Taha Hussein – Journalist | طه حسين – صحفي

فساد

حديث المساء: فساد

طه حسين

كوكب الشرق

٣٠ ديسمبر ١٩٣٣

فسادٌ تضيق النفس بالتفكير فيه، وتتأذى الألسنة بالحديث عنه، وتشمئز الآذان من الاستماع إليه. لكني مع ذلك مضطر إلى أن أتحدث فيه إلى القراء وإلى أن أتحدث فيه بعد القراء أو قبلهم إلى رجلين مترفين لا يحبان الأحاديث التي تعافها النفوس، وتكرهها الألسنة، وتمقتها الأسماع. وهما الرجل الطيب رئيس الوزراء والرجل العظيم وزير المالية. فقد يكون من الخير ومن إيثار العافية أن ينأى الإنسان بنفسه عن الفساد، وأن ينفر من التفكير فيه والحديث عنه، والاستماع له، ولكن الذين يشغلون أنفسهم بالحياة العامة لا ينبغي لهم أن ينأوا عن ذكر الفساد الذي يمس أمور الناس ما داموا يرجون من ذكره إصلاحًا له ومحوًا لإثاره. وإني لأكره هذه الأحاديث التي لا يُذكر فيها إلا العبث بأموال الدولة والإهدار لمرافق الناس والتضييع لحقوقهم، ولكني مع ذلك مضطر إلى أن ألم بهذه الأحاديث من حين إلى حين، لعل الله أن يعطف قلوب سادتنا الذين يقدرون على الإصلاح، فيرفقوا بهذا الشعب ويردوا عنه، ولو قليلًا، مما يلم به ويلح عليه من السيئات والآثام. ومن المحقق أن الوزراء لم يتولوا مناصبهم ليسمعوا ثناءًا خالصًا متصلًا، وتقريظًا عذبًا غير مقطوع، ولا ليختلفوا إلى مكاتبهم يأمرون وينهون، ويتلقون طاعة المطيع وإذعان المذعن، وإنما تولوا مناصبهم ليشرفوا على أمور الشعب بالعدل والقسط، وليقوِّموا المعوج ويعاقبوا المسيء، فهم بذلك خليقون ألا يعافوا الفساد إذاعرضت عليهم صوره أو ألقيت إليهم أحاديثه، بل هم خليقون أن يهاجموا هذا الفساد ويصارعوه لعلهم أن يصرعوه ويكشفوا ضره عن الناس.

والفساد الذي أريد أن أتحدث عنه اليوم إلى وزير المالية وإلى رئيس الوزراء عظيم محرج حقًّا؛ لأنه متردد بين الصدق والكذب، وهو فساد على كل حال، إن صدق كان فسادًا عظيمًا يدل على أن أمور الدولة وأدوات الحكم لم تبق معرضة للخطر فحسب، وإنما هي غارقة في الخطر، قد أخذها الشر من جميع نواحيها. وإن لم يصدق كان دليلًا على أن الأخلاق في بعض البيئات الحكومية، قد انتهت إلى أقصى ما يمكن أن تنتهي إليه من النكر والسوء. رجل كتب إليَّ — وأمثاله كثيرون يكتبون إليَّ — بغير إمضاء منذ أيام يقص عليَّ أخبارًا تتصل بمصلحة من مصالح الحكومة، من هذه المصالح التي تتشرف برياسة الرجل العظيم وزير المالية، وزعم لي هذا الكاتب أن أخباره صحيحة لا غبار عليها، ولا شك فيها، وفي هذه الأخبار اتهام لبعض الموظفين باستغلال مناصبهم للاستفادة مما تحت أيديهم من حقوق الدولة والناس. أرض تشترى بغير حق وبأثمان بخسة زهيدة لا قيمة لها، وتستصلح بغير حق وتستصلح على حساب الدولة. وتعاون بين بعض الموظفين على مثل هذه الآثام، كل يخدم صاحبه ويحسن إليه، وكل يسيء بهذا الإحسان إلى الحكومة وإلى الأمة وإلى أخلاقه بنوع خاص، وواضح جدًّا أن مثل هذه الكتب المهملة التي لا يستطيع أصحابها أن يمضوها ولا أن يحتملوا تبعة ما فيها من الأخبار، خليقة ألا يقف عندها الصحفي ولا يحفل بما فيها، فضلًا عن أن ينقله إلى قرائه. ولكن هذه الأخبار التي كانت تصل إليَّ في كتب مهملة غير ممضاة كانت تذاع في صحف أخرى مطابقة أو مقاربة لما في هذه الكتب، وكانت توجه فيها الأسئلة إلى الوزراء، وكان الناس يتحدثون فيها ويكثرون الحديث. وكنت أنا مع ذلك أهملها وآمر بتمزيقها أو تحريقها. فلما كان أمس وصل إليَّ كتاب من هذه الكتب يزعم صاحبه أنه كتبه إليَّ يوضح فيه ما كتب إليَّ من أسبوعين، أو منذ عشرة أيام، ثم مضى يذكر موظفًا من الموظفين، ويضيف إليه أمورًا أقل ما توصف به أنها جنايات على حقوق الدولة وعلى حقوق الناس، وأنها مفسدة للأخلاق، لا لأخلاق الذي يقترفها وحده، بل لأخلاق الذين يعينونه عليها، ويشاركونه فيها، بل لأخلاق الذين يحيطون بهذا الموظف، ويتصلون به، ويعملون معه من قريب أو بعيد، إن كان ما يضاف إليه من الآثام صحيحًا، والكاتب يفصل هذه الآثام تفصيلًا ويتحدث عنها حديث العالم بها، المطلع على أسرارها ودقائقها الذي كأنه يراها كل يوم، فيضيق بما يرى منها، ويود لو استطاع أن يمحوها محوًا ويأخذ من يقترفونها بأشد العقاب. يذكر موظفًا اشترى أرضًا بغير حق، وبثمن بخس، وكان بعض هذه الأرض قد طال إهماله؛ لأنه موضوع خلاف بين الحكومة وبعض الأفراد. فلما اشتراه هذا الموظف، إن كان قد اشتراه، أمر فأصلح له على حساب الدولة، وبأموال الدولة وأدواتها، بل زرع له على حساب الدولة فيما يقول هذا الكاتب المجهول. والكاتب يذكر فنًّا غريبًا من فنون الفساد، فهو يزعم أن هذا الموظف — إن كان موجودًا — كان يمتحن العمال ليتبين أنهم لن يدلوا عليه، ولن يتحدثوا بما يعملون له إن سألهم عن ذلك سائل. والكاتب يزعم أن هذا الموظف — إن كان موجودًا — قد قضى أشهر الصيف أو بعض أشهر الصيف على ساحل البحر في ناحية من نواحي الدلتا تظله خيام الدولة، وتظل معه أسرته، تخدمه خدم الدولة، وتخدم معه أسرته. وكان هذا الموظف — إن صح ما يقول الكاتب المجهول، وأرجو أن لا يكون صحيحًا — يلم بالقاهرة في الشهر يومًا أو يومين يأتي ويعود في سيارة من سيارات الدولة، ثم لا يمنعه ذلك — إن صح ما يقوله الكاتب المجهول، وأنا أرجو دائمًا أن لا يكون صحيحًا — من أن يأذن لنفسه بنفسه في قبض بدل السفر وأجر السفر كأنه إنما سافر لمصلحة من مصالح الدولة وكأنه إنما أقام هذه الأيام الطوال لعمل من أعمال الدولة.

والكاتب المجهول لا يقف عند هذا الحد، بل يذكر موظفًا آخر كبيرًا يسميه باسمه، كما سمى ذلك الموظف باسمه، ويضيف إليه أمورًا ليست أقل خطرًا مما أضاف إلى صاحبه، ويزعم — وأرجو أن لا يكون صادقًا — أن هذين الموظفين قد تعاونا، ولكن لا على البر والتقوى، بل على الإثم والعدوان، والكاتب المجهول يطلب أن تتخذ هذه الحوادث التي يرويها موضوعًا لحملة قوية يُحارب بها هذا الفساد، ويُحارب بها المفسدون، وهو يرى أن الوزارة لو ألَّفت لجنة للتحقيق فإن هذه اللجنة لن تجد مشقة ما في الكشف عن حقائق هذا الشر وآثاره بشرط أن يوقف عن العمل جماعة من الموظفين الذين اشتركوا في هذه الأثام واحتملوا الكثير من أوزارها.

وكأن هذا الكاتب المجهول قد أحس أني لا أستطيع أن أعنى بكلامه ما دمت لا أعرفه وما دام لا يسمي نفسه ولا يظهر استعدادًا لاحتمال ما في قوله من التبعات، فهو يطلب إليَّ في آخر الكتاب أن أحول رسالته إلى وزارة المالية إن رأيت منفعة في ذلك؛ ليقرأها الوزير وليرى فيها رأيه، وأنا مستجيب لدعائه ومرسل رسالته اليوم إلى وزير المالية؛ ليقرأها وليرى فيها رأيه، وأنا أعتقد أن كثيرًا من أمثال هذه الرسالة يصل إلى وزير المالية، وإلى غيره من الوزراء، وإلى كثير من كبار الموظفين. ولكن الذي يعنيني والذي كتبت من أجله هذا الفصل هو ما أشرت إليه آنفًا من أن مثل هذه الأخبار التي يكتبها المجهولون لا تخلو من إحدى اثنتين، فإما أن تكون صحيحة، وإذن فأمور الدولة قد وصلت من الفساد إلى حد بعيد، وإما أن تكون مكذوبة، وإذن فأخلاق فريق من الموظفين قد وصلت من الفساد إلى حد بعيد، فأمر هذه الأخبار التي يكتبها المجهولون فساد كله، فساد في حال الصدق، فساد في حال الكذب، وهذا الفساد نفسه هو الذي ينبغي أن نفكر فيه، فلو أن أمور الحكم عندنا مستقيمة معتدلة، قائمة على الصراحة والصدق والإخلاص، لما اقتُرفت مثل هذه الآثام، إن كانت قد اقترفت، ولما وجد بين الموظفين من يسعى بالكذب ويعيش للوشاية، ويتخذ النميمة أسلوبًا من أساليب الانتقام وضربًا من ضروب الكيد، ولو أن أمور الحكم عندنا مستقيمة معتدلة قائمة على الصراحة والصدق والإخلاص لما أمن موظف آثم من العقاب، إن وجد هذا الموظف الآثم، ولما خفي على الحكومة أولئك الذين يسعون بالناس، ويقولون فيهم غير الحق، ويسيئون بالسعاية والوشاية إلى بلادهم وإلى أنفسهم في غير حذر ولا احتياط. ولكن أمور الحكم عندنا مضطربة أشد الاضطراب ملتوية أشد الالتواء. الوزراء مشغولون بالسياسة وبالسياسة الحزبية التي لا خطر لها، ولا نفع فيها، والبرلمان مشغول مع الوزراء بالسياسة وبالسياسة التي يشتغل بها الوزراء، وأمور الحكم متروكة للموظفين يصرفونها كما يريدون أو كما يستطيعون، لا يخضعون في ذلك لمراقبة قوية دقيقة تضطرهم إلى الدقة والحذر والاحتياط، والمصريون يشقون بهذا ويجنون ثماره المرة في كل يوم، والأجانب ينظرون ويسخرون، والإنجليز يرون وينتظرون اليوم الذي يعلنون فيه أنهم قد تركوا للمصريين أمورهم فلم يحسنوا القيام عليها، فلا بد لهم من الرجوع إلى الاستئثار بهذه الأمور.

أليس رئيس الوزراء ووزير المالية وزملاؤهما يرون معنا أن هذه الحال أشد خطرًا وأبعد في حياتنا أثرًا، وأحق بعنايتهم وبعناية البرلمان من إبعاد صدقي باشا عن السياسة، ومن نصب الحرب لنقابة المحامين؟

Share:

Comments

Leave a Reply