي الحديث؛ وهم: أندريه جيد، وبول فاليري، وكلوديل، وكوليت.

    وربما كانت أقرب الناس في فنها إلى أندريه جيد؛ فقد أرسلت نفسها مثله على سجيتها في الحياة أولًا، وفي التعبير عن هذه الحياة بعد ذلك، ولم تحفل بسخط الناس على سيرتها أو رضاهم عنها، كما أن أندريه جيد لم يحفل بشيء من ذلك، على حين تحفظ كلوديل بحكم مسيحيته، وتحفظ فاليري بحكم فلسفته الصارمة.

    والغريب من أمر كوليت وأندريه جيد أنهما لم يحفلا بالأوضاع الاجتماعية، والتقاليد الموروثة، والسنن المألوفة بحال من الأحوال، ولم يخضعا إلا لسلطان واحد لم يحاولا في يوم من الأيام أن يخالفا من أمره، أو يخرجا على قوانينه؛ وهو سلطان الفن. كلاهما حجة في اللغة كصاحبيهما، وكلاهما حريص أشد الحرص على صفاء اللفظ ورصانته ودقته ورقته، وعلى القواعد التي رسمها الأدب الفرنسي القديم كصاحبيهما في ذلك أيضًا، وكلاهما بعد هذا حر إلى أبعد آماد الحرية في التعبير: يصف من حقائق الحياة ودقائقها ما كان الأدب الكلاسيكي يترفع عن وصفه، ويصور من شئون الغرائز والأهواء والميول ما كان الأدب الفرنسي الكلاسيكي ينأى عن تصويره.

    والغريب مع ذلك أن هذه الحرية الواسعة إلى أبعد غايات السعة، العميقة إلى أقصى غايات العمق، لم تسفل بأحدهما عن أصول الأدب الرفيع، وإنما أتاحت لكليهما آفاقًا وميادين لم يكن الأدب الرفيع يبلغهما، فكلاهما قد بسط سلطان الأدب على فنون من الشعور والميول والأهواء والحس كان الأدب يتحرج من مقاربتها، وكلاهما من أجل ذلك قد فرض نفسه على الناس فرضًا، فأخذ الناس يقرءون آثار جيد وآثار كوليت على كره شديد منهم لحياة جيد وكوليت. وقل في هذا الكره ما شئت، قل: إنه كان صادقًا عند أصحاب الوقار والتزمت الاجتماعي، وعند أصحاب الإيمان والتزمت الديني، وقل: إنه كان كاذبًا منافقًا عند الذين يتكلفون الوقار والدين.

    ولكن الشيء المحقق هو أن هذين الكاتبين قد اغتصبا إعجاب الخصوم والصديق جميعًا، وظفرا بهذا الإعجاب غلابًا؛ فرضاه فرضًا على النفوس لما أتيح لهما من صفاء الفن، وجمال الرونق، وصدق اللهجة، وإيثار الحرية الفنية على كل شيء. فليس غريبًا أن يجزع الشعب الفرنسي لموت أندريه جيد مع أن هذا الشعب الفرنسي نفسه كثيرًا ما ضاق بأندريه جيد وحريته في القول والسيرة جميعًا، وليس غريبًا كذلك أن يبتئس الشعب الفرنسي من موت كوليت، مع أن هذا الشعب الفرنسي نفسه كثيرًا ما ضاق بهذه الحياة المضطربة التي أنتجت أدب كوليت.

    وتحدثنا الصحف الفرنسية بأن الجماعات المختلفة من الفرنسيين، على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، قد جعلت تحتشد حول المنزل الذي استقر فيه جثمان كوليت بعد أن أدركها الموت. وقد كان جيد بروتسنتي النشأة، ولم يحفل قط بأن يرضى عنه أو يسخط عليه رجال الدين، وكانت كوليت كاثوليكية النشأة، ولم تحفل قط في أن يرضى عنها أو يسخط عليها رجال الدين، ولكن أسرتها حريصة فيما يظهر على أن تراعي الأوضاع الكاثوليكية في دفنها. وتحدثنا الصحف الفرنسية بأن المفاوضات تجري والمساعي تُبذل لتظفر الأسرة بإذن الكنيسة بدفن كوليت على الأوضاع المسيحية الكاثوليكية.

    وأخص ما يلاحظ حين نقرأ نعي كوليت أمران؛ أحدهما: أن هذه الكاتبة ربما كانت أعظم كاتبة فرنسية على كثرة النساء والكاتبات المتفوقات في الأدب الفرنسي منذ القرن السابع عشر، وهي مَدينةٌ بمجدها للفن وحده؛ ليست من أسرة نبيلة، وليست لها مشاركة في السياسة كما كان هذا شأن كثير من النساء النابهات قبل الثورة الفرنسية وأثناء القرن الماضي، وإنما طبيعتها الخصبة الحرة الممتازة، وصدقها في تصوير نفسها وفي تصوير الناس والأشياء من حولها، واستمساكها بالأصول التقليدية للأدب الفرنسي، كل هذه الخصال هي التي أتاحت لكوليت هذا المجد الأدبي الذي لم يُتح لكاتبة غيرها من الفرنسيات. وقد كان الناس يحتفلون في هذا العام بالكاتبة الفرنسية البارعة في القرن الماضي، جورج صاند؛ لمرور قرن ونصف قرن منذ مولدها، وهم الآن يذكرون أفول هذا النجم الفرنسي المشرق الذي ملأ الحياة الأدبية الفرنسية جمالًا ونورًا في هذا القرن.

    الأمر الثاني أن هؤلاء الأربعة الذين ذكرتهم آنفًا، والذين اعتبرهم الفرنسيون أئمة أدبهم الحديث، قد مات منهم الآن ثلاثة، كان أولهم بول فاليري، وكانت ثالثتهم كوليت، ولم يبق منهم إلا الشاعر الكاتب العبقري بول كلوديل. والغريب أن كل واحد من هؤلاء الأربعة قد أثر في الحياة الفرنسية أعظم الأثر وأعمقه، ولكن واحدًا منهم لم يترك تلميذًا يمضي على نهجه، ويحفظ سنته، ويصون مذهبه الفني من الضياع. وربما كان أندريه جيد أحسنهم حظًّا، فبَينَ الفرنسيين الذين قاربوا الشيخوخة من يكتب على مذهبه، ويحرص على منهجه الفني، ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن موت هؤلاء الأئمة الثلاثة فقر خطير للأدب الفرنسي المعاصر.

    وما أكثر ما تلقى الفرنسي الذي يلتمس غذاء عقله ومتاع ذوقه الآن عند الأمم الأخرى: عند الكتاب الأمريكيين، أو الإنجليز والإيطاليين، أو كتاب شمال أوروبا، أو الكُتَّاب الألمانيين؛ لأنهم لا يجدون أو لا يكادون يجدون ما يقرءون في الإنتاج الأدبي الفرنسي الخالص، ولكن للفرنسيين مزية تتيح لهم أن يلتمسوا المتاع الفني في الآداب الأجنبية إذا لم يجدوا في أدبهم الوطني؛ وهي عنايتهم بالترجمة، وحرصهم على الاستكثار منها ما أتاحت لهم ذلك وسائل النشر. ومن يدري لعل الأزمة المحققة التي يشقى بها الأدب الفرنسي في هذه الأعوام الأخيرة ليست إلا فصلًا من فصول الأزمة الشاملة التي تشقى بها فرنسا في حياتها كلها منذ ألمت بها كوارث الحرب العالمية الأخيرة، ولعل هذه الأزمة الشاملة أن تكون ليلة طويلة ثقيلة من هذه الليالي الطوال الثقال التي تغشى حياة الأمم بين حين وحين، والتي لا يلبث الصبح أن يبدد ظلماتها؟ ومن يدري أتجد المرأة الفرنسية في النصف الثاني من هذا القرن كاتبة تؤثر في الأدب الفرنسي، بل في الأدب العالمي مثل ما أثرت فيه هذه الكاتبة الساحرة التي تتوارى في قبرها منذ اليوم؟

  • صراحة الأديب | A Writer’s Candor

    صراحة الأديب

    طه حسين

    جريدة الأهرام

    ٢٨ يناير ١٩٤٩

    بين يدي الآن كتاب من كتب التاريخ سخف أفزع إليه في هذه الأيام من الحياة الخامدة الراكدة التي يحياها المثقفون في هذه الأعوام. والناس يفزعون من سخف الحياة وأثقالها إلى الرحلة في المكان حينًا، وفي الزمان أحيانًا: يسافرون إلى الأماكن البعيدة حين يدفعهم القيظ إلى عبور البحر، وإلى الأماكن القريبة حين يغريهم البرد بالتماس الدفء في أعلى الصعيد أو في أدناه، ويسافرون في الزمان إلى حيث تهيئهم ثقافتهم وحاجتهم وأغراضهم إلى أن يسافروا، فيبعدون حينًا، ويقربون حينًا آخر، ويتعمق بعضهم حياة القدماء، ويتعمق بعضهم حياة المعاصرين، ويتعمق بعضهم حياة القرون الوسطى، أو حياة العصر الحديث، ويتنزه بعضهم هذا كله متنقلًا في الأسبوع الواحد، وفي اليوم الواحد، بين العصور المتباعدة المتباينة، وما ترك أهلها من الآثار يلم بها كما تلم النحل بالزهر تستخرج رحيقها، فيصوغ من هذا الرحيق ثقافته وعلمه وأدبه، ويُكوِّن بفضل هذا الرحيق سيرته في حياته العاملة، وفيمن يتصل بهم من الناس.

    والكتاب الذي أفزع إليه في هذه الأيام كتاب حديث، لكاتبة حديثة معاصرة، وصل إليَّ منذ أسبوع أو أكثر قليلًا من أسبوع، وهو تاريخ لكتاب أصدره الكاتب الفرنسي العظيم، أندريه جيد، في أواخر القرن الماضي عنوانه «أغذية الأرض»، وقد أثر هذا الكتاب في أجيال الشباب الفرنسيين والأوروبيين تأثيرًا عميقًا بعيد المدى يحمده بعض الناس، ويعيبه بعضهم الآخر؛ فهو كتاب قصد به أندريه جيد إلى أن يستكمل الإنسان، والأديب خاصة، حريته كأكمل ما تكون الحرية حين يستقبل حياته على هذه الأرض، فيبلو ما تقدم الحياة إليه، والحياة المادية خاصة، في حرية كاملة، لا يتحرج ولا يتحفظ ولا يتقيد بما ألِفَ الناس من الأوضاع، ولا بما توارثوا من السُّنن والتقاليد، ثم لا يكتفي بهذه الممارسة الصريحة الحرة للحياة، وإنما يعبر عن آثار هذه الممارسة في نفسه، إن كان أديبًا، تعبيرًا حرًّا صريحًا بريئًا من الرياء والنفاق، فيرسل نفسه على سجيتها في الاستمتاع بما تقدم الأرض من ثمرات، ويرسل فنه على سجيته في تصوير ما يجد لهذا الاستمتاع من لذة وألم، ومن سعادة وشقاء، فالكتاب دعوة صريحة إلى إرضاء الحس في غير تكلف ولا تزمت، ثم إلى إرضاء الفن في غير تحفظ ولا احتياط.

    ظهر هذا الكتاب سنة ١٨٩٧، فلم يكد أحد يحفل به، أو يلتفت إليه، وتلقاه أصدقاء الكاتب بكثير جدًّا من التحفظ، فأشفق بعضهم على الكاتب من هذا الضلال الذي دفع إليه وأمعن فيه، وظن بعضهم بالكاتب التكلف والغرور، ومحاولة التجديد من غير طريقه، ولم يرض عن الكتاب إلا نفر قليلون من رفاق الكاتب لا يكادون يتجاوزون الخمسة، وكانوا كلهم شبانًا في سن الكاتب، لم يبلغوا الثلاثين أو لم يتجاوزوها، فأما جمهور القُرَّاء فلم يُلقِ إلى الكتاب بالًا، وآية ذلك أن النسخ التي بيعت أثناء الأعوام العشرة الأولى من سن هذا الكتاب لم تتجاوز خمسمائة، ولكن الكتاب يندفع فجاءة في رفق، ويقبل الناس عليه شيئًا ما، فتنفد الطبعة الأولى منه سنة خمس عشرة أو ست عشرة من هذا القرن، ويطلب الناس الكتاب فلا يجدون إليه سبيلًا، ويشعر الكاتب بهذا الإقبال الذي كان قد استيأس منه، فيجد في هذا الشعور بعض الرضى.

    وكانت الطبعة الأولى لا تزيد نسخها على خمس عشرة مائة، احتاجت إلى عشرين عامًا ليتم استنفادها، وقد طبع الكتاب بعد ذلك وطبع، ثم ترجم إلى ما شاء الله أن يترجم إليه من لغات الغرب والشرق، وظهر أن الشرقيين أشد إيثارًا له من الغربيين، فقد ترجم في الصين والهند قبل أن يترجم في إنجلترا مثلًا. وظهور هذا الكتاب في أواخر القرن الماضي يعد الآن حدثًا من أحداث التاريخ الأدبي في الأدب الفرنسي؛ لأنه غيَّر عقلية أجيال من الشباب الفرنسيين، ومن الشباب الذين مارسوا الإنتاج الأدبي بنوع خاص.

    ولست أكتب هذا الفصل لأتحدث عن هذا الكتاب الذي أصدره أندريه جيد، ولا لأتحدث عن الكتاب الذي ألفته السيدة إيفون دافيه في تاريخ كتاب أندريه جيد، وفزعت أنا إليه في هذه الأيام من سخف الحياة، وإنما أكتب هذا الفصل لأعرض على الأدباء والمثقفين مسألة أثارها كتاب أندريه جيد بين الأدباء الفرنسيين حين ظهر، وهي: إلى أي حد يستطيع الأديب أن يكون صريحًا فيما ينتج من الآثار؟ وليست القيود التي ثارت حولها الخصومة بين الكاتب وخصومه وأنصاره هي التي تأتي من القوانين، ورضى السلطان عن الإنتاج الأدبي أو سخطه عليه، ولا من العرف ورضى الرأي العام عن الإنتاج الأدبي أو سخطه عليه؛ فهذه القيود لا خطر لها عند الأديب الحر الذي لا يحفل بالرضى ولا بالسخط، ولا يبتغي بالأدب مثوبة، ولا يخاف عليه عقوبة، ولا يحفل بما يتعرض له من الكساد.

    وإنما القيود التي ثارت حولها الخصومة هي التي تأتي من نفس الأديب حين يكتب ويستجيب لفنه في الوصف والغناء، وتصوير ما يجد من عاطفة، وما يثور في قلبه من شعور، فقد لاحظ الشاعر فرنسيس جام على صديقه أندريه جيد أن كتابه يصور متاعًا وابتهاجًا، ورضى واغتباطًا، ويمضي في تصويره لهذا كله إلى حدود بعيدة جدًّا، وفي الأرض من حوله آلام كثيرة، وشقاء متصل، وأفراد وجماعات من الناس لا يجدون ما يدفعون به الألم عن أنفسهم، ولا ما يتقون به الشقاء. هو يصف الجنات وما فيها من زهر وشجر وثمر، ويصف الأسفار وما فيها من تنوع المشاهد، واختلاف المناظر، وفنون المعرفة، وضروب المتاع، ويصف الترف وما فيه من نعيم، وفي الأرض قوم ليس لهم إلى شيء من هذا كله سبيل.

    فمن الحق على الكاتب أن يفكر في هؤلاء، وأن يرفق بهم، ويعطف عليهم، ويأسو جراحهم، ويعينهم على احتمال ما هم فيه من بؤس، ويعزيهم عن بعض ما هم فيه من شقاء. وليس من كمال المروءة، ولا من رقة القلب، ولا من اعتدال المزاج، ولا من حُسن الذوق أن تتحدث إلى الجائع الذي يعذبه الجوع عما تنعم به حين تجلس إلى مائدتك من اختلاف الألوان، وجمال الأداة، ولا أن تتحدث إلى الضرير الذي لا يرى ضوء الشمس وجمال السماء والأرض، عن هذا الجمال فيما يكون من تنوعه واختلافه وبدائعه وأسراره؛ ذلك أحرى أن يضيف ألمًا إلى ألم، وحزنًا إلى حزن، وحسرة إلى حسرة، والكاتب والشاعر إنما شأنهما أن يُعزِّيا ويُواسيا ويُعينا ويردَّا إلى النفوس بعض ما هي في حاجة إليه من الأمن والغبطة والرضا.

    فلينعم المترفون إذن، وليستمتع الموسرون بما أباح الله لهم من طيبات الحياة، ولكن ليقتصدوا وليصطنعوا الاعتدال والحياء حين يتحدثون عما هم فيه من ترف ونعيم واستمتاع. هم يؤثرون أنفسهم أو تؤثرهم ظروف الحياة بالترف والنعيم؛ فليؤثروا أنفسهم أيضًا بالتحدث عن الترف والنعيم.

    كذلك كتب فرنسيس جام حين نقد هذا الكتاب، ولكن أندريه جيد رد عليه نقده هذا بأن الأدب يجب أن يمتاز من الغنى والفقر، ومن الرضى والسخط، ومن الترف والبؤس؛ ليستطيع أن يصف هذا كله في صراحة وحرية واستقلال وصدق، وليس حرمان الضرير الاستمتاع بجمال الطبيعة مانعًا أن يكون جمال الطبيعة حقيقة واقعة من حقِّها أن تُعرف، ومن حقها أن تكون موضوعًا للوصف والغناء، والسكوت عن جمال الطبيعة لا يعزي الضرير عما فقد من الإبصار، والسكوت عن وصف الزهر والشجر والثمر لا يعزي البائس المحروم عما يشقى به من البؤس والحرمان.

    وليس صمت الأديب راضيًا أو مكرهًا بمُغنٍ عن البائسين والمحرومين شيئًا، ولعل حديث الأديب عن جمال الطبيعة ووصفه لفنون الترف أن يُعزِّيا من كتب عليهم الحرمان، وأن يثيرا في نفوسهم ألوانًا من الأحلام تخفف عنهم ثقل ما يجدون، وتمتعهم بجمال الأحلام إن حِيل بينهم وبين جمال اليقظة، كما أن وصف البؤس والشقاء والحرمان والعوز خليق أن يثير في قلوب الأقوياء رقة على الضعفاء، وفي نفوس الأغنياء رفقًا بالفقراء، وأن يبعث في قلوب أولئك وهؤلاء رغبة في التعاون والتعاطف والتضامن، ونزوعًا إلى الإصلاح، حتى يطعم الجائع، ويجد المحروم، ويقل حظ الشقي من الشقاء. وما ينبغي للناس أن يكونوا كالنعام يتقون الشر بتجنب الحديث عنه، والخوض فيه، ويتجنبون الألم بالإعراض عن وصف ما ملأ الله به الدنيا من النعيم الذي يستطيع أن يسع الناس جميعًا.

    ويقول أندريه جيد، في الرد على صديقه: إنه اتفق مع زوجه على خطة يرى فيها الخير كل الخير، وهي أنه إن فقد البصر، وحيل بينه وبين جمال الطبيعة أن ترى هي ما وسعها أن تراه، وتحدق ما استطاعت أن تحدق، وتصف له دقائق ما ترى وما تستكشف، لا تخفي عنه منه شيئًا، ولا تلتوي عنه منه بالقليل أو الكثير، ذلك أنه يؤثر أن ينعم بظل الجمال، وإن كان هذا الظل شاحبًا ضئيلًا إن حيل بينه وبين الاستمتاع بالجمال كاملًا موفورًا.

    هذه هي المسألة التي وقفت عندها وأنا أقرأ هذا الكتاب من كتب التاريخ الأدبي، أعرضها على الأدباء والمثقفين ليتدبروا ويتفكروا فيها، وواضح أن مذهب أندريه جيد في هذه المسألة بعينها هو المذهب الذي ألفه الناس منذ كان الأدب، وسيألفونها ما دام فيهم من ينتج الأدب، ولكنها مع ذلك خليقة أن تكون موضوعًا للتعمق والتدبر والتفكير. ومن يدري لعلها تتيح لنا قراءة كتاب ممتع، أو فصل قيِّم في هذا الموضوع. وهل يطمع الأدباء في خير من أن ينعموا بقراءة فصل، أو يستمتعوا بالنظر في كتاب؟

  • بين الأدب والسياسة فن من النقد السياسي | Between Literature and Politics: An Art of Political Criticism

    حديث الوادي: بين الأدب والسياسة فن من النقد السياسي

    طه حسين

    جريدة الوادي

    ٢٤ أكتوبر ١٩٣٤

    لا ينشر في الصحف ولا في المجلات، ولا تنطلق به ألسنة الخطباء في مجالس النواب والشيوخ أو في المجامع العامة، ولا تجري به الأحاديث في الأندية الخاصَّة وغُرفات الاستقبال، وإنَّما يكونُ حوارًا بين اثنين أو ثلاثة، أو أكثر من ذلك، في مَلَاعِب التَّمثيل.

    وقد فهمتَ عني من غير شك أني أريد أن أتحدث عن التمثيل الذي يعرض للشئون السياسية فينالها بالنقد الثقيل العنيف أو بالنقد الرشيق الخفيف، ولكني مع ذلك لا أُريد أنْ أَتَحَدَّث عن التمثيل السياسي من حيث هو؛ فالتَّمْثِيلُ السياسي كثيرٌ مُختلف شديدُ التنوع، وعهد الناس به قديم، ولعله كان أسبق جدًّا إلى التأثير في الحياة السياسية العامة من صاحبة الجلالة الصحافة، ولعله كان أسبق إلى التأثير في السياسة من الخطب البرلمانية، كما نعرفها في العصر الحديث.

    والذين يعرفون الشاعر الممثل اليوناني أرسطوفان ويذوقون قصصه السياسية، ويعرفون من أسرار هذه القصص ومن أخبارها ما نقله إلينا التاريخ، يعلمون حق العِلم أنَّ المَلْعَب سبق إلى التأثير في الحياة السياسية منذ خمسة وعشرين قرنًا، قبلَ أنْ يخطر للناس المُتحضرين أن صاحبة الجلالة الصحافة تستطيع أنْ توجِد أو أن تُحدِث في الحياة العامة أثرًا قويًّا أو ضعيفًا.

    وكثير جدًّا من الذين سيقرءون هذا الفصل يعلمون من غير شك أنَّ أرسطوفان كان أرستقراطي الهوى، وكان شديد الضيق بالديمقراطية في أثينا، وبالديمقراطية المُتطرفة بنوع خاص، وكان مُسرفًا في مُهَاجَمَة الزُّعماء الديمقراطيين في كثير من قصصه التي الآن يشهدها الأثينيون جميعًا، فكانَ يُضحِك الجمهور الأثيني من نفسه، ويَعْبَثُ بالنظام الديمقراطي ما وَسِعَه العَبَثُ، وكثيرًا ما كان ينتهي إلى إحفاظ الزُّعماء الدِّيمقراطيين، وخُطباء الشعب منهم بنوع خاصٍّ.

    ولعله قد أدى ثمن ذلك غاليًا، ولم يستمتع بحريته الفنية، ولم يضحك الجمهور اللاتيني من ديمقراطيته التي كان يُحِبُّها أشد الحب دون أن يحتمل في ذلك شيئًا من الأذى، ودون أن يرصد له خصومه من زعماء الديمقراطية من كان ينتظره في بعض الطريق ليشبعه ضربًا ولكمًا، ويُسمعه ما يكره، ويُعرِّضه من الأذى لما كان يخاف إذا خلا إلى نفسه، ولمن كان ينسى إذا تلقى الوحي عن شيطانه، أو إذا أراد أن يلهي الجمهور.

    وهم يعلمون من غير شك أنَّ هؤلاء اللاتينيين كانوا يَخْتَلِفُون إلى الملعب، ويضحكون منْ أنْفُسِهم مع الضَّاحكين، ويعجبون مع المُعجبين، ويعفون في أكثر الأحيان، ولكنهم كانوا يَضيقون من حين إلى حين؛ فيعبثون بجسم الشاعر العظيم كما كان يعبث بمكانتهم وزعامتهم وبيانهم، وحسن أثرهم في الجماعات.

    وليسَ من الإسراف أنْ تزعم، أو أنْ تُؤَكِّد أنَّ التَّمثيل لم يسبق صاحبة الجلالة الصحافة إلى النقد السياسي وحده، بل سبقها إلى النقد الأدبي أيضًا، وكان أرسطوفان هو بطل هذا السبق؛ فكما أنَّ الذين يقرءون قصة الشعب يرون فيها النقد السياسي اللاذع، فالذين يقرءون قصة الضفادع يرون فيها النقد الأدبي البديع الذي قد نَعْرِضُ له في يوم من الأيام.

    بل لسنا نُسْرِفُ أيضًا حين نُؤكد أنَّ التَّمْثِيل قد سَبَق صاحبة الجلالة الصحافة إلى النقد الفلسفي، سواء في ذلك النقد الفلسفي الذي يعتمد على الجد، والنقد الفلسفي الذي يعتمد على الهزل والمزاح، فأمَّا أوربيد، صاحب التراجيديا والمُنتهي بها إلى طور الكمال عند اليونان، فكان ناقدًا فلسفيًّا جادًّا، أو قُل: كان فيلسوف الملعب.

    وأما أرسطوفان فيكفي أنْ تقرأ له قصة السحاب لترى كيف عبث بالفلسفة والفلاسفة، وكيف أضحك الناس من زعيم الفلسفة سقراط. فالتمثيل إذن صديق النقد من زمن بعيد، والتمثيل المضحك خاصة هو الذي أسس النقد العام الذي يَشترِك فيه الجمهور، أو الذي يُوجَّه إلى الجمهور لا إلى الأخصائيين. وقد مَضَى التمثيل المُضحك في سنته هذه على اختلاف العصور لم يتحول عنها، ولم يغير مذهبه فيها، وإنما تأثر بما كان يحيط به من الظروف، فأنتَ واجدٌ عند موليير من النَّقد السِّياسي والفَلْسَفي والأدَبي مثل ما تجده عند أرسطوفان، مع مُلاحظة الفرق بين هذين الرجلين العظيمين اللذين كان يعيش أحدهما في ظل الديمقراطية اليونانية الحرة، وكان يعيش ثانيهما في ظل لويس الرابع عشر.

    لستُ إذن أريدُ أنْ أَتَحَدَّث عن هذا النَّحو من النَّقد التمثيلي العام الذي يعرفه الناس جميعًا، ويرون آثاره في كل تمثيل خليق بهذا الاسم، إنَّما أُريد أنْ أَتَحَدَّث عن فنٍّ خاصٍّ من فنون النَّقد التمثيلي يمس نواحي ضيقة أشدَّ الضيق من الحياة السياسية العَامَّة، هو هذا الذي تراه فيما ترك الكاتب الفرنسي العظيم كورتلين من هذه الآيات التمثيلية البديعة القصيرة، التي لا تكاد الواحدة منها تجاوز فصلًا واحدًا في أكثر الأحيان.

    فكورتلين كما يعرفه الناس صاحب فكاهة وهزل، أو هو الكاتب الفرنسي الحديث الذي تفوق في الفكاهة والهزل، وترك فيهما الآيات الخالدة، بعضها في صورة القصص، وبعضها في صورة التمثيل، ولكنه عُني في تمثيله بنقد النَّاحية القانونية والقضائية عناية خاصة، فلا نكادُ نقرأ له قصة من هذه القصص القصار إلا رأيتها قد اتخذت لنفسها مَوضُوعًا يمس القضاء، أو يمس الشرطة، ويمس القانون، وقد يمس الجيش أحيانًا، وقد يمس بعض النواحي التي تتصل بالحياة الاجتماعية والخلقية أحيانًا أخرى.

    ولكن عنايته بالشرطة والقضاء والقانون مُمتازة حقًّا، وهو قد أتى فيها بالآيات البينات، ولستُ أتَحَدَّثُ عن هذا النحو من التمثيل لأُبَيِّن عمَّا فيه من الجَمَال الفني، فذلك شَيءٌ قد أعرض له في غير هذا المكان، إنما أريد أن أبين ما فيه من هذه الحرية السياسية الممتازة التي يستمتع بها الأدب في البلاد التي تعرف للحرية حقها، والتي تراها ضرورة من ضرورات الحياة العامة، كما أنَّ الهواء ضرورة من ضرورات الحياة الطبيعية.

    ولقد أحبُّ أن يقرأ قضاتنا ورجالُ النيابة عندنا ورؤساء الشرطة بعض هذه القصص، وأن يقدروا أنها تُمثَّل في الملاعب، وفي أكبر الملاعب الفرنسية، في بيت موليير خاصة، ويشهدها الشعب الفرنسي مُتهالكًا عليها، مفتونًا بها، ويسبق رجال القضاء والنيابة والشرطة إلى شهودها والاستمتاع بما فيها من الفكاهة والهزل، دون أن يتعرض الكاتِبُ لشيء مما يتعرض له أشد كُتَّابنا احترامًا للقضاء والنيابة والشرطة، وأعظمهم حِرْصًا على أنْ لا ينال رجال هذه النظم المُقدسة بما يؤذيهم.

    إنهم إن فعلوا هونوا على أنفسهم، وعلى النَّاس، وابتسموا للحياة، وأبَاحُوا للنَّاس أنْ يَبْتَسِموا لها، وعرفوا أنَّ جلال النُّظم العُليا لا يأتيها من التشدد ودقة الحس والضيق بكل شيء، والغضب من كل شيء، والتحرج من أيسر الأشياء، وإنَّما يأتيها من السَّماحة والسهولة واللين، واستقبال الحياة كما هي، واستقبال الناس كما هي، والإيمان بأنَّ الحياةَ تفسد أشد الفَساد إنْ أصْبَحَت كلها جدًّا، وتقبح أشنع القبح إنْ حرصت أشد الحرص على مرارة الجد، والتزيد منه.

    والغريب أنَّ كورتلين لم يعبث برجال القضاء والنيابة والشرطة إلا من النواحي التي يتشدد رجال القضاء والنيابة والشرطة فيها، ويحرصون على أنْ تَكُون فوق النقد، فضلًا عن أن تكون فوق العبث والمزاح.

    ما نظنُّ أن شيئًا يؤذي صاحب الشرطة ويغيظه ويُحرجه، ويدفعه إلى استثارة القضاء والاستغاثة بحماية القانون من أنْ يعرض له الناقد المَازح فيما يمس مَنْصِبه، وفيما يمس واجبه الخَاص، ومذهبه في تأدية هذا الواجب، ومع ذلك فلم يعرض كورتلين للشرطة الفرنسية إلا من هذه الناحية.

    تستطيع أن تقرأ قصته التي سماها «المأمور رجل طيب»، فسترى أنه قد عبث بمأمور القسم عبثًا لو أنَّ شيئًا منه أقدم عليه كاتب مِصْري لما أمنت عليه أن تغتاله العوائل، وتجتاحه الجوائح، ولما ضمنت له أنْ تَطْمَئنَّ به الدارُ بين الأهل والأصدقاء، فمَأمُور القسم في قصة كورتلين رجلٌ قد تعوَّد الدقة في أداء واجبه، وحرص أشد الحرص على أنْ يُطبق القوانين تطبيقًا حَرْفيًّا، ومضى في ذلك حتى اكتسب منه عيوبًا هي التي سجلها كورتلين. يدخل عليه الشاكي فلا يكاد يتحدث إليه بشكاته حتى يسبقه المأمور إلى إتمامها كأنه كان معه، وكأنَّه شهد ما يشكو منه، ولكنه مع ذلك لا يحفل به ولا يغيثه؛ لأنه لا يُرِيدُ أنْ يشق على نفسه، ولا يريد أن يتكلف كتابة المذكرات، وإنشاء المحاضر، واتخاذ الإجراءات، فهو يلتمس الحيلة لصرف هذا الشاكي عن نفسه، يحوله إلى النيابة حينًا، ويُغريه بالدعوى المُباشرة حينًا آخر، ويرُدُّه ردًّا عنيفًا دون أن يحوله على شيء مرة أخرى؛ فإذا ألح الشاكي فويل له؛ لأنَّ المأمور يستطيع أن يأمر الشرطة بإخراجه، فإذا أغلى في الإلحاح فالمأمور يستطيع أن يأمر الشرطة بحبسه؛ لأنَّه أهان صاحب السلطان أثناء قيامه بالواجب.

    وانظر إلى هذا الرجل قد التقط ساعة في بعض الطريق، وكان أمينًا، فأقبل بالساعة يحملها إلى المأمور، فيسأله المأمور: أين وجدتها؟ فإذا قال: وجدتها في مكان كذا، فيسأله: في أي وقت وجدتها؟ فإذا أجابه: في وقت كذا من الليل، سأله: وماذا كنت تصنع في هذا المكان أثناء الليل؟ فإذا أجابه: كنت في الطريق إلى بيتي، سأله: مَنْ تكون؟ وأين يكون بيتك؟ فإذا أنبأه باسمه، سأله: ومن يثبت لي أنك صادقٌ؟ ومن يضمن لي أنك لم تَسرق هذه الساعة؟ وما يزال الحوار بين هذا الرَّجل الأمين يُحرجه تحكُّم المأمور، وبين المأمور يغيظه دفاع هذا الرجل عن أمانته؛ حتى ينتهي الأمر إلى إقصاء، وإذا المأمور يدعو الشرطة ويكلفها أن تقود هذا الرجل الأمين إلى السجن؛ لأن الشبهات تأخذه من كل مكان.

    ثم انظر إلى هذه المرأة قد أقبلت تُريد أن تتحدث إلى المأمور، فيسألها: لعلك إنما تريدين أن تشكي زوجك؟ فإذا أجابت: نعم، قال: فلا ينبغي أن تشكي إليَّ؛ لأني لستُ مُكلفًا أنْ أَسْمَع شكاة الزَّوجات إلا في أمور خاصة؛ هي إثبات الزِّنا، فإذا زعمتْ له أنَّ زوجها مجنون أبى عليها ذلك أشد الإباء، وزعم لها أنَّها تُسيء الظن به، وتتهم سيرته، وأنها قد تكون هي المجنونة، وأنَّ زوجها قد يكون رجلًا بريئًا كامل العقل، ولكنها تنغص عليه الحياة لتضطره إلى ما تكره، وما يزال بها حتى يردها عنه.

    ولكن انظر إلى الانتقام الذي يتم في أقرب وقت وأقصره: فهذان الشرطيان قد أقبلا يسوقان إليه رجلًا يزعمان أنَّه كان يصيح في الشارع بما يُخالف القانون ويغري بالثورة، فلا يكاد المأمور يتحدث إليه ويسمع منه حتى يأخذ هذا الرجل في أن يعرض عليه نظريات فلسفية في السياسة، وقد خلا بالمأمور، وانصرف عنه الشُّرطيان، وأخذ المأمور يسمع له ويحاوره، ولكن الرجل يَنسَلُّ شيئًا فشيئًا إلى الباب فيغلقه، ويخفي المُفتاح في جيبه، ويمضي في الحوار حتى يستيقن المأمور بأنَّ صاحبه مجنون، ولكنه يهم أن يدعو الشرطة فلا يستطيع؛ لأنَّ صاحبه قد صوَّب المسدس إليه.

    وما يزال المجنون بالمأمور يصدر إليه الأمر إثر الأمر: يكلفه أن يطفئ النار والبرد شديد؛ لأنَّ الله لم يخلق البرد عبثًا، وإنما خلقه ليجده الناس، فيجبُ أن يجد الناس البرد في الشتاء، والحرَّ في الصيف، وإلا فهم خارجون على الطبيعة، والمأمور مُضطر إلى الإذعان؛ لأنَّ المُسدس مصوبٌ إليه إنْ لم يفعل، ثم يأمره أن يخرج من أكثر ثيابه، وأن يخلع نعليه، ثم يأمره أن يفتح النافذة، ثم يرى بابًا صغيرًا؛ فإذا سأل عما وراءه وقال المأمور: إنه مُستودع الفحم، فتح المجنون هذا الباب وكلَّف المأمور أن يدخل المستودع، فإذا أبى صوَّب المسدس إليه، والمأمور مُضطر إلى أن يُذعن، وإذا هو يدخل وإذا الباب يُغلق من دونه، ثم يُحْكِم إغلاقه، وإذا المجنون يأخذ قلنسوته ويفتح الباب ويخرج كأحسن ما يخرج العقلاء، ثم يدخل الشرطيان فلا يجدان المأمور، وهما يبحثان عنه فلا يجدانه، وإنما يجدان آثاره، وهما في ذلك فإذا صوت المأمور يبلغهما من وراء الباب، فإذا فُتح له الباب خرج عليهما وقد جلله الفحم بالسواد.

    ما رأيك في قصة كهذه تراعى فيها صنوف الحياة المصرية، ثم تقدم إلى ملعب من الملاعب، ثم يمثلها الممثلون؟ فنلاحظ أولًا أنها لن تبلغ الملعب؛ لأنَّ الرِّقابة في وزارة الداخلية ستحول بينها وبين بلوغه، وهب الرقيب لم يقرأ القصة، أو قرأها ولم ير بها بأسًا فأذن بتمثيلها، فما رأيك إذا مُثلتْ وشهدها الناسُ، وشهدها رجل من رجال الشُّرطة المُثقفين: أيضحكُ كما يضحك رجال الشرطة في فرنسا، ثم ينصرف وكأنَّه لم ير شيئًا، أم يُسرع إلى الإنكار والاحتجاج والاستغاثة بالقضاء؟

    فإذا قرأت قصة أخرى لكورتلين سماها «هذا الشرطي لا شفقة له»، رأيت العبث بالشرطي قد انتهى إلى أقصاه، فبطل القصة شرطي حساس جدًّا، كل شيء يؤذيه، وكل شيء يغيظه، وهو يرى في كل شيء إهانة له أثناء القيام بواجبه، وهو يقدم إلى النيابة في كل يوم مُذكرات لا تُحصى؛ لأنَّ فلانًا أهانه بهذا اللفظ، أو لأنَّ فلانًا أهانه بهذه النَّظرة، أو لأنَّ فُلانًا لم يستجبْ له حين دعاه، ووكيل النيابة ضَيِّقٌ به وبمُذكراته، يُؤنبه حينًا، وينصح له حينًا آخر، حتى يقرأ مُذكرة من هذه المذكرات؛ فإذا هو يتهم رجلًا من خير أهل المدينة، وأعظمهم ثراء، وأكثرهم إحسانًا إلى الناس، بأنَّه أهانه أثناء تأدية الواجب، والإهانة صارخة لا يستطيع وكيل النيابة أن يغضي عنها، والرجل عظيم لا ينبغي أن يُؤخذ في شيء كهذا.

    فإذا دعاه وكيل النيابة وسأله واعترف بالذنب، ولكنه قص قصته، فأنبأ وكيل النيابة بأنه خرج ذات يوم يتنزه ومعه كلب يسعى وراءه، وإنه لفي بعض الطريق إذ لقي هذا الشرطي فتهيأ لتحيته، ولكن الشرطي استوقفه وعنَّفه؛ لأنَّه يترك الكلب يسعى وراءه مُطلقًا، وإذ هو يكتب له مُذكرة، ويذهب الرجل إلى العُمدة فيعتذر ويستغفر، ويقبل العمدة منه ذلك، ويعده أن يشفع له عند الشرطي ليلغي مُذكرته، وينصح له بأنْ لا يُرسل كلبه بغير حبل حتى يعفو عنه الشرطي. وقد أذعن للرجل، فجعل لا يخرج إلا وهو يجر كلبه وراءه بحبل، حتى إذا كان يوم أو يومان لقي الشرطي في بعض الطريق، فأقبل عليه الشرطي يُنبِئه بأنَّ العُمدة قد شفع له، وبأنَّه قبل شفاعته، والرجل يتهيأ ليشكر الشرطي، ولكنَّ الشرطي ينظر فإذا الرجل قد ربط كلبه إنفاذًا لأمره الأول؛ فيَغْتاظ الشرطي فيقول: ما بالك تربط هذا الكلب وأنت تعلم أني أذنت لك في إرساله؟ لأكتبن لك مُذكرة، فيخرج الرجل عن طوره ويشتمه.

    وإذا سمع وكيل النيابة هذه القصة دعا الشرطي وأخذ يترضاه ويستعطفه، والشرطي لا يزداد إلا شدة وإلحاحًا، والرجل نفسه يترضى ويستعطف ويغلو في ذلك حتى يعرض مُكافأة، وإذا الشرطي ينتهز الفرصة ويقدم إلى وكيل النيابة شكوى جديدة بأنَّ هذا الرجل حاول أن يشتري ذمته بالرشوة، ويغتاظ الرجل فيُنذر ببعض اللفظ، وإذا الشرطي يقدم شكوى أخرى بأنَّ هذا الرجل يعتدي عليه أثناء قيامه بالواجب في مكان لا ينبغي الاعتداء فيه.

    وقد غضب وكيل النيابة من تشدد الشرطي غُلوِّه، ولكنه مضطر إلى أن يقبل الشكوى، وإلى أنْ يُقدم صاحبه إلى القضاء، ثم يبدو له فيسأل الشرطي عن السَّاعة، فإذا أنبأه بأنها الساعة الثانية عشرة والرُّبع قال له: «وإذن، فما وقوفك هنا في هذا الزَّمن الذي يُخالف القانون؟» ثم يكتب كلمات يدفعها إليه ويأمره أن يرفعها إلى رئيس الشرطة. وينظر الشرطي في هذه الكلمات فلا يشك في أنها العقوبة إنْ وصل هذا الكتاب إلى رئيسه، فيستعطف ويتضرع ويذكر ماضيه الذي لم يُعاقب فيه، ولكنَّ وكيل النيابة لا يسمع له ولا يَحفَل به، والشرطي مُضطرب يُعاني صدامًا هائلًا بين حقه وبين خوفه، ثم ينتهي إلى تمزيق المُذكرات التي كتبها لهذا الرَّجل مُعلنًا أنَّ الشرطي قد يكون لا قلب له، ولكنه قد يكون كبير النَّفس يتَجَاوزُ أحْيانًا عن السيئات. هنا يعفو عنه وكيل النيابة، ويأمُرُ صاحبه أن ينصرف، ولكنَّ الرجل سعيد مسرور قد أفلت من المُحاكمة، وهو يريد أن يشكر للشرطي عفوه، وأن يُثني عليه؛ فإذا هَمَّ بذلك سبقه لسانه إلى شتم الشرطي.

    أرأيت إلى هذه الحرية التي يصطنعها كورتلين مع الذين جعلت إليهم الدولة حماية النظام؟ أرأيت كيف يمضي بها هذا الكاتب إلى أقصاها، وكيف لا يجدُ رجال الشرطة ولا رجال القضاء بأسًا لا نقُول بقراءتها ولا بشهودها، بل بالاستمتاع بها والرضا عنها، ومع ذلك فليس هذا كله شيئًا بالقياس إلى قصص أخرى يمزح فيها الكاتب مع رجال النيابة والقضاء، ولعلي أُحدثك عن بعض هذه القصص في الأسبوع المُقبل بعد أن أستشير رجال القانون، وأتثبت منهم أنَّ الحديث عن هذه القصص لا يدفعني إلى التحقيق، ولا إلى المحاكم، فإلى اللقاء.

  • الكتاب والقراء | Writers and Readers

    الكتاب والقراء
    طه حسين
    مجلة الهلال
    يوليو ١٩٣٤

    … القُرَّاءُ كلُّ شيءٍ بالقياس إلى الكُتَّاب، ويُوشكُ ألَّا يكون الكُتَّابُ شيئًا بالقياس إلى القُرَّاء …

    … متى يُتاح للكُتَّابِ أن يثأروا من القُرَّاء وأن يُقدِّموا أنْفُسَهم عليهم، وأن يؤثروها من دونهم بالعناية؟! …

    وَتَسْتَطِيعُ أنْ تعكس العنوان؛ فإني لم أُرِد تقديمًا ولا تأخيرًا، ومن أوليات النَّحو أنَّ الواو لا تُفيد ترتيبًا ولا تَعقيبًا، فينبغي ألا يغضب القُرَّاء إذن؛ لأنَّ المُصادفة أرادت لعنوانهم أنْ يتأخر في اللفظ، فأنا أؤكد لهم أنَّ أشخاصهم مُقَدَّمون في المعنى أو مُقدَّمون في حقيقة الأمر، بل أستطيع أن أؤكد لهم أنهم فوق التقديم؛ لأنَّهم كل شيء، وليس الكُتَّاب بالقياس إليهم شيئًا، أو لا يكادون يكونون بالقياس إليهم شيئًا.

    وآية ذلك أنَّ الكُتَّاب لا يعيشون إلا للقُرَّاء، وأنَّ القُرَّاء يستطيعون أن يعيشوا، بل هم يَعِيشُون لغيرِ الكُتَّاب، يَعِيشون لأنفسهم كما يعيشون لغيرهم، ولكنَّ غيرهم هذا ليس كاتبًا أو يجب ألا يكون كاتبًا. وآيةُ ذَلكَ أَيْضًا أنَّ الكُتَّاب يفكرون في القُرَّاء حين يُقْدِمُون على الكتابة، وحين يمضون فيها، وحين يفرغون منها، فأمَّا القُرَّاء فلا يُفكرون في الكُتَّاب إلا حين يقرءونهم.

    ومن يدري؟! لعلهم يُفكرون فيما يقرءون دون أن يفكروا فيمن كتبوه. أو من يدري؟! لعلهم يَقْرَءون فلا يُفكرون فيما يقرءون، ولا فيمن كتب لهم ما يقرءون، إنما يمرون أبصارهم على هذه الحروف والسطور يتبينون ما فيها من الألفاظ، ويُلمون بما تدل عليه من المعاني إلمامًا خفيفًا جدًّا، ويقفون أو لا يقفون عند هذه المعاني؛ لأنهم يُريدون أنْ يُنفقوا الوَقْتَ أو أنْ يَتَسَلَّوا عن شيءٍ بشيءٍ أو أنْ يدعوا النَّوم إلى جفون يستعصي عليها النوم.

    القُرَّاء إذن كل شيء بالقياس إلى الكُتَّاب ويُوشك الكُتَّاب ألا يكونوا شيئًا بالقياس إلى القُرَّاء! ولو أنَّ القارئ استطاع أن يدخل بين الكاتب وبين نفسه، وأن يشهده حين يهم بالكتابة، ثم حين يهجم عليها ويمضي فيها، لرأى شيئًا عجبًا، لرأى أنَّ الكاتبَ يُصارع خصمين عنيدين:

    أحدهما: الموضوع الذي يريد أن يكتب فيه.
    والثاني: القارئ الذي يريد أن يكتب له.

    ولرأى أنَّ الموضوع في أكثر الأحيان ليسَ أشد الخصمين عنادًا ولا أثقلهما خصومة، وإنما الخصم العنيف المُخيف حقًّا هو هذا القارئ الذي لا يعرفه الكاتب، ولا يستطيع أن يُحصي مُيوله وأهواءه وعواطفه، ولا أن يَتبين ذَوقَه، ولا أنْ يَسْتَيْقِن بما يُلائمه وما يُخالفه، وإنَّما هو خطر مُحَقَّق واقعٌ، ولكنه مُبهم غامضٌ شَائِعٌ مُختلف مُتناقض مُتفاوت لا سبيل إلى حصره ولا إلى تحديده، ولا إلى العلم بالطريق التي يجب أن تُسلَك إليه.

    ومن هنا، ينبغي للكاتب المصري أن يسأل نفسه: متى يُتاح للكُتَّاب أن يثأروا من القُرَّاء، وأن يُقدِّموا أنفسهم عليهم، وأنْ يُؤثروها من دونهم بالعناية؟ ولا أقول: متى يُتاح للكُتَّاب أن يأثروا من القُرَّاء ومن أنفسهم وألا يُفكروا إلا في الفنِّ وحده، ولا يُعنَوا إلا بالفن وحده؛ فقد يظهر أن هذا الأمد ما زال بعيدًا أبعد من أن نطمح إليه أو نطمع فيه.

    ولكنَّ السُّؤال الأولَ قريبُ المَنَالِ يُمكن أنْ نقف عنده بعض الشيء، وأنْ نَلْتَمِسَ له جوابًا، فهل في مصرَ هؤلاء الكُتَّاب الذين لا يُفكرون في القُرَّاء أو الذين لا يُسرفون في العناية بالقُرَّاء واستحضار أشخاصهم الخطرة دائمًا حين يكتبون؟

    والغريبُ أنَّ كثرة القُرَّاء تُظَن، بل تُؤمَن بغيرِ هذا، تُؤمَن بأنَّ الكُتَّاب لا يفكرون فيها ولا يحفلون بها ولا يرجون لها وقارًا، وإنما يقدمون إليها ما يخطر لهم في غير عناية ولا إطالة تفكير. وقد يكون هذا شأن جماعة من الناس لا أعرفهم، ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أنِّي لم أستطع في يوم من الأيام أنْ أُقْدِمَ على الكِتابة إلا وأنا أحسب للقُرَّاء أشد الحساب وأعسره.

    والشيء الذي لا أشك فيه أيضًا أني لا أعرف كاتبًا مصريًّا خليقًا بهذا الاسم تحدثت إليه إلا رأيته يخاف من القُرَّاء مثل ما أخاف، ويخصهم من العناية والتفكير بمثل ما أخصهم به أو بأكثر مما أخصهم به. ولكنَّ القُرَّاء في حقيقة الأَمْرِ صِعَابٌ ليس إلى إرضائهم من سبيل، فهم يُنكرون بعضَ ما يقرءون. لا يكتفون بالإنكار، ولكنهم يُضِيفُون إليه شيئًا من الغضب والنِّقْمَة يَظُنُّون أنَّ الكاتب لم يحفل بهم، ولم يأبه لهم، ولم يَجمع كل ما يَمْلِكُ من الجهد، ولم يبذل كل ما يملك من القوة ليرضيهم، ويقدم إليهم ما ينتظرون، كأنه يعرف ما يرضيهم، أو كأنه يعرف ما ينتظرون.

    ولا يخطر للقُرَّاء أنَّ الكاتب قد يُعطيهم كل ما يستطيع أنْ يُعطيهم، وقد يَبْذُل لهم جهد المُقِلِّ على أنه كل ما يملك. والغريب أن القُرَّاء يعرفون لأنفسهم الحق في أنْ تنشط للقراءة حين تواتيها الظروف، أو تفتر عن القراءة حين لا تواتيها الظروف، وهم لا يعرفون للكُتَّاب مثل هذا الحق، ولا يُقَدِّرون أنَّ نفوس الكُتَّاب كنفوسهم تنشط حين تتهيأ لها أسباب النشاط، وتَفْتُر حين تجتمع عليها أسباب الفتور.

    والقُرَّاء مَعْذُورون؛ فهم لا يضربون على أيديهم ولا يُكرِهونهم على الكتابة إكراهًا، وإنَّما يَعرِض الكُتَّابُ عليهم آثارَهم، فمن حقهم أن تكون هذه الآثار التي تُعرَض عليهم، والتي يُغرَون بها، ويُرغَّبون فيها، وقد يُكرَهون بالإعلان إكراهًا على شرائها وقراءتها؛ مُلائمة لما كانوا ينتظرون، مُكافئة أو كالمُكافئة لما يبذلون من نقد ولما يُنفِقون من جهد، ولما يريدون أن يضيعوا من وقت …

    وإذا كان الكُتَّاب مُعذورين لأنهم لا يستطيعون أنْ يأخذوا على أنفسهم عهدًا بالإجادة دائمًا، وإذا كان القُرَّاء معذورين؛ لأنهم لا يستطيعون أن ينفقوا مالهم وجهودهم ووقتهم في غير غناء، فمن يكون الملوم وعلى من تكون التبعة؟ فقد يجب أن يكون هناك ملوم يحتمل التبعة، ويتم على حسابه الصلح بين الكُتَّاب المظلومين والقُرَّاء المعذورين.

    هذا الملوم موجود من غير شك، ولعله ليس واحدًا، ولعله ليس اثنين، ولعل إحصاءه ليس بالشيء اليسير. فالقُرَّاء في مصر قليلون، هذا شيء لا شكَّ فيه، ولكنَّ الكُتَّاب أقلُّ منهم ألف مرة ومرة، فإحصاء القُرَّاء يَرْقى إلى الألوف، بل إلى عشرات الألوف، وإحصاء الكُتَّاب لا يكاد يرقى إلى العشرات.

    وهؤلاء القُرَّاء القليلون بالقياس إلى مصر، القليلون بالقياس إلى حاجات الكُتَّاب والناشرين، الكثيرون مع ذلك بالقياس إلى طاقة الكُتَّاب، هؤلاء القُرَّاء يختلفون فيما بينهم اختلافًا شديدًا موجبًا لليأس من إرضائهم حقًّا؛ منهم المثقفون الذين لا يُعجَبون إلا بمقدار، ومنهم أنصاف المثقفين الذين يُعجَبون حين لا يوجد ما يُعجِب، ويسخطون حين يجب أن يرضوا، ومنهم الذين لا حظ لهم أو ليس لهم إلا حظ يسير من الثقافة، ولكنهم كغيرهم مُحتاجون إلى أن يقرءوا، قادرون على أن يشتروا الصحف، والكتب، والمجلات.

    وكل فريق من هؤلاء ينقسم في نفسه إلى طوائف، هؤلاء تثقفوا في المدارس المدنية العالية المصرية، وهؤلاء تثقفوا في الجامعات الأوروبية، وهؤلاء خرجوا من الأزهر بعد أن أتموا الدرس فيه، وهؤلاء ظفروا بالشهادة الثانوية المدنية أو هم يطلبونها، وآخرون ظفروا بالشهادة الثانوية الأزهرية أو هم يطلبونها، وقوم وقفوا عند الشهادة الابتدائية، وقوم لم يجاوزوا ما تعلموا في الكُتَّاب، وكل أولئك على ما بينهم من الاختلاف والتفاوت يريدون أن يقرءوا ويريدون أن يرضوا.

    وليس في مصر إلا عدد يسير من الكُتَّاب لا يبلغ العشرات متقارب الثقافة، وهو مكلف أن يقدم لهؤلاء جميعًا ما يلائم طباعهم وأذواقهم وطاقتهم ومثلهم العليا.

    وشيء آخر يمكن أن يكون ملومًا، وهو انقطاع هذا العدد اليسير من الكُتَّاب إلى الصحف على اختلافها، وعَجْزُ أكثرِ هؤلاء الكُتَّابِ عن أن يفرغوا لما يُحبُّون من ضروب الأدب وفنون الإنشاء. ومَنْ ذَكَرَ الصحفَ فقد ذَكَرَ النظامَ والاطراد، ومَنْ ذَكَرَ النظامَ والاطراد فقد ضيَّق على الفن أشد التضييق، وقال للإجادة والإتقان: اذهبا؛ فليست مصر لكما بدار! وذلك أنَّ الفن في حاجة إلى الحرية الوَاسعة، وأنَّ الإجادة والإتقان في حاجة إلى راحة النفس وفراغ البال.

    أستغفر الله! فلست أريد من راحة النفس وفراغ البال هذا المعنى الواضح الذي يفهمه الناس جميعًا، والذي لا يُتاح للأدباء ولو أُتيح لهم ما صنعوا شيئًا، وإنما أريد راحة النفس وفراغ البال من هذا النظام والاطراد، وهذا الإلحاح الذي يخضع له الكاتب حين ينقطع لصحيفة يومية أو أسبوعية أو شهرية، فكيف إذا انقطع الكاتب لهذه الصحف جميعًا؟! وكيف إذا ألحت عليه المطبعة في كل يوم وفي كل أسبوع، وفي كل شهر؟! وكيف إذا اجتمعت عليه هذه الضروب الثلاثة من الإلحاح في يوم واحد؛ فقيل له: اكتب ليقرأ الناس إذا أصبحوا أو أمسوا، واكتب ليقرأ الناس إذا كان يوم كذا فإن المطبعة لا تستطيع أن تنتظر، واكتب ليقرأ الناس إذا كان أول الشهر؛ فإنَّ صدور المجلة لا بد من أن يكون منتظمًا مطردًا؟!

    هذا النظام الذي يهدر حرية الفن والذي يقطع الأسباب بين الكاتب وبين الإجادة والإتقان، وهو الملوم الأول حين يقصر الكُتَّاب ولا يبلغون من إرضاء القُرَّاء ما يريدون؛ لأنه يدفع الكُتَّاب إلى الإسراع والعجلة.

    ومَنْ ذكر الإسراع والعجلة فينبغي له ألا يذكر معهما الفن، ولا أنْ ينتظر منهما إجادة أو إتقانًا. وأَمْرُ النظامِ والاطراد لا يقف عند هذا الحد، فلو أنَّه يحول بين الكُتَّاب وبين الإجادة فيما يقدمون إلى الصحف من المقالات والفُصول التي لم يُقدَّر لها النضج، لهان احتماله، ولقيل للقُرَّاء: لوموا الكُتَّاب إن شئتم في هذه الفصول وأعرضوا عن قراءتها إن أحببتم، وتعزَّوْا عنها بهذه الكتب القيِّمة التي تُقدَّم إليكم من حين إلى حين. ولكنَّ الأمر أعسر من هذا كله وأشد حرجًا؛ فمن للكُتَّاب بالوقت الذي يفكرون فيه؟! ومن لهم بالقوة التي ينفقونها في الدرس؟! ومن لهم بالجهد الذي ينفقونه في الإنشاء؟! ومن لهم بفراغ البال الذي يستعينون به على الإجادة؟! من لهم بهذا كله والمطبعة من ورائهم تلهبهم إلهابًا؛ ليقدموا لها من الفصول اليومية والأسبوعية والشهرية ما ينبغي أن يصدر في نظام ودقة واطراد؟! فالصحف المنتظمة المطردة لا تمنع الكُتَّاب من الإجادة فيما يكتبون لها فحسب، ولكنها تمنعهم من الإجادة فيما يكتبون لأنفسهم وللناس.

    أستغفر الله! بل هي تمنعهم الكتابة لأنفسهم وللناس. صدِّقْني أيها القارئ العزيز، إن الكُتَّاب الذين تضيق بهم وتقسو عليهم أبطالٌ في مصر حقًّا يحتملون من العناء ما لا تستطيع أنت أن تحتمل بعضه. وأي عناء يمكن أن يُقاس إلى هذا الحزن العميق الذي يجده الكاتب حين يخطر له الموضوع الطريف فيود لو يفرغ لدرسه والكتابة فيه، ثم يُصرَف عن ذلك أشد الصرف وأعنفه؛ لأنَّ المطبعة تريد منه الفصل الذي يجب أن يظهر في نظام واطراد.

    خطرت لي هذه الخواطر منذ ساعة حين فرغت من قراءة فصل في النوفيل ليترير حول تحقيق يشتغل به بعضُ الناس في فرنسا، وموضوعه هذه المسألة: «أيستطيع الكُتَّاب أن يكونوا صحفيين؟» وصاحب هذا الفصل يجيب: «نعم» في شيء من الاحتياط. أما أنا فأحب أن أعكس المسألة: «أيستطيع الصحفيون في مصر أن يكونوا كُتَّابًا؟» ففي مصر صحافيون، فأما الكُتَّاب بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة فأخشى أن أقول: إنهم سيُوجَدون أن شاء الله بعد زمن طويل أو قصير، ولكنهم سيُوجَدون.

  • الأدب العربي والتمثيل | Arabic Literature and the Theatre

    الأدب العربي والتمثيل
    طه حسين
    مجلة المصور
    ١ يونيو ١٩٣٤

    وسؤال آخر لا بد من إلقائه، ومن إطالة الوقوف عنده والتفكير فيه، وهو: ما بال أدبائنا لا يُعْنَوْنَ بفن التمثيل، ولا يُقبِلون عليه؟ وما بال الذين يُقبلون منهم على هذا الفن لا يُوفَّقون فيه إلى الإجادة، ولا يظفرون فيه بالإتقان؟

    فأمَّا أنَّ أدباءنا لا يُعنَون بالتمثيل ولا يُقبلون عليه فشيء واضح محقَّق ليس إلى الشَّكِّ فيه من سبيل. فأنت قادر إنْ شئت على أن تُحصي الأدباء المصريين الذين هَمُّوا بالإنتاج في فن التمثيل فلن تبلغ بهم خمسة، ولعلك لا تتجاوز بهم ثلاثة. وأمَّا أنَّهم حين أقبلوا على فن التمثيل لم يُوفَّقوا إلى الإجادة كلها، ولا إلى الإتقان كله، بحيث نستطيع أن نقول إنَّ فنَّ التمثيل لم يوجد بعدُ كما ينبغي في الأدب العربي؛ فذلك شيء لا يحتاج إثباته إلى مشقة ولا عناء. فحدِّثني عن القصة التمثيلية العربية الرائعة التي عرضت على النَّاس ففُتِنُوا بها وتهالكوا عليها وألَحُّوا في استمرار عرضها، وأَلَحُّوا كذلك في الاختلاف إليها، وآمنت عامتهم بأنَّها تجد فيها متاعًا ولذة، وآمنت خاصتهم بأنَّها تجد فيها كل ما ينبغي من الخصائص والشروط التي تجعل القصة التمثيلية قصةً تمثيلية حقًّا خليقة بالحياة وطول البقاء.

    وهنا لا تستطيع أن تنسى شوقي — رحمه الله — فقد أقبل على التمثيل في آخر أيامه، وفتح للشعراء بابًا لم يكونوا قد ولَجوه من قبلُ، وقدَّم إلى الملاعب طائفة من القصص التمثيلية الشعرية في موضوعات مختلفة، منها العربي، ومنها المصري الروماني، ومنها المصري الفارسي، ومنها غير ذلك من هذه القصص التي شهدها الناس وقرءوها وأُعجبوا بها حينًا ثم أعرضوا عنها إعراضًا، ومن الجحود والظلم أن يُنكَر فضل شوقي في هذا الباب؛ فليس قليلًا أن يُقدِم شاعر على ما لم يُقدِم عليه الشعراء من قبلُ، وأن يُوفَّق من الإجادة في ذلك إلى حَظٍّ لا بأس به، ولكن من الإسراف والظلم أيضًا أن يُقال إنَّ هذه القصص التمثيلية الشعرية التي أنشأها شوقي — رحمه الله — قد أرضت حاجة فن التمثيل، وقاربت مُثُلَه العليا، إنَّما كانت محاولة قيمة خصبة لا بأس بها، لولا أنَّ الشَّاعر أقبل عليها بعد أنْ أدركه الضعف، ونال منه الإعياء، وهذه أيضًا حَسنة من حسنات شوقي تثبت أنَّه لم يفتر ولم يكِلَّ عن الإنتاج، بل عن الإنتاج الشاقِّ العنيف إلى آخر لحظة من لحظات حياته، وإذا كانت هناك لائمة ينبغي أن تُساق إلى أحد فهي لا تساق إلى شوقي — رحمه الله — وإنما تُساق إلى غيره من الأدباء الذين كان لهم من القوة والنشاط وسعة الثقافة وعُمقها وتنوُّعها ما لم يكن لشوقي، والذين لم يُقبلوا مع ذلك على فَنِّ التمثيل قبل أن يُقبل عليه شوقي، ولم يُحاولوا العناية به بعد أن فتح لهم شوقي هذا الباب. ومهما يكن من شيء فقد كانت قصص شوقي غناءً شعريًّا جميلًا في أكثر الأحيان، ولكنَّها لم تكن تمثيلًا بالمعنى الفني الدقيق لهذه الكلمة.

    وكذلك لا تستطيع أن تبلغ هذه المنزلة من التفكير دون أن تذكر هاتين القصتين الرائعتين اللتين وضعهما توفيق الحكيم وأخرجهما للنَّاس في هذه الأشهر الأخيرة، وهما: «أهل الكهف» و«شهرزاد»، وقد بينت رأيي في الأولى، ولعلي أُبيِّن رأيي في الثانية قريبًا. وهما على كل حال من أجمل ما أخرج للنَّاس في هذا العصر الأدبي الحديث، ولكنهما قصتان تُقرآن فتُحدِثان في نفس القارئ فنونًا من اللذة والرضى، على أن يكون القارئ مثقَّفًا واسع الثقافة مستنيرًا عظيم الحظ من المحصول الأدبي والفني. فإذا قُدِّمَتا إلى الملعب وعُرِضَتا على النظارة فلست أدري كيف يكون حالهما، ولا إلى أي مصير تنتهيان. ومصدر هذا ارتفاعهما عن جمهور النظارة من جهة، وتجاوُزُهما — أو تجاوُز إحداهما على الأقل؛ أهل الكهف — لبعض الحدود الفنية الدقيقة في التمثيل.

    وإذن فلم توجد القصة التمثيلية التي إذا قُدِّمت إلى الملعب، وعُرِضَتْ على النظارة أرضت حاجة الأدب والملعب، وحققت وجود التمثيل في الأدب العربي الحديث؛ وإذن فقد يكون من الخير أن نتبيَّن السبب الذي حال بين الأدب العربي الحديث وبين الظفر بفن التمثيل.

    ولا تقل إنَّ هذا السبب قصور في اللغة العربية عن احتمال هذا الفن وتأدية رسالته إلى الناس كما يقولون، فهذا كلام لا يُغني. وما دامت اللغة العربية قد وسِعت ما تُرجم إليها من التمثيل الأجنبي، وما دام الشعر العربي قد وسِع ما حاول شوقي أن يحمله من التمثيل، وما دام النثر العربي قد وسِع ما أراد توفيق الحكيم أن يحمله من التمثيل؛ فمِنَ السُّخف أن تُتَّهم اللغة العربية بالعجز أو القصور أو الضيق عن احتمال هذا الفن.

    ومن المحقق أنَّ أممًا أخرى لم يكُن لها عهد بالتمثيل، ولكنَّها رأت اليونان يُمثِّلون فحاولت تقليدهم فوُفِّقَت، وجعلت التمثيل فنًّا من فنونها، وبرعت فيه إلى حدٍّ بعيد. فليكن أمرنا كأمر هذه الأمم نحاول التمثيل مُقلِّدين، ثم لا نلبث أن نثبت شخصيتنا المبتكرة فيه.

    ولا تقل إنَّ هذا السبب قصور في الطبيعة المصرية نفسها عن احتمال أثقال التمثيل؛ فالمصريون معروفون بأنَّهم أبرع النَّاس فيما تحتاج إليه إجادة التمثيل من التقليد والمحاكاة، ومن الحركات التي تختلف خِفَّةً وعنقًا، ومن إظهار العواطف الخفية، وإخفاء العواطف الظاهرة. والمصري في الشارع ممثِّل دائمًا حين يختصم وحين يلهو، وحين يحاور وحين يشتري أو يبيع، ولعل أوَّل أثر تتركه شوارع القاهرة والإسكندرية في نفس الأوروبيين هو أنَّ المصري ممثِّل بالطبع، وما لنا نذهب بعيدًا وقد أردنا تقليد الأوروبيين في حياتنا العامة كلها فلم نجِد في ذلك مشقَّة ولا جهد حتى خدعنا الأوروبيين عن أنفسهم وعن أنفسنا، وأقنعنا كثيرًا منهم، وخيَّلنا إليهم كلهم أننا قد أصبحنا مثلهم في كل شيء.

    نحن إذن ممثِّلون بالطبع، وممثلون بارعون، ولغتنا قادرة على احتمال أعباء التمثيل، والنهوض بأثقاله، والنفاذ إلى أسراره ودقائقه. فما الذي يحول بين أدبائنا وبين العناية بالتمثيل؟ وما الذي يمنعهم من الإجادة فيه إن حاولوه؟ شيئان لا ثالث لهما فيما أظن، شيئان ستجدهما دائمًا كلما التمست الأسباب لمظهر من مظاهر الضعف في حياتنا الأدبية والفنية، وهما: ضآلة حظِّنا من الثقافة، وضآلة حظنا من الحرية. فنحن قادرون على التقليد بارعون فيه، ولكن يجب أن نعرف ما ينبغي أن نقلِّد، يجب أن ندرس فنَّ التمثيل كما عرفتْه الأمم الأخرى في عصورها القديمة والحديثة. يجب أن نتقن هذا الفن، ونحسن العلم بأسراره وأطواره وفنونه المختلفة. يجب أن تدرَّس لنا آيات التمثيل دراسة واسعة عميقة دقيقة تُظهرنا على ما فيه من الجمال، وتُحبِّب إلينا هذا الجمال، وتدفعنا إلى تقليده ومحاكاته، ونقل روائعه إلى لغتنا العربية، فأين يُدرَّس التمثيل في مصر؟ وأين تُدَرَّس الآداب التمثيلية في مصر؟ وأين الأديب الذي يستطيع أن يقول إنه قد ظفر بثقافة أدبية تمثيلية واسعة حقًّا؟ ثم أين النظارة التي تُلِمُّ بما ينبغي أن يُلِمَّ به المثقَّف العادي من أمور التمثيل؟ ونحن قادرون على التقليد بارعون فيه، ولكن على أن يباح لنا التقليد فيما لا حظر منه على القانون أو النظام الاجتماعي، فهل يستمتع أدباؤنا بهذه الحرية الأدبية الفنية التي تبيح لهم أن يعرضوا لما يشاءون من الموضوعات، ينشِئون فيه القصص التمثيلية ويقدمونها إلى الملعب وقد تناولوا فيها ما أرادوا من فنون الحياة العامة والخاصة بالنقد والتحليل؟ كلا. ليس لأدبائنا هذا الحظ من الحرية، وإنما هم مقيَّدون بقيود وأغلال ثقال، منها المراقبة الرسمية التي لا تُبيحُ من ذلك إلا ما يرضيها هي، ومنها المراقبة الشعبية التي لا تُبيح من ذلك إلا ما يُرضي ذوقها الخاص، ومنها ألوان أخرى من المراقبة من الخير ألَّا نعرض لها الآن. وما أحسب الناس إلا يعرفونها حَقَّ المعرفة، وإذا حُرِمْنَا الثقافة الواسعة والحرية الواسعة، فليس الغريب أننا لا نُعنى بالتمثيل، وأننا لا ننتج فيه، وإنَّما الغريب أن نُعنَى به مثل ما عُنِينَا به إلى الآن، وأن ننتج فيه مثل ما أنتجنا إلى الآن.

    ستقول: ومن الملوم على حرمان المصريين ما ينبغي لهم في الفن والأدب من الثقافة والحرية؟

    والجواب يسير؛ فليس هناك اثنان ملومان، وإنَّما هناك مقصِّر واحد ومَلُوم واحد وهو الدولة؛ لأنَّ الدولة في مصر قد استأثرت إنْ خطأً أو صوابًا بالثقافة والحرية توزعهما على النَّاس متى شاءت وكيف شاءت، وبالمقدار الذي يرضيها، فإذا شكا المصريون من أنَّ حظَّهم من الثقافة ضئيل فهم إنَّما يشكُون بخل الدولة عليهم بحقهم من الثقافة، وإذا شكا المصريون من أنَّ حظهم من الحرية ضئيل فهم إنَّما يشكُون بُخل الدولة عليهم بالحرية، وقد أراد الله ألَّا يأخذ المصريون حاجتهم من الدولة قسرًا، وإنَّما يتقاضونها ما يريدون بالطلب والإلحاح والغُلُوِّ في الإلحاح، فتُعطي حينًا وتمنع أحيانًا. ومهما يكن من شيء فإنَّ نشأة التمثيل — وأريد التمثيل الصحيح الذي يستحق هذا الاسم — نشأة التمثيل في الأدب العربي الحديث ضرورة من ضرورات الحياة المصرية الحديثة؛ لأنَّ المصريين — مع الأسف أو مع السرور — قد أصبحوا شعبًا لا يقنع بالحياة المادية والترف المادي، وإنَّما يُريدون حياة عقلية وترفًا عقليًّا. والتمثيل من مقومات الحياة العقلية والترف العقلي، فليس للمصريين منه بُدٌّ، وليس للمصريين سبيل إليه إلا أن يظفروا بحقهم من الثقافة الواسعة والحرية الواسعة، فلينظر المصريون كيف يظفرون منهما بما يريدون.

  • رمز وتصريح | Symbol and Declaration

    رمز وتصريح
    طه حسين
    المجلة الجديدة
    يناير ١٩٣٠

    مسألة أعرض لها اليوم لأتم تلك الملاحظات التي أشرت إليها في الفصل الماضي حين تحدثت عن الذوق؛ فللصلة بين الأدباء وقرائهم وجوه مختلفة كلها تصلح مقياسًا للذوق الذي يُمكِّن الأدباء من أن يُنتجوا، والقُرَّاء من أن يَحكُموا، ويصور إنتاج أولئك وحكم هؤلاء في صور تختلف باختلاف الأفراد والبيئات، والظروف العامة والخاصة.

    وقد رأينا الناس يختلفون في عصور كثيرة في أي الأدبين أرقى، وأحب إلى النفس، وأبلغ في تمثيل عواطفها وأهوائها وميولها، الأدب الذي يعتمد على التصريح الجلي، والبيان الواضح، الذي لا تتكلف النفس مشقة في فهمه والوقوف على أغراضه ومراميه، أم الرمز والإيماء الذي لا يفهمه إلا الراسخون في العلم، ولا يدرك أغراضه ولا ينتهي إلى غايته إلا الذين لهم من رقي النفس وسموها، ومن دقة الحس ونفاذ البصيرة ما يمكنهم من استكشاف الأسرار، واختراق الحجب، وحل الألغاز؟

    ويشتد الخلاف بين الناس ويعظم خطره، ويبعد أثره في حياة الأدباء والقُرَّاء، حين يتناول طائفة من الموضوعات تقضي الأخلاق وظروف الحياة الاجتماعية المعتدلة ألا تمس إلا برفق، وألا يعرض لها الكُتَّاب والشعراء إلا في شيء من التلطف والحيلة؛ كالغزل، ووصف الصلات الجنسية، ووصف أشياء نكره أن نراها، فلا نحب أن يتحدث عنها الأدباء إلا رمزًا، ولا أن يصفوها إلا إيماء. والناس يذكرون مناظرة كانت منذ حين بين الأستاذين توفيق دياب وسلامة موسى، فيما كانا يُسمِّيانه يومئذ الأدب المستور والأدب المكشوف، وكان لكل من الأديبين مذهبه في الفهم، وطريقته في البحث والاستدلال. وانقسم الناس معهما يومئذٍ؛ فمنهم من آثر الأدب المستور، ومنهم من آثر الأدب المكشوف.

    وكنت أرى يومئذ ما أراه الآن من أن الأديبين إنما كانا يختصمان في غير موضع للخصام، ويسيران في سبيل غير منتجة؛ فأما أحدهما فكان ينظر إلى الأخلاق والعرف وحاجة النشء إلى المُثل العليا، وأما الآخر فكان ينظر إلى الحق والصدق، وحاجة الناس إلى الصراحة، وسوء أثر النفاق في التربية وغيرها من مظاهر الحياة الاجتماعية، وكلاهما كان يصدر في تفكيره وحكمه عن فكرة أراها قابلة للبحث، ولعلي لا أغلو إن رأيتها موضعًا للشك، وهي: أن الأديب متعمد حين ينتج آثاره الأدبية أن يمضي إلى الشمال، ولو أراد لمضى إلى الجنوب، مُخيَّر فيما يكتب، مُخيَّر فيما يقول، يصوغ صوره الأديبة صوغًا كما يصوغ الصانع آثاره الصناعية عن روية وتفكير وحرية تامة.

    وربما كان الأديب أشد حرية من الصانع الذي يجب أن يخضع لقوانين الصنعة ولا يجدد فيها إلا بمقدار، على حين نرى الأديب حرًّا مطلق الحرية لا تقيده إلا إرادته وهواه. عن هذه الفكرة كان يصدر المتناظران فيما يظهر، وإذن فكان أحدهما يطلب إلى الأديب أن يراعي الأخلاق والحياء والعرف والمُثل العليا، وكان الآخر يطلب إلى الأديب أن يراعي الحق والصدق والصراحة ويتجنب النفاق.

    ولكن الأمر الذي أهمله الأديبان — ويهمله الناس عادة إذا تحدثوا عن الأدب أو تمادوا فيه — هو أن حرية الأديب في الإنتاج الأدبي، وفي تصوير آثاره في صورة فنية ما، ليست من السعة والإطلاق بحيث يظنون، وإنما ضيقة ضيقًا شديدًا، مقيدة بطائفة من القيود، منها القوي الذي لا سبيل إلى التحلل منه، ومنها الضعيف الذي قد يستطيع الأديب تحطيمه من حين إلى حين.

    فالأديب مقيد بطبعه ومزاجه، فكما أنه لا يستطيع أن يغير لونه، ولا أن يغير خلقه المادي، فهو كذلك لا يستطيع أن يغير مزاجه العام، وإذن من العسير عليه — إن لم يكن من المستحيل — أن يضطر هذا المزاج إلى أن ينتج من الآثار الفنية ما لا يلائم طبعه وفطرته، وهو مقيد بالبيئة التي يعيش فيها، والجمهور الذي يتحدث إليه، والإقليم الذي يخضع لجوه وهوائه ومؤثراته الكثيرة المختلفة، ثم هو بعد هذا أو ذاك مقيد باللغة التي هي مادة فنِّه، ومقيد بقوانين الفن نفسها.

    وهو يستطيع طبعًا أن يحطم بعض هذه القيود من حين إلى حين، فتطغى قدرته الفنية على اللغة أحيانًا، وعلى القوانين الفنية أحيانًا أخرى؛ فيكون مجددًا من بعض الوجوه، وقد يستطيع أن يثور بما قامت عليه البيئة من نظم وأصول فيجدد، ولكن هذا الطغيان وهذه الثورة محدودان، مهما يكن حظ الأديب من القوة والبأس والنبوغ، وإذا لم يكن الأديب حرًّا في إنتاجه الأدبي، ولم يكن الذي يستحق هذا الاسم متأثرًا فيما يكتب برضا الناس وإعجابهم، كما يتأثر بشخصيته وطبعه ومزاجه، فمن الإسراف أن يطلب إليه قُرَّاؤه أن يسلك سبيلًا بعينها، ويعدل عن سبيل أخرى؛ ذلك لأنه لم يسلك السبيل التي اختارها — أو بعبارة أدق التي سلكها — إلا لأنه لم يستطع أن يسلك سبيلًا غيرها.

    فالأديب الواحد لا يستطيع أن يبرع في إنتاج الأدب المستور والأدب المكشوف معًا، وإنما هو في هذا الأدب أو ذاك؛ لأن طبيعته وما يحيط به من الظروف العامة والخاصة يضطرانه إلى هذا الأدب أو ذاك. والواقع أننا نرى في الآداب المختلفة عصورًا يتسلط فيها الأدب المستور على الأدباء، فإذا هم يجيدونه ويبرعون فيه، وأخرى يتسلط فيها الأدب المكشوف عليهم، فإذا هم يتقنونه ويتفوقون فيه.

    وإذا بحثنا عن هذه العصور والتمسنا الأسباب التي تضطر الأدباء إلى هذا النوع من الأدب أو إلى ذاك؛ فسنلاحظ أن هذه الأسباب ترجع في أكثر الأوقات إلى البيئة، وإلى الجماعة المحيطة بالأديب أكثر مما ترجع إلى الأديب نفسه، ونلاحظ أن الأدب المستور — ما دام لا بد من التعبير بهذه الألفاظ — إنما يتسلط على الأدباء والقُرَّاء حين تحيا الجماعات حياة هادئة معتدلة، معتمدة على نظام اجتماعي ثابت، ونظام سياسي مستقر، فإذا اضطرب النظام الاجتماعي، أو تعرض النظام السياسي للقلق والفساد؛ أخذ سلطان الأدب المكشوف يظهر وينبسط شيئًا فشيئًا حتى يكون له الغلب، ولكنه غلب مؤقت لا يستمر إلا ريثما يعود النظام الاجتماعي والسياسي إلى الثبات والاستقرار.

    وأنت ترى ذلك واضحًا جليًّا في حياتنا الأدبية العربية، فقد كان الأدب المستور متسلطًا على العرب في جميع أنحاء الحياة الأدبية إلا الهجاء، حتى كان العصر العباسي، فاضطرب النظام الاجتماعي والسياسي، ورغب غير العرب في التمتع بما كان للعرب من حقوق اجتماعية وسياسية، وتغير النظام السياسي نفسه، فسقطت دولة وقامت مكانها دولة أخرى، وانهار نظام من نظم الحكم، وقام مكانه نظام آخر، ونتج عن هذا كله أن طغى في النفوس ميلها إلى الحرية مع حرصها على النظام والاعتدال.

    وفي هذا العصر نفسه ظهر الأدب المكشوف في العراء ظهورًا فاحشًا؛ لأنه كان يترجم عن حياة مكشوفة، فلما كان القرن الثالث، واستقر النظام الاجتماعي الجديد، وثبت النظام السياسي الجديد، احتشم الناس في حياتهم، واحتشم الأدب نفسه، وقلد الناس أبا نواس وأصحابه في الشكل والأسلوب أكثر مما قلدوه في المعنى والموضوع.

    وكانت حياتنا نحن هادئة مطمئنة متأثرة بنظم اجتماعية وسياسية ثابتة مستقرة، فكان أدبنا مستورًا معتدلًا، ثم اضطربت نظمنا السياسية والاجتماعية، وطمعنا في ضروب من الحرية مختلفة: حرية الرأي، وحرية العمل، وحرية السياسة، وتبع ذلك أن طمعنا في حرية القول، فتحلل أدبنا من قيودها بعض الشيء، وظهر ميلنا إلى الأدب المكشوف.

    فالأديب إذن متأثر بالذوق العام حين ينتج أدبًا مستورًا أو أدبًا مكشوفًا، ومهما تدرس من آداب الأمم الأخرى فسترى نفس هذه الظواهر: تضطربُ النُّظم فيظهر الأدب المكشوف، وتستقرُّ فيتسلَّط الأدب المستور.

    على أن هناك ظاهرة أخرى أحب أن أشير إليها في هذا الفصل إشارة موجزة جدًّا، وأرجو أن أُوفَّق في يوم من الأيام إلى درسها مع شيء من التوسع، وهي أن هناك أدبًا رمزيًّا يظهر في بعض العصور، فيسيطر على الحياة الأدبية كلها، وهو يتخذ الرمز والإيماء طريقة أساسية للتعبير، ويعدل عن المألوف من الأدب الواضح الجلي مهما يكن موضوع هذا الأدب.

    وهذه الظاهرة تتجاوز الأدب إلى غيره من الفنون الجميلة كلها؛ فيصبح فن المصور والمثال والموسيقي والمغني رموزًا وإشارات تسلك بها سبلًا غير السبل المألوفة، يريد بها أصحابها أشياء لم يكونوا يريدونها في العصور المعتدلة الطبيعية، وتختلف حظوظ الناس من فهمها وتذوقها بمقدار ما تختلف حظوظهم من ذكاء القلب، ونفاذ البصيرة، ومن الميل إلى الترف المادي والمعنوي.

    وأكثر ما تكون هذه العصور حين تضطرب النظم الاجتماعية والسياسية، فتثور بالدين والأخلاق وغيرها مما تقوم عليه حياة الجماعات، ويكثر الاضطراب ويشتد ويطول زمنه، ثم لا يؤتي ثمره الذي كان منتظرًا، فيستيئس الناس من الثورة ونتائجها، ولكنهم في الوقت نفسه يكرهون أو يستحيون أن ينكروا أنفسهم، ويعودوا إلى النظم القديمة التي هدموها؛ فهم لا يريدون العودة إلى القديم، وهم يكرهون الاضطراب ولا ينتظرون منه خيرًا، وهم يلتمسون حياة جديدة — غير القديم وغير الاضطراب — دون أن يظفروا بهذه الحياة الجديدة التي يلتمسونها.

    هنا يضطر الفن والأدب إلى الرمز والإشارة والإيماء، والألغاز أحيانًا؛ ذلك أن نزعة دينية جديدة غير واضحة ولا جلية تتسلط على الناس، وتأخذ شكلًا إن لم يكن صوفيًّا فهو قريب جدًّا من الصوفية. في هذا الشكل تظهر لأصحاب الفنون الجميلة مطامع يحسونها، وتملأ نفوسهم، ولكنهم لا يفهمونها في وضوح وجلاء، فلا يستطيعون أن يعبروا عنها في وضوح وجلاء، ولا يفهمها الناس عنهم على وجهها؛ لأن أصحابها أنفسهم لا يفهمونها، أو لا يكادون يفهمونها.

    وقد لوحظت هذه الظاهرة قوية جدًّا في فرنسا آخر القرن الماضي حين سئم الفرنسيون الثورة والاضطراب والخصومة، وكرهوا أو لم يستطيعوا أن يعودوا إلى قديمهم الذي كانوا يألفونه قبل الثورة، فظهرت لهم مثل عليا أحسوها وسَمَوا إليها، ولكنهم لم يتبينونها واضحة جلية، فأخذوا يعبرون عنها بالشعر والفن تعبيرات رمزية غامضة نقرؤها الآن فنفهم منها القليل النادر، ويفوتنا منها الشيء الكثير.

    هذه الظاهرة لوحظت قوية في فرنسا، ولعلها تلاحظ في جميع الآداب — مهما تختلف الأمم والبيئات — إذا مرت الجماعات بطور يشبه الطور الفرنسي الذي أشرت إليه آنفًا. وهل الأدب الصوفي إلا لون من ألوان هذه الظاهرة؟ وهل التصوف في حقيقة الأمر إلا إنكار للقديم، وهدم له، وطلب للجديد دون تَبيُّنه والقدرة على الظفر به؟

    هذه الظاهرة أحق عندي بالعناية والبحث من مسألة الأدب المستور والأدب المكشوف، ويمكن أن تدرس من وجوه عدة أحبُّها إليَّ هذه الناحية التي تمثل الصلة بين هؤلاء الأدباء والفنانين من جهة، وهؤلاء الناس الذين يستمتعون بآثارهم الفنية من جهة أخرى، أي الذوق الذي يصل بين المنتج والمستغل في الفن، كما يقول أصحاب الاقتصاد. ولعلي أُوفَّق إلى أن أعود إلى هذا الموضوع.